وضع داكن
17-08-2022
Logo
حياة المسلم 4 - إذاعة حياة إف إم : الحلقة 01 - فطوبى للغرباء
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

مقدمة :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
المذيع:
 من جديد على الهواء ، عبر أثير إذاعتكم حياة fm ، في مجلس علمٍ وإيمانٍ جديد مع فضيلة العلّامة المربي الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، حياكم الله أستاذنا وشيخنا .
الدكتور محمد راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم .
المذيع:
 أكرمكم الله ، ومتعنا الله بعلمكم ، وأمدّ في عمركم شيخنا الكريم .
vأهلاً ومرحباً بكم ، عنوان حلقتنا ونقاشنا : "فطوبى للغرباء" ، وهو اقتباسٌ من قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم :

((عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بَدَأَ الإِسلامُ غريباً ، وسَيَعُودُ غريباً كما بدَأَ ، فطُوبَى للغرباءِ ))

[ أخرجه مسلم]

vنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أولئك الذين يحيون الدين دائماً وأبداً .
vشيخنا الفاضل ، نبدأ مع فضيلتكم بتوضيح المصطلح ، ماذا تعني كلمة الغرباء ؟

الإنسان هو المخلوق الأول المشرف بالتكليف :

الدكتور محمد راتب :
vله رواية ثانية :

(( عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن عنده : ' طوبى للغرباء ' . فقيل : من الغرباء يا رسول الله ؟ قال : ' أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر من يطيعهم ))

[أخرجه أحمد والطبراني]

 هؤلاء غرباء ، الحقيقة ؛ الإنسان خُلق لمعرفة الله ، الله عز وجل أعطاه أمانة التكليف .

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)﴾

[ سورة الأحزاب]

 وقبل أن أتابع ؛ السماوات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون ، والكون ما سوى الله :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

 فلما قبِل الإنسان حمل الأمانة كان عند الله المخلوق الأول رتبةً :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

 فلما كان المخلوق الأول شرفه الله بالتكليف ، كلفه بنفسه كأمانة عنده ، بتزكيتها ، والدليل :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ( 9 ) ﴾

[ سورة الشمس]

 عرفها بالله ، عرفها بمنهجه ، حملها على طاعته ، جعلها تتقرب إليه ، وتخدم عباده .

﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ( 10 )﴾

[ سورة الشمس]

 أفرغها من هذه المهمة المقدسة ، جعلها كائناً يأكل ويشرب .

﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) ﴾

[ سورة الفرقان]

 شيء لا يصدق .

خمسة أوصاف للقرآن الكريم لمن شرد عن الله :

 خمسة أوصاف للقرآن الكريم لمن شرد عن الله ولم يحمل الأمانة ، قال :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) ﴾

[ سورة النحل]

 نبضه ثمانين مثالي ، ضغطه 12 ـ 8 مثالي ، عند الله ميت ، قال :

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) ﴾

[ سورة المنافقون]

 قال :

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ﴾

  قال :

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) ﴾

[ سورة الجمعة]

خيار الإنسان مع الهدى خيار وجودي :

 خياري مع الهدى لا خيار تحسيني ، خيار وجودي ، إن لم أعرف سرّ وجودي ، وغاية وجودي ، ومستقبل وجودي ، والبرزخ ، والموت ، والآخرة ، والجنة ، والنار ، لست من بني البشر .
 أذكر مرة كان عندنا دكتور بالجامعة ، من كبار علماء النفس ، من كبار العلماء ، مرة قال كلمة ، أقيم له حفل وداع كبير جداً في الجامعة ، قال : كل إنسان لا يشعر بحاجة إلى أن يُحِب ، أو إلى أن يُحَب ، ليس من بني البشر .

الحبّ أساس العلاقة بين العبد وربه :

 لذلك الله عز وجل خلقنا ، حياتنا بيده ، الموت بيده ، الصحة بيده ، المرض بيده ، الغنى بيده ، الفقر بيده ، لكن مع كل ذلك ما قبل أن نعبده إكراهاً ، قال :

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) ﴾

[ سورة البقرة]

 بل أراد ن يكون الحب أساس العلاقة بيننا وبينه ، قال :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) ﴾

[ سورة المائدة]

 لذلك قال العلماء : الحب في الله عين التوحيد ، أن تحب الله ، أن تحب الأنبياء جميعاً ، أن تحب الرسل جميعاً ، وعلى رأسهم النبي الكريم ، أن تحب العلماء الربانيين ، أن تحب المؤمنين ، أن تحب المسلمين ، أن تحب بلادهم ، أن تحب وضعهم .
المذيع:
 هذا شيخنا جزء من عقيدة الولاء والبراء عند المؤمن ؟
الدكتور محمد راتب :
 نعم ، الحقيقة هي العقيدة السادسة ، الفريضة السادسة ، أن توالي المؤمنين ولو كانوا فقراء وضعفاء ، وأن تتبرأ من الكفار والمشركين ولو كانوا أقوياء وأغنياء ، هذه الفريضة السادسة ، الولاء والبراء ، فلذلك الإنسان عندما قبِل حمل الأمانة ، كان عند الله المخلوق الأول رتبةً ، والمفضل تكرماً ، والمكلف مسؤوليةً .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 )﴾

[ سورة الذاريات]

العبادات الشعائرية إن لم تتوافق مع العبادات التعاملية تكون هباء منثوراً :

 علة وجودنا العبادة ، هناك فهمٌ محدود يتوهم أن العبادة هي العبادة الشعائرية ، أي صلاة ، صوم ، حج ، زكاة ، أنت تذهب إلى المسجد لماذا ؟ لشيئين ؛ كي تتلقى تعليمات الصانع ، من خطبة جمعة ، من درس علم ، وتأتيه مرة ثانية ، أو في المرة نفسها كي تصلي ، كي تقبض الأجر ، أما الدين فأين هو ؟ ببيتك ، بعملك ، باختيار زوجتك ، بتربية أولادك ، بحشمة بناتك ، باختيار عمل شريف ، والتعامل معه بشكل شريف ، لذلك الدين الشعائري يوجد جواب دقيق جداً ولعل فيه قسوة .
المذيع:
 نوضح فقط المقصود بالمصطلح الديني الشعائري ؟
الدكتور محمد راتب :
 أي العبادات الشعائرية ؛ صلاة ، صوم ، حج ، زكاة ، شهادة .
المذيع:
 هذه عبادات ، الصلاة شعائرية .
الدكتور محمد راتب :
 واحدة ، واحدة ؛

(( يؤتى برجال يوم القيامة لهم أعمال كجبال تهامة، يجعلها الله هباء منثوراً، قيل: يا رسول الله جلهم لنا؟ قال: إنهم يصلون كما تصلون، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها))

[ ابن ماجه عن ثوبان]

 انتهت الصلاة ، من أنفق المال ، وهذا المال ما ارتقى به إلى الله ، ما انتفع من هذه الزكاة .
المذيع:
 يجب أن تكون خالصة لله تعالى .
الدكتور محمد راتب :
 من صام رمضان ولم يتب إلى الله توبة نصوحة ، ما انتفع من هذا الشهر ، حتى الشهادة يجب أن تحجبه عن محارم الله ، فإن لم تكن كذلك لا جدوى منها ، العبادات الشعائرية الخمسة من دون استقامة ، من دون عبادات تعاملية ، عندنا عبادة شعائرية ؛ صلاة ، صوم ، حج ، زكاة ، شهادة ، خمس .
المذيع:
 بينك وبين الله .
الدكتور محمد راتب :
 أما العبادة التعاملية فتبدأ من فراش الزوجية وتنتهي بالعلاقات الدولية .
المذيع:
 العبادة التعاملية ، تعاملي مع الناس ، دكتور .
الدكتور محمد راتب :
 كسب مالك ، إنفاق مالك ، اختيار زوجتك ، تربية أولادك ، خروج بناتك ، حرفتك صالحة ؟ تجوز أم لا تجوز ؟ التعامل يجوز أم لا يجوز ؟ يبدأ بعبارة دقيقة جامعة مانعة ، من فراش الزوجية ، وينتهي بالعلاقات الدولية ، هذا الدين ، منهج تفصيلي .
المذيع:
 ذكرتم عبارة حساسة شيخنا ، أن العبادات الشعائرية كالصلاة ، والصيام ، والزكاة إن لم تتوافق مع العبادات التعاملية ، قد تكون هباء منثوراً .
الدكتور محمد راتب :
 لا نقطف ثمارها .
المذيع:
 وهل العكس صحيح شيخنا ؟

من أخلّ بما كُلف به من عبادة فالله جلّ جلاله في حِلّ من وعوده :

الدكتور محمد راتب :
 عفواً ، إذا شخص معه مرض جلدي خطير ، ونصحوه بأشعة الشمس فقط ، إذا جلس بغرفة قميئة ، ورطبة ، ومظلمة ، وقال : يا لها من شمسٍ ساطعة ! بفصاحة ، وبيان ، إنها الشمس الشافية ، هذا كلام لا يقدم ولا يؤخر ما لم نطبق منهج الله .

(( عن ابن عباس رضي الله عنهما : أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال : ' خيرُ الصحابةِ : أربعةٌ وخيرُ السرايا : أربعُمائةٍ ، وخيرُ الجيوشِ : أربعةُ آلافٍ ، ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أخرجه التَّرمِذِي ، وأبو داود]

 فإذا كنا مليارين ، وليست الكلمة هي العليا ، عندنا مشكلة كبيرة جداً ، الآية :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) ﴾

[ سورة النور]

 وعد إلهي ، هذه حقيقة مرة ، وأراها أنا أفضل ألف مرة من الوهم المريح ، لسنا مستخلفين ، ولا آمنين ، ولا ممكنين ، آخر كلمة بالآية كلها الطويلة ، هي بنصف صفحة ، الكلمة :

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

 فإذا أخلّ الناس جميعاً بما كُلفوا به من عبادة فالله جلّ جلاله في حِلّ من وعوده الثلاث .
 لذلك قالوا : الحرب بين حقين لا تكون ، مستحيل ومليار مستحيل ، الحق لا يتعدد أي بين نقطتين يمر مستقيم واحد .
المذيع:
 أي هذا الوعد الإلهي مشروط بأن تتحقق العبادة .
الدكتور محمد راتب :
 زوال الكون أهون على الله .
المذيع:
 سيدنا ؛ افرض أنا تعبدت الله ، لكن من حولي في المجتمع لم يعبدوه .

الإسلام فردي وجماعي :

الدكتور محمد راتب :
 لك معاملة خاصة .

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾

[ سورة الأنبياء]

المذيع:
 هنا أُمَكن بشكل فردي ، لكن الأمة الإسلامية كأمة لا تُمَكن .
الدكتور محمد راتب :
 عندنا إسلام فردي ، وإسلام جماعي ، الفردي :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) ﴾

[ سورة النساء]

 أنت صليت خمس صلوات ، اخترت زوجة صالحة ، ربيت أولادك ، حجبت بناتك، مصلحتك مشروعة ، ليست في بيع الخمور ، وأثناء التعامل لم يكن هناك ربا ، لم يكن هناك تقسيط ربوي ، لم يكن هناك غش ، لم يكن هناك زيادة ، إلى آخره .
 فأنت عندما عرفت الله ، وعبدته ، وطبقت منهجه ، وأكرمت عباده ، واخترت عملاً مشروعاً ، وزوجة صالحة ، وكان بيتك إسلامياً ، والشاشة مضبوطة ، والسهرات مضبوطة ، واللقاءات مضبوطة ، والنزهات مضبوطة ، والاحتفالات مضبوطة ، كل شيء مضبوط ، أنشأ الله لك حقاً عليه ، قال لك :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾

 هذا إسلام فردي ، أما كأمة :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) ﴾

[ سورة الأنفال]

 يا محمد ما دامت سنتك قائمةً في حياتهم فهم في مأمنٍ من عذاب الله .
المذيع:
 إذاً شيخنا ، من طبق الإسلام والعبادة بشكل فردي مكنه الله ، وأراحه بشكل فردي.
الدكتور محمد راتب :
 لو كان هناك مليارا مسلم الآن ، وواحد طبق مئة بالمئة يتمتع بكل نتائج الدين الفردية .
المذيع:
 أما الأمة كأمة حتى تمكن ؟
الدكتور محمد راتب :
 إن طبقت منهج الله بشكل جماعي لا يمكن إلا أن تنتصر .
المذيع:
 وهذا سبب عدم تمكين الأمة اليوم دكتور ؟
الدكتور محمد راتب :
 لذلك الحرب بين حقين لا تكون ، وبين حق وباطل لا تطول ، وبين باطلين لا تنتهي .
المذيع:
 جميل ! إذاً هذا سبب عدم تمكين الأمة اليوم دكتور ، أقول : إننا أمة التوحيد لكننا لسنا ممكنين ، ولسنا مستخلفين .

العبادة طاعةٌ طوعية وليست قسرية :

الدكتور محمد راتب :
 سيدي أنا سأقول كلمة أؤمن بها بكل خلية بجسمي ، وكل قطرة بدمي : زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

 والعبادة طاعةٌ طوعية ، ليست قسرية ، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية ، أساسها معرفةٌ يقينية تفضي إلى سعادة أبدية .
المذيع:
 شيخنا الكريم ، قبل الفاصل أشرتم إلى مصطلحات مهمة ، بأن وعود الله سبحانه وتعالى تحقق .

وعود الله تحققها حتمي :

الدكتور محمد راتب :
 تحققها حتمي .
المذيع:
 والإنسان الذي يقيم الدين بشكل فردي في حياته يقطف ثماره الفردية ، أما الأمة كأمة حتى تُمَكن .
الدكتور محمد راتب :
 سكينة ، سعادة ، توفيق ، زواج ناجح ، أولاد أبرار ، بيته فيه سعادة ، فيه إقبال على الله ، فيه توفيق بعمله ، له مكانة اجتماعية .

﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) ﴾

[سورة إبراهيم]

 ما قال : نِعَم الله ، قال :

﴿ نِعْمَةَ ﴾

 نعمة الهدى فقط

﴿ لَا تُحْصُوهَا ﴾

 نعمة واحدة

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾

المذيع:
 هذه جزءٌ من الثمار الفردية التي يأخذها الإنسان الذي طبق الدين بشكل فردي ، أما الأمة كأمة حتى يُمَكن لها ، ويكون لها وزن .
الدكتور محمد راتب :
 يجب أن تقيم أمر الله .
المذيع:
 بشكل جماعي ، وهذا للأسف متعطل اليوم ، وأشرتم أيضاً شيخنا بأن العبادات الشعائرية كالصلاة ، والصيام وحدها دون العبادات التعاملية لا تكفي ، وأنا سؤالي لفضيلتكم شيخنا ، العكس صحيح ؟ هل أيضاً العبادات التعاملية دون الشعائرية من صدق كلامه ، ووعوده ، وأخلاقه ، لكنه لا يصلي ؟

العلاقة الوثيقة بين العبادات التعاملية والشعائرية :

الدكتور محمد راتب :
 سيدي ؛ كلاهما شرط ، كل واحدٍ منهما شرطٌ لازمٌ غير كافٍ ، كيف ؟ للتقريب من حياتنا اليومية : أسطوانة الغاز لابد منها ، ورأس الغاز لابد منه ، كلاهما شرطٌ لازمٌ غير كافٍ.
المذيع:
 لا ينفع أحدهما دون الآخر .
الدكتور محمد راتب :
 الأسطوانة بلا رأس لا قيمة لها ، والرأس بلا أسطوانة لا قيمة له .
المذيع:
 الله يفتح عليك سيدنا .
الدكتور محمد راتب :
 كلاهما شرطٌ لازمٌ غير كافٍ ، لكن الاستقامة دائماً بالآخرة تنفع ، شخص شرد عن الله ، الغرب قوي جداً ، إذا لجأ إنسان للسويد يتمتع بحقوق كثيرة ، الذي ولد بالسويد يتمتع بحقوق كثيرة جداً ، إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة - هذا كلام ابن تيمية- والدنيا تصلح بالكفر والعدل ولا تصلح بالإيمان والظلم ، هذا موضوع ثان ، الدنيا لها نظام آخر ، لو فرضنا أن حاكماً عمل تأميناً صحياً لكل الشعب ، عمل تكافؤ فرص ، عمل أشياء إيجابية كثيرة ، الله يقويه .
المذيع:
 سبحان الله ! هذه مقومات النجاح في الدنيا .
الدكتور محمد راتب :
 أما الآخرة ، فما هي الآخرة ؟ كلامي دقيق ، واحد من الحائط هنا ، وأصفار لحائط ثان ، أول ثلاثة أصفار ألف ، الثانية مليون ، الثالثة ألف مليون ، واحد بالأرض ، وأصفار للشمس ، مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر ، وكل ميلي صفر ، هذا الرقم إذا نسب إلى اللانهاية فهو صفر ، نحن مخلوقون إلى اللانهاية .

(( عن سهل بن سعد رضي الله عنه : قال : شَهِدْتُ مِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم مَجْلسا وصفَ فيه الجنة ، حتى انتهى ، ثم قال في آخر حديثه : فيها ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سَمِعتْ ، ولا خطر على قلب بشر ))

[أخرجه البخاري]

المذيع:
 إذاً شيخنا ، من هذا الكلام في الحديث

(( بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء ))

 الغريب الذي يحيي الدين بشكل فردي ، الثمار له ولمن أحيا الدين كله .

الدكتور محمد راتب :
 يقطف كل ثماره الفردية فقط ، وليست الجماعية .
المذيع:
 السؤال لفضيلتكم شيخنا : بدأ الإسلام غريباً ، الفكرة منطقية ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاء بالإسلام كان يخالف ما كان متبعاً من عبادة الأوثان والأصنام ، لماذا سيعود الإسلام غريباً ؟

عودة الإسلام غريباً لتعلق الناس بالغرب :

الدكتور محمد راتب :
 لأن الناس تعلقوا بالغرب ، تعلقوا بحضارته ، تعلقوا بالرفاه ، تعلقوا بالتفلت من الدين ، تعلقوا بقيمة الإنسان ، وقيمته بماله فقط ، بما يملك ، حجمه بسلطته ، بوظيفته ، حجمه بتألقه ، حجمه بالبذخ ، أنا كنت بأمريكا ، زرتها ست مرات ، قال لي مرة شخص بالشام بدرس عام : ماذا رأيت في أمريكا ؟ ممكن أن أضغط له ست رحلات بكلمتين ؟ يعيشون لحظتهم ، الآن يوجد تقدم بالسن ، وشيخوخة ، ومرض عضال ، وورم خبيث ، وموت مفاجئ ، ونقلة من بيت لقبر ، يوجد برزخ ، وآخرة للأبد ، ليست داخلة بحساباتهم إطلاقاً ، الغرب يعيش لحظته ، همه الأول الرفاه ، مسبح بالبيت ، تدخل لأمريكا هذا البيت كم شخص فيه ؟ عد كم سيارة ، وهناك حديقة خارجية وداخلية ، ومسبح ساخن بالشتاء ، الرفاه الذي يعيشونه يفوق حدّ الخيال ، ومع ذلك كنت مرة بأمريكا عندما كان يحكم كلينتون – القصة قديمة من عشرين سنة - خلال خبرتي بالذهاب لهذه البلاد قلت : لو بلغت منصباً ككلينتون ، وثروةً كأوناسيس ، وعلماً كأينشتاين ، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس ، قل له : ابنك ، يغمى عليه .
 كنت مرة بأستراليا ، ودعني رئيس الجالية ، وهو شخصية رفيعة جداً ، فهيم وثقافته عالية جداً ، اسمع ماذا قال لي ؟ أستراليا قارة بأكملها ، فيها ثمانية عشر مليوناً ، فيها حوالي عشرة أنواع من الفواكه لا نعرفها كلنا ، التربة عمرها يقدر بمئتي سنة ، أي حجم الفواكه يفوق حدّ الخيال ، عندنا ببلادنا إذا لزمك كيس نايلون من عند البقال وأعطاك إياه ، تقول له : كم تريد ، يقول لك : لا أريد شيئاً ، هناك الخروف لا يأخذون ثمنه ، ومع ذلك اسمع ماذا قال لي رئيس الجالية ، شخص مثقف ثقافة عالية ، قال لي : بلغ أخواننا بالشام - الأردن من الشام - أن مزابل الشام خير من جنات أستراليا ، أنا والله أردت أن أستزيد منه ، قلت له : والله ما فهمت عليك ؟ قال لي : الابن بأستراليا خمسون بالمئة ملحداً ، والخمسون الثانية منحرف أخلاقياً، شاذ ، وإن لم تصدقني فاسأل ، والله هذا الكلام من عشر سنوات .
المذيع:
 هذه ضريبة الغربة ، دكتور .
الدكتور محمد راتب :
 من ذلك الوقت صار عندي هوس ، انظر إلى إيجابيات حياتنا .
 مثلاً : مرة شاب بفرنسا ، بباريس من طلابي ، رأى شاباً آخر شارداً ، قال له : بماذا تفكر ؟ يريد أن يتكلم معه لتقوى لغته ، قال : أتمنى قتل أبي ، كإنسان مسلم ، شرق أوسطي ، صُعق ، قال له : لماذا ؟ قال له : أحببت فتاة فأخذها مني .
 أقول لك : كم أسرة بالشام ، وبعمان ، باعوا بيتهم بعمان ، أو بدمشق ، واشتروا بالغوطة ، أو بالريف ، ليزوجوا أولادهم ! أنا أعرف والله مئات ، باع بيته بأرقى أحياء دمشق واشترى خمسة بيوت بحرستا ، والله نحن عندنا بطولات لا نعرفها ، عندنا بقية حياء ، بقية خجل، بقية مروءة .
المذيع:
 لكن التضييق سيدنا على الأشخاص من ناحية سياسية ، من ناحية اقتصادية ، بات يدعو الأشخاص إلى الهجرة اليوم دكتور .
الدكتور محمد راتب :
 طبعاً ، اسأل المهاجرين ، عنده ندم يفوق حدّ الخيال .
المذيع:
 هنالك ضريبة لكل شيء سيدنا ، يمكن هنالك ضريبة في دولنا أيضاً .
الدكتور محمد راتب :
 طبعاً ، باهظة جداً سيدي ، والأخطاء أساساً عندنا ، الأخطاء من عندنا .
المذيع:
 الله المستعان ، سيدنا حينما نتحدث ونقول : الغرباء ، ماذا يعني مصطلح الغريب هل هو الذي لا يسمح له بأن يحيي شعائر دينه أن هو الإنسان الذي يتعبد الله لكن الذي حوله لا يعبدون ؟ من هو الغريب ؟

البلاد الإسلامية ملامحها العامة رائعة جداً :

الدكتور محمد راتب :
 إذا إنسان تمكن أن يعبد الله في بيته ، يستطيع أن يبقى ببلده ، وإن كان هناك قوة قاهرة .
المذيع:
 لم تصل الأمور إلى هذا الحد في دولنا العربية .
الدكتور محمد راتب :
 ما وصلت ، أما الإنسان ببلده فله ترتيب ثان ، يوجد بقية مروءة ، بقية شهامة ، عادات ، تقاليد ، مثلاً بتركيا تسمع الأذان ترتاح ، امرأة محجبة ، تجد بقية حياء ، بقية خجل ، البلد الإسلامي فيه ملامح عامة رائعة جداً .

نعم كثيرة ألفت فنسيت :

 كنت هنا من يومين أو ثلاثة ، عندي ندوة بالتلفزيون الأردني ، قال لي المذيع : تكلم لي عن الأردن ؟ ماذا أقول له ؟ قلت له : أولاً في هذا البلد الطيب التدين ليس تهمةً تحاسب عليها ، قال لي : صح ، ليس تهمةً تحاسب عليها ، لا يوجد بهذا البلد ضُبط متلبساً بالصلاة ، هذه نعمة كبيرة جداً .
الشيء الثاني : هذا البلد أطياف مثل أي شعب آخر ، صحيح هذا الكلام ؟
المذيع:
 نعم .
الدكتور محمد راتب :
 هناك هاشمي ، وفلسطيني ، لا يوجد بين طيفين أحقادٌ تاريخية تقتضي القتل ، في بلاد أخرى يُقتل السني لثأر الحسين ، يُقتل تقرباً إلى الله ، هذه واقعة .
 الثالثة : الحكومة هنا قوية تحاسب ، وتعاقب ، لكن لا يوجد عندها قتل ، هذه نِعَمٌ أُلفت فنسيت ، الدعاء النبوي : "اللهم أرنا نعمك بدوامها لا بزوالها" .
 مرة ثانية سيدي : "اللهم أرنا نعمك بدوامها لا بزوالها" .
 مثلاً ، أخ كريم سافر لأمريكا من شهرين ، لا يخطر في باله لثانية واحدة أن يدخل لبيته إنسان أجنبي ، هذه نعمة ، عفة الزوجة لا تقدر بثمن ، لكنها أُلفت فنسيت .
 حدثني أخ تاجر قال لي : ذهبنا لحلب- عنده عمل بحلب - بالصيف ، أكثر الزبائن وعدوني بدفعة في اليوم الثاني ، ذهبت لفندق خمس نجوم ، هو تاجر ، لم أجد مكاناً ، ولا في فندق أربع نجوم ، ولا ثلاث ، ولا اثنتين ، ولا نجمة واحدة ، ثم قال لي : نمت في الممر على فراش من الإسفنج ، والوسادة لونها أسود ، من سنة ليست مغسولة ، الدعاء النبوي : " الحمد لله الذي آواني وكم من لا مأوى له " معك مفتاح بيت ، قد يكون صغيراً ، أو كبيراً ، ملكاً أو أجرة ، عالياً أو منخفضاً ، البطولة أن ترى نعم الله ، ماذا قال الله عز وجل :

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ ﴾

 نعمة واحدة

﴿ لَا تُحْصُوهَا ﴾

(( عن أبي أمية الشعباني رحمه الله : قال : سألتُ أبا ثعلبةَ الخُشَنيَّ رضي الله عنه قال : قلت : يا أَبا ثعلبةَ ، كيف تقول في هذه الآية : { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ }

[ المائدة : 105 ]

 قال : أَمَا والله لقد سألتَ عنها خبيرا ، سألتُ عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ائتَمِروا بالمعروف ، وانْتَهُوا عن المُنْكَرِ ، حتى إِذا رأَيتم شُحاً مُطَاعاً ، وهوى مُتَّبَعاً ، ودُنيا مُؤثَرة، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيِه ، فعليكَ بنفسِكَ ، ودَعْ عَنْكَ العَوَامَّ ، فإِن من ورائِكم أيامَ الصَّبْرِ الصَّبْرُ فيهنَّ مثلُ القَبْضِ على الجَمرْ ، للعاملِ فيهنَّ مثلُ أجر خمسينَ رَجُلاً يعملونَ مِثلَ عَمِلكُم ))

[أخرجه أبو داود والترمذي]

 إذا رأيت شحاً مطاعاً ، مادية مقيتة ، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ، إذا رأيت شحاً مطاعاً - هذا بالأثر النبوي - وهوىً متبعاً - الجنس ، إباحيات ، فضائيات - وإعجاب كل ذي رأي برأيه - يقول لك : أنا عندي هذه ليست واردة ، من أنت ؟

يقولون هذا عندنا غير جائز  فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ؟
***

 يوجد شرع ، وهناك خالق السماوات والأرض ، الزَم بيتك :

((...إِذا رأَيتم شُحاً مُطَاعاً ، وهوى مُتَّبَعاً ، ودُنيا مُؤثَرة، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيِه، فعليكَ بنفسِكَ ، ودَعْ عَنْكَ العَوَامَّ ....))

 هذا توجيه نبوي لزمن محدود .
المذيع:
 هل هو هذا الزمن دكتور ؟
الدكتور محمد راتب :
 تقريباً ، سوف أقول : تقريباً ، لكن يوجد تفاوت بين الدول .
المذيع:
 أسأل السؤال نفسه بصيغة أخرى شيخنا :

(( بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً ))

 هل عاد الإسلام غريباً ؟

بدء عودة الإسلام غريباً :

الدكتور محمد راتب :
 نوعاً ما ، لا أستطيع أن أعطيك حكماً قطعياً .
المذيع:
 لكن بدأت الملامح ؟
الدكتور محمد راتب :
 نعم بدأت .
المذيع:
 شيخنا ، أنتقل لقضية قبل .
الدكتور محمد راتب :
 موتٌ كعقاص الغنم ، تأتي الطائرات تقصف ، تقتل ثلاثين إنساناً ، وتترك سبعين جريحاً ، لا يدري القاتل لمَ يقتل ؟ ولا المقتول فيمَ قُتل ؟

(( عن حذيفة رضي الله عنه : كنت جالساً مع حذيفة وأبي مسعود حيث ازدرأ أهل الكوفة سعيد بن العاص يوم الجرعة ، فقال أبو مسعود : ما كنت أظن أن يرجع ولم يهرق فيها دماً ، فقال حذيفة لكني والله علمت أنا سنرجع على عقبنا ولم نهرق فيها محجمة دم وما علمت من ذاك شيئاً إلا شيء علمته ومحمد صلى الله عليه وسلم حي ، أن الرجل يصبح مؤمناً ويمسي كافراً ما معه من دينه شيء ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً وما معه من دينه شيء ، يقاتل في فتنة اليوم ويقتله الله عز وجل غدا ينكس قلبه وتعلوه استه قلت : أسفله ، قال : استه))

[أخرجه الحاكم]

 صار هناك كفر .

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' بادروا بالأعمال فِتنا كَقِطَع الليْلِ المظلم ، يُصبحُ الرجلُ مؤمِنا ويُمْسِي كافِرا ، ويُمسِي مُؤمِنا ويُصبْحُ كافِرا ، يَبيعُ دِينَهُ بِعَرَضِ من الدُّنْيا))

[أخرجه مسلم والترمذي]

(( نِساء كاسيات عاريات مائلات مُميِلاتِ ، لا يدْخُلْنَ الجنة ، ولا يجْدنَ ريحها وريحُها يوجد من مسيرة خمسمائة عام ))

[أخرجه مسلم]

 لابسة لكن كل مفاتنها ظاهرة ، مرة شفاف ، ومرة ضيق ، إلى آخره :

(( مائلات مميلات ))

(( عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يكون في آخر أمتي رجال يركبون على سرج كأشباه الرجال ينزلون على أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف العنوهن فإنهن ملعونات لو كان وراءكم أمة من الأمم خدمهن نساؤكم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم))

[أخرجه الطبراني والإمام أحمد وابن حبان]

 الآن :

﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (16) ﴾

[سورة الكهف]

 إذا عبدوا الله لا يوجد اعتزال ، عبدوا الشيطان ، عبدوا الجنس ، عبدوا المصالح ، عبدوا المال :

﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ ﴾

المذيع:
 ما المقصود

﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ﴾

؟

ضرورة اعتزال المنكر :

الدكتور محمد راتب :
 أي يوجد سهرات مختلطة ، أعراس متفلتة ، رحلات لا ترضي الله .
المذيع:
 إذاً الإنسان يعتزل المنكر .
الدكتور محمد راتب :
 المنكر فقط .
المذيع:
 وليس الأشخاص ؟
الدكتور محمد راتب :
 لا المنكر :

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ ﴾

 الآن كهفنا بيتنا ، بيتك ، زوجتك ، أولادك ، عمك ، ابن عمك ، ابن خالك ، الحلقة الأولى ، والثانية ، والثالثة ، ممكن .
المذيع:
 اسمح لي شيخنا ؛ إذاً هل مطلوب من الإنسان اليوم أن يعتزل المجتمع ، وأن يأوي إلى بيته ، وأن يغلق أبوابه على نفسه وأسرته ؟
الدكتور محمد راتب :
 هو عنده مقياس دقيق جداً ، ما المقياس ؟ سهرت سهرة ، رغبوك بعدم الصلاة ، من مات وقال لك أن هناك جنة مثلاً ؟ إذا جلسة فيها ترغيب بترك الدين ، يجب أن تبتعد عنها، هي لعبة شد الحبل ، أي مكان جلست فيه ، سهرة ، لقاء ، نزهة ، رحلة ، تجمع ، استطاعوا أن يشدوك إلى ترك الصلاة ، أو إلى إطلاق البصر ، أو إلى شاشة مفتوحة ، أو إلى دخل ربوي ، الآن نصيحة لوجه الله انسحب ، وإن قدرت أن تشدهم للدين فابق معهم ، مقياس شد الحبل إن شددتهم إليك ابقَ معهم ، بأي بيئة ، وإن شدوك إليهم ابتعد عنهم ، لكن ليس ابتعاداً حاداً ، أنا أقول : خط مائل ، اترك بخط مائل ، واصعد بخط مائل .

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه : قال : أحْبِبْ حبِيبَك هَوْنا مَّا ، عسى أن يكونَ بَغِيضَكَ يوماً مَّا ، وأبْغِضْ بغيضَك هَوْنا مَا عسى أن يكونَ حبيبَك يوماً ما ))

[ أخرجه الترمذي ]

المذيع:
 سيدنا ؛ في أقل من دقيقة تعليق فضيلتكم ، بعض الناس يختار العزلة اختيارياً بمعنى لا يريد مثلاً أن يتعالج إلا في مؤسسة إسلامية ، ولا يشتري إلا من بقالة صاحبها متدين ؟

على الإنسان أن يتوسع بعلاقاته ولا يتقوقع على ذاته :

الدكتور محمد راتب :
 لا أبداً ، هذه ليست واردة إطلاقاً .
المذيع:
 لا ترى هذا صواباً ؟
الدكتور محمد راتب :
 هناك شيء أدق ، إذا كان الطبيب من جماعتك ، لكن لا يوجد معه شهادة عليا ، والمرض خطير ، ممكن أن تتعالج عند طبيب آخر ، وقد يكون ملحداً ، مثلاً زوجة مريضة ، وعندنا طبيبات ، لكن بمرضها لا يوجد غير طبيب ، لا يوجد مانع .
 كان عندنا طبيب بالشام ، أصله من مصر ، طبيب عظمية ، عنده شرشف عبارة عن مترين بمتر ، له فتحة حوالي عشر سنتمترات ، أختي أين يؤلمك ؟ على ركبتها فقط .
 قال لي أخ بأمريكا : المرأة تعرى بكاملها ، انظر ما أعظم الدين ! نفس الشيء وطبيب عظمية ، وضع هذا القماش ، فتحة أمام ركبتها ، لم ير شيئاً منها ، إن أردت أن تطيع الله تستطيع بأي مكان .
المذيع:
 إذاً الأصل على الإنسان ألا يتقوقع على ذاته ، يتوسع بالعلاقات ، لكن أينما شدوه؟
الدكتور محمد راتب :
 لأنه يريد عملاً صالحاً ، تقوقع انتهى ، عند الله انتهى ، التقوقع انتهى ، لكن التقوقع إذا كان هناك تفلت فلابأس .
المذيع:
 إذاً التقوقع عن الباطل .

على الإنسان أن يكون قوياً إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله :

الدكتور محمد راتب :
 إذا كان الانطلاق مع الآخر على حساب دينك فلا ، مثلاً :

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه : قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ، وفي كلّ خير ، احرِصْ على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزْ ، وإن أصابك شيء فلا تَقُل : لو أنَّي فعلتُ لكان كذا وكذا ، ولكن قل : قَدَّر الله وما شاءَ فَعَل ، فإن لو تفتحُ عَمَلَ الشيطان ))

[ أخرجه مسلم ]

 إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً ، لأن الخيارات في العمل الصالح ، وهو علة وجودك ، لا تعد ولا تحصى ، أما إذا كان طريق القوة على حساب مبادئك وقيمك فالضعف وسام شرف لك .
المذيع:
 الله يفتح عليكم دكتور ، نستأذن حضرتكم بالدعاء شيخنا ، ونختم حلقتنا بذلك .

الدعاء :

الدكتور محمد راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنا ، وصلى الله على سيدنا محمدٍ النبي الأمي ، وعلى آله وصحبه وسلم .

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور