وضع داكن
26-11-2022
Logo
حياة المسلم 4 - إذاعة حياة إف إم : الحلقة 08 - التجارة مع الله
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

مقدمة :

المذيع :
  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، مستمعينا الأكارم أينما كنتم على الهواء عبر أثير إذاعتكم حياة fm في حلقة جديدة مباشرة مع فضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي . حياكم الله أستاذنا .
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم .
المذيع :
 نفعكم الله بعلمكم ، وأطال بعمركم .
 عنوان حلقتنا لهذا اليوم : " التجارة مع الله تعالى " نبدأ حلقتنا بقول الله عز وجل :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29)﴾

[ سورة فاطر]

 شيخنا الكريم ماذا تعني التجارة مع الله ؟

الدين تكاليف ومسؤوليات ومحاسبات :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً .
 الحقيقة الدقيقة أن مجمل الدين تكاليف ، ضبط اللسان ، ضبط الإنفاق ، ضبط الدخل ، اختيار الزوجة ، تربية الأولاد ، الدين التزام ، الدين تكاليف تطبق ، الدين افعل ولا تفعل ، الدين حركة وفق منهج الله ، فالدين في الأصل تكاليف ومسؤوليات ومحاسبات ، ولكن لأن مفهوم التجارة مفهوم يدغدغ مشاعر الإنسان ، التجارة تعني الربح ، فالله عز وجل ربط التكاليف بمفهوم محبب لبني البشر ، الله عدّ تطبيق هذه التكاليف تجارة مع الله ، بالمناسبة أعلى تجارة أرباحها خمسة عشر بالمئة ، في العالم طبعاً إذا لم يكن هناك احتكار ، التجارة الحرة عرض وطلب ، أعلى أرباح خمسة عشر بل من عشرة لخمسة عشر ، هذه أعلى تجارة في العالم ، وأعلى صناعة في العالم من عشرين لخمسة وعشرين ، إلا أن التجارة مع الله مليون بالمئة ، أي عطاء لا ينتهي في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، ما الآخرة ؟ لا أحد ينتبه للآخرة ، الآخرة أبد ، ماذا يعني الأبد ؟ للتقريب واحد بالأرض والأصفار للشمس ، مئة و ستة و خمسون مليون كيلومتر وكل ميلي صفر ، ما هذا الرقم ؟ هذا الرقم إذا نسب إلا اللانهاية قيمته صفر ، أنت مدعو لجنة عرضها السماوات والأرض ، فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر إلى الأبد ، هل نضيع هذا العطاء المذهل بسنوات معدودة فيها متاعب لا تنتهي؟ فيها معاص ؟ لا ، مستحيل ، لذلك أذكى إنسان ، أعقل إنسان ، أنجح إنسان الذي نقل اهتماماته إلى الآخرة ، لكن ...

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) ﴾

[سورة القصص]

 المؤمن يأكل ، ويشرب ، ويتزوج ، ويشتري بيتاً ، وينجب أولاداً ، وله مكانته الاجتماعية ، إلا أنه منضبط بمنهج الله ، أنت راكب أغلى سيارة ، تألق ضوء أحمر أي هناك نقص بالزيت ، أضف الزيت فقط ، ما من شهوة أودعت في الإنسان إلا جعل الله لها قناة طاهرة نظيفة تسري خلالها ، الله عز وجل قرب لك التكاليف كلها المعتدلة ، الوسطية ، المتوازنة ، يعرف حاجاتك ، حاجتك للطعام والشراب ، هناك حلال طيب ، والطيبات بالملايين ، والمحرمات بالأعداد ، الخمر والخنزير وما إلى ذلك ، مسموح لك أن تتزوج مثنى وثلاث ورباع، الزنا محرم ، دائماً المحرمات 3 % أما المباحات 97 % ، أما إذا شخص كره هذا الدين ، كره الذات الإلهية ، لا يعنيه إلا المحرمات ، فهذا اختيار مدمر ، أي ما من شهوة أودعت في الإنسان إلا جعل الله لها قناة نظيفة تسري خلالها .
المذيع :
 شيخنا الكريم في الآية التي بدأنا فيها حلقتنا :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29)﴾

[ سورة فاطر]

 الآية ذكرت بعض العبادات التي هي فرض إقام الصلاة ، وذكرت بعض السنن والنوافل كأداء الصدقات سراً أو علانية ، ما المطلوب من المسلم هل يلتزم بالفرائض ويزيد في السنن حتى يحصل تجارة لن تبور ؟

وصف الله لمن عزف عن منهجه :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 أخي الكريم ؛ الكلام دقيق ، الفرائض تنفس الهواء فرض ، واضحة تماماً ؟ دون هواء يوجد موت ، ماذا تعني الفرائض ؟ بما أن تنفس الهواء لا بد منه ، وخلال دقائق يموت الإنسان، فالتنفس فرض ، شرب الماء فرض ، لأنه خلال يومين إن لم يشرب الماء يموت ، الطعام أكثر ، هذه الفرائض ، أما إذا إنسان لم يأكل الكرز في الصيف فلا يموت ، إذا لم يأكل الصبار لا يموت ، الفرائض تعني وجودي مبني عليها ، وجود حياتي النفسية المتوازنة ، حياة الدين ، حياة القيم ، لذلك مضطر أن أقول كلاماً دقيقاً جداً ، الله وصف الذين عزفوا عن الدين، عزفوا عن هذا المنهج الإلهي ، غرقوا في شهواتهم ، وفي حاجاتهم ، وفي نزواتهم ، هؤلاء الله وصفهم بخمسة أوصاف في القرآن الكريم :

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) ﴾

[سورة النحل]

 إله يصف ، لكن نبضه ثمانون ، مثالي ، ضغطه 8/12 مثالي ، عند الهف ميت ، قال تعالى :

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) ﴾

[سورة المنافقون]

 قطعة خشبة لا تفهم ، ولا تعي ..

﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) ﴾

[سورة الفرقان]

 الأنعام غير مكلفة لا تحاسب هو يحاسب ، آخر شيء :

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) ﴾

[سورة الجمعة]

 هذا وصف الإله ، لا تقل لي : حديث ضعيف ، وصف خالق الأكوان لمن شرد عن منهج الرحمن قضية خطيرة جداً ، الدين ليس تحسينياً ، الدين ليس وردة حمراء تزين بها صدرك، أحياناً تجد بيتاً فيه آية الكرسي ممتاز ، وفيه مصحف معلق بغرفة النوم ، لا يوجد مانع ، لكن يا ترى الدخل إسلامي ؟ الإنفاق إسلامي ؟ الصناعة التي يصنعها إسلامية أم أن فيها مواد محرمة صحياً ودولياً ، يا ترى الأرباح معقولة أم فيها استغلال لجهل البائع ؟ والله يوجد مليون معصية غير المحرمات الخمس لو طبق المسلمون منهج الله والله من سابع المستحيلات ألا تكون كلمتهم هي العليا في الأرض :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 أنت كائن مختار ، كائن مكرم ، كائن مكلف ، كائن محاسب ، فإذا ما عبد الله يدفع الثمن ، ليست كلمتنا هي العليا بالقارات الخمس ، مع أننا نملك نصف ثروات الأرض ، وعندنا ثلاثة ممرات مائية مذهلة ولا نملك .
المذيع :
 شيخنا الحبيب من يريد أن ينال هذه المرتبة التجارة مع الله عز وجل عليه أن يبدأ بالفرائض ويزيد بالأعمال الصالحة والسنن والصدقات صحيح هذا الفهم ؟

العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 الإيمان بالله ثابت ، الله خالق ، مسير ، رب ، أسماؤه حسنى ، وصفاته علا ، هذا الإيمان ، والإيمان حدي ، وهناك إيمان باليوم الآخر، أما في تفاصيل الحياة فثمن الجنة العمل الصالح ، دقق الإنسان إذا اقترب أجله هناك دعاء قرآني الله ذكر :

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون : 99-100]

 لم يقل : لعلي أتم البناء الطابق الخامس يا ربي ، أزوج بناتي ،

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

  لأنه إذا اقترب أجله كشف الغطاء ، الشهوات انتهت .

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) ﴾

[ سورة ق: 22 ]

 أيقن بعد فوات الأوان أن علة وجوده الوحيدة في الدنيا العمل الصالح ، متى أدرك ؟ أدركها فرعون أثناء الغرق :

﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) ﴾

[ سورة يونس ]

 نحن أخي الكريم نملك مليون خيار رفض في حياتنا ، هذا البيت لم يعجبك ، هذه الفتاة لم تعجبك أخلاقها لم تتزوجها ، هذه التجارة لم تعجبتك ، دخلها قليل ودوامها كبير ، أما الخيار مع الله عز وجل فهو شيء آخر ، أنت مع خالق الأكوان تأخذ الأضعاف مضاعفة ، ليس عشرون بالمئة بالصناعة ، ولا خمسة عشر بالتجارة ، التجارة بالملايين :

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)﴾

[ سورة السجدة]

المذيع :
 من يريد أن يتاجر مع الله عز وجل هل عليه أن يقدم تضحيات ؟ كلنا نستمع عن سيدنا عثمان بن عفان الذي جهز ثلث جيش المسلمين وكان جيش العسرة ، هؤلاء لم يقدموا فرائض ، لم يقدموا حد الزكاة ، بل زادوا من الأعمال الصالحة ، من يريد تجارة مع الله عليه أن يضحي من حلاله ومن مباحه ؟

التجارة مع الله أعظم تجارة على الإطلاق :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 الدولة فرضت ضريبة ، إذا التاجر قدمها لا يكافأ ، هذا واجبه ، هناك ميزانية والدولة بحاجة لضرائب مثلاً ، أما إذا قدم مستشفى فيقام له حفل تكريمي ، قدم معهداً شرعياً ، قدم جامعة ، دائماً وأبداً الفرائض عادي ، أما العمل الصالح فيفوق الفرائض ، أنت عملت ميتماً ، عملت معهداً ، جامعة ، مؤسسة ، أعرف أشخاصاً عمروا أربعة أبنية ، كل بناء عشرة طوابق ، وكل طابق أربع شقق ، وكل شقة عبارة عن ستين متراً لشاب حديث الزواج ، فكل شاب حسن السلوك ، أخلاقه عالية ، يقدمون له هذه الشقة بأجر رمزي ، أجرها عشرون ألفاً ، يعطونه إياها بألف فقط ، أمّن زواج ستة آلاف فتاة ، هناك أعمال مذهلة ، أعمال جماعية ، هذه أكبر تجارة مع الله .
المذيع :
 ما العوض دكتور هذا الذي بنى هذه المجمعات السكنية لو باعها ؟

الدكتور محمد راتب النابلسي :

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن : 46]

 جنة في الدنيا وجنة في الآخرة ، جنة الدنيا جنة القرب ، إذا شعرت أنك قريب من الله ولم تقل : ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني ، عندك مع الله مشكلة ، أنت مع الذات الكاملة فتحت خطاً ساخناً معه ، لك اتصال تناجيه في الليل ، تستغفره، تقرأ كتابه ، تتأثر بالقرآن ، تجلس بمجلس علم ، تخدم الأمة ، تطعم الفقير ، تلبي حاجة العاجز، بار بوالديك ، بار بأولادك ، ربيت بناتك على الحشمة ، ما فتنوا الناس بثيابهن القصيرة، ربيت أولاداً أبراراً ، أعمالهم طيبة ، سيدي خصائص المؤمن بالآلاف ، لا يصلي فقط بل بمليون موضوع له خصائص .
المذيع :
 هذه العبادات التي ذكرتها كلها تدخل من باب التجارة مع الله في انضباط المسلم .

عادات المؤمن عبادات :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 قالوا : عادات المؤمن عبادات ، كسب ماله ، أخذ أهله نزهة ، أنا عندي هذه عبادة ، أدخل على قلب زوجته وأولاده السرور ، هذه عبادة ، عادات المؤمن ، هناك طعام يحبه أولاده طبخه لهم ، اشتهوا حلويات معينة فاشتراه لهم مساء ، يصير البيت جنة ، هؤلاء اولادك أقرب الناس لك ، وزوجتك شريكة حياتك ، أنت عندما تركز على الزوجة والأولاد تعيش بجنة ، صدق ولا أبالغ بهذا الحظر الذي عانينا منه أشهراً طويلة الأسر الإسلامية المنضبطة كانوا أسعد الناس، جالس مع زوجة وفية وهو وفي ، له أولاد أبرار ، وبنات محتشمات ، يجلسون في البيت، لم يحصل شيء لأن الآية تقول :

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) ﴾

[ سورة الأحزاب: 33 ]

 الله أحبّ أن يحولها إلى وقروا في بيوتكم ، النجاح في البيوت النجاح الإيماني ، لم يتأثروا بهذا الحظر..
المذيع :
 شيخنا الكريم هل لنا أن نأخذ من حضرتكم بعض الأمثلة التي يمكن أن تقترح فيها على المستمعين الأكارم عبادات من خلالها يستطيع الإنسان أن يتاجر مع الله ؟
 ذكرتم قبل قليل قصة ذلك الإنسان الذي بنى مجموعة أبنية يؤجرها بسعر رمزي للمقبلين على الزواج فعف شباب وفتيات الأمة هذا نموذج للتجارة مع الله هل لنا من مزيد من النماذج ؟

الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، مليون عمل صالح الهدف الله فقط ، الهدف واحد أما الطرق للهدف فلا تعد ولا تحصى أن تكوني بنتاً صالحة عمل صالح ، أماً صالحة ، جدة صالحة ، زوجاً صالحاً ، بتجارتك لا يوجد كذب ، لا يوجد غش ، لا يوجد تدليس ، لا يوجد تزوير ، شيء دقيق جداً ، المؤمن ليس معصوماً كلياً قد تزل قدمه لكن لا يكذب ، فالكذب ليس شهوة تغلبك ، الكذب مؤامرة ، المؤمن لا يكذب ، طبعاً هناك مهن بني النجاح بها على الكذب ، إذا أنت مريض لا تعرف مما تعاني ، قال لك : مرضك خطير ، لم تنم الليل ، هو ليس خطيراً إطلاقاً ، مرة قال لي طبيب يعرف الله : والله أستطيع أن أبيع المريض بيته ولا يشعر ، يحتاج فقط إلى حمية ، هناك مراقبة على الطبيب ، على المحامي يوجد مراقبة ، تعرف ان الدعوى خاسرة كلياً ، هناك قانون يحرم النجاح بهذه الدعوى ، تقول له: خذها مني ، يبقيه ثماني سنوات بالتعويضات والأجور والتكاليف ، ثم يقول له : القاضي اتفق مع خصمك ، ماذا أفعل ؟ ليس صحيحاً ، أنت تعرف من الأول الله يحاسب على النوايا ، أنت بإمكانك أن تخدع معظم الناس لبعض الوقت ، بإمكانك أن تخدع بعض الناس لكل الوقت ، أما أن تخدع الله ولا ثانية ، ولا أن تخدع نفسك :

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[سورة القيامة]

 ممكن أن تعطي حججاً قوية جداً وتنفد من محاسبة أهل الأرض ، ولكنك لن تنجو من محاسبة أهل السماء .
المذيع :
 بعض التجار حينما يرون بعض السلع قد ارتفعت أسعارها يذهبون يخفضونها فتقل أرباحهم صحيح لكنهم يسعون للتخفيف عن الناس هل هذه تجارة مع الله ؟

التخفيف عن الناس تجارة مع الله :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 أقسم لك بالله بكل أعماقي يسجل هذا في أعمالهم الصالحة صدقات ، إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي ، هذا المسكين الفقير ، أو الذي دخله محدود ، راتبه لا يكفي لشراء سلعتين أو ثلاث ، والله الآن يوجد بلاد راتب الموظف ثلاثة كيلو لحمة ، عنده خمسة أولاد ، الراتب يساوي ثلاثة كيلو لحمة ، ماذا يفعل ؟ سيدنا عمر رضي الله عنه كلما التقى بأحد من ولاه في الأقاليم يسأله : كيف الأسعار عندكم ؟ ليس كيف الولاء لي ؟ من رحمته ، إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي ، رحمة الخلق بالأسعار أول شيء ، سيدنا عمر كيف الأسعار عندكم ؟ دائماً حينما ترتفع الأسعار تضيق دوائر الاستهلاك ، لو فرضنا مثلاً بسيطاً أن كيلو الكرز بخمسة دنانير من يأكله ؟ خمسة بالمئة من الشعب ، إذا بربع دينار يأكله خمسون بالمئة ، فكلما هبط السعر ترتفع دائرة الاستهلاك .
المذيع :
 لكن تقل أرباح التاجر هنا ؟
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 تقل يا سيدي ، عفواً عندما أفهم أن الربح مال ، اسمع هذا المثل ؛ لي أخ كريم عنده معمل ، يوجد فيه ستة وثمانون عاملاً ، استأذنني أن يغلق المعمل ، قلت له : ما السبب ؟ قال: لا يوجد ربح إطلاقاً ، قلت له : أنت تفتح ستة وثمانين بيتاً ، إذا البيت فيه أم وأب وثلاثة أولاد وسطي أنت تطعم خمسمئة إنسان ، أليس هذا ربحاً مع الله ؟
المذيع :
 هذه أليست تجارة مع الله ؟
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 هذه تجارة كبيرة جداً ، عندما نفهم أن التجارة مال نكون نحن حمقى ، لماذا الربا محرمة ؟ لأن المال يلد المال ، مثلاً للتقريب شركة ستيروين الفرنسية للسيارات يعمل لها مئتا معمل ، لشركة واحدة ، كم عامل يقبض معاشاً ويفتح بيتاً ويتزوج ويسافر ويترفه ؟ حينما تلد الأموال المال هذا يجمع الأموال بأيد قليلة ، ويحرم منها الكثرة الكثيرة ، أما حينما تلد الأعمال المال ، النجار صنع باب خشب ، اشترى الخشب ، اشترى المسامير ، عنده صانع ، اشترى محلاً ، عنده أدوات دقيقة جداً ، فتح بيتاً ، أنت أمنت وظائف ، الدول الراقية عندها فرص عمل كبيرة جداً للناس ، أما إن تجمعت الأموال بأيد قليلة فلا يوجد فرص عمل ، الأموال تلد المال .
المذيع :
 الربا محرم ، المال يلد المال ، أما التجارة فالأعمال تلد المال ، هذه الشرع حث عليها معنا اتصال تفضل جواد ..
 موضوع الحظر والحكومة ...

طاعة أولي الأمر واجبة فيما لا معصية فيه :

الدكتور محمد راتب النابلسي :

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59) ﴾

[ سورة النساء ]

 أطيعوا الله في قرآنه ، والرسول في سنته ، وأطيعوا أولي الأمر منكم ، الذي يحكمك إنسان غريب من بلد آخر ، من قارة ثانية ، مستعمر ؟ لا ، ابن البلد ، لمصلحة البلد ، أمر إلهي ...

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59) ﴾

[ سورة النساء ]

 أولو الأمر طاعته واجبة فيما لا معصية فيه :

((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))

[ الطبراني في المعجم الكبير والطبراني في المعجم الأوسط والإمام أحمد في مسنده]

 يقول لك : يوجد فيروس ، هذا الحقيقة رسالة من الله ، كائن لا يرى بالعين أوقف الحياة بالأرض كلها ، رسالة من الله :

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) ﴾

[ سورة طه : 14 ]

المذيع :
 شيخنا أحياناً بعض القرارات التي تصدر عن بعض الجهات ومنها الحكومية قد تكون محل قبول ورفض عند بعض الناس لمنطقيتها وتعديلها ، لكن أعود إلى موضوع الحلقة : التجارة مع الله ، بعض الأشخاص كالأطباء أو المهندسين أو المعلمين يقدمون ساعات أو أياماً مجانية ، هل هذه تجارة مع الله ؟

حرفة الإنسان هي عبادته الحقيقية :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 والله وسام شرف عند الله ، وعند الناس ، عفواً بهذه الجائحة قلة قليلة خرجوا من البلاد نفدوا ، والباقي لم يغادروا ، والذين تأثروا بهذا الوباء والله شهداء مليون بالمئة ، الله وكيلك يوجد طبيب هرب بطريقة أو بأخرى ، وطبيب بقي وتحمل وأصيب أحياناً ، هذه شهادة عند الله، لأنه سيدي يوجد أبد ، يوجد جنة إلى أبد الآبدين ، العبادة الحقيقية بحرفتك ، أنت محام ، طبيب، مهندس ، مدرس ، كأن الحرف الراقية جداً لا يقدر الآخر أن يناقشك فيها ، إذا قلت له: تحتاج إلى عمل جراحي ، أعرف ببلد بعيد في المغرب طبيباً ، إن كان المريض بحاجة إلى عمل جراحي يأمره به ، وإن لم يكن بحاجة يأمره به ، إن كان يقتل صاحبه يفعله كي يربح ، له شهادة عليا ، يربح بالعملية مبالغ فلكية ، يمشي اثنان قال له : قل له : قيصرية ، هي ولادة عادية بين ألفين وبين ستة عشر ألفاً ، الله كبير ، إياك أن تغلط مع الله ، الله عنده ورم خبيث ، فشل كلوي ، عنده أشياء مخيفة ، الخوف من الله نهاية الفهم ، رأس الحكمة مخافة الله ، هذا المريض له رب يعرف الحقيقة .
المذيع :
 الإنسان العادي الذي لا يملك أموالاً طائلة ولا مناصب ، كيف له أن يكون معطاء ويتاجر مع الله ؟ بإمكانياته المحدودة ماذا يفعل ؟

الدعوة إلى الله أعلى تجارة :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 الدعوة إلى الله أعلى تجارة ، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) ﴾

[ سورة فصلت : 33 ]

 سمعت درساً في الجامع ، انقله لزوجتك ، لأولادك ، لأصهارك ، لكنائنك ، مع أخوانك ، بمعملك ، بمتجرك ، الدعوة إلى الله ..

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

[ سورة فصلت : 33 ]

 يوجد مليون طريق إلى الله لا يحتاج إلى المال ، النصيحة دعوة إلى الله ، بر الوالدين دعوة إلى الله ، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ..
المذيع:
 نختم لقاءنا بدعاء .

الدعاء :

الدكتور راتب :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك ، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم ....

خاتمة و توديع :

المذيع :
 بارك الله بكم فضيلة العلّامة الدكتور محمد راتب النابلسي، نسأل الله أن يجعلنا من عباده الواصلين لأرحامهم ، سبحانك اللهم وبحمدك ، نشهد أن لا إله إلا أنت ، نستغفرك ونتوب إليك .

الاستماع للدرس

00:00/00:00

إخفاء الصور