وضع داكن
15-04-2024
Logo
الدرس : 02 - سورة يونس - تفسير الآيات 2 – 4 بطولة الإنسان أن يكون مؤمناً لأن الله سيحاسب كل إنسان على عمله
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

 الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.


  تذكير بما سبق :

بدأنا في الدرس الماضي تفسير سورة يونس ، وقلنا في قوله تعالى : ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾ أي كيف يعجب الناس أن يرسل الله سبحانه وتعالى رسولاً يبين لعباده طريق سعادتهم ، من عَجِب هذا العجب فكأنه ينكر رحمة الله سبحانه وتعالى ، مَن عجب ذلك العجب فكأنما ينكر أن لخلق الله سبحانه وتعالى هدفاً سامياً ، خلق الخلق ليسعدهم ، خلقهم ليعرفوه ، خلقهم ليتجلَّى عليهم ، خلقهم ليسعدوا سعادةً أبدية ، فإذا تاهوا عنها ، وحادوا عنها ، لابدَّ من أن يرسل إليهم رسولاً ، أيعجبون ؟! أما أن يكون الرسول ملكاً فهذا شيءٌ غير واقعي ، لا يستجيب له أحد ، لا يصدقه أحد ، لا يأخذ بكلامه أحد ، لأن الحجة الكبرى أنت ملك ونحن بشر ، الذي تقوله لا نستطيع تطبيقه لأنك لست مثلنا ، لكن الله سبحانه وتعالى أرسل رسولاً منهم ، رجلاً منهم ، ولو كان هذا الرجل من غير قبيلتهم ، من بلدٍ بعيد لشكوا به ، وظنوا فيه الظنون ، رجلٌ نشأ بين أظهرهم يعرفون صدقه ، ونسبه ، وأمانته ، وعفافه ، ويعرفون طهارته ، وهو إنسانٌ يحس بما يحسون ، ويغضب لما يغضبون ، يدعوهم لعبادة الله سبحانه وتعالى ، أتعجبون ؟!  

 

في القرآن الكريم إنذار وبشارة :


﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾ أي أن هذا الكتاب فيه إنذارٌ وفيه بشارة ، إنذارٌ للضال بأنه سيدفع ثمن ضلاله كبيراً ، إنذارٌ للعاصي بأنه سيدفع ثمن معصيته غالياً ، إنذارٌ للبعيد عن الله عزَّ وجل بأنه سيشقى في الدنيا والآخرة ، وهذا إنذار من عند الله .

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87)﴾

[ سورة النساء ]

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾

[ سورة التوبة ]

الرحيم ، العليم ، الغني ، القدير يقول لك : انتبه وراءك يومٌ عسير . 

﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)﴾

[ سورة المدثر ]

 ساعة اللقاء ، ساعة نهاية الحياة ، ساعة كشف الغطاء ، ساعة رؤية الحقيقة . 

﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15)﴾

[ سورة المدثر ]

 

من علامات العقل الاستجابة للقرآن في دعوته للحياة الحقيقية :


﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ﴾ إن من علامات العقل الاستجابة لكلام الله .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)﴾

[ سورة الأنفال ]

أنت الآن مدعوٌ للحياة ، قد تقول : ألست حياً ؟ نقول لك : لا ، جسمك حي ، حياتك حياة جَسَد ، حياة دمٍ ولحم ، حياة شرايين وأوردة ، لكن القلب له حياة ، حياته بمعرفة الله سبحانه وتعالى ، حياته بالإقبال عليه ، حياته بالاستنارة بنوره ، حياته بالتقرُّب إليه ، حياته بالاستهداء بهديه ، حياته بالالتجاء إليه ، حياته بالاعتصام بكتابه ، هذه الحياة ، لذلك ربنا عزَّ وجل قال : 

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) ﴾

[  سورة النحل  ]

ميت ، قد يكون في أوج حياته وهو ميت ، قد تنبض شرايينه حيويةً ونشاطاً وهو ميت ، والموت موتان ، موت الجسد وموت النفس ، فالله سبحانه وتعالى يدعونا لما يحيينا ، أي هذا الأمر مهم جداً ، هذا الأمر لو أخذتموه مأخذ الجِد لما نمتم الليل  

ويقول عليه الصلاة والسلام ، وهذا مقصد الشاهد :

(( إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ ))

[ أخرجه التزمذي بسند حسن ]

أي إذا أمر خطير جداً ، إذا إنسان عنده امتحان للصف الأخير ، صف التخرج ، وهو معلّق على تخرجه آمالاً كبيرة ، وهو يمشي في الطريق ماذا يرى ؟ أنا أقول : لا يرى شيئاً ، لشدة اهتمامه بالامتحان لا يرى شيئاً ، فلان رآه ، علان ، الطريق الفلاني ، الواجهة الفلانية ، المحل الفلاني ، لا يرى شيئاً ، في شغلٍ عما حوله ، ولو عرف الإنسان ربه حق المعرفة لكان في شغلٍ عما سوى الله .

 

محاسبة الله عز وجل لكل إنسان :


 لذلك :

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ. ))

[  رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَسَنٌ ]

مشغول ، له هدف كبير ، فرصةٌ قصيرٌة بسعادةٍ أبدية ، كل دقيقة محاسبٌ عليها ، حتى أهل الجنة لا يندمون دخلوا الجنة وسعدوا بها إلا على شيءٍ واحد ؛ على ساعةٍ مرت لم يذكروا الله فيها . 

الأمر خطير ، هذا الكلام كلام الله سبحانه وتعالى ، إلهٌ ينذر ، ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)﴾

[ سورة البقرة  ]

 من منا يقبل أن يُعْطَى مالاً وفيراً ليتمتع به سنتين أو ثلاثاً أو خمساً ، كيفما شاء ، في أي بلدٍ شاء ، في أي فندقٍ شاء ، في أي مقصفٍ شاء ، في أي طريقةٍ شاء ، ثم يعذَّب عذاباً أليماً لم يعذب مثله أحد ، لأسبوعٍ واحد لا يرضى ، ليومٍ واحد لا يرضى ، لساعةٍ واحدة لا يرضى ، فكيف ترضى أن تعيش حياةً قصيرة وراءها عذابٌ أبدي ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾ الله سبحانه وتعالى ينذر الناس ، نحن في دار عمل ، اعملوا ما شئتم :

(( عن جابر بن عبد الله وسهل بن سعد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أتاني جبريل ، فقال : يا محمد !عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به . ))

[ الطبراني في الأوسط بسند حسن  ]

كل عمل عند الله له ثمن ، إن لكل سيئةٍ عقاباً ، ولكل حسنةٍ ثواباً ، في الدنيا والآخرة ، اعمل ما شئت ، تحب أن تصدُق اصدق ، تحب أن تكذب اكذب ، للصدق ثمن ، وللكذب ثمن ، تحب أن تغش الناس غشهم ، تحب ألا تغشهم لا تغشهم ، وللغش ثمن ، وللإخلاص ثمن ، تحب أن تغض البصر غضه ، تحب ألا تغض لا تغض ، ولإطلاق البصر ثمن ، ولغض البصر ثمن في الدنيا والآخرة ، اعملوا ما شئتم ، الله سبحانه وتعالى يحاسب ، بل إن الطاعة ينطوي فيها نتائجها ، وإن المعصية ينطوي فيها نتائجها ، لو وضعت إصبعك على مدفأة وهي مشتعلة من يحاسبك ؟ هي تحاسبك ، وضع إصبعك عليها يحرقه ، وكذلك المعاصي ، كل معصيةٍ لها نتائج وَخِيمة ، فإن لم تحب أحداً ، إن أحببت نفسك ، إن كنت مفرطاً في أنانيتك أطع الله سبحانه وتعالى ، إذا أطعته تسعد في دنياك وآخرتك ، هذه على كلمة : ﴿ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ﴾  إنذار .

 

الأخذ بآيات الله والاستقامة على أمره :


من منا إذا جاءه إنذار من دائرة الهاتف : إن لم تدفع خلال عشرة أيام يلغى الاشتراك ، وتعرف أن تأمين هاتف شيء صعب جداً ، من منا لا يبادر فوراً ؟ هذه إنذار من إنسان ، لانقطاع الهاتف فقط ، تبادر ، تأخذ إجازة ، تلغي عملاً مهمًّا لدفع الاشتراك ، إذا تلقيت إنذاراً من مؤسسة الهاتف ينذرك بالدفع أو يقطع الهاتف ، ماذا تعمل ؟ لماذا أنت تتعامل مع الناس بتفهُّم وصدق ، وتقرأ كتاب الله صباحاً ومساءً ، أو يتلى على مسامعك ، ولا تأخذ بآياته وتقول : سَيُغْفَرُ لنا ، كما قال اليهود ؟ 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) ﴾

[ سورة الأعراف  ]

 من قال لك ذلك ؟ 

وَإِنِّي لَغَفَّارٌ – صح - لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)

[ سورة طه  ]

 هذه أربعة شروط ، هل تبت توبةً نصوحاً ؟ وهل آمنت بالله حق الإيمان ؟ وهل عملت صالحاً ؟ وهل اهتديت إليه ؟ إن كنت كذلك فأبشر بالمغفرة ، هذه المغفرة .

﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)﴾

[ سورة النحل  ]

 الحد الأدنى تعامَلْ مع الله سبحانه وتعالى كما تتعامل مع إنسان يعطيك إنذاراً فتنفذ فوراً ، ﴿ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ﴾ أي أن هذا الذي يعصي الله أيضمن صحته ؟ أيضمن ألا يصاب بمرض عضال ؟ أيضمن ألا يصاب بمرضٍ يدفع كل ماله من أجل معالجته ؟ والشواهد أمامكم كما ترون ، أمراضٌ وبيلة تفتك بالناس في الغرب بسبب انحرافهم ، انحلال المناعة بسبب الانحراف الأخلاقي ، اعملوا ما شئتم ، إطلاق البصر له ثمن .

رجل كانت هوايته أن يتنزَّه في الطرقات ، ويطلق بصره بالحرام فأصيب بمرض اسمه : ارتخاء الجفون ، لا يستطيع أن يرى إلا إذا فتح جفنه بيده ، إن لكل حسنةٍ ثواباً ولكل سيئةٍ عقاباً ، لا تحب أحداً ، أحبَّ نفسك ، فإذا أحببتها تستقم على أمر الله ، أدِّ زكاة مالك ، ادفع للناس حقوقها ، لا تبخس الناس أشياءهم ، لا تَبنِ غناك على فقر الناس ، ولا على حرمانهم حقوقهم ، لا تبنِ صحتك على مرضهم ، ولا مجدك على أنقاضهم ، لا تبنِ شيئاً على حساب شيء ﴿ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ﴾ الله سبحانه وتعالى ، هذا كلام الله لا كلام بشر ، ﴿ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ﴾   أي ناس . 

 

بطولة الإنسان أن يكون مؤمناً :


﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ من يضمن أن يعيش إلى ساعة ؟ إذاً : لابدَّ من أن تنام وقد صفَّيت الحساب .

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أوَى أحَدُكُمْ إلى فِراشِهِ، فَلْيَنْفُضْ فِراشَهُ بداخِلَةِ إزارِهِ ؛ فإنَّه لا يَدْرِي ما خَلَفَهُ عليه ، ثُمَّ يقولُ : باسْمِكَ رَبِّ، وضَعْتُ جَنْبِي، وبِكَ أرْفَعُهُ، إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها ، وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ به عِبادَكَ الصَّالِحِينَ.  ))

[  صحيح البخاري ]

معنى ذلك أن هناك موتين ، موت النوم وموت الموت .. 

﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) ﴾

[  سورة الزمر ]

 وفاة كاملة ، فالإنسان إذا وضع رأسه على الوسادة إما أن يستيقظ ، وإما ألا يستيقظ ، إما أن يستيقظ وإما أن يستيقظ الناس على نعوته .

 أعرف رجلاً نام الساعة الحادية عشرة ، يبدو أن زوجته في الساعة الواحدة لمست يده فرأتها باردة فاستيقظت مذعورة ، فإذا هو ميت ، البطولة أن تعُد لساعةٍ نسيها الناس ، غاب عنها ، في غفلةٍ عنها ، ساهون لاهون . 

﴿ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ﴾ إنذار من الله ، إذا قرأت إنذار الكهرباء ، أو إنذار الماء بالقطع ، أو إنذار الهاتف فتذكَّر إنذار الله سبحانه وتعالى . 

﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ أما هذا المؤمن ليكن في الدنيا ما يكن ، كبير الشأن ، أم صغير الشأن ، معروفاً ، أم غير معروف ، مشهوراً ، عَلَماً ، أم غير عَلَم ، مغموراً ، دخله محدود ، دخله غير محدود ، قوي البنية ، ضعيف البنية ، زواجه موفق ، عنده أولاد ، لا يوجد عنده أولاد ، أي مؤمن .

﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ البطولة أن تكون مؤمناً ، سيدنا عمر كان إذا أصابته مصيبة قال : " الحمد لله ثلاثًا ؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني " .. أية مصيبةٍ ليست في الدين تهون ، لا قيمة لها ، يأتي الموت فيضع حداً لها ، لكن البطولة أن تكون بعد الموت : 

﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55) ﴾

[  سورة القمر ]


المنافسة في ميدان الخير :


﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ معنى قدم صدقٍ أي المؤمنون سبقوا إلى هذه المكانة ، يوجد تسابق .

﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) ﴾

[  سورة الحديد ]

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾

[  سورة الصافات ]

﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾

[  سورة المطففين ]

 هنا التنافس ، هنا التنافس الشريف ، شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس ، أي لا يوجد شيء في الدنيا أعظم من أن يكون لك عند الله مقام . 

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)﴾

[  سورة الإسراء ]

  

الله سبحانه وتعالى يقيس عباده جميعاً بمقياسٍ واحد :


يجب أن تعرف مقامك عند الله ، إذا أردت أن تعرف ما لَكَ عند الله فانظر ما لله عندك ، هل تقف عند الحرام ؟ هل تبادر إلى المأمورات ؟ هل تدع المنهيَّات ؟ هذا مقام الله عندك ، فإذا ترك الإنسان أوامر الدين لسببٍ تافه ، معنى هذا أن الله سبحانه وتعالى لا شأن له عنده ، كلمة لا أستطيع ، ليس عندي وقت ، لا أريد ، هذه كلمات لا يقولها المؤمن ، المؤمن ذو همةٍ عالية ، فلذلك : ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ لهم مكانة ثابتة ، حصَّلوها بسبقهم ، بمعنى قدم صدقٍ فيه معنى السبق ، وفيه معنى آخر وهو الثبات ، مكانة ثابتة حَصَّلها بسبقه ﴿ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ والله عز وجل :

(( عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله . ))

[ رواه أبو يعلى و الطبراني في المعجم الكبير و القضاعي في مسند الشهاب ورواه الحارث في مسنده  ]

و :

(( قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى . ))

[ حديث صحيح أخرجه أحمد  و البيهقي في الشعب  وأبو نعيم في الحلية من طريق سعيد الجريري عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله ]

المقياس واحد ، الناس ابتدعوا مقاييس كثيرة ، لكن الله سبحانه وتعالى يقيس عباده جميعاً بمقياسٍ واحد .

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رجلٌ : يا رَسولَ اللهِ ، إنَّ فُلانةَ يُذكَرُ مِن كَثرةِ صَلاتِها وصَدقَتِها وصيامِها ، غيرَ أنَّها تُؤذي جيرانَها بِلِسانِها ؟ قال : هيَ في النَّارِ ، قال: يا رَسولَ اللهِ ، فإنَّ فُلانةَ يُذكَرُ مِن قِلَّةِ صيامِها وصَدقَتِها وصَلاتِها، وإنَّها تَتَصدَّقُ بالأَثوارِ مِن الأَقِطِ ، وَلا تُؤذي جيرانَها بِلسانِها ؟ قال : هيَ في الجنَّةِ.  ))

[  صحيح الترغيب  : صحيح ، أخرجه أحمد ، والبزار ، وابن حبان  باختلاف يسير ]

من ولي الله ؟ أهو الذي يطير في الهواء ؟  قال : لا - الجنيد - أهو الذي يمشي على وجه الماء ؟ قال : لا ، الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام " .

أحبابنا اختاروا المحبة مذهباً          وما خالفوا في مذهب الحب شرعاً

***

التقيُّد التام بالشرع علامة الإيمان . 

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) ﴾

[  سورة الزمر  ]

إذا كانت هذه حالة النبي فكيف نحن ؟ ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) ﴾

[ سورة هود  ]

 

اتباع الهوى علامة عدم الاستجابة :


﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ ﴾  أي الكافر يريد أن يشكك بالدين ، يتهمه بالغيبية أحياناً ، يتهمه بالعجز عن مواجهة مشكلات الحياة ، يتهمه بعدم التطور ، يتهمه اتهاماتٍ كثيرة ، كل هذه الاتهامات تعبيرٌ عن خللٍ أصاب الكافر من ترك الدين ، هذا الخلل يحب أن يتهم الدين بشيء كأنه يُعفي نفسه من اتباعه ، هذه الحالة الداخلية للذين ينكرون الدين : 

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) ﴾

[  سورة الماعون ]

 هو نفسه . 

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)  ﴾

[ سورة القصص ]

علامة عدم الاستجابة اتباع الهوى ، اتباع الهوى يحمل صاحبه على ألا يستجيب. 

 

 من عرف الله عرف كل شيء :


﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾   فمعرفة الله سبحانه وتعالى أساس الدين ، فإذا عرفت الله عرفت كل شيء ، وإن لم تعرف الله لم تعرف شيئاً ، ما دامت معرفة الله أساس الدين كيف نعرفه ؟

 هل يمكن أن ندركه بحواسنا ؟ الجواب : لا ، لا تدركه الأبصار ، أي يستحيل على حواسنا جميعها أن تعرفه ، بقي طريقٌ واحد ، لا يمكن أن تعرفه إلا من خلال آياته ..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) ﴾

[ سورة النحل ]

﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) ﴾

[ سورة الجاثية ]

 طريق وحيد ، لما ربُّنا عزَّ وجل بيّن قصة سيدنا إبراهيم : 

﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) ﴾

[ سورة الأنعام ]

 الآية معروفة ، والقصة معروفة ، إلى أن قال : 

﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) ﴾

[ سورة الأنعام ]

ربنا عزَّ وجل أطلعنا على أن طريق الإيمان هو التأمُّل في آيات الكون ، ضع فرضية وأثبتها ، لم تثبت دعها ، ضع فرضية أخرى إلى أن تهتدي إلى الحقيقة ، هذا هو الطريق الوحيد ، لذلك ربنا عزَّ وجل في أعقاِب هذه القصة قال : 

﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) ﴾

[ سورة الأنعام ]

هذا هو الهدى ، بهذه الطريقة التي اتبعها إبراهيم تهتدي وإلا فلا ، ثم قال بعد ذلك: 

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) ﴾

[ سورة الأنعام ]

يجب أن تجعل طريقتهم في الهداية قدوة لك ، وفي أعقاب ذلك قال : 

﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)  ﴾

[ سورة الأنعام ]

إلا إذا سلكوا الطريق الذي رسمه الله سبحانه وتعالى ، أي لو أن الإنسان قرأ كتب طب وحده في البيت ، لو قرأ مجلات طبية ، لو ارتدى ثوباً أبيض ، لو فعل ما فعل ، لا يكون طبيباً إلا إذا دخل كلية الطب ، الطريق إلى الله سبحانه وتعالى وحيد . 

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾

[ سورة الأنعام ]

لذلك : ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾ أي هل فكرتم في ربكم الذي يمدكم بما تحتاجون ؟ ربكم هو الخالق ، ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾ أي هل وصلت إلى معرفة الخالق ؟ من خلق المجرات ؟ من خلق مليون مليون مجرة ؟ من جعل بين المجرتين ثمانية عشر ألف مليون سنة ضوئية ؟ من جعل مليون مليون مجرة وفي كل مجرة مليون مليون نجم ؟ من خلق هذا المذنب ؟ من خلق الشمس ؟ هل عرفت الخالق ؟ هل صدَّقت أن الله هو الذي خلق كل شيء ؟ من صمم هذه الآيات ؟ 

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾   بعضهم قال : اليوم هو الدَوْر ، و ﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ في ستة أدوار ، أي في تُحْمَل على الحال ، أي ليلٌ ونهار ، وصيف وشتاء ، وربيعٌ وخريف ، نظام الأرض مبني على ستة أيام ، ليلٌ ونهار وأربعة فصول ، وهناك آيات تؤكِّد هذا المعنى : 

﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ﴾

[ سورة فصلت ]

 أي يوجد أربعة فصول. 

 

من يعصي الله لا يعرفه :


إذاً : ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ .

الحقيقة أن الذي يعصي الله لا يعرفه ، لذلك قالوا : " لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت " ، مهما كان الذنب صغيراً ، هو صغير ، ولكن هل تعرف أنت من تعصي ؟ تعصي الخالق ، تعصي الرب ، تعصي المسيِّر ، تعصي السميع ، تعصي البصير ، الرحيم ، العليم ، القوي ، الغني عن طاعتك ، فكلما استحضرت أسماء الله الحسنى كَبُرَ عليك أن تعصيه ، لذلك :

﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)﴾

[ سورة فاطر ]

 بقدر ما تكون عالماً بقدر ما تكون خاشعاً ، حجم خشوعك بحجم علمك ، حجم خشيتك بحجم معرفتك ، لذلك : لا يعصي الله إلا جاهل .

 

الله تعالى مدبر كل شيء :


﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ طبعاً لقوله تعالى ﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ تفسيرات كثيرة ، هذا بعض التفاسير . 

﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ كما قال الإمام ابن مالك : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والسؤال بدعة ، لكن هناك من وضح هذه الآية إن رأيت الله يدبر الأمر هانت عليك الأمور ، وكان هذا التدبير برداً وسلاماً على قلبك وطمأنينةً وراحة ، لذلك حالة المؤمن النفسية عزيزة ، كلها طمأنينة ، كلها استسلام لحكمة الله ، استسلام لأمر الله ، متوكل ، مفَّوض ، مسلَّم ، مرتاح ، يدبِّر الأمر ومما جاء في الآثار القدسية في الكتب السماوية السابقة :

(( خلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تتعب ، وخلقت من أجلي فلا تلعب ، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك ، لي عليك فريضة ، ولك عليّ رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك لأسلطن عليك الدنيا ، تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموماً ، أنت تريد وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد ، ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته ، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين يديه ، وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي ، أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا ))

﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾ سنة يوجد مواسم بالفواكه كثيرة ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾ ، سنة يوجد شُح بالأمطار ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾   ، سنة فيها خيرات كبيرة ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾ ، جاءك ذكور فقط ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾ ، جاءك إناث فقط ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾ ، جعلك الله عقيماً ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾ ، زوجة صالحة ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾ ،  صحة طيبة ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾  تدبيره ، كل شيء يفعله وراءه حكمةٌ بالغة لا يعلمها إلا الله ، فالإنسان المؤمن مستسلم لذلك :

(( عن صهيب بن سنان الرومي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  عَجِبْتُ لأمرِ المؤمنِ ، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ خيرٌ ، إن أصابَهُ ما يحبُّ حمدَ اللَّهَ وَكانَ لَهُ خيرٌ ، وإن أصابَهُ ما يَكْرَهُ فصبرَ كانَ لَهُ خيرٌ ، وليسَ كلُّ أحدٍ أمرُهُ كلُّهُ خيرٌ إلَّا المؤمنُ. ))

[ السلسلة الصحيحة إسناده صحيح على شرط مسلم ]

كلمة ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾ ، من جعل الأرض تدور حول الشمس ؟ الله ، لو وقفت لتوقفت الحياة ، لو وقف دورانها حول نفسها لتوقفت الحياة ، لو دارت على محور موازٍ لمستوي الدوران هكذا . هنا نهار إلى الأبد ، مئتان وخمسون درجة فوق الصفر مات كل شيء ، وهنا ليل إلى الأبد ، مئتان وخمسون درجة تحت الصفر مات كل شيء ، من جعل المحور مائلاً ؟ من جعل الدورة حول نفسها وحول الشمس ؟ من جعل المدار إهليلجياً ؟ من جعل الشكل البيضوي له بعدان ؛ بعد أدنى وبعد أقصى ، في البعد الأدنى قد تجذب الشمس الأرض ، الله سبحانه وتعالى زاد من سرعتها فنشأ من هذه السرعة قوةً نابذة تكافئ القوة الجاذبة .. 

﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾ من يسوق السحاب ؟ الله سبحانه وتعالى ، من ينزل الأمطار ؟ الله سبحانه وتعالى ، من ينبت النبات ؟ الله سبحانه وتعالى ، من يحرِّك الرياح ؟ الله سبحانه وتعالى ، من يُخَلِّقُ الجنين في بطن أمه ؟ الله سبحانه وتعالى ، نقطة ماء بعد تسعة أشهر ، كائن ؛ له رأس ، له شعر ، له عينان ، له أنف ، له فم ، يتثاءب ، يعطس ، يتنفس ، يأكل ، الطريق مفتوح ، يتحرَّك ، يستجيب للضوء ، يستجيب للصوت ، فيه كبد ، فيه بنكرياس ، فيه صفراء ، فيه أمعاء دقيقة ، فيه أعصاب ، فيه عضلات ، فيه شرايين ، فيه أوردة ، فيه عظام ، فيه أربطة ، فيه مفاصل ، فيه لسان ، فيه رغامى ، فيه مري ، فيه لسان مزمار ، فيه دماغ ، فيه مخ ، فيه مُخَيْخْ ، فيه عمود فقري ، فيه حوض ، فيه عضلات ، تسعة أشهر من يدبر الأمر ؟ الله سبحانه وتعالى .

﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾   تكفي هذه الآية ، يدِّبر أمر المخلوقات ؛ الحيوان ، والنبات ، وكل شيء الله عزَّ وجل خلقه يدبره .  


لا يقع شيء في ملك الله إلا بأمره :


﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ الشفع هو الزوج ،  أي أن أي شيءٌ في ملك الله لا يستطيع أن يقع على شيءٍ في ملك الله إلا بأمر الله ، شيءٌ ما في ملك الله لا يستطيع أن يصيب شيئاً ما في ملك الله إلا بأمر الله ، هذه معنى آية الكرسي .

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾

[ سورة البقرة ]

العقرب يلدغ ، لا تستطيع العقرب أن يلدغ مخلوقاً ما إلا بأمر الله ، النار تُحْرِق ، لا تستطيع النار أن تحرق شيئاً ما إلا بأمر الله . 

﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ إنسان شرير لا يستطيع أن يصل إلى الإنسان إلا من بعد إذن الله سبحانه وتعالى ، فإذا كان الأمر بيد الله فالقضية محلولة ، عليك أن ترضي جهةً واحدة ، أما المنافق والمشرك فيجب أن يرضي كل الجهات ، وإرضاء الناس غايةٌ لا تدرك ، صعب ، لكن المؤمن يرضي الله سبحانه وتعالى : 

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55)إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56) ﴾

[ سورة هود ]

 أيّ إنسان تخافه شرير بيد الله عزَّ وجل ، بملك الله . 

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)﴾

[  سورة الحديد ]

هذا إيمان ، إذا كنت في مستوى هذه الآية لا تحزن على شيء ، سيدنا الصديق لم يندم على شيءٍ فاته من الدنيا .

﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ ، إنسان أكرمك ﴿ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ ، إنسان سبّب لك متاعب ﴿ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ ، إنسان فسد عليك ، أجبروك على دفع مئة ألف ﴿ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ ، إنسان كتَب بك ضبط ، التسعيرة ليست مضبوطة ﴿ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾

﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ إنسان ضايقك من الجيران ﴿ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ ، إنسان خوَّفك ﴿ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ ، آخر أكرمك ﴿ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾   ، واحد أعطاك عطاء ثمينًا ﴿ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾

﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ هذا التوحيد ، الدين كله توحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، وَحِّد ترتاح . 

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

[  سورة الشعراء ]

 أي هذا أساس الإيمان ، لا يستطيع إنسانٌ ما مهما كبر شأنه ، مهما كان قوياً ، مهما كان جباراً ، لا يستطيع إنسانٌ ما أن يصل إليك إلا بإذن الله ، كن مع الله ترَ الله معك ..

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا               فإن منحنا بالرضا من أحبنــا

ولُذ بحمانا واحتمِ بجنابــنــــــــا               لنحميك مما فيه أشرار خلقنا

***

ما مِن حالة أجمل من أن يكون المؤمن لائذاً بحماية الله ، قل هذه الكلمات في السجود : يا رب ليس لي إلا أنت ، لا تتكل على شيء ، لا على علمك ، ولا على مالك ، ولا على شأنك ، من اتكل على شيءٍ وكله الله إليه ، هو شرك ، إما أن تشرك نفسك مع الله ، وإما أن تشرك مخلوقاً آخر مع الله ، وفي كلتا الحالتين لابدَّ من أن يؤدِّبك الله سبحانه وتعالى ، طالب متفوق بالهندسة ومقصِّر بالجبر ، قال له : يا رب الهندسة عليّ ، لكن الجبر عليك ، أنا ضعيف بالجبر ، دخل على الامتحان أخذ بالهندسة صفراً ، في العام القادم قال : يا رب الهندسة والجبر عليك ، من اتكل على شيءٍ أوكله الله إياه .

﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ أبداً ، لا يستطيع إنسان أن يزورك زورة ،  دخلت لعند موظف لم يقل لك : اقعد ، من بعد إذنه ، تعرف أنه صاحبك ، قال لك : الآن أريك من هو صاحبك ، أحياناً يبقيك واقفاً خمس دقائق ، لا ينظر إليك ، من بعد إذنه ، حتى هذا الموقف من بعد إذنه ، فأنت كن مع الله ترَ أن الأعداء يخدموك ، اتركه أقرب الناس يتخلى عنك ، أحياناً تتخلى الزوجة عن زوجها ، تهمله ، تقسو له في الكلام ..﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾  فهذه آية دقيقة .﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ﴾   هو الله .

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) ﴾

[  سورة الزخرف ]

 

التوحيد ألا ترى مع الله أحداً :


﴿ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) ﴾

[  سورة النحل ]

 لا إله غيره ، هذا هو التوحيد ، تجد الإنسان يصلي وهو مشرك ، يصوم وهو مشرك ، يقوم ببعض العبادات وهو مشرك ، والشرك معه خوف ، معه حزن ، معه قلق ، معه ضياع ، معه تشتت ، معه ضيق ، معه أشياء كثيرة :

﴿  فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾

[  سورة الشعراء ]

﴿ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ ألا يكفي أن الله خالقٌ ؟ ألا يكفي أن الله خالق السماوات والأرض ؟ ألا يكفي أن الله رب كل شيء ؟ ألا يكفي هذا كي تعبدوه ؟ أتعبدون من دون الله ما لا يسمع ولا يبصر .

 

العاقل من يعرف الله قبل فوات الأوان :


 ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ .

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾

[  سورة الغاشية ]

اذهب إلى أي مكانٍ شئت ، افعل ما شئت ، لابدَّ من أن ترجع إليه فتحاسب على كل صغيرةٍ وكبيرة ، حينما يوضع الميت في قبره قال بعضهم : إن أصعب ليلة أول ليلة ، يقول الله عزَّ وجل :

 " عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبق لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت " .

 ألا يجب أن تعرفه من الآن ؟ المكوث معه أبداً ، ما من أحد غيره بعد ذلك ، الآن يوجد زوجة ، وولد ، ورفيق ، وصاحب ، وسهرة ، دور كل ثلاثاء ، نزهة ، نمضي الوقت ببعض الألعاب ، نلعب النرد ، وبعد ذلك ؟ ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ ذهبت نزهات ، جُبْتَ العالم كله ، يقول لك : أخي سويسرا جميلة جداً ، إسبانيا أجمل من سويسرا ، تناقش الناس بجمال البلاد ، ثم بعد ذلك ؟ ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾   لو طفت الدنيا بأكملها ، لو طرت في السماء ، لو غصت في البحار ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ .

المصير معه ، فالذكاء والعقل يقولون لك : اعرفه قبل فوات الأوان ، اعرفه قبل أن تأتيه صفر اليدين ، لو أن إنساناً أخذ أمواله كلها لبلد وقالوا له : هذه الأموال هنا لا قيمة لها ، نريد عملة محلية ، خسر كل شيء ، والإنسان كذلك إذا ذهب إلى الدار الآخرة ، يا رب أنا عندي خمسة طوابق بأرقى حي ، ليس لها عندنا أي عمل ، عندي ثمانية أولاد ، ثلاثة منهم أطباء ، وأربعة مهندسون ، لمْ تعلمهم الدين ، يا رب أنا عملت معملاً إنتاجه عالٍ جداً ، وكنت أربح أموالاً طائلة ، المعمل ليس له عمل عندنا هنا ، كل شيء عملته بالدنيا ليس له قيمة ، العمل الصالح فقط ، لذلك الغنى والفقر بعد العرض على الله ، الغنى غنى العمل ، والفقر فقر العمل . 

﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3) ﴾

[  سورة العصر ]

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)﴾ ﴾

[  سورة الكهف ]

﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ والله الذي لا إله إلا هو يجب ألا يغادر ذهنك موضوع العودة إلى الله فتذكره كل يوم مئة مرة ، وأنت تبيع ، تحلف بالله أنها ليست رابحة معك ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ ما قولك ؟ تحلف بالله ، أخي انصحني ، تنصحه بالبضاعة الكاسدة عندك ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾   تعمل أعمالاً خلاف الأصول ، تأكل مالاً حراماً ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾   أي عملٍ سوف تحاسب عليه ، صغيراً كان أو كبيراً . 

 

محاسبة كل إنسان على عمله يوم القيامة :


﴿ وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ﴾ ما أكرم شابٌ شيخاً لسنه إلا سخَّر الله له من يكرمه عند سنه ، أي :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾

[  سورة الزلزلة ]

مهما كان العمل صغيراً تحاسب عليه ، ومهما كان كبيراً تحاسب عليه . 

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾ هؤلاء الكفار ﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾   قال : 

(( عن جبير بن نفير عن أبي البجير ، وكان من أصحاب النّبيّ ، عليه السلام قال : أصاب رسولَ الله، صَلَّى الله عليه وسلم ، جُوعٌ يومًا فوضع حجرًا على بطنه ثمّ قال : ألا يا رُبّ نَفْسٍ طاعِمَةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٍ عاريةٍ يومَ القيامة ، ألا يا ربّ مُكْرِم لنفسه وهو لها مُهين ، ألا يا رُبّ مُهين لنفسه وهو لها مُكْرِم ، ألا يا رُبّ متخوّضٍ ومتنعّم فيما أفاء الله على رسوله ما له عند الله من خَلاق، ألا وإنّ عمَل الجنّة حَزْنةٌ برَبْوَة ، ألا وإنّ عَمَلَ الآخرة سَهْلَةٌ بشَقْوَة ، ألا رُبّ شَهْوَةِ ساعةٍ قد أوْرَثَتْ حُزْنًا طَوِيلًا . ))

[  السيوطي عن أبي البحير ]

البطولة أن تأتي الله سبحانه وتعالى وأنت نظيف .. 

﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ(88)إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ  ﴾

[  سورة الشعراء ]

﴿ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6)  ﴾   .

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور