وضع داكن
26-11-2022
Logo
حياة المسلم 4 - إذاعة حياة إف إم : الحلقة 04 - توبة وذنوب
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

مقدمة :

المذيع :
 الحمد لله رب العالمين ، يا ربنا صلّ وسلم ، أنعم وأكرم على النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
 مستمعينا الأكارم أينما كنتم على الهواء عبر أثير إذاعتكم حياة fm في حلقة جديدة مباشرة مع فضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي . حياكم الله أستاذنا .
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم .
المذيع :
 حفظكم الله دكتور ، وأهلاً بفضيلتكم .
 "توبة وذنوب" هذا عنوان حلقتنا وحوارنا لهذا اليوم بيننا كبشر الذين نكثر من التوبة لكننا نكثر من الذنوب أيضاً ، نبدأ حلقتنا بقول الله عز وجل :

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) ﴾

[ سورة الزمر ]

 ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم :

((التوبة تجب ما قبلها))

 شيخنا الكريم نبدأ مع فضيلتكم لماذا نعصي ولماذا نتوب ؟

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة وتفضلاً ومسؤوليةً لقبوله حمل الأمانة :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 لا بد من مقدمة بعيدة حتى نلقي ضوءاً من خلالها على هذا الموضوع الخطير .
 الله عز وجل حينما خلق الأكوان كلها عرض عليهم الأمانة ، الأمانة أن يعطيهم إدارة أنفسهم لقوله تعالى :

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)﴾

[ سورة الشمس]

 فالإنسان قبل حمل الأمانة في عالم الأزل قبل أن يتولى إدارة نفسه ، الأمانة أن يزكي نفسه ، أن يعفها بالله ، أن يحملها على طاعته ، أن تتقرب إليه بعمل صالح ، هذه الأمانة ...

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)﴾

[ سورة الأحزاب ]

 فلما قبِل الإنسان حمل الأمانة كان عند الله المخلوق الأول رتبة وتفضلاً ومسؤوليةً، هذا الإنسان جيء به إلى الدنيا كي يدفع ثمن الآخرة ، أو ليدفع ثمن مفتاح الجنة ، وليس الآخرة، الآخرة لا تقدر بثمن ، فيها ما لا عين رأت للمؤمنين ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، لكنه جاء إلى الدنيا ليدفع ثمن مفتاح الجنة ، حتى الإنسان يشعر أنه أخذ شيئاً قدم له ثمناً ، لأن العطاء بلا ثمن لا معنى له ، فجاء إلى الدنيا ، في الدنيا أعطاه وجوده ، أعطاه كمال وجوده ، أعطاه استمرار وجوده بأولاده .

التعرف إلى الله هو الأصل الوحيد لمعرفته سبحانه :

 في الدنيا يوجد آيات :

﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) ﴾

[سورة الجاثية]

 هذا أصل ، الأصل الوحيد لمعرفة الله أن تتعرف إليه من خلال آياته ، الآيات أنواع ، آيات كونية الكون ، وأداة الانتفاع بها التفكر ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)﴾

[ سورة آل عمران ]

 إذاً الكون أساسه التفكر ، قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

[ سورة آل عمران ]

 فخلقه آيات ، أداة الانتفاع بها التفكر .
 له آيات تكوينية أفعالهُ ، صار عندنا عطاء ، صار عندنا أمطار غزيرة ، صار قحط بالأمطار ، صار زلزال ، كل أفعاله الإيجابية والسلبية هذه اسمها : الآيات التكوينية ، ماذا قال الله عز وجل ؟

﴿ قُل سيروا فِي الأَرضِ ثُمَّ انظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبينَ (11)﴾

[سورة الأنعام]

 والآية الثانية المثيل لها لكن مع فرق حرف واحد ..

﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) ﴾

[ سورة النحل]

 الفاء للترتيب على التعقيب ، وثم للترتيب على التراخي ، فقد يأتي العقاب من الله مباشرة وقد يأتي بعد حين ، هذه آياته التكوينية ، أداة الانتفاع بها النظر :

﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) ﴾

[ سورة النحل]

 بقي الآيات الثالثة القرآنية ، أداة الانتفاع بها التدبر ، أنت بالكونيات تتفكر ، بالتكوينيات تنظر ، بالقرآنيات تتدبر .
 الآيات هي القنوات الوحيدة الفريدة الجامعة القاطعة لمعرفة الله عز وجل .

التوبة جزء من كمال الله :

 الآن إذا تاب العبد توبة نصوحة أنسى الله حافظيه , والملائكة , وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه ، كأنه فتح مع الله صفحة جديدة والماضي ألغي كلياً ، هذه نعمة كبيرة جداً .
 الشيء الثاني ، الإغراء الآخر ، قال تعالى :

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) ﴾

[ سورة البقرة]

 الشيء الثالث :

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾

[ سورة النساء ]

 فالتوبة جزء من كمال الله عز وجل .
المذيع :
 هل لنا أن نشرح الآية الأخيرة ...

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾

[ سورة النساء ]

 ما المراد منها ؟

إرادة الله أعلى إرادة :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 أي إرادة الله أعلى إرادة ، يريد لعباده المخطئين أن يتوبوا ، ولعباده المذنبين أن يتوبوا، ولعباده المتورطين أن يتوبوا ، ولعباده الغافلين أن يتوبوا ..

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾

[ سورة النساء ]

 إلى الخطأ ، إلى الانحراف ، إلى المعصية ، إلى الفساد ، إلى التفلت :

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾

[ سورة النساء ]

 لذلك الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، خلقنا ليرحمنا :

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) ﴾

[ سورة هود]

 الآية واضحة جامعة مانعة قاطعة ..

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾

[ سورة النساء ]

المذيع :
 لو أردنا أن نعرف المصطلحات ؛ الذنب هو كل خروج عن منهج الله ، والتوبة إعادة العزم والنية مرة أخرى للإقامة على شرع الله .

بطولة الإنسان أن يكون صادقاً في توبته :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 ترميم كامل ، أبلغ من الترميم ، أنسى الله حافظيه , والملائكة , وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه .
المذيع :
تنقل الإنسان ما بين الذنوب والمعاصي ، أذنب اليوم فأندم وأتوب ثم أعود غداً أذنب ذنباً جديداً وأعيده وأكرره .
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 الحقيقة الدقيقة والمريرة والمشرقة بأن أهون توبة أول توبة ، الصلحة بلمحة ، يا رب لقد تبت ، يقول لك : يا عبدي وأنا قد قبلت ، قال تعالى :

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) ﴾

[ سورة الزمر]

 أي ما ترك معصية إلا وفعلها ..

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) ﴾

[ سورة الزمر]

 فالبطولة أن تكون صادقاً في توبتك ، الباب مفتوح إلى ما شاء الله ، لكن ثاني توبة أصعب ، أول توبة أهون توبة ، وأسهل توبة ، وأسرع توبة ، الثانية أنا أقترح للأخ الذي يتوب مرة ثانية من الذنب نفسه أن يدعمها بصدقة .
المذيع :
 كيف نربط هذا الكلام بقول الخالق سبحانه وتعالى :

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) ﴾

[ سورة آل عمران ]

التوبة يجب أن تكون على التأبيد :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 يوجد نقطة دقيقة جداً جداً ، لو قال : أنا أتوب في رمضان وأعود بعد رمضان إلى ما كنت عليه التغت التوبة كلها ، لا بد من أن تكون التوبة على التأبيد ، هذا أصل التوبة ، لكن قد تزل القدم ، هناك توبة ثانية ، أما يتوب في فترة معينة ، يحددها بفترة معينة ، هذا عند الله لا يقبل إطلاقاً ، أراد أن يتوب توبة نصوحة :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) ﴾

[ سورة التحريم ]

 أخذ قراراً ، ندم على الماضي ، إقلاع فوري ، عقد العزيمة التامة على ألا يعود لهذا الذنب ، قد تزل قدمه موضوع ثان ، يتوب توبة ثانية والثانية أصعب ، يحتاج إلى دعم من صدقة ، الثالثة أصعب وأصعب تحتاج إلى دعمين ، والرابعة أصعب وأصعب لكن البطولة أن تكتفي بالأولى ، لا يوجد شيء تاقت نفسك له فزلت قدمك من أجله إلا له بديل إسلامي ، الله أعطانا البدائل ، ما من شيء تشتهيهه النفس إلا له قناة نظيفة تسري خلالها ، كيف ؟ كالوقود السائل في المركبة ، إن وضع في المستودعات المحكمة ، وسال في الأنابيب المحكمة ، وانفجر في الوقت المناسب في البستونات، ولّد حركة نافعة ، أقلتك أنت وأهلك إلى العقبة في العيد مثلاً، البنزين نفسه أي الشهوة ، صبّه على المركبة ، أعطها شرارة تحرق المركبة ومن فيها ، الشهوة إما أنها قوة دافعة إلى الله ، أو قوة مدمرة ، الذكاء والبطولة والنجاح والتفوق أن تكشف إيجابياتها .
المذيع :
 مهما كان عدد المرات التي أعاد بها الإنسان ذات الذنب كلما عاد وتاب بصدق وحق وعزم ألا يعود إليه إن شاء الله تجب ما قبلها ؟
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 لكن التوبة صعبة ، يشعر أنه لم يكن صادقاً فيما مضى .
المذيع :
 لذلك كانت نصيحتكم أن يعمل عملاً صالحاً معها ، إلى متى يعود الإنسان ويرتكب نفس الذنب ويغفر له إلى متى ؟
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 إلى ما شاء الله الله تواب رحيم ، لا يوجد حل ثان ، الله تواب رحيم ، لكن كل مرة السابقة أهون ، اللاحقة أصعب .
المذيع :
إعادة نفس الذنب هل يعتبر استهانة من الإنسان لحرمات الله ؟

حاجة كل إنسان إلى حاضنة إيمانية :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 الحقيقة عنده خطأ استراتيجي ، الله عز وجل أمرنا :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) ﴾

[ سورة التوبة ]

 أنت بحاجة إلى حاضنة إيمانية ، حاضنة تدعوك إلى الصلاة ، إلى غض البصر ، إلى ضبط اللسان ، مادام أنت بحاضنة أخرى مستحيل التوبة تستمر ، لأن الحقيقة يوجد لعبة شد الحبل ، أنت مع جماعة ، مع أصدقاء ، مع أقراباء ، مع زملاء ، أي شيء إذا استطاعوا أن يجروك إليهم ، إلى تفلتهم ، إلى إباحيتهم ، أحياناً إلى شاشة مفتوحة ، إلى غيبة ونميمة ، أنت إن لم تفكر أن تنسحب منهم تكون قد ارتكبت خطأ كبيراً ، هذا موضوع لعبة شد الحبل ، شدوك إليهم ، إلى تفلتهم ، إلى تقصيرهم ، إلى الاستخفاف بأركان الإسلام ، الأركان خمس ، الصلاة الركن الوحيد الذي لا يسقط بحال ، الحج يسقط عن المريض والفقير ، والزكاة تسقط عن الفقير ، كل الأركان تسقط بحالة معينة إلا الصلاة هي الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال:

(( الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ، ومن تركها فقد هدم الدين))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن عمر]

من اتصل بالله اشتق منه الحكمة :

 هذا المخلوق الضعيف ، الخائف ، الأناني ، الشهواني ، يتصل بأصل الجمال والكمال والنوال ، بالذات الإلهية ، يكتسب منه في الصلاة الصبر ، الرزانة ، الإكرام للناس ، الرحمة ، الإنصاف ، مكارم الأخلاق مخزونة عند الله عز وجل فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً ، أخلاق المؤمن من اتصاله بالله ، عنده إنصاف بين أقربائه ، بين والديه ، عنده تواضع، عنده رحمة ، عنده حكمة ، الحكمة أكبر عطاء إلهي ، قال تعالى :

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)﴾

[ سورة البقرة ]

 أنت باتصالك بالله تشتق منه الحكمة ، من هو الحكيم ؟ هو الذي يجعل العدو صديقاً، من هو الأحمق ؟ هو الذي يجعل الصديق عدواً ، الحكيم يعيش مع أي زوجة أسعد حياة ، الآخر يعيش مع أجمل زوجة أشقى حياة ، الحكيم بمال محدود يعيش حياة كريمة ، غير الحكيم يتلف المال الكثير ، الحقيقة الدين فاصل بين الشقاء والسعادة ، بين الحكمة والحمق ، بين الوصول والانقطاع .
المذيع :
 التوبة مفتوحة إلى ما لا نهاية ، ولا حل للعاصي إلا أن يعود إلى الله ، لكن كلما قلل من ذنوبه هون الأمر عليه ، وإذا تكررت الذوب يقدم صدقة معها ، ما رأي فضيلتكم بالحديث :

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك]

كلما صغر الذنب عند الإنسان كبر عند الله :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 الحقيقة الدقيقة والخطيرة كلما صغر الذنب عند الإنسان كبر عند الله ، والعكس كلما كبر عند المؤمن صغر عند الله ، لذلك قالوا : لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار، أوضح مثل طريق عرضه حوالي ستين متراً ، على يمينه واد سحيق ، وعلى يساره واد سحيق ، الصغيرة أنت حركت المقود سنتمتراً واحداً فقط ، هذا السنتمتر إذا ثبته قطعاً إلى الوادي ، الكبيرة حركته تسعين درجة ، لكن بإمكانك أن تعيد المقود كما كان ، فلا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ، نحن ما مشكلتنا ؟ خذ مئة بيت بأي مدينة إسلامية لا يوجد خمر ، لا يوجد قتل، لا يوجد جريمة ، لا يوجد مخدرات ، إلى آخره ، نحن ما مشكلتنا مع الله ؟ الأشياء الصغيرة التي ثبتنا عليها ، أنت عندك بيت فيه جميع الأجهزة الكهربائية من دون استثناء من أعلى مستوى لكن البيت لا يوجد فيه كهرباء ، لا قيمة لكل هذه الأجهزة ، قطع التيار لو كان ميلمتراً واحداً أو متراً مثل بعضها التيار انقطع ، مادام هناك معصية حجبتك عن الله ، معقول إنسان يحجب عن الله بأشياء صغيرة ؟ لا بد من ضبط هذه الصلة بالله عز وجل ، ألا يكون هناك جلسة فيها غيبة ، نميمة ، شاشة مفتوحة بلا ضوابط ، ألا يوجد سهرة بلا ضوابط ، ألا يوجد اختلاط .
المذيع :
 شيخنا القاعدة الذي ذكرتموها كلما عظم الذنب عند الإنسان هان عند الله وكلما كبر عند الإنسان صغر عند الله .
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار .
المذيع :
 تفضلي أختي مرام ..
السائلة :
 أريد أن أسأل عن قوله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، ممكن محبة النبي صلى الله عليه وسلم ...

الإسلام فردي وجماعي :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 اسمعي الجواب الدقيق ، نحن عندنا إسلام فردي وإسلام جماعي ، الإسلام الفردي يطبق بثلاث دوائر ؛ نفس الإنسان دائرة ، بغض بصره ، بضبط لسانه ، في بيته ، بيته إسلامي لا يوجد فيه معصية كما قلت قبل قليل ، لا يوجد شاشة مفتوحة ، لا يوجد اختلاط ، ولائم لا ترضي الله عز وجل ، والدائرة الثالثة عمله ، فالإنسان إذا أقام أمر الله في نفسه أولاً ، وفي بيته ثانياً ، وفي عمله ثالثاً أدى الذي عليه ، لا يحاسب عن الدوائر الأخرى ، فأنت إذا أقمت أمر الله فيما تملك كفاك ما لا تملك ، هذه الدوائر الثلاثة ، أنا داعية أدعو الناس في القارات الخمس، سمعت منذ فترة أن دعوتي قد وصلت لليابان ، أنا أدعو إلى كل أنحاء العالم ، أما أنا كمسؤولية فأحاسب عن نفسي أولاً ، بيتي ثانياً ، عملي ثالثاً .
المذيع :
 من يؤدي شيخنا دوره يقطف الثمار الفردية للدين لأنه أدى دوره الفردي .
الدكتور محمد راتب النابلسي :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) ﴾

[ سورة النساء ]

 هذه الآية أصل ، مستحيل هذه كإسلام فردي ، سآتي بحالة نادرة ، يوجد مليارا مسلم لو بيت واحد من ملياري بيت مسلم أقام الأمر الإلهي في هذا البيت له معاملة خاصة ، مستثنى من كل ما يجري :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) ﴾

[ سورة النساء ]

 أنت كفرد عليك أن تعرف الله ، وأن تشكره ، وأن تعبده ، تقطف كل ثمار الإسلام الفردية ، أما كأمة فاسمع الآية :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾

[ سورة الأنفال]

 ما معنى ما كان ؟ لو إنسان سأل شخصاً قال له : هل أنت جائع ؟ يقول : لا ، لكن إنسان محترم تقول له : هل أنت سارق ؟ ليس من المعقول أن يقول لك : لا ، يقول لك : ما كان لي أن أسرق ، هذه الصيغة في اللغة تعني نفي الشأن ، ينفي الإرادة والعمل والسكوت ، لا يمكن ، اثنا عشر فعلاً يشتق من هذه الصياغة ، اسمع هذه الآية :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾

[ سورة الأنفال]

 أي مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعذب هذه الأمة وهي تقيم شرع الله .
المذيع :
 المقصود وأنت فيهم أي سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 في حياته واضحة جداً ، الله عصمه ، العصمة في حياته ، أما أمته بعده لو طبقت منهجه فلها معاملة خاصة من الله ، بصرف النظر عن كل المعطيات المادية ، قوية ، ضعيفة، لها معاملة خاصة .
المذيع :
 شيخنا الحبيب محبة النبي صلى الله عليه وسلم هي جزء من بقاء مكانة النبي
 فيهم لكن هل تكفي المحبة وحدها إذا لم يرافقها تطبيق سنة النبي صلى الله عليه وسلم ؟

التطبيق من لوازم المحبة :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 محبة مع تطبيق ، المحبة من لوازمها التطبيق ، الحقيقة يوجد مرغب مذهل في التوبة، الحديث الشريف القدسي :

(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد))

[ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]

 شخص معه سند بمليون وضاع منه ولا يعوض عثر عليه ..

(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد))

[ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]

 والعقيم الذي معه ملايين مملينة وزوجته ما أنجبت ، ولا يحب أن يتزوج امرأة ثانية ، فأنجب ولداً ، وإنسان كاد أن يموت عطشاً فرأى نبع ماء ، ثلاثة تشبيهات مذهلة ..

(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد))

[ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]

المذيع :
 لماذا يفرح ؟
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 لأن الله خلقنا ليرحمنا ، يفرح الله بسلامتنا ، هو غني عنا لكنه يفرح لنا ، يوجد فرق ، ما اسمه ؟ غني حميد ، هو غني عنا لكن يحمد على محبته لنا ، وعلى مغفرته لنا .
المذيع :
 معنا الأخ عبد الحكيم ..
السائل :
 استفساران ، الأول : أحياناً تسأل عن إنسان يقول لك : أنا تبت ولكن الله ما استجاب لي ، ما هي العلامات ؟

علامات التوبة :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 من سابع المستحيل هو ينتظر توبتنا ، يفرح بتوبتنا ، وما قبل توبتنا إلا لنتوب ، ما شرع لنا التوبة إلا لنتوب .
المذيع :
 شيخنا ما علامات التوبة ؟
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 تدخل بسعادة لا توصف ، اصطلحت مع الله ، مع خالق السماوات والأرض ، الذنوب عبء كبير على الإنسان ، تعمل له كآبة ، عندما يتوب إذا لم يقل : ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني عنده مشكلة .
المذيع :
 إذا لم يشعر بهذه السعادة أين يكون الخلل دكتور ؟
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 معنى هذا أنه ما تاب ، توهم أنه تاب .
المذيع :
 يوجد حقوق للعباد لم يؤدها ؟
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 هذه نقطة مهمة جداً ، التوبة فيما بينك وبين الله سهلة جداً ، الصلحة بلمحة ، أما حقوق العباد فلا بد لها من أداء أو مسامحة ، دقق ، إما أن تعطي المبلغ أو يسامحك ، أما حقوق العباد فالأصل فيها الشدة وحقوق الله سهلة .
المذيع :
 إذا الإنسان لم يؤد حقوق العباد أو لم يستقم على أمر الله يكون هناك خلل في التوبة فلا يشعر بسعادتها .
الدكتور محمد راتب النابلسي :
 إلا بحالة واحدة ما تمكن أن يؤدي الحقوق فعمل وصية ، عندما يبيعون البيت يدفعون من ثمن البيت وصية المبلغ ، وصية ثابتة بكاتب العدل موثقة حتى لا يلغيها الأهل .
المذيع :
 تفضل أستاذ عبد الحكيم ...
السائل :
 كيف ذنب أنا تعودت عليه أستغفر ربي ثم أعود إلى هذا الذنب أريد طريقة عملية ؟

الاستجابة لله لأنه وعدنا بجنة عرضها السماوات والأرض :

الدكتور محمد راتب النابلسي :
 إذا شخص ارتكب غلطة ضد صحته ، قال له الطبيب : هذه إن تابعتها ستصاب بالجلطة ، والله يرتجف قلبه ، إذا تهديد طبيب لا تنام الليل ، إذا تهديد شخص قوي ، قال لك : إذا أعدت ما فعلت تدخل لعندنا ، لا تعيدها من أجل شخص ، خالق الأكوان وعدك بجنة عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين ألا تستجيب إلى الله عز وجل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) ﴾

[ سورة الأنفال ]

المذيع:
 نختم لقاءنا بدعاء .

الدعاء :

الدكتور راتب :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك ، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم ....

خاتمة و توديع :

المذيع :
 بارك الله بكم فضيلة العلّامة الدكتور محمد راتب النابلسي، نسأل الله أن يجعلنا من عباده الواصلين لأرحامهم ، سبحانك اللهم وبحمدك ، نشهد أن لا إله إلا أنت ، نستغفرك ونتوب إليك .

الاستماع للدرس

00:00/00:00

إخفاء الصور