وضع داكن
17-08-2022
Logo
حياة المسلم 4 - إذاعة حياة إف إم : الحلقة 05 - التسامح فضيلة أم ضعف
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

مقدمة :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا بما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
المذيع :
 دكتورنا الكريم حياكم الله وأهلاً بكم معنا .
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم .
المذيع :
 هذه الحلقة بعنوان : "التسامح فضيلة أم ضعف ؟" ، هذه الأسئلة الكبيرة التي يطرحها الناس هل لي أن أعفو عن الآخرين أم لا ؟ إذا كان الآخر يفهم تسامحي ضعفاً ماذا أفعل وإذا كان يتعمد أن يستقوي عليّ فإنني دائم المسامحة ماذا أفعل ؟ وأين نحن من هذه النصوص من قوله تعالى :

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(14) ﴾

[سورة التغابن]

 وقول النبي الكريم :

((ارحموا ترحموا واغفروا يغفر الله لكم))

 شيخنا الكريم مرحباً بكم ، ونبدأ مع فضيلتكم بالمفاهيم ، ما المقصود بمصطلح العفو أو التسامح ؟

انطلاق التسامح من الرحمة والحبّ :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 أخي الكريم ؛ جزاك الله خيراً على هذا السؤال الدقيق ، التسامح في الأصل ينطلق من الرحمة والحب ، لا بد من فهم انطلاقه ، التسامح فضيلة رائعة جداً ، كبيرة جداً ، يحبها الله ويحبها الناس ، ولكن هذه الفضيلة تنطلق من الرحمة والحب ، بل التسامح هو الطريق إلى محبة الله للعبد ، والتسامح هو الطريق إلى محبة الخلق للعبد ، المتسامح يحبه الله في سمائه ، والعباد في أرضه ، لأن النفوس جبلت على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ، الحبّ شعور ، الحبّ مشاعر عميقة جداً ، لكن هذا الحب كيف يترجم في عالم الواقع إلى ود ؟ الود عمل ، الود زيارة ، الود هدية ، الود مصافحة ، الحب في الداخل والود في الجوارح ، فما من حب إلا يترجم بالود ، والله عز وجل ودود ، وهو الغفور الودود يحبنا لكن أكرمنا أعطانا الصحة، والأولاد ، والزوجة ، والمال ، والمكانة الاجتماعية ، فالحب والود متلازمان ، الأول داخلي شعوري والثاني سلوكي .
المذيع :
 عندما نقول التسامح هل معنى هذا أن الإنسان يغفر للطرف المقابل له أم أن معناها لا يحمل في قلبه ضغناء ماذا يعني التسامح ؟

كيفية العفو عن الطرف الآخر :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 هذه فيها قانون ، القانون إذا غلب على ظنك أن عفوك عنه يقربه إلى الله ينبغي أن تعفو عنه ، الدليل :

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)﴾

[سورة الشورى]

 أحياناً سائق يمشي على أقل سرعة ممكنة ، طفل صغير ، بخطأ من الطفل صار أمام المركبة ، الأب حينما يعلم أن السائق ما عمل شيئاً ، هذا قضاء وقدر ، لو خفف عنه المسؤولية يكون عمل عملاً عظيماً ، أما إذا كان هناك سرعة طائشة من شاب طائش ، أخذ السيارة من والده سرقة يجب أن يعاقب ، إذا كان العفو عنه يصلحه ينبغي أن تعفو عنه ، والدليل :

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)﴾

[سورة الشورى]

 إذا كان العفو عنه يزيده طغياناً ينبغي أن تعاقبه ، هذه الحكمة ، الحكمة أدق عطاء إلهي ، قال تعالى :

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) ﴾

[سورة البقرة]

 النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( جبلت النفوس على حبّ من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها ))

[ ورد في الأثر ]

 والحب يتبعه الود ، الود حركة ، سلام ، زيارة ، هدية ، طلب مسامحة ، حركة ، والود شعور .
المذيع :
 حينما يسيء شخص إليّ أو يأكل حقاً لي وأنا أسامحه ، ما معنى أن أسامحه ؟

التسامح بين الفضيلة والخوف :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 إذا كان قوياً وسامحته هذه ليست مسامحة ، هذا خوف ، أما إذا كنت مقتدراً وسامحته فهذه فضيلة ، لا يعد الضعيف متسامحاً ، لا يستطيع أن يفعل شيئاً ، التسامح ليس له معنى إطلاقاً ، التسامح غباء .
المذيع :
 تسامح الضعيف الذي لا يملك حقه لا يعتبر مقبولاً ؟

خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 لكن بشكل عام يقابل ذلك :

((المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))

[ رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 القوي خياراته في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى ، والقوة ثلاثة أنواع ؛ قوة المال ، وقوة العلم ، وقوة المنصب ، إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً ، والنبي يقول :

((المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))

[ رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

المذيع :
 دكتور أنا أفهم من كلام فضيلتكم أن الإنسان حينما يؤكل حقه عليه أن يسعى بداية لأخذ هذا الحق ، وحينما يصل إلى مكانة يتمكن فيها من أخذ حقه هنا يقرر الاستمرار أو العفو هل هذا صحيح ؟

المؤمن قوي وعزيز :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 قال تعالى :

﴿ وَالَّذينَ إِذا أَصابَهُمُ البَغيُ هُم يَنتَصِرونَ (39)﴾

[ سورة الشورى]

 هذه صفة المؤمن ، المؤمن قوي وعزيز ، أما إذا غلب على ظنه أن عفوه عن هذا المذنب يزيده قرباً من الله وهناك رحمة يعفو عنه وله أجر .
المذيع :
 لماذا هذه القاعدة دكتور أن الإنسان عليه أن يسعى ليصل إلى مرتبة من خلالها يتمكن من أخذ حقه ثم يقرر العفو لماذا ليس من الخطوة الأولى حينما أسيء له ؟
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 إذا كان يستطيع لا يوجد مانع ، أحياناً يقول : أنا سامحته ولا يستطيع أن يتكلم معه ، هذه ليست مسامحة .
المذيع :
 حتى لو كانت من قلبه ، أنا كنت ضعيفاً لكني من قلبي سامحته ، ذاك الإنسان أقوى مني .
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 لماذا سامحه ؟ يوجد أسباب نفسية ، يكون هناك سبب وجيه ، إذا لا يستطيع أن ينتصر لحقه هذا السبب غير مقبول .
المذيع :
 إذاً أنت ترشد الناس أن الإنسان عليه ألا يكون خنوعاً ، وألا يكون مستكيناً ، وأن يكون قوياً في الوصول إلى حقه ثم يقرر العفو .

الدعاء هو العبادة :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 نقطة توحيدية دقيقة ، الله مع الحق ، إن كنت ضعيفاً يا رب ليس لي غيرك ، أنت وليي ، أنت معيني ، أنت القوي ، طبعاً الدعاء هو العبادة ، العبادة كلها دعاء .
المذيع :
 أفرض أن جاراً لي آذاني بموقف المركبة ، بكلمة معينة ، بصوت مرتفع ، هل عليّ أن أذهب وأعاتبه أم أعفو عنه أم من البداية يكظمها الإنسان ؟

اعتماد الإنسان على الحكمة عند العفو لأنها أعظم عطاء إلهي :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 هذه الحكمة ، لا يوجد عطاء يفوق الحكمة ، أحياناً تعاتب ، أحياناً تتجاهل ، أحياناً تعاقب ، قال تعالى :

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) ﴾

[سورة البقرة]

 الحكمة لا تؤخذ ، ما قال : ومن يأخذ الحكمة ، وما قال : ومن يكن حكيماً ، الحكمة تجعل العدو صديقاً ، وعدم الحكمة تجعل الصديق عدواً ، بالحكمة تسعد بأي زوجة ، بلا حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى ، بالحكمة تتدبر أمرك بمال محدود ، بلا حكمة تتلف المال الكثير ، أكبر عطاء إلهي ، الحكمة لا تؤخذ ، ولا تكون بل تؤتى :

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) ﴾

[سورة البقرة]

المذيع :
 أمر الله لنا بالعفو هل هو مقتصر على المسلمين أم أننا نعفو عمن أساء إلينا على اختلاف دينه أو مستوى التزامه ؟

العفو عمن أساء إلينا سواء أكان مسلماً أو غير مسلم :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 ينبغي أن تعفو عن إنسان إذا غلب على ظنك أن عفوك عنه يقربه إلى الله ، غير مسلم شاهد أنك عفوت ، أذكر مرة كنت أركب مع أخ كريم من لبنان ، وهو ضيفي في الشام ، ركبت معه في سيارته ، عمل حادثاً مع سيارة عمومي ، هو ممتلئ مالياً ، السائق عندما نظر إلى اللوحة اللبنانية ، قال له : مسامح ، أنا ما فهمت ، سيارته تكلف ألفي ليرة لأنه رأى أن اللوحة لبنانية قال له : مسامح ، والرجل صاحب السيارة وضعه المالي جيد جداً ، فبكى دمعات على خده ، لفت نظري بكاءه ، أنت لست بحاجة إلى النقود لم بكيت ؟ قال لي : منذ حوالي سنتين إنسان سوري راكب سيارته كل النساء محجبات عمل حادثاً معي كلفني ألفين أو ثلاثة ، عندما وجدته أتى يعمل نزهة في لبنان ومعه نساء محجبات قلت له : مسامح ، فتذكر مسامحته لهذا السوري الذي ما أحب أن يخرب له نزهته فبكى .
المذيع :
 صنائع المعروف تبقى .
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 أبداً ، أبداً لا يضيع عند الله شيء .
المذيع :
 ذكرتم قاعدة أن الإنسان إذا غلب على ظنه أن عفوه يصلح من أمامه ، ويقربه إلى الصواب ، فلا بد من العفو هنا ، وإذا غلب على ظنه أن عفوه عنه سيجعله يتمادى في إفساده للناس ، الأولى هنا ألا نعفو .
 وذكرتم قاعدة ثانية ، أن الإنسان عليه أن يصل إلى مرتبة يستطيع بها أن يدافع عن حقه ، ثم يقرر العفو ، ولا يكون العفو مع الضعف .
 كثير من الناس يرغب بالعفو والفضل لما له من أجر في الكتاب والسنة ، ولكنه يقول: هل إذا عفوت عن إنسان سقط حقي ؟ لقد آذاني بالمال أو بالكلام ثم أعفو عنه فنصبح واحداً هل هكذا تفسر شرعاً ؟

العفو عن المعاقبة شيء والتبرئة شيء آخر :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 بين العفو عن معاقبته وبين تبرئته فرق بينهما ، أنا عفوت عنك سوف لا أعاقبك ، لكن حقي عندك محفوظ ثابت ، أما التبرئة فشيء آخر ...
المذيع :
 ممكن مثال حتى تتضح ؟
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 لك مع إنسان مبلغ ضخم ، واستحق السند بعد يومين ، هناك سجن إن لم يدفع ، أنت عفوت عنه لن تعاقبه بالسجن لكن حقك ثابت ، أنت أخرجته من دفع المبلغ كلياً ، والآية :

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)﴾

[سورة الشورى]

 إذا غلب على ظنك أنه فقير ، وعنده أولاده ، ولا يمكن أن يؤدي الدين، عدم أخذ الدين يعد عند الله صدقة مميزة ، هذا يسجل لك عند الله صدقة متميزة .
المذيع :
 في قضية العفو والتسامح عن الناس في القضايا المادية ذكرتم مثالاً ، ماذا عن القضايا المعنوية ؟ لو أن إنساناً ذكرني بسوء أو ذكر امرأة فأساء لعرضها بسوء إذا أرادت أن تعفو عمن أساء إليها هل تساوت هي ومن عفت عنه ؟

العفو والتسامح في القضايا المعنوية :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 لا تعفو عنه إلا إذا تكلم كلاماً معاكساً ، هذا كلام فارغ ، جلسة يوجد فيها ثلاثون شخصاً ، تكلمت عنه أن ذمته غير سليمة ، فضحته ثم عفوت عنه ، لا ، يجب أن تجمع الناس مرة ثانية وتبلغهم أنا كنت مخطئاً ، أنت هتكت عرضه ، ليس للنساء خاصة للرجال أيضاً، تاجر محترم أمين اتهمته أنه اغتصب مالك أمام ثلاثين شخصاً ثم تعفو عنه ، لا ، تجمعهم وتقول : أنا كنت مخطئاً ..
المذيع :
 مفهوم العفو الذي نتداوله منذ زمن أن الإنسان عليه أن يعفو عمن أساء إليه ، وأن من يعفو يحبه الله ، فأصبحت الفكرة أن تفسيرنا لمصطلح العفو أن تسقط حقك فوراً .

العفو إن فُسِر سذاجة فينبغي ألا نعفو :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 النبي صلى الله عليه وسلم قاتل عفا عنه حينما استجار به ، فقتل مرة ثانية ، فلما قتل مرة ثانية ، قال له : لا تقل ضحكت على محمد مرتين ، المرة الثانية صار هناك عدوان مبالغ به ، إذا العفو فسر سذاجة ، وضعف ، وجهل ، ينبغي ألا تعفو عنه لئلا يتمادى في أخطائه ، الحكمة إذا غلب على ظنك أن عفوك عنه يدفعه إلى أخطاء أخرى فلا تعف عنه .
المذيع :
 في قضية تكرار الخطأ ، أفترض أنني مدير مؤسسة وأحد الموظفين أخطأ خطأ يستحق عقوبة عفوت عنه بعد أسبوع قام بنفس الخطأ .
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 أنا اجتهادي المتواضع ممكن أن تعفو عنه ثلاث مرات والرابعة تعاقبه ، أو تطرده من العمل ، دائماً الإنسان يكون هناك خطأ تعمق في كيانه يرتكبه عن غير قصد ، أنت نهيته فما انتبه ، تعمق بكيانه الداخلي ، أنا أقول للأخوة الكرام ؛ للمدراء ، ارتكب الموظف خطأ نبلغه ، إذا أعاده مرة ثانية ، الثالثة نقول له : مع السلامة ، ليس من أول مرة ، تنبيه إنذار فصل .
المذيع :
 لا بد من تنبيه على هذا الخطأ ، العفو ليس أن تعفو دون أن تنبهه .

ضرورة توضيح الأمر في حالة العقاب أو العفو :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 لو أن الابن ارتكب خطأ وأنت ضربته ، هذا لا يكفي ، هناك نقطة ثانية ، هذا الابن ارتكب خطأ ضربته ، أنت ارتحت لأنك عاقبته ، لكن لماذا أنت عاقبته هو لا يعرف ، لا بد من أن تبلغه ، ضربتك لأنك أخذت بالرياضيات صفراً ، ربط العقاب بالذنب ، ما لم يربط العقاب بالذنب العقاب ليس له قيمة ، والعفو ليس له قيمة .
المذيع :
 لا بد من توضيح الأمر في حالة العقاب أو العفو .
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 الدليل :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) ﴾

[سورة التوبة]

 الله عز وجل أعطى السبب ، مع أنه خالق الأكوان يكفي أن يقول : افعل فقط ، مع أنه خالق الأكوان قال لك :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) ﴾

[سورة التوبة]

 فأنت بالأمر تعطي التعليل ، صار أمراً يتبناه الموظف ، المدير أعطى أمراً نحن عندما نتأخر نخلق للمراجعين مشكلة ، هذا جاء من مكان بعيد وأنت لم تأت بعد ، أنت عندما تعطي الأمر مع التعليل احترمته للشخص ، أقنعته ، لذلك قالوا : أقنع ولا تقمع .

الأسئلة :

المذيع :
 معنا أبو جمال تفضل ....
السائل :
 باختصار أحد أصحاب العمل تقوى على ابني وفصله من العمل ، وأنا قلت لابني : ادع ربك ولا تسامحه لأنه من مصدر قوة ، اخترق القوانين ، والشرع ، ولم يرد على أي شيء ، أنا لن أسامح أحداً وعند رب العالمين نقف معاً .
المذيع :
 أنت رفعت دعوى لمحاولة تحصيل حقوقك ؟
السائل :
 المحامون ما قبلوا لأن مبلغها ألف .
السائلة :
 لي أخ أساء إليّ وتكلم عني أشياء كلها افتراء ، ثم أهلي علموا أنه افتراء ، وهو مصر أنه لا يغلط ، أنا بمقاطعتي له هل أنا مشاحنة ؟ هو تجرأ على رب العالمين وأنا عفوت عنه .
المذيع :
 الآن بينكم يوجد كلام أم قطيعة ؟
السائلة :
 قطيعة ، لكن أولاده أتكلم معهم .
المذيع :
 هل حاول أن يسترضيك ؟
السائلة :
 أبداً غير ذلك هو يعاند ..
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 أنصح الأخ أبا جمال أن يطالب بحقه مرتين أو ثلاث ، أن يلجأ لغير القضاء ، للوجهاء ، لشخص له مكانته في السوق ، لأصدقائه أو المقربين يتكلم معهم ، يعمل عليه ضغطاً خارجياً اجتماعياً .
المذيع :
 من الزاوية الأخرى حينما يتمكن بعض مدراء العمل أن يلتوا في بعض البنود في القانون فيأكلوا حقوق العمال البسطاء ماذا تقول لهم دكتور ؟

من لا يخاف الله إنسان أحمق وجاهل :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 ارتكبوا خطأ كبيراً كبيراً والله ينتقم ، الله عنده علاجات مخيفة ، عنده مرض خبيث فجأة ، عنده حادث سير فجأة ، الله قادر بلحظة واحدة أن يجعل حياة الإنسان جحيماً ، وكل إنسان لا يخاف من الله أحمق ، هو إنسان جاهل وغبي ، الله كبير ، خثرة في الدماغ تقلب حياة الإنسان جحيماً ، فشل كلوي ، تصبح الحياة حجيماً ، الله عز وجل مالكنا من مليون بند ، إذا نحن استرضيناه بطاعتنا له ، وبإعطاء الحقوق لأصحابها :

(( اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً فإنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ]

 وهناك رواية : ولو كان كافراً ، والله لو ظلمت إنساناً مجوسياً الله عز وجل يحاسبك .
المذيع :
 شيخنا حينما يظلمني إنسان هل من حقي الشرعي أن أدعو عليه بالضر ؟

الدعاء على من أساء فقط :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 الدعاء من حقك لا يوجد مشكلة ، أي دعاء ادعه ، النبي صلى الله عليه وسلم بعث أصحابه للدعوة ذبحوا ، فالنبي دعا عليهم ، أنتم طلبتم عشرين صحابياً ذبحوهم في الطريق .
المذيع :
 أنا أقصد بعض الناس يدعو بالسوء على عائلة المتضرر مثلاً هذا المدير الذي ظلم اللهم انتقم من أولاده هل يجوز هذا ؟
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 لا ، هذا خطأ ، الزوجة لا علاقة لها :

﴿ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) ﴾

[ سورة الإسراء ]

 ليس لها علاقة ، من أساء فقط .
المذيع :
 سؤال الأخت مها حول القطيعة وشتم الذات الإلهية .

من شتم الذات الإلهية فهو بعيد عن الله بعد الأرض عن السماء :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 هو بعيد عن الله طالما هناك شتم للذات الإلهية ، بعيد عن الله بعد الأرض عن السماء ، شتم الذات الإلهية أحياناً تخرج من الدين .
المذيع :
 في قضية الإساءة لها ولسمعتها ولم يحاول أن يصلح ، هل هي آثمة ؟

الابتعاد عن قطع الرحم :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 في العيد تخبره كيف صحتك أخي ؟ فقط بالعيد ، وتلغي القطيعة من قبلها إلغاء ، باتصال هاتفي في العيد ، من العيد للعيد لم يعد هناك قطيعة خرجت من إثم القاطع .
المذيع :
 معنا عبد السلام تفضل ...
السائل :
 موضوع المدين والشيكات ، يوجد أناس عليهم شيكات وأمهلهم لآخر السنة بحيث لا يسجنهم ، ما دور صاحب الشيكات المتضرر يسامح أم يعفو عنهم ؟

المسلمون عند شروطهم :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 الإجراء ألا يكون هناك سجن فقط ..

﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) ﴾

[ سورة البقرة ]

 هذا قرآن كريم .
المذيع :
 إذا أحد الأشخاص كان مقتدراً ولكنه يتكئ على هذا القانون في الأداء هل يجوز ؟
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 لا يجوز ، الدين أخطر شيء في الحياة ، الله يعلم أنه مقتدر ، وكل إنسان يظن أن الله لا يعلم فهو أكبر بعيد عن الله عز وجل .
المذيع :
 لا بد من الأداء بوقت الاتفاق ، ومن لا يملك يستطيع أن يستفيد من هذه الفسحة القانونية.
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 قاعدة أصولية فقهية ، المسلمون عند شروطهم ، أنت وقعت عقداً بالأداء ، أنت وقعت عقداً بالأداء في واحد شباط هذا العقد صار ملزماً ، المسلمون عند شروطهم .
المذيع :
 معنا أبو أحمد تفضل ...
السائل :
 سؤالي : تشاحنت مع إنسان ثم توفاه الله ، كيف يسامحني ؟ هذا الشق الأول .
 الشق الثاني : هل الله يسامح الناس في الغابات التي لم يصلها الإسلام عاشوا وماتوا لا يعرفون شيئاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟

الدعاء للميت بالرحمة إذا اختلف الناس أثناء الحياة :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 إذا كانت الخصومة بينهما بالهاتف ، يزوره ، إذا مات الدين يؤده للورثة ، هذا الدين من حق الورثة ، إذا كانت الحقوق معنوية يدعو الله عز وجل أن يسامحه .
المذيع :
 هل يمكن أن يدعو له بالرحمة ؟
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 الدعاء يصل للميت قولاً واحداً .
المذيع :
 إذا كان هناك أشخاص لم يصلهم دين الإسلام في الأدغال هل يحاسبون ؟

من لم يصله دين الإسلام يحاسب على عقله وفطرته فقط :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 يحاسبون على عقلهم وفطرتهم فقط ، العقل كاف أن يصل إلى وجود الله ، والفطرة كافية أن تعرف الخطأ .
المذيع :
 شيخنا كثير من الناس يحثونك على أن تسامح وأن تسامح الجميع قبل أن تنام ، من هؤلاء الناس هناك من أصبح يستقوي علينا لأنه يعرف مثلاً أن فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي سوف يسامح كل من يسيء له ، ما هو الإرشاد ؟

من استغل الدين لمصلحته سيعاقبه الله أشدّ العقاب :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 هذا الذي يعتمد على مسامحة المؤمن سيعاقب أشد العقاب في حق الله عز وجل ، لو إنسان سامح الله له حق ، فإذا الله علم من هذا العبد أنه يستخف بهذا الذي عليه دين ، يقول : هو صاحب دين سيسامحني ، هذا له عقاب أشد لأنه استغل الدين لمصلحته ..
المذيع :
 وهل تنصح هؤلاء المؤمنين الذين يكثرون من العفو أن يفعلوا هذا مع كل الناس أم ينتقوا ؟

المغبون لا أجر له :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 أنت لا تسامحه خذ المبلغ وادفعه للفقير الذي يموت من الجوع ، إذا إنسان قادر أن يدفع وما أخذت منه ليس لك أجر ، قاعدة فقهية : المغبون لا أجر له ، لك مع شخص دين وهو مليء وتعنت بالدفع طالبه أو أقم عليه دعوى ، خذ المبلغ وادفعه للفقراء للأيتام .
المذيع :
 في الختام ترشد الناس أن على الإنسان أن يسعى بكل الطرق لأخذ حقوقه ثم يقرر العفو أو الاستمرار في أخذ حقوقه ، ولكن ليس من باب الضعف ؟

ارتباط الإيمان بردّ الحقوق :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 يوجد نقطة دقيقة ؛ لي قريب عنده محل حلويات بمركز المدينة بدمشق ، دخل لعنده شخص ألقى على الطاولة عشر ليرات سورية - القصة من ثلاثين سنة - ما فهم لماذا ألقاها وذهب ؟ أرسل الموظف ليتبعه ، قال له : ما القصة ؟ قال له : منذ عشر سنوات دخلت وأكلت قطعة حاوى ولم أدفع ثمنها ، كان ثمنها عشرة قروش ، يحاسب نفسه منذ عشر سنوات أكل قطعة حلوى في هذا المحل ولم يدفع ثمنها ، كان ثمنها عشرة قروش دفع عشر ليرات ، كلما كان إيمانك بالله قوياً تخاف من الحقوق ، هناك ذنب يغفر ما كان بينك وبين الله ، وذنب لا يترك ما كان بينك وبين العباد ، لا يغفر إلا بإحدى حالتين ؛ بالأداء أو بالمسامحة ، وذنب لا يغفر إطلاقاً هو الشرك بالله .
المذيع :
 نختم لقاءنا بدعاء .

الدعاء :

الدكتور راتب :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك ، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم ....

خاتمة و توديع :

المذيع :
 بارك الله بكم فضيلة العلّامة الدكتور محمد راتب النابلسي ، نسأل الله أن يجعلنا من عباده الواصلين لأرحامهم ، سبحانك اللهم وبحمدك ، نشهد أن لا إله إلا أنت ، نستغفرك ونتوب إليك .

الاستماع للدرس

00:00/00:00

إخفاء الصور