وضع داكن
28-09-2022
Logo
الأردن - عمان - جامع التقوى - دروس صباحية - الدرس : 008 - المنهج الامثل في الدعوة إلى الله
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 

تمهيد :

أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس الرابع بعد رمضان، في يوم الجمعة في الثالث من شهر حزيران عام 2022، قال تعالى: 

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ(33) ﴾

[ سورة فصلت ]

ليس عند الله إنسان أفضل ممن دعا إلى الله، بلسانه، بخطابه، بدرسه، بلقائه، بأمسياته، (دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً) ، حركته في الحياة، كسب ماله، إنفاق ماله،ـ اختيار زوجته، تربية أولاده، حجاب بناته،ـ دخله الحلال، إنفاقه الحلال، لقاءاته، سهراته، أمسياته، رحلاته، نشاط الإنسان بأكمله وفق منهج الله، الصلاة والصوم والحج والزكاة، والنطق بالشهادة، هذه عبادات شعائرية، أما هذه العبادات الشعائرية لا تقبل ولا تُقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية بالدليل، لولا الدليل لقال ما شاء ما شاء:

(( إِنَّ هذا العلمَ دينٌ ، فانظروا عمن تأخذونَ دينَكم ))

[ أخرجه مسلم في مقدمة الصحيح والدارمي عن محمد بن سيرين   ]

1- الصلاة: 

(( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا قال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا جلِّهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها. ))

[ رواه ابن ماجه ]

 

1- الحج: 


(( مَنْ حَجَّ بمالٍ حرامٍ فقال : لَبَّيْك اللَّهُمَّ لَبَّيْك ، قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ له : لا لَبَّيْك ولا سَعْدَيْك ، وحَجُّك مردودٌ عليك ))

[ عمر بن الخطاب ]

 

2- الزكاة: 

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ(53) ﴾

[ سورة التوبة ]

 

3- التوحيد: 

التوحيد: لا إله إلا الله .

(( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو - يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ - قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : أَخْبَرَنَا مَنْ شَهِدَ مُعَاذًا حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، يَقُولُ : اكْشِفُوا عَنِّي سَجْفَ الْقُبَّةِ أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ مَرَّةً : أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمُوهُ إِلَّا أَنْ تَتَّكِلُوا، سَمِعْتُهُ يَقُولُ :  مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ - أَوْ : يَقِينًا مِنْ قَلْبِهِ - لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ ، أَوْ :  دَخَلَ الْجَنَّةَ . وَقَالَ مَرَّةً :  دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ .  ))

[ جابر بن عبد الله ]

خمس عبادات شعائرية كبرى، من دون استقامة، دخل حلال، إنفاق حلال، زوجة محتشمة، بنات محتشمات، أولاد أبرار، حرفة ترضي الله، هناك حرف لا ترضي الله ومبنية على المعاصي والآثام، هناك حرف مبنية على إيذاء الناس، القضية ليست سهلة، أنت تعامل خالق الأـكوان، أنت لك حركة في الحياة، حركتك في الحياة وفق منهج الله، يعني للتقريب: بائع بقالية وجد في صفيحة الزيت البلدي الغالي الثمن فأرة، يأخذها بالملقط ويبيعها زيتاً بلدياً، أما في الإسلام: أصبحت المادة نجسة، لا تستطيع أن تبيعها، وأنت جالس بغرفتك ويوجد مقابلك بناء فيه شرفة، فخرجت امرأة بثياب مبتذلة فأنت غضضت البصر، ولا أحد يعلم ما إذا كنت مطيعاً لله في غض البصر أم غير مطيع له، من يعلم؟ هذا الإسلام منهج تفصيلي، يبدأ من أخص خصوصيات الإنسان، من العلاقات الأسرية، وينتهي بالعلاقات الدولية، عندما يوجد في بيت جميع الأجهزة الكهربائية غالية الثمن، لكن لا يوجد كهرباء، كل هذه الأجهزة لا قيمة لها، صح كلامي؟ 

  وعد الله :


فلذلك نحن مليارا مسلم، نحتل الموقع الأول استراتيجياً في الأرض، ملتقى القارات الثلاث، نملك نصف ثروات الارض بالضبط بالتمام والكمال من بترول وفوسفات ومعادن ومناجم ومع ذلك ليست كلمتنا هي العليا في الأرض، وللطرف الآخر علينا ألف سبيل وسبيل، اسمعوا القرآن: 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(55) ﴾

[  سورة النور ]

لسنا مستخلفين، ولسنا مُمكنين ولسنا آمنين، مفتاح الموضوع كلمة واحدة: (يَعْبُدُونَنِي) فإذا قصّرنا في عبادتنا، أصبح للطرف الآخر علينا ألف سبيل وسبيل، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي) لذلك الآن موضوع  هذا اللقاء الطيب: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً) ليس على وجه الأرض إنسان أفضل وأقرب إلى الله (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ) وأحسن قولاً ممن دعا إلى الله، منهم من يقول: أنا لست عالماً، لست حاصلاً على شهادة شرعية، انا مسلم عادي، لم يقل لك إنك عالم كبير، بكسب مالك، بإنفاق مالك، بسهراتك، بنزهاتك، بتفاصيل حياتك (مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) إذاً : 
 

النقطة الأولى :


المنهج الأمثل في الدعوة إلى الله.
أنت لماذا تصلي؟ سؤال محرج، ما هذا السؤال! الصلاة فرض أستاذ، فإذا أقنعتك أن الدعوة إلى الله فرض إقناعاً؟ 

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(108)  ﴾

[ سورة يوسف ]

فكل إنسان لا يدعو إلى الله ليس متّبعاً لرسول الله، لكن أنت لست خطيباً في المسجد، لست عالماً جليلاً، في حدود ما تعلم ومع من تعرف، سمعت خطبة فتأثرت بها، حدّث مضمونها لزوجتك، الآن أنت داعية، لأصدقائك في سهرة وفي لقاء، في نزهة، انقل للآخر ما سمعته أنت، هذه الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، لماذا تصلي؟ الصلاة فرض، والدعوة إلى الله فرض في حدود ما تعلم ومع من تعرف، هل هي واضحة؟ (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحًا) يوجد دعوة بالنطق، درس، لقاء، خطاب، مناقشة حادة دعا إلى الله، أما كسب ماله، إنفاق ماله، لقاءاته، أمسياته، سهراته، رحلاته، كسب ماله، حرفته، اختيار زوجته، اختيار حجاب بناته، تربية أولاده، منهج تفصيلي، والله بألاف البنود وكيلك الله (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) هذا المنهج أين نجده؟ في الكتاب والسنة، نعم، من القرآن:

﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(42) ﴾

[ سورة فصلت ]

ومن حديث النبي العدنان الذي:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4) ﴾

[ سورة النجم ]

(( عَنْ مَالِك، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :  تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا مَسَكْتُمْ بِهِمَا : كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ .  ))

[ موطأ مالك ]

النبي الكريم –دققوا- ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)) لذلك قالوا هناك وحي متلوّ هو القرآن الكريم، ووحي غير متلوّ هو سنة النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، وحي متلوّ، ووحي غير متلوّ، الآن من ملامح منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما منهجه؟ ما تعليماته؟ ما أوامره؟ ما نواهيه؟ منهج، الآن باختصار شديد يوضح لكم منهج رسول الله.

  التعريف بالآمر قبل الأمر :


إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر، من الآخر، إن عرفت الآمر وهو الله، ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، إن عرفت الأمر، ولم تعرف الآمر، تفنّنت في التفلّت من الأمر، لذلك المرحلة المكية تقريباً فُقدت في حياتنا، اقرأ القرآن الكريم، الآيات المكية تعريف بالله، واليوم الآخر فقط، أكبر ركنين من أركان الإيمان: الإيمان بالله خالق الأكوان، الذات الإلهية، أصل الجمال والكمال والنوال، التعريف بالله صاحب الأسماء الحسنى، والصفات العُلا، واليوم الآخر، ما من ركنين من أركان هذا الدين العظيم وردا في القرآن مجتمعين كالإيمان بالله، واليوم الآخر، الإيمان بالله كي تطيعه، واليوم الآخر كي لا تؤذي مخلوقاً (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) هذه (مِنَ) للتبعيض، كل إنسان يدّعي أنه هو العالم الأوحد، الأول، وينسى من حوله، وقع في مرض اسمه اليوم: التوحد، هذا مرض شديد، لا يرى إلا نفسه، فأنت واحد، أنت فريق؟ أنت واحد بفريق عمل، واحد من مجموع (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (مِنَ) للتبعيض، دعا إلى الله بلقاءاته، بأمسياته، بسهراته، بنزهته، بعمله، بحرفته، بلقاءاته، بكل نشاطات حياته (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) إذاً: الآمر قبل الأمر، إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، إن عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلّت من الأمر.

  الأصول قبل الفروع :


يعني شخص فرنسي جاء إلى بلاد المسلمين ليعلن إسلامه، الذي أعلن إسلامه أمامه أبقاه في أحكام المياه ستة أشهر، وكتب الفقه فيها هذه الصعوبة، لم يتعلم الوضوء بعد، ستة أشهر في أحكام المياه، فخرج من جلده، وترك الدين، فالتقى بالإمام محمد عبده، كان عالماً كبيراً، قال الماء الذي تشربه توضأ منه، الآن نحن بحاجة إلى تبسيط، وعقلنة، وتطبيق، حياتنا الآن فيها شيء من الراحة، يوجد صنبور ماء في البيت، لست مضطراً أن أبقى لستة أشهر في أحكام المياه، الماء الذي أشربه أتوضأ منه، وانتهى الأمر، نحن الآن بحاجة ماسة جداً إلى تبسيط هذا الدين، وإلى عقلنته، ربطه بالعقل، العقل أعقد جهاز في الكون، خلقه الله، الله عز وجل لا يُعقل أن يعطي وحياً يتناقض مع العقل، العقل والنقل.

  دائرة الحق :


 يعني الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط: خط النقل الصحيح، وخط العقل الصريح، وخط الفكرة السليمة، وخط الواقع الموضوعي، الحق دائرة، الحق هو الله، الحق هو منهج الله، الحق هو تعليمات الشرع، الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط، خط النقل الصحيح لأن هناك نقلاً غير صحيح، يوجد حديث موضوع، أو تأويل غير صحيح للقرآن، النقل الصحيح والعقل الصريح، يوجد عقل تبريري، دولة عظمى احتلت العراق وقالت جئنا إليكم من أجل الحرية، هذا كلام غير صحيح، كلام مزور، العقل الصريح، النقل الصحيح، النقل: الكتاب والسنةـ والعقل الصريح والفطرة السليمة، والواقع الموضوعي، للتقريب: دخلت إلى البيت الساعة الواحدة ليلاً، أمك متألمة بوجع دقيق، طلبت منك دواء مسكناً، قلت لها: لا توجد صيدلية مفتوحة في هذا الوقت، فالساعة الواحدة ليلاً، سكتت، لكنك تعلم علم اليقين أن هناك خمس صيدليات مناوبة، ومعك سيارة، لا تنام مرتاحاً، هي سكتت، لا تنام مرتاحاً إطلاقاً، افتراضاً: لو ركبت سيارتك وتوجهت إلى هذه الصيدليات، فلم تجد الدواء في الصيدليات الخمس، الدواء مفقود، تعود وتنام، لو لم تلبِّ طلبها لا تنام مرتاحاً، أما عندما بذلت أقصى ما لديك من جهد، والدواء غير موجود، فتنام مرتاحاً، وبالحالتين الأم لم تتناول الدواء، هذه الفطرة، 

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30)  ﴾

[ سورة الروم ]

 

القدوة قبل الدعوة :

فلذلك إخواننا الكرام؛ القدوة قبل الدعوة، القدوة، الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، الأب إن لم يتكلم كلمة لا ترضي الله إطلاقاً، ولم يدعُ إلى الله أمام أولاده، لكن استقامته قدوة، دخله الحلال قدوة، لم يخلع ثيابه أمام أولاده، فاستقيموا يُستقمْ بكم، القدوة قبل الدعوة، يعني أنت املأ قلب من تدعوه بإحسانك يفتحوا لك عقولهم لبيانك.
 

الإحسان قبل البيان :

والإحسان قبل البيان، القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، الآية الدقيقة:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً(21)  ﴾

[ سورة الأحزاب ]

القدوة قبل الدعوة، نحن نفتقد القدوة، النصوص بين أيدينا، لدينا شاشة جدارية، وشاشية مفتوحة، وآيبادات، وهواتف، الحق بين أيدي الناس جميعاً، لكن لا يوجد تطبيق، عندما لم نطبق خسرنا وعود الله عز وجل، (اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي) .
 العبادة: طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.

  الترغيب قبل الترهيب والتيسير لا التعسير : 


 القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، والترغيب قبل الترهيب، والتيسير لا التعسير، الترغيب، وازن بين الترغيب والترهيب، وازن بين الشدة واللين، تحتاج إلى موازنة، أنا من عادتي إن استفتاني إنسان بموضوع فعله أبحث له عن أقل وأيسر فتوى، رحمة به، وإن سألني ليفعل شيئاً لم يفعله أعطيه أصعب فتوى، فإذا لم يفعله أخيفه، اما إن فعله فأكون عوناً له، كونوا عوناً لأخيكم على الشيطان

(( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ الْمُجَبِّرِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مَاجِدٍ - يَعْنِي الْحَنَفِيَّ - قَالَ : كُنْتُ قَاعِدًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : إِنِّي لَأَذْكُرُ أَوَّلَ رَجُلٍ قَطَعَهُ، أُتِيَ بِسَارِقٍ فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، وَكَأَنَّمَا أُسِفَّ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّكَ كَرِهْتَ قَطْعَهُ. قَالَ : " وَمَا يَمْنَعُنِي، لَا تَكُونُوا عَوْنًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ ، إِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ حَدٌّ أَنْ يُقِيمَهُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَفُوٌّ يُحِبُّ الْعَفْوَ، (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)   ))

[ أبو ماجد الحنفي ]

إذاً: القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، والأصول قبل الفروع، والترغيب قبل الترهيب، والتيسير لا التعسير، يسّر ولا تعسّر، لا تعقّد الدين، لا تجعل الشيء مستحيلاً، لا هو غير مستحيل، ممكن أن يطبق لأنك عندما تجعله مستحيلاً كأنك خرجت عن منهج الله:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(286)  ﴾

[ سورة البقرة ]

أي وهم أن الله كلفنا فوق ما نطيق، أنت خرجت عن منهج الله وجئت ببِدَع كثيرة، والتيسير لا التعسير، والتفهيم لا التلقين، قل كذا، لمَ أقول كذا؟ مرة قلت لكم شخص فرنسي أسلم على يد شيخ فأبقاه في أحكام المياه ستة أشهر، بسّط الأمور، الماء الذي تشربه توضأ منه، نحن في عصر فيه ظروف معقدة جداً، نحتاج إلى التبسيط، يحتاج هذا الدين إلى تبسيط، إلى عقلنة، إلى تطبيق، والترغيب قبل الترهيب، والتيسير لا التعسير، والتفهيم لا التلقين، التفهيم لا التلقين، والتربية لا التعرية، ممكن أن تجلس جلسة فتقول: هذا لا يفهم، يا أخي لديه عدد من المؤمنين ينتفعون منه، لا يجب أن أسفّه له من يحضرون عنده، أنا أعدّها جريمة كبيرة في الدعوة إلى الله، إنسان مستقيم، معلوماته محدودة، هناك من ينتفع منه، لماذا تسفّه له من ينتفع منه؟ والتفهيم لا التلقين، والتربية لا التعرية، والتدرج لا الطُّفرة، يعني ممكن في القرآن موجودة هذه الآية:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً(43) ﴾

[  سورة النساء ]

قرآن هذا، كتاب خالق الأكوان، طبعاً معنى الآية دقيق، لك أن تسكر بين الصلاتين، الآية منسوخة طبعاً، لماذا بقيت؟ كي نتعلم منها التيسير لا التعسير، إذاً: القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان، والأصول قبل الفروع، والتيسير لا التعسير، والترغيب قبل الترهيب، والتفهيم لا التلقين، والتربية لا التعرية، يعني هناك دعاة إلى الله، كل داعية له منهج، لكن لا يوجد عنده خطأ، لا يوجد عنده كلاماً يتناقض مع هذا الدين (لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم) كونوا عونا لأخيكم على الشيطان .
يوجد جامع بالشام لا يوجد فيه مكان بالرغم من كونه كبير، والذي يتكلم يتكلم باللغة الدارجة، وعنده طِرَف كثيرة جداً، بلا شك جعل الله لكل شريحة من عباده عالماً يفهمون عليه، ويفهم عليهم، الله يحب كل عباده، فخصص لكل شريحة شيخاً يتناسب معهم، يعني إذا الشخص كره شيخه، أو كره الشيخ يكون بالأصل ليس من شريحته بل من شريحة أخرى، والتدرج لا الطفرة، والمتفق عليه لا المختلف عليه، يعني كم شراب مسموح به، وكم طعام مسموح به، الخنزير محرم، والخمر محرم، الممنوعات ثلاثة بالألف، فيأتي إنسان يريد أن يدخلك.. مرة هناك شخص سافر إلى أمريكا، والتقى بعالم أسلم حديثاً من أمريكا، فتعرضوا لموضوع لحم الخنزير شرح له لساعتين عن الدودة الشريطية وكذا وكذا وكذا، فقال له: بإمكانك أن تقول لي أن الله حرّمه، فقط يكفي، إله يحرّم، خالق الأكوان، أصل الكمال والجمال والنوال، صاحب الأسماء الحسنى والصفات العلا، الله حرم، قال يكفيك أن تقول لي: إن الله حرّمه فقط.
 

أنواع الكليات في الدين :

إخواننا الكرام؛ يوجد كلية سلوكية في الدين، وكلية جمالية،ـ وكلية فكرية، يوجد فكر، إيديولوجيا، تصوّر، فهم، عقيدة، ويوجد حركة، الحركة نوعان: حركة سلبية: أنا لم آكل مالاً حراماً، أنا لم أكذب، أنا لم أغش، هذه السلبية، الإيجابية: أنا عملت عملاً صالحاً، أنفقت من مالي، من علمي، من جاهي، من مكانتي، من كل شيء أملكه، فالإسلام فكر منطلق نظري، إيديولوجيا، فهم عميق، تصوّر صحيح، ويوجد حركة، الحركة نوعان: سلبية وإيجابية، السلبية: الاستقامة، ما أكلت مالاً حراماً، ما كذبت، ما غششت، ما فرقت بين زوجين. عملت أعمالاً صالحة، فأنفقت من مالي، ومن علمي، ومن وقتي، ومن جاهي، ثم آمنت بالثمرة، الثمرة: الاتصال بالله، قال تعالى:

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) ﴾

[ سورة طه ]

شيء  دقيق جداً، وقال تعالى:

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ(152) ﴾

[ سورة البقرة ]

إنكم إن صليتم، وصمتم، وحججتم، وزكيتم، ذكرتموني، أنا عندئذ أذكركم، ما الذي يحصل لو أن الله ذكرك؟ يعطيك السكينة، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، ذاقها النبي في الغار، وذاقها إبراهيم في النار، وذاقها يونس في بطن الحوت، الحوت أكبر حيوان في الأرض، وزنه 150 طناً، 50 طناً لحماً، 50 طناً دهناً، 50 طناً عظماً، 90 برميلاً من الزيت، يقف في فم الحوت عشر رجال واقفين، ويوجد نملة صغيرة، يعني حجمها أقل من ربع ملم أو عِشر ملم، ضع يدك أمامها تقف، لديها عيون، ضع يدك أمامها بعد خمسة سم تقف، كم رجل لها؟ الفيل أكبر حيوان والنملة أقل حيوان، الآن النبي الكريم مصوم بمفرده:

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67) ﴾

[ سورة المائدة ]

يعصمك من أن تغتال، يعصم حياتك، ويعصمك من أن تخطئ، النبي الكريم (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(4)) يعصمه من أن يغتال، ومن أن يخطئ، نعم، فلذلك ينبغي على الدعاة إلى الله أن يتبعوا لا أن يبتدعوا، أن يتعاونوا لا أن يتنافسوا، أن يعترف كل منهم لأخيه بالفضل، لا أن ينكر عليه، فالدعاة إلى الله يكمل بعضهم بعضاً، ويغطي كل شريحة منهم من شرائح المجتمع، ولا تثريب عليهم إن اتفقوا في الأصول أن تتعدد وجهات نظرهم في الفروع والأساليب، أن يتعاونوا فيما اتفقوا ويعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا أو أن ينصح بعضهم بعضاً فيما اختلفوا:

 يا دعاة الدين يا ملح البلد**** من يصلح الملح إذا الملح فسد

فتعاون العلماء فيما بينهم حضارة وقوة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(2) ﴾

[ سورة المائدة ]

والحمد لله رب العالمين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

الاستماع للدرس

00:00/00:00

إخفاء الصور