وضع داكن
17-08-2022
Logo
حياة المسلم 4 - إذاعة حياة إف إم : الحلقة 03 - في ظلال الإسراء والمعراج
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

مقدمة :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
  بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
المذيع:
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، يا ربنا صلّ وسلم ، أنعم وأكرم على نبينا ورسولنا محمد صلوات الله وسلامه عليه .
 السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، مستمعينا الأكارم ، اليوم مستمعينا الأكارم وفي ظلال ذكرى الإسراء والمعراج ، وإن كان هنالك اختلافٌ على تاريخها بين الفقهاء والمؤرخين ، لكننا نتحدث عن الدروس المستفادة في ظلال رحلة الإسراء والمعراج .
 نرحب باسمكم جميعاً بفضيلة العلّامة المربي الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، شيخنا الكريم أهلاً وسهلاً بفضيلتكم معنا ، حياكم الله .
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم .
المذيع:
 حفظكم الله .
 شيخنا الكريم ، في ظلال ذكرى الإسراء والمعراج ، ما هي الدروس المستفادة ؟

تزكية الله النبي الكريم من كل الجوانب :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 الصلاة والسلام على سيد الخلق ، وحبيب الحق محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي زكى عقله فقال :

﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) ﴾

[ سورة النجم]

 وزكى لسانه فقال :

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) ﴾

[ سورة النجم]

 وزكى شرعه فقال :

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) ﴾

[ سورة النجم]

 وزكى جليسه فقال :

﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ﴾

[ سورة النجم]

 وزكى فؤاده فقال :

﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) ﴾

[ سورة النجم]

 وزكى بصره فقال :

﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) ﴾

[ سورة النجم]

 وزكاه كله فقال :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 )﴾

[ سورة القلم ]

 الإله العظيم يقول في الإسراء :

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) ﴾

[ سورة الإسراء ]

 حقاً إنه سميع بصير ، سميعٌ بدعاء عباده ، بصيرٌ بأحوالهم .

الشدائد التي تعرض لها النبي قُبيل رحلة الإسراء :

 لقد كان العام العاشر للبعثة بالنسبة للنبي عليه أتم الصلاة والتسليم عام الحزن ، ففيه توفيت زوجته السيدة خديجة صدّيقة النساء ، التي حنت عليه ساعة العسرة ، والتي واسته في أيام الشدة بنفسها ومالها ، وفي هذا العام توفي عمه أبو طالب الذي أظهر النبل في كفالته ، خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس من أهلها النصرة فردوا دعوته رداً منكراً ، وأغلظوا له في القول ، وأغروا به سفهاءهم ، حتى تحمل النبي عليه الصلاة والسلام من الشدائد ما لم يحتمله بشر على الإطلاق إلا أن يكون نبياً ، هذه الشدائد حملت النبي صلى الله عليه وسلم على أن يشكو إلى الله ضعف قوته ، وقلة حيلته ، وهوانه على الناس ، والشكوى إلى الله من أجلِّ مظاهر العبودية .
المذيع:
 في ظلال رحلة الإسراء والمعراج ، نتحدث نحن وإياكم مستمعينا مع فضيلة العلّامة الدكتور محمد راتب النابلسي .
 شيخنا قبل الفاصل ، كان كلامكم عن الشدائد التي تعرض إليها النبي صلى الله عليه وسلم قُبيل رحلة الإسراء ، وكان دعاؤه أن يجبر الله سبحانه وتعالى ضعف قوته في ذلك الزمان .

الإسراء والمعراج مسح لجراح الماضي وتثبيت لقلب النبي :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 لقد تحمل النبي صلى الله عليه وسلم من الشدائد ما لم يحتمله بشر على الإطلاق إلا أن يكون نبياً ، هذه الشدائد حملت النبي صلى الله عليه وسلم على أن يشكو إلى الله ضعف قوته ، وقلة حيلته ، وهوانه على الناس ، والشكوى إلى الله من أجلّ مظاهر العبودية ، والضراعة إليه من أعظم القربات ، حقاً إنه سميع بصير ، فما من مخلوق يعتصم بالله من دون خلقه فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعل الله له من بين ذلك مخرجاً ، لقد أسرى الله بنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس جسماً وروحاً ، وعرج به إلى السماء ، كذلك الحديث ثم دنا ، كذلك جاء في القرآن :

﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) ﴾

[ سورة النجم ]

 إذاً :

﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) ﴾

[ سورة النجم ]

 لقد كان الإسراء والمعراج مسحاً لجراح الماضي ، وتثبيتاً لقلب النبي صلى الله عليه وسلم ، وتطميناً على مستقبل الدعوة ، وتعويضاً عن جفوة الأرض بحفاوة السماء ، وعن قسوة عالم الناس بتكريم الملأ الأعلى ، لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج أن الله معه بالرعاية والعناية ، وأنه كرمه تكريماً فريداً من نوعه ، وعرفه بأنه سيد ولد آدم ، وسيد الأنبياء والمرسلين ، لقد رأى ملكوت الأرض والسماوات ، وما تؤول إليه الخلائق بعد الممات

﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) ﴾

.
 لذلك تعد معجزة الإسراء والمعراج من أضخم أحداث الدعوة الإسلامية ، حيث سبقتها البعثة ، وجاءت من بعدها الهجرة والفتح ، نحن مسلمون .

الدروس المستفادة من الإسراء والمعراج :

 الآن دخلنا إلى سؤالك الدقيق بارك الله بك : ماذا يعلمنا الإسراء والمعراج وقد أُنزل فيه قرآنٌ يتلى إلى يوم القيامة ؟
 إن في الإسراء والمعراج مناراتٌ كبرى ، ومناراتٌ جملة ، ومواعظ بليغة ، أكثر من أن تحصى ، وأجلُّ من أن تستقصى ، إنه يعلمنا أن الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي .
 إن الإسراء والمعراج يعلمنا أن للمحن والمصائب حكماً جليلة ، منها أنها تسوق أصحابها إلى باب الله تعالى ، وتلبسهم رداء العبودية ، وتنجيهم بطلب العون من الله .
 إن الإسراء والمعراج يعلمنا أنه لا ينبغي أن تصدنا المحن والعقبات عن متابعة السير في استقامةٍ وثبات .
 إن الإسراء والمعراج يعلمنا أنه مادام الله هو الآمر فلا شك أنه هو الضامن والحافظ والناطق .
 إن الإسراء والمعراج يعلمنا أنه لولا الجهاد والصبر ما عُبِدَ الله في الأرض ، ولا انتشر الإسلام في الخافقين ، ولا كنا في هذا المكان نوحد الله ، ونسبحه وندعو إليه .
 إن الإسراء والمعراج يعلمنا أن اليسر مع العسر ، وأن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب .
 في الإسراء والمعراج فرضت الصلاة ، والصلاة من أجلِّ دروس الإسراء والمعراج ، إن الله تعالى كرم النبي محمدً صلى الله عليه وسلم بالعروج إليه ، لينال به أعلى درجات القربات، وكرم أمته لأن فرض عليها الصلوات لتكون معراجاً لها إلى رب الأرض والسماوات ، الصلاة فرضت التي هي من أجلِّ القربات ، هي أعلى مستويات القرب ، لقد فرضت الصلاة وحياً مباشراً ، والنبي صلى الله عليه وسلم

﴿ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) ﴾

﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) ﴾

 الصلاة فرضت لأنها عماد الدين ، فمن أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين .

الدين اتصال بالخالق وإحسان للمخلوق :

 الدين أيها الأخوة ، في جوهره اتصال بالخالق ، إحسان للمخلوق ، فالناس رجلان شقيٌ وسعيد ، شقيٌ لأنه مقطوع عن الله ، متفلت من منهجه ، مسيءٌ إلى خلقه ، وسعيدٌ لأنه موصولٌ به ، منضبط بشرعه ، محسن لخلقه ، الصلاة فرضت لأنها ترقى بالإنسان من عالم الأوهام إلى عالم الحقائق ، من عالم المادة إلى عالم القيم ، من التمرد في وحول الشهوات إلى التقرب من جنات القربات ، من سفاسف الأمور إلى معاليها ، من مدافعة التدني إلى متابعة الترقي ، إنها ترقى بالمصلي من حالٍ إلى حال ، من منزلة إلى منزلة ، من مقام إلى مقام ، النوع الإنساني من طبيعته التكوينية أنه هلوع ، والهلوع هو الجزوع ، المنوع ، والجزوع المنوع هو الحريص على سلامته ، والحريص على ما في يده ، إن هذا الضغط في بناء النفس يلجئه إلى باب الله عز وجل ، فيسعد بهذا اللجوء ، وبهذا القرب ، ولو خلق الإنسان قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه ، لماذا استثني المصلون من هذا الضعف الخلقي البشري ؟ قال تعالى :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) ﴾

[ سورة المعارج ]

 لقد أورد الإمام المناوي في كتابه الإتحافات السنية حديثاً قدسياً ، رواه البيهقي عن أبي الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إليّ صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم نادته من قريب ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

الصلاة قرب ووعي وخشوع :

 إن الصلاة كما أراد الله تعالى أجلّ وأعظم من أن تكون مجرد حركات وسكنات وقراءات ليس غير، إنها قرب من الله تعالى ، قال تعالى :

﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) ﴾

[ سورة العلق ]

 مع القرب خشوع ، إنها وعيٌ .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً (43) ﴾

[ سورة النساء ]

 ماذا قرأت في الصلاة ، ومع وعي العقل ، ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها، إنها عروجٌ ، الصلاة معراج المؤمن ، ومع العروج مناجاة ، لو علم المصلي من يناجي ما انفتن:

فــــــــــلو شاهدت عيناك من حسننا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنــــــــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنــــــــا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــا
ولـــــــــو نسمت من قربنا لك نسمة  لمت غريباً واشتياقاً لقربنــــــــــــــــــــا
ولو ذقت من طعم المـــــــــحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــــــــا
ولــــــــــــو لاح من أنوارنا لك لائــح  تـركت جميع الكائنـــــــات لأجلنــــــــــا
فمــــا حبنا سهل وكل من ادعــــــى  سهولته قلنا له قد جهلتنــــــــــــــــــــــا
فأيســـر ما في الحب بالصب قتله  وأصعب قتل الفتى يوم هجرنـــــــــــــــا
***

 لن تكون الصلاة قرباً ، وخشوعاً ، ووعياً ، وعقلاً ، وعروجاً ، ومناجاةً ، إلا إذا بنيت على معرفة الله تعالى ، كيف تذكر وتناجي من لم تعرفه وإن تكون الصلة كذلك ، إلا إذا سبقتها استقامة على أمر الله ، واتباعاً لسنة النبي الكريم ، كيف تتقرب ممن تعصي أمره ؟ إن الجهل مانع ، إن المعصية حجابٌ قاطع ، فإذا تفكرت في خلق السماوات والأرض عرفته ، وإن طبقت أمره الذي جاء بالنقل الصحيح عبدته ، فإذا عرفته وعبدته فقد حققت الهدف من وجودك .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ﴾

[ سورة الذاريات]

 لذلك : إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادِ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله .

ثمار الصلاة :

 لذلك تعد الصلاة ميزاناً دقيقاً بمستوى معرفتك بالله ، بمستوى عبادتك ، قال النبي الكريم : "مثل الصلاة المكتوبة كالميزان من أوفى استوفى" .
 إن من أوفى صلاته شروطها استوفى منها ثمارها التي وعد الله بها ، ولكن ما ثمارها التي وعد الله بها ؟ إنها تطهره ، تطهر نفس المصلي ، وتنهي صاحبها نهياً ذاتياً عن الفحشاء والمنكر ، على أساس الوادع الداخلي لا على أساس الرادع الخارجي ، قال تعالى :

﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) ﴾

[ سورة العنكبوت]

 لأن ذكر الله أكبر ما فيها ، سيدنا عمر رضي الله عنه أراد أن يمتحن راعياً يرعى غنمه في أطراف المدينة ، قال له : بعنِي هذه الشاة وخذ ثمنها ؟ قال الراعي : ليست لي ، قال : قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب ، فلم يجبه الراعي ، قال : خذ ثمنها ، قال : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ولو قلت لصاحبها ماتت ، أو أكلها الذئب لصدقني ، لأنني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟
 هذا الراعي لا معه دكتوراه ، ولا ماجستير ، ولا ليسانس ، ولا ثانوية ، ولا دخل جامعة ، ولا قرأ كتباً ، ولا ، ولا ، وضع يده على جوهر الدين ، في أي لحظة تقول : أين الله ؟ أنت مؤمن ورب الكعبة .
المذيع:
 ونعم بالرحمن ، الله يفتح عليكم دكتور ، ونشكركم على هذا الكلام الطيب .
 شيخنا ركزتم في حديثكم عن الصلاة ، ألا وهي العبادة التي شُرعت في هذه الرحلة، وعن أهميتها ، وأنها جاءت بوحي مباشر من الله سبحانه وتعالى إلى النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ، الآن شيخنا حينما نتحدث كثير من الناس قد يصلي لكنه لا يشعر بلذة الصلاة ، قد يصلي لكنه يشعر بثقلٍ نوعاً ما في الصلاة ، ما الذي يجري ؟ لماذا تجردت الصلاة من مضمونها في أنفسنا ؟

الذنوب تحجب الإنسان عن الأنُس والصلة بالله :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 تصور بيتاً أخي الكريم ، فيه جميع الأجهزة الكهربائية من أعلى مستوى ، لكن لا يوجد كهرباء ، لا قيمة لكل هذه الأجهزة ، المشكلة سيدي خذ شارعاً بمدينة إسلامية ، ستون ، سبعون ، مئة بيت ، لا يوجد قتل بهذا البيت ، ولا خمر ، ولا زنى ، لكن يوجد صغائر ، المنهج الدقيق أن التيار إذا انقطع ولو ميلي توقفت جميع هذه الأجهزة .
 بدقة أبلغ : أنت تمشي بطريق عرضه ستين متراً ، طريق عريض أوتوستراد دولي ، على يمينه واد سحيق ، وعلى اليسار واد سحيق ، واضح ؟ حرك السائق المقود سنتيمتراً واحداً ، هذه الصغيرة ، سنتيمتراً واحداً فقط بعد دقيقتين أو ثلاث يدخل بالوادي ، والصغيرة إذا ثبتها قطعتك عن الله ، وإن حركتها تسعين درجة وانتبهت ترجعها .

(( عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما : قالا : خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث ، وفيه : ( إنما العالم من عمل بعلمه ، وإن كان قليل العلم ، ولا تحقرن من المعاصي شيئاً وإن صغر في أعينكم فإنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار، ألا وإن الله تبارك وتعالى سائلكم عن أعمالكم ، حتى عن مس أحدكم ثوب أخيه واعلموا أن العبد يُبعث يوم القيامة على ما مات عليه، فقد خلق الله تعالى الجنة والنار، فمن اختار النار على الجنة، فأبعده الله تعالى، ألا وإن الله عز وجل لم يدع شيئاً نهى عنه إلا وقد بيّنه لكم، ليحيى من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة ))

[أخرجه الحارث]

 نحن حياتنا كلها صغائر وليست كبائر ، أدخل مئة بيت لا يوجد قتل ، ولا بيت واحد بالألف ، ولا زنى ، ولا خمر ، فقط يوجد صغائر ، سهرة مختلطة ، شاشة مفتوحة ، كسب مسكر ، مشروع ، غير مشروع ، كذب بالبيع والشراء ، هي صغائر ، مفعولها أنها تقطع المرء عن الله كالكبائر :

(( لا صغيرة مع الإصرار ))

 الصغائر انقلبت إلى عادات عندنا ، سهرة مختلطة ، شاشة مفتوحة ، سفر غير منضبط ، سهرات لا ترضي الله ، نزهات لا ترضي الله ، الصغائر تجمعت حتى أصبح لها فعل الكبائر ، أما الكبيرة مع التوبة فأصبحت صغيرة ، لذلك الحديث :

(( لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ))

المذيع:
 إذاً عدم شعور الإنسان شيخنا بثمار الصلاة ومنها حلاوة الإيمان ، ولذة الوقوف ، ومناجاة الله ، هو بسبب هذه الذنوب التي تحجبنا عن الأنُس والصلة بالله .

الله عز وجل أصل الكمال والجمال والنوال في الكون :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 ممكن أن تصل إلى أجمل مكان بالأرض ، تقول : لا يوجد شيء ، ما وجدت شيئاً، هذا غير معقول ! أنت اتصلت مع خالق السماوات والأرض ، مع العظيم ، مع الحليم ، مع الجميل ، أنت اتصلت مع أصل الكمال والجمال والنوال في الكون ، هذا الاتصال وأنت ما شعرت بشيء معنى هذا ما اتصلت بصراحة سيدي ، ما دمت لم تشعر بشيء ما اتصلت .
المذيع:
 ذكرتم شيخنا أيضاً في ظل كلامكم أن رحلة الإسراء والمعراج جاءت بين البعثة وبين الهجرة ، ما الفكرة هنا دكتور ؟

الحكمة من أن رحلة الإسراء والمعراج جاءت بين البعثة والهجرة :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 الفكرة أنه لما جافاه أهل قريش ، وآذوه ، وحملوه على أن يلجأ إلى الجبال ، إلى قمم الجبال ، إلى غار ثور ، ما الذي حصل ؟ جفوة أهل الأرض يقابلها ترحيب السماء به ، فالبطولة أن تكون عند الله لك مكانة كبيرة ، أحياناً أهل الأرض يجافون أهل الدين ، لكن الله يرحب بهم ، وإذا أعطاك من يمنعه ؟ ثم من يعطي إذا ما منعك ؟ لا يوجد إلا الله عز وجل .
 إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا ربي ماذا وجد من فقدك ؟ وماذا فقد من وجدك ؟
 البطولة ، والذكاء ، والنجاح ، عفواً أنا مضطر لأقول كلمتين : عندنا كلمة نجاح ، مع أن الذي يلفت النظر هذه الكلمة لم ترد بالقرآن إطلاقاً ، النجاح بيل غيتس يملك ثلاثة وتسعين ملياراً ، هذا نجاح ، ومؤسسة جوبز سبعمئة مليار ، بيل غيتس على فراش الموت قال : هذا الرقم لا يعني عندي شيئاً ، هذا اسمه كسب ، أي كسب ماله ، لكن الإنسان عندما يسمح له أن يتصل بالله عز وجل ، أن يتصل بأصل الجمال والكمال ، إن لم يقل ، وأنا أتحدى : ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني ، السعادة اتصال بالله ، والدنيا مهما اجتمعت في نقص .

من عاش تقياً عاش قوياً :

 عفواً ، بالبدايات الشاب صحته درجة أولى ، وهناك وقت لكن لا يوجد مال ، لا يستطيع أن يعمل شيئاً ، بنصف الحياة أخذ ليسانس وتعين ، دوام كامل ، بنصف الحياة يوجد مال ، وصحة ، لكن لا يوجد وقت ، ما استفدنا شيئاً ، تقاعد صار عنده مال ووقت ، لكن لا يوجد صحة ، أسيد أوريك ، على تشمع كبد ، على ، على ، لا يمكن أن تستقيم لأحد ، دائماً ينقصك في اللذة عنصر أساسي ، بالبدايات المال ، في الوسط الوقت ، ثم الصحة ، أما بالإقبال على الله لمجرد أن تنعقد لك مع الله صلة .
 والله كان عندنا عالم بالشام ، عاش ثمان وتسعين سنة ، صدقاً كان منتصب القامة، حاد البصر ، مرهف السمع ، أسنانه في فمه ، كان إذا رأى شاباً - هو بدر الدين الحسني - يقول : يا بني أنت كنت تلميذي ، وكان أبوك تلميذي ، وكان جدك تلميذي ، عاش ثمان وتسعين سنة ، وعلم ثلاثة أجيال ، كان كما قلت قبل قليل منتصب القامة ، حاد البصر ، مرهف السمع ، أسنانه في فمه ، يا سيدي ! ما هذه الصحة التي حباك الله بها ؟ يقول : يا بني حفظناها في الصغر ، فحفظها الله علينا في الكبر ، من عاش تقياً عاش قوياً ، نقطة مهمة جداً.
المذيع:
 الله يفتح عليكم دكتور ، شيخنا الكريم فضيلة العلّامة الدكتور محمد راتب النابلسي، في الآية الكريمة ، آية الإسراء :

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) ﴾

[ سورة الإسراء]

 ذكرتم أن الله سميع بالدعاء ، بصيرٌ بأحوال العباد ، السؤال الذي يتردد لكثير من الناس دكتورنا هل ينطق الإنسان بالدعاء أم أن علم الله بحالنا يغنيه عن سؤالنا وعن دعائنا ؟

الإيمان بوجود الله وكماله :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 الدعاء هو العبادة ، الدعاء مخاطبة عبدٍ حادثٍ ، خائفٍ ، فقيرٍ ، شهواني ، يخاطب أصل الكمال والجمال ، فالدعاء هو العبادة .

(( عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ ))

[أخرجه الترمذي]

 أنت إذا دعوت الله بماذا تؤمن ؟ أنت مؤمن بوجوده ، مؤمن بكماله ، مؤمن أنه يسمعك إن دعوته ، يؤمن إن رآك في وضعٍ يعلم إن خاطبته يسمع ، إن لم تخاطبه يعلم ، إن أضمرت شيئاً يعلم ، فأنت مع الذات الكاملة ، أصل الجمال والكمال والنوال ، فالدعاء هو العبادة .
المذيع:
 السؤال شيخنا : إن معرفة الله سبحانه وتعالى بأحوالنا تكفي أم أن علينا أيضاً هل أقول أنه أنا مثلاً فقير ، أو مريض ، والله يعلم بحالي ، إن أراد عافاني أم أرفقها بالدعاء وأضيف عليها الدعاء ؟

الدعاء وحده عبادة :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 علمه بحالي يغني عن سؤالي ، لكن الدعاء وحده بصرف النظر عن الاستجابة هو عبادة ، الدعاء وحده عبادة ، أما الاستجابة فهناك حكمة بالغة ، الله عز وجل :

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) ﴾

[ سورة البقرة]

 هناك حكمة بالغة ، أنا قد أعلمها ، وقد لا أعلمها ، إذا ما علمتها أنا مستسلم إلى قضائه وقدره ، قالوا : الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين .
 مثلاً : شخص يركب أغلى سيارة ، في مكان قطعوا له المرايا ، وصل لمكان ثان وجد أن أي سيارة مثل سيارته قد صودرت ، ولكنهم عندما رأوا أن المرايا منزوعة تركوه ، أصبحت المصيبة نعمة بالنسبة له ، القصة مشهورة .
المذيع:
 شيخنا الكريم ، ذكرتم أيضاً قبل قليل بأن الشكوى إلى الله هي من أعظم درجات العبودية ، حينما يشكو الإنسان ظرفه إلى الله ، هل هذا يمكن ألا يتوافق مع فكرة رضا الإنسان بمكروه القضاء الذي يصيبه ، أن يشكو إلى الله ، كيف نفسرها ؟

الرضا بالقضاء والقدر :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 القضاء المكروه معه ألم قطعاً ، أنا بشر ، المرض مؤلم ، والفقر مزعج ، والتشرد أصعب وأصعب ، والخيمة غير البيت ، التوكل على الله والرضا بالله لا يتناقض مع السرور أو عدم السرور ، الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ، الإسلام واقعي ، لو أن شخصاً مرتاح لا يوجد عنده أية مشكلة بصحته ، مرتاح مع زوجته ، مع أولاده ، ببيته ، فوقه سقف من البيتون، الآن الخيمة بالشتاء ، انظر إلى الوحل ، هذا شيء ألا يؤلم ؟ يؤلم قطعاً ، لكنه راض عن الله عز وجل .
 قال له : يا رب هل أنت راضٍ عني ؟ شخص يطوف حول كعبة ، ناجى ربه قال له : هل أنت راضٍ عني ؟ قال : وقع في روعه عبارة دقيقة : أن يا عبدي هل أنت راض عني ؟ قال : يا رب كيف أرضى عنك وأنا أتمنى رضاك ؟ قال له : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله .
المذيع:
 والنعم بالرحمن ، سبحانه وتعالى .
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 البطولة أن أرضى بالقضاء السلبي ، هنا الإيمان يظهر ، بالإيجابي كل الناس يرضون ، يقول لك : الله متفضل علينا .
المذيع:
 ونعم بالرحمن ، شيخنا الكريم ، في الدقيقة الأخيرة معنا في رحلة الإسراء شاء الله سبحانه وتعالى أن يسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في مدينة القدس ، ومن هناك يكون المعراج ، ما الرسالة ؟ لماذا لم يكن المعراج من مكة إلى السماء ؟ لماذا القدس ؟ لماذا المسجد الأقصى ؟

المعراج من المسجد الأقصى إشارة إلى قدسيته :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 لأن هذا إشارة إلى أن هذا المسجد يعدّ أولى القبلتين ، وثالث الحرمين ، إشارة إلى قدسيته ، ما الدليل :

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) ﴾

[ سورة الإسراء]

 البلاد الإسلامية حول هذا المسجد مباركة ، رأيت عمود الإسلام قد سُل من تحت وسادتي ، فأتبعته بصري فإذا هو بالشام - الشام أي سورية ، ولبنان ، والأردن وفلسطين - رأيت عمود الإسلام قد سُل من تحت وسادتي ، فأتبعته بصري فإذا هو بالشام ، عليكم بالشام في آخر الزمان ، هذه قضية إخبارية من الله عز وجل ، رأيت عمود الإسلام قد سُل من تحت وسادتي ، فأتبعته بصري فإذا هو بالشام ، النبي قال : طوبى لمن له فيها مربط شاة ، لعلنا نرضى بهذه البلاد ، فيها بعض المتاعب ، لكن فيها رضا من الله عز وجل .
المذيع:
 الله يفتح عليكم دكتورنا ، في ختام الحلقة نسأل الله قبول الدعاء ، وأن يؤمن من خلفكم دكتورنا الكريم .

الدعاء :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك آ وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك ، أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا ، اجعل هذا البلد الأردن آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين ، واحقن دماء المسلمين في كل مكان .

الاستماع للدرس

00:00/00:00

إخفاء الصور