وضع داكن
25-06-2024
Logo
الدرس : 3 - سورة الحديد - تفسير الآيات 07-10 - الإنفاق دليل على صدق الإيمان
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
 الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمد الصّادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلّا ما علَّمْتنا إنّك أنتَ العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة الكرام، مع الدرس الثالث من سورة الحديد، ومع الآية الكريمة السابعة، وهي قوله تعالى:

﴿  آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ(7)﴾

[ سورة الحديد ]


 الإيمان درجات:


 الخِطاب هنا مُوجَّه إلى الذين آمنوا، والواو واوُ الجماعة، وهي تعود على الذين آمنوا، والآية الكريمة آمِنُوا ما معنى ذلك؟ معنى ذلك أن الإيمان درجات، والوصول إلى بعض درجاته لا يكفي، فلا يكون الإيمان كافياً، ولا تقطف ثماره إلا إذا حمَلك على طاعة الله تعالى، فإن لم يَحْمِلك على طاعة الله كان إيمانك غير كافٍ، وهذا النوع من الإيمان لا يُنَجِّي صاحبه، وأوْضحُ مثلٍ على ذلك أنّ إبليس قال: 

﴿  قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82)﴾

[ سورة ص ]

  فليس كلّ إيمانٍ يُنَجِّي صاحبه، قال تعالى: 

﴿  وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ(38)﴾

[ سورة الزمر ]

 لذلك لم يحفل القرآن الكريم كثيرًا بإيمانك بِوُجود الله تعالى وبأنه خالق السماوات والأرض، ولكنَّه ألحَّ كثيرًا على إيمانك بوَحدانيَّته، فلو سألت كلّ الناس في الأرض حتى عُبَّاد الأصنام منهم - باستثناء قلّة قليلة ركِبَتْ رأسها – لو سألت معظم الناس لقالوا: الله الذي خلق السماوات والأرض، ولكنّ الإيمان الذي ألحَّ عليه القرآن هو أن تؤمن بأن الله إلهٌ واحد، وأنَّ الأمر كلَّه بيده، وأن الأمر كله راجِعٌ إليه، وأنَّ مقاليد السماوات والأرض بيدِهِ، وأنَّه: 

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)﴾

[  سورة الزخرف  ]

وأنَّه:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(41)﴾

[  سورة الرعد ]

وأن:

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)﴾

[  سورة الأعراف  ]

وأنه:

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

[  سورة الزمر  ]

فالإيمان المطلوب هو أن تؤمن بوَحدانيَّتِه، وأن تؤمن بأنَّه إله بيَدِهِ كلّ شيء، ففي اللَّحظة التي تؤمن فيها بِوَحْدانيَّتِهِ تستقيم على أمره،‍ الأمر كله إليه، فتصبح كلّ شؤونك متعلِّقة به، فإذا عرفْت هذه الحقيقة أقْبلت عليه وحده، ورَجَوتَ الخير منه وحده، وأخلصْت له وحده، ووحدته وأفْردته بالعبوديَّة والإنابة، فالطالبٌ الذي تعلَّم القراءة والكتابة نقول له: ادرس، ولكن من تعلم القراءة والكتابة تعلم كل شيء؟ قد نعلمه أن يكتب كلمة فنبدأ بأبسط الكلمات، نقول له: ادرس وهو في الصف الأول، نقول له: ادرس في الصف الثاني، ادرس في الصف الثالث، في الرابع، في الخامس، يأخذ وثيقة إتمام المرحلة، نقول له: ادرس في الإعدادي، نقول له: ادرس في الثانوي، نقول له: ادرس في الجامعة، يحمل إجازة الجامعة، نقول له: ادرس دبلوم، ماجستير، دكتوراه، الإيمان درجات عالية جدًّا، ففي آية أخرى قال تعالى: 

﴿  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا(136)﴾

[ سورة النساء ]

 فهناك من يقْنع بِمُستوى إيماني بسيط لا يُقدِّم ولا يؤخِّر، ولا يحْملهُ على طاعة الله، وقد أشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا المعنى، فعن أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم أنه قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 

(( أُمِرْتُ أن أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقولوا لا إلهَ إلَّا اللهُ فإذا قالوا لا إلهَ إلَّا اللهُ عصَموا منِّي دِماءَهم وأموالَهم إلَّا بحقِّها وحِسابُهم علَى اللهِ.  ))

[ صحيح ابن ماجه ]

 قاعدة: إذا كان هناك معْصِيَة، فمعنى ذلك أنَّ هناك ضَعفًا في الإيمان فقد قال تعالى في آية تتحدث عن اليوم الآخر: 

﴿  وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنْ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ(74)﴾

[ سورة المؤمنون ]

هذا هو الصِّراط المستقيم، فمن الذي ينحرف عن هذا الصِّراط؟ مَن لا يؤمن بالآخرة، ومعنى ذلك أنَّ أي انحراف في السلوك يُقابله انحراف أو ضعف في العقيدة، فالإنسان مَدعُوٌّ إلى أن يؤمن على الرغم من كونه مؤمناً، كما أنه مَدعوّ إلى أن يزداد إيمانًا لأنّ الإيمان يزيد وينقص، والدليل قوله تعالى: 

﴿ نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَٰهُمْ هُدًى (13)﴾

[ سورة الكهف ]

 والإنسان أحيانًا يُمسي مؤمنًا ويُصبحُ كافرًا، فالإيمان يذهب بالمعصيَة ويتقوَّى بالعمل الصالح، فالإيمان في عقيدة أهل السنّة والجماعة يزيد وينقص، فمهما كنتَ مؤمنًا فهناك درجة أعلى في الإيمان، ومهما أوْغَلْتَ في أعماق الإيمان فهناك مستوى أعلى وأعمق.
 أيها الإخوة الكرام، يقول تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إن الإيمان باليوم الآخر مِن لوازم الإيمان بالله تعالى، وقد ذَكَرْتُ هذا في خطبة اليوم، لأنّ الذي لا يؤمن بالآخرة لا يستقيم على أمر الله، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنْ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ فالإيمان الذي لا يحْملُك على طاعة الله والإخلاص له، ولا يدفعُك إلى بابه سبحانه هو إيمان غير كافٍ، وكلمة غير كافٍ يعني أننا لا ننكر أنَّ فلانًا من الناس مؤمن، لكن إيمانه غير كاف ما دام مقيماً على المعاصي، وما دام لم يتَّبع منهج الله فإيمانه غير كافٍ، فالإنسان يحتاج إلى تجديد الإيمان وإلى تقْوِيَتِهِ، والإيمان ما وقَر في القلب، وأقرَّه اللِّسان، وصدَّقَهُ العمل.
 أنا مضْطرّ أن أقول كلمة في هذه المناسبة وهي: أن العِبرة ليست في القول، فالقَول لا يقدِّم ولا يؤخِّر، وقد ضربت على ذلك مثلاً فقلت: يمكن للطالب أن يقول: أنا مهتمّ أشدّ الاهتمام بِالنَّجاح، بل إني أُعلِّق على النَّجاح آمالاً عريضة، فالنجاح هدفي الأكبر؛ وهذا كله كلام، فإن لم يفتح الكتاب ولا ساعة، ولم يعْكف على الدرس ولا ثانية، ولم يُداوِم، كان كلامه مرفوضاً، بل إن عملهُ يكذِّبه، والإنسان أحيانًا يقول لك: الله عز وجل عظيم، والجنَّة والنار حق، ونسأل الله أن يجعلنا مؤمنين، فما لنا إلا عفْوه وكرمه، فتنظر إلى سلوكه فتجده يتعامل مع النَّاس بِطَريقة سيئة، وكأنَّ الحياة الدنيا بالنسبة له هي كلّ شيء، وكأنّ ما بعد الموت لا شيء، فالعبرة أيها الإخوة أنه على الإنسان أن يكسب وقتهُ وعمْره، والعمر قصير، والمسؤوليَّة كبيرة، والسُّؤال دقيق، والناقِد بصير، والبحر عميق، جَدِّد السفينةَ فإن البحر عميق، أكثِر الزّادَ فإن السفر بعيد، أخلِص النيةَ فإن الناقد بصير. 

الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم:


 ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ عليك أن تؤمن بالله تعالى خالقًا، ومُربِّيا، ومُسيِّرًا، وموجودًا، وكاملاً، وواحدًا، كما عليك أن تؤمن بأنَّ هذا الذي أرسلَهُ الله تعالى إلينا وأنزل عليه الكتاب هو رسوله صلى الله عليه وسلَّم، وهو مُشرِّع، وأنه: 

﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ(3)﴾

[ سورة النجم ]

سألني أخٌ مُداعباً فقال: لو أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء في هذا العصْر، فهناك وسائل اتصال كثيرة، والمحاضرات تنتقل عبر الأقمار إلى شتى بقاع الأرض، وصار يتحدَّث من هذا القبيل، فقلتُ له: إنَّ الأُمِّيَّة في حق النبي عليه الصلاة والسلام كمال، والأُمِّيَّة فينا نقص؛ لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام مُهيَّأ لِتَلَقِّي الوحي من السَّماء، فينبغي أن يكون الوِعاءُ نظيفًا طاهراً، خاليًا، فارغًا، قال تعالى: 

﴿  وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(48)﴾

[ سورة العنكبوت ]

 فلو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام تلقَّى مِن ثقافات العَصر ما تلقّى، واطَّلَعَ على ثقافات الشُّعوب، وقرأ ودرسَ ثمَّ جاءَهُ الوحي لاخْتلطَت علينا الأمور، فكلَّما حدّثنا بِحديث شريف نقول له: يا رسول الله! هذا من الوحي أم مِن ثقافتك؟ قال تعالى: 

﴿  وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4)﴾

[ سورة النجم ]

 فالكمال أن يتنزَّل هذا الكتاب على النبي الأمِّيّ، والكمال أن يكون الوحي في أعماق الصَّحراء، فلو نزل الوحي في مُلْتقى الحضارات والثقافات؛ ثقافة الإغريق مع ثقافة الرومان مع ثقافة الهند مع أماكن التبادل التجاري، لكان هذا المُعْترك لا يُناسب نقاوة الدَّعوة وصفاءها، فنزل الوحي في مكَّة والمدينة في الصحراء، وفي عصْر كانت فيه الأمور بسيطة، ويغلب على الناس الصِّدق والصَّراحة، أما عندما تتعقَّد الحياة، وتتداخل المفهومات تسقط الكلمة، فعندما يهزأ إنسان من آخر يقول له: بلا فلسفة، كله كلام فارغ، الكلمة في ِعَصرنا الحالي لا قيمة لها؛ لأنَّها مُزوَّرة، ولأن الكلام الآن يتناقض مع الأحوال، فالواقع شيء، والكلام شيء آخر! فالرِّسالة السماويَّة نزلت في وقتٍ كان للكلمة فيه قُدْسيَّة، لذلك قال تعالى: 

﴿  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ(24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)﴾

[ سورة إبراهيم ]

 ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فيجب أن تؤمن أنَّ الله سبحانه وتعالى أنزَلَ على عبْدِهِ الكتاب، وأنَّ هذا الكتاب بيَّنَهُ النبي عليه الصلاة والسلام أوْسَعَ بيان، وأنَّك إذا اسْتَغْنَيتَ عن السنّة خالفْت نصَّ القرآن، والآن هناك دَعَوات غير صحيحة إلى نبْذ السنَّة والاكتِفاء بالقرآن، وقد قلتُ لأحدهم: منْ يَدعُ إلى ترْك السنَّة والتَّمسُّك بِكِتاب الله وحده فقد خالف كِتاب الله تعالى! لأنَّ الله تعالى يقول:  

﴿ مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)﴾

[ سورة الحشر ]

 فالنبي مُشرِّع ومُبيِّن، ومُفصِّل، ومحبَّتك للنبي عَينُ محبَّتِك لله تعالى، وأخْذك عن النبي عَين أخذك عن الله تعالى؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى اصطفاه وعصَمهُ، وأوحى إليه، وكمَّلَهُ، فهو القدوة والمثل والمُشرِّع والمُبيِّن. 
قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فإن فرَّقت بين الله ورسوله فقد ابتدعت في الدين، وجئتَ في الدِّين ما ليس منه، لا تفرق بين الله ورسوله ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإخباره وأحواله، والله هو الذي عصَمهُ، إذا آمنت فهذا الإيمان داخلي، الإيمان قناعة، الإيمان مشاعر، الإيمان وِجهة إلى الله عز وجل، ولكنَّ البطولة أن تؤكّد هذا الإيمان بِعَمل، وما الذي يُؤكِّد إيمانك؟ إنفاقُك، والسَّبب في ذلك أنَّ الإنفاق يتناقض مع طَبع الإنسان، فإذا أنْفقَ فمعنى ذلك أنَّ إيمانه صحيح، وأنّ يقينهُ كبير، وعدم الإنفاق يدلّ على عدم الإيمان؛ وهذا لِمَن وجد سعةً طبعًا، فالإيمان قناعة وشعور وشيء داخلي لا يطَّلِعُ عليه أحد، لكنه يتجسَّد بالعمل الصالح لذلك حيثما وردَت: (الذين آمنوا) جاءَ بعدها: (وعملوا الصالحات) .

﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّٰتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا(107)﴾

[ سورة الكهف ]

 ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا﴾ الحقيقة أن الإنفاق في هذه الآية شامل، والمُطلَق على إطلاقه، فلَكَ أن تنْفق مِن مالك، ولك أن تنفقَ من وقتِك، ولك أن تنفقَ من عضلاتك، ولك أن تنفق مِن خِبرتِك، ولك أن تنفق من عِلْمِك، ولك أن تنفق من جاهِكَ، ولك أن تنفق من حِرفَتِك، ومن دراسَتِك، وممَّا جعلك الله فيه قائمًا، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾

 معاني ( مستخلفين فيه ) :


 وكلمة ﴿مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ تُفيد معانٍ كثيرة :

1- التمكين: وهو أولى المعاني:

 إن أعطاك الله مالاً، فكيف أعطاك هذا المال؟ مكَّنَكَ من خِبْرةٍ تتقنها، ِمكّنك من حِرفَةٍ تتْقِنها، مكّنك من عِلْمٍ حصّلته، فَعِلْمُكَ بيَدِ الله عز وجل، والله عز وجل حينما علَّمَكَ استخلفك، حينما أغناك استخلفك، حينما قوَّاك استخلفك، وحينما سمَحَ لك أن تُتْقِنَ حرفَةً مكّنك وقوّاك واسْتَخلفكَ، فالإنسان هو خليفة الله في الأرض.
 قال تعالى:

﴿  وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30)﴾

[ سورة البقرة ]

 فالإنسان خليفة الله في الأرض، خليفته في الأرض وسوف ينظر ماذا يصنع، وسوف يُحاسبُهُ، ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا﴾ الإنفاق الدليل الإيمان، فمثلاً حينما يرى التاجر ذو عقليةِ التاجرِ بِضاعةً جيِّدة جدّاً وذات سعر معتدل جداً، ومطلوبة بِشَكل كبير، البضاعة جيدة، والسعر معتدل، وبيعها مضمون، هل يتردَّد التاجر ثانيَة في شِرائها؟ قد يسْتقرض ثمنها! لا ينام تلك الليلة، فالبضاعة مطلوبة وسعرها معتدل ونوعيتها جيدة، والإنسان حينما يوقن أنَّ الآخرة هي محطّ الرِّحال وأنها نِهاية الآمال، وأنّ التَّعامل مع الله يحتاج إلى عمل، وأنّ هذه الآخرة ثمنها العمل الصالح، والعمل الصالح مُتاح لك في الدنيا يُقدم على الإنفاق، والإنسان لا يقدِمُ على الإنفاق إلا إذا عرف الله تعالى ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ .

 2- التوارث:

 مُستخلَف لها معنى آخر، الأول: أن الله مكّنك، أنت خليفته في الأرض، المعنى الثاني: إن هذا البيت أو هذا المحل التِّجاري قد ورثه الابن عن أبيه، وهذا المنصب في الجامعة قد ورثه المدرِّس الناشئ عن أستاذ متقاعِد، فالناس أفواج وأفواج، فأفواجٌ منهم ينسحِبون من الحياة، وأفواج يدخلون، فنحن مُسْتخلفون في هذه الأرض، فقبل مائة عام مثلاً كان كل مَن في هذه المدينة غير الذين هم فيها الآن، وبعد مائة عام سيكون كل الذين في الطرقات وفي البيوت وفي المساجد غير الذين هم في المساجد الآن، فالمعنى الثاني لـمستخلفين جيل وراء جيل، وإنسان وراء إنسان، مرة وقفْتُ في أحد أسواق دمشق الشَّهيرة، فنظرْت وقلتُ: إن كل هذه المحلاَّت التِّجاريَّة قبل خمسين عام كان أصحابها غير الذين هم الآن! وبعد خمسين عام آخر سيتبدَّل (الطَّقْم). ﴿مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ .

 3- الوكالة:

 المعنى الثالث أنت حينما تكون مستخلفاً فهذا يعني أنك وكيل، وأن يدك على المال يد الأمانة، فالله سبحانه وتعالى مكَّنَكَ وراقبَك، وسيُحاسبك، ماذا تفعل؟ من تعطي؟ فحينما تعتقد أنَّ هذا المال مالك تكون واهماً! بل هو مال الله، وقد خاطب أحد الأعراب النبي عليه الصلاة والسلام بِغِلظةٍ وفظاظة وهو سيّد الحلماء، وقال له: أعْطِني مِن مال الله! فهذا المال ليس مالك ولا مال أبيك، فتبسم عليه الصلاة والسلام، وقال: صدق.
 إذا كان بيَدك مال فهذا مال الله، وكذا إن كانت لك خِبرة، فهذه خبرة أعطاك الله إياها، فإن منعْتها فالله تعالى عنده عقوبات كفقْد ذاكرة مثلاً، يفقد الإنسان كل معلوماته، وقد سَمعتُ قبل يومين أنّ هناك فقْد ذاكرة تدريجيّ، أي أن خلايا الذاكرة تموت شيئًا فشيئًا! فينسى الإنسان عند ذلك بعض خِبراته، ثم ينسى أولاده، إلى أن ينسى نفْسه، فكلّ خِبراتك في ِذاكرتك، وقد تفْقدُها وأنت لا تدري، وكذلك حال مالك، فقد تفقده فجأةً، والله تعالى إذا أعطى أدْهش، وإذا سلبَ أدْهش، فهناك أناسٌ يملكون ملايين مُمَليَنة، ثم يأتي عليهم زمان لا يجدون فيه ثمن رغيف خبزٍ!

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾

[ سورة البروج ]

فمعنى مستخلف جيل وراء جيل، إنسان وراء إنسان.

 4- الإنسان خليفة في الأرض:

 ومن معاني الاستخلاف أنَّ الإنسان هو المخلوق الأوّل الذي جعله الله خليفة في الأرض لِيَحكم بالعَدل، ليرحم الخلق، ليُعطي، ومعنى مستخلَف: أنَّ يد الإنسان على ما بين يديه يدُ الأمانة، وقد سئِلَ أعرابيّ بيَدِهِ قطيعٌ من الإبل، لِمَن هذه الإبل؟ قال: لله في يدي! وقد قالوا: لقد أجاب أبلغ إجابة في اللُّغة العربيَّة، فهي لله وهي الآن في يدي.
 بيتك ليس لك هو لله، سُمِح لك أن تقطُنَه، حِرفتُكَ مكّنك الله منها، علمك مكّنك الله منه، فأنت مُستخلَف على ما في يدك، يعني يدك على ما أنت فيه يد الأمانة، مستخلَف على ما في يدك، والله سبحانه وتعالى ناظرٌ ماذا تصْنع، لذا ورد في بعض الأحاديث أنَّ الله سبحانه وتعالى اختَصّ أناسًا بِنِعَم، يُقِرُّهم عليها ما بذلوها فإذا منعوها سلبها منهم، وحوَّلها إلى غيرهم! فإذا مكَّن الله الإنسان من شيء كالمال أو العلم أو الجاه أو القوَّة أو الخبرة، أو الاختِصاص أو الحِرفة، أطلَقَ لسانه، وجعله يقرأ ويكتب ويطالع فلا بدّ له من أن يبذل هذا الاختصاص لِوَجه الله لا أن يمْنعَهُ، والدليل قوله تعالى: 

﴿  وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(77)﴾

[ سورة القصص ]

 قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ 

 الارتباط الوثيق بين الإيمان والإنفاق:


 هناك ترابط بين آمَن وأنْفق؛ لأن الإنفاق دليل إيمانه، آمن وأنفق: الإنفاق يؤكِّد إيمانه، آمن وأنفق: الإنفاق يحقِّق إيمانه، آمن وأنفق: الإنفاق يُجسِّد إيمانه، الإنفاق يجسِّد إيمانك، ويحقق إيمانك، ويؤكد إيمانك، ويُشير إلى إيمانك، هذا الإيمان، لذلك لا يوجد مؤمن على وجه الأرض يسْتقرّ الإيمان فيه لحْظةً إلا وينطلق إلى العمل الصالح. 
إخواننا الكرام، إنْ صحَّ التَّعبير أقول: بُنْية المؤمن أساسها العطاء، وإنَّهُ يُعْطي لِيَأخذ من الله تعالى، لأنه يُتاجِرُ مع الله، قال تعالى: 

﴿  يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَٰرَةٍۢ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ(10) تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(11)﴾

[ سورة الصف ]

 فالكافر أساس حياته الأخذ، أما المؤمن فأساس حياته العطاء، فهو يُعطي مِن وقته، من ماله من خِبرتِهِ، من علمه؛ لأنَّه يعطي ويرجو رحمة الله، يعطي ويقرض الله قرضًا حسنًا، يعطي لِيَنال رِضْوان الله، يعطي ليدخل جنَّة ربِّه، فالمؤمن طَموح جدًّا، وقد يبْدو للناس أنّ المؤمن بسيط، ومحدود الطُّموح! لا والله، لا ورب الكعبة، لن تجد في الحياة الدنيا كلِّها إنسانًا أشدّ طُموحًا من المؤمن، فأهل الدنيا يطَمِحون في الدنيا وهي ذات أمد قصير، كما أنها مَشحونة بالمتاعب والهموم، فلا تصفو لإنسان، ولا تستقيم على حال، أساسها التَّبدّل والتَّغيّر، ولا شيء يدوم فيها، فالمؤمن العاقل يختار الآخرة، وهي العطاء المديد الأبديّ السَّرمدي؛ فلا همّ فيها ولا حزن ولا قلق ولا خوف ولا كِبَر ولا خصومة، وكلّ متاعب الدنيا لا تجدها في الجنَّة أبدًا، من هو الطموح؟ من هو الزاهد؟ الزاهد الذي زَهِد فيما عند الله تعالى.
قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ فإذا قال لك طفل صغير: أنا معي مبلغ كبير! فماذا يعني هذا؟ ربما يكون معه خمس وعشرون ليرة! فهو يأخذ من والده كل يوم خمس ليرات أو عشرة، أما لو قال لك أكبر غنيّ بالبلد: معي ثروة كبيرة جدًّا! فقوله يختلف عن قول الطفل: أنا معي مبلغ كبير، فكلمة كبير تكون بقدَر القائل، وربنا عز وجل يقول: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ الكبير يقول لكم: لكم أجر كبير، والله - أيها الإخوة – إني لم أجِد مَن هو أشدّ حمقًا من الذي يزْهد في الآخرة ويُقْبِلُ على الدنيا، فكلّ ما يملكه في الدنيا مرهون بِنَبض القلب، وهناك أكثر من سبب يُوقِفُ القلب من دون سبب! فإذا توقَّف القلب يقال: كان رجلاً فصار خبراً، كان شَخصًا ملء السَّمع والبصر فصار كلمةً على الجدران، كان ذا حضور في البيت فغاب عنه، كان له قرار في تجارته، في مكتبه، في معاملة أولاده، في توزيع أمواله، فَقَدَ هذه الصلاحيَّة، وأصبح المال لِوَرثَتِهِ، فالموت يأتي ويأخذ معه كلّ شيء.
أيها الإخوة الكرام، ثمّ إنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿  وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(8)﴾

[ سورة الحديد ]

 كأنَّ الله هنا يَعْجب! لمَ لمْ تؤمنوا؟ ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ فالإله لا تُدركهُ الأبصار، والكون يدلّ عليه، لكن الله عز وجل أعطاك أكثر ممَّا تستحقّ، فقد جعل إنسانًا من نفسك، من بني جلدتك، يتكلَّم فتسْمعه، ويتحرَّك فتراه، ينطق فتسمع، تتعامل معه فَتُحِبُّه، من هو؟ هو رسول الله عليه الصلاة والسلام، فَمِن رحمة الله بنا أن جَعَل بشراً من بني جِنسنا يُحدِّثنا عن ربِّنا! فعلى الإنسان أن يستنبط ، فقد أكرمه الله تعالى بِعقْل، وكون ينطق بِعظمة الله، لكن الله عز وجل أكرمنا إكرامًا لا حدود له حينما جعل رسوله بشرًا منا، قال تعالى: 

﴿  لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128)﴾

[ سورة التوبة ]

 يتكلَّم ويتزوّج، ويأكل ويشرب وينام، ويتحرَّك وينطق، هو منا، ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام تجري عليه كلّ خصائص البشر.

﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا(110)﴾

[ سورة الكهف ]

  كان سيّد البشر لأنَّه انتصر على بشَريَّتِهِ، فإذا قلت أن النبي اختص بشيء فوق طاقة البشر، فهذا غير صحيح، النبي بشر.

 العلماء ورثة الأنبياء:


 قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ وقياساً على ذلك، لا بد من ذكر شيء آخر، وهو أنّ كلّ إنسان في حِرفتِهِ ومصلحته وبيئته ومحيطه وأسرته، لديه لقاءات وكلام، ولكن كلام الناس في الأعمّ الأغلب متعلِّق بالدنيا، فأصحاب الحرفة الواحدة يتكلَّمون عن حرفتهم، والأهل يتحدَّثون عن بناتهم وأولادهم وأزواجهم وأعمالهم ومستقبلهم، ولكنّ الله تعالى جعل أُناسًا ينوبون عن الأنبياء في إبلاغ الحق للناس، وذلك لِحِكمة بالغةٍ بالغة، وقد وزَّع هؤلاء على كلّ بقاع الأرض تَوزيعا جغرافيًا وزمانياً مُحكماً، فما من مكان إلا وفيه إنسان أو أكثر يدعو إلى الله، وهذا أيضًا من نِعم الله تعالى، فإن دخلت المسجد استمعت إلى الحق، فهمت كلام ربنا جل جلاله، عرفت مراد الله من خلقه، قد تحضر درس حديث شريف، فتعرف ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، فكما امْتنَّ الله سبحانه وتعالى على خلقه بالرُّسل والأنبياء، أيضاً جعل هناك من ينوب عن هؤلاء القِمَم الشامخة في تعريف الناس بالله، جعل هناك أناساً ومكّنهم وقوَّاهم ووفَّقهم إلى نقل الحق للناس، وهذه نِعمة من نِعم الله عز وجل، وإذا أردْت أن تعرف من أنت؟ ولماذا كنت؟ وماذا بعد الموت؟ ولماذا خلْق السماوات والأرض؟ ولماذا أوْدع الله فيك الشهوات؟ وما معنى هذا الكتاب الكريم؟ وإلى أيّ مدىً تسير فيه؟ فما عليك إلا أن تحضر مجلس عِلم. 
فيا أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ما لكم لا تؤمنون! فلو أنّ هناك إنسانًا يكاد يموت من الجوع، وكان أمامه طعام نفيس، أنواع منوعة من الطعام النفيس، وكان هذا الطعام من دون ثمن، وهو واقف ويكاد يموت من الجوع، فيقول له صاحب الدَّعوة: أمرك عجيب! ما لك لا تأكل؟ أنت جائع والطعام نفيس وبلا ثمن! ما لك لا تأكل؟ ما الذي يمنعك من الأكل؟ فإن أكل كان هذا شيئاً طبيعياً، أما إن لم يأكل فهذا شيء غير طبيعي، وضع شاذّ، فكأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ فالله أنزل كتابًا، وأرسل رسولاً فصيحًا بليغًا لطيفًا كاملاً، فهو كامل ولديه فصاحة وبيان وأُنس وإقبال، ما الذي يمنعك أن تؤمن والنبي عليه الصلاة والسلام ينطق بالحق، وهناك من ينوب عنه في هذه الدَّعوة؟ 

 كل شيء في الوجود يدعو إلى الله:


 ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كلّ شيء خلقه الله عز وجل يدعو إليه، فالسماوات والأرض تُشيران إلى الله تعالى، وطبيعة النَّفس البشريّة تُشير إلى الله، فنفسُك البشريَّة إن لم تسْتقِم على أمْرِه تعذَّبَت، والعلماء الأجانب في علم النَّفس يتحدَّثون عن الكآبة، فما هي الكآبة؟ هي حالٌ نفسيٌّ صَعبٌ جدًّا يأتي بعد الانْحِراف، لو لم يعرف الإنسان شيئاً، فالإنسان إذا خالف منهج ربِّه يشعر بالانحراف، فقد سَمِعْتُ من أحد الأصدقاء كان في بلد غربي أنهم كانوا يقدمون دعاية لهاتف فضائي خلوي أنّ رجل دين كان يقرأ الكتاب المقدَّس، وحوله هالةٌ من نور، فمرَّتْ فتاة متبذِّلة فنظر إليها فوقع من على رأسه هذا النور وفقَدَ كلّ ميزاته! أنا لا يعنيني مؤدَّى هذه القصة، ولكن يعنيني أنَّ هؤلاء يعرفون أنّ الإنسان إذا كان مطبِّقًا لشرع الله اتَّصِل به، وأنه إذا عصاه انقَطَع عنه هذا النور، وهذه فطرة البشر جميعًا. 
إذاً: الله تعالى قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ كلّ ما في الكون، كل ما في الوجود، كل ما في الأرض من طَّعام وشَراب وجماد ونبات ونفوس بشرية، كلُّ ذلك يشير إلى الله تعالى، لذلك لا يمكن للإنسان أن يرتاح إلا إذا استقام على أمر الله، فإذا فعل انزاحت عنه هموم كالجبال.
قال تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(9)﴾

[ سورة الحديد ]

 الظلمات: جمع، والنور: مفرد، قال تعالى: 

﴿  اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(257)﴾

[ سورة البقرة ]

 دائماً الظلمات جمع، والنور مفرد، وقال: 

﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)﴾

[ سورة الأنعام ]

 فهذا يعني أنّ الحق واحِد لا يتعدَّد، أما الباطل فيتعدَّد كثيرًا.

 آيات الله البينات:


 قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ والله أيها الإخوة آيات الله تعالى لا تنقطع، فقد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القرآن، لكنْ أفعال الله تشير دائماً إلى وحدانيته، فأحيانا قد يعاقب الله الإنسان عقاباً شديداً، فيعرف هو قبل غيره، ومن حوله أنَّ هذا العقاب عادل، وأنه آيةٌ من آيات الله، فآياتُ الله تترى؛ أحياناً زلازل أحياناً براكين وفيضانات أحياناً قحط مستمر، فلله أفعالٌ تشير إليه، وعرفت اللهَ من نقض العزائم، وأحيانا قد يتمتَّع الإنسان بقوَّةٍ شديدة وذكاء حادٍّ، فيخطِّط لمستقبله تخطيطًا رائعًا، ولكنّه يكون قد بنى مَجْدهُ على أنقاض الآخرين، فلا بدّ من أن يُحْبِط الله عمله، ولا بد أن يُفاجَأ بأنَّ الله موجود، وأن الله بيده كل شيء، وأنَّه لا إله إلا الله.
أيها الإخوة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ هذا الكتاب كتاب الله كله آيات تدلّ عليه، وتُشير إلى المنهج القويم الذي ينبغي أن نتَّبِعَه، وتبيِّن لنا تاريخ الشُّعوب السابقة، ومستقبل الحياة، وحقيقة الدنيا، حقيقة الإنسان، حقيقة الكون، تبين لنا المنهج القويم الذي ينبغي أن نتَّبِعه، هذه كلها آيات بينات، والإنسان يكون قبل قراءته القرآن في ظلماتٍ بعضها فوق بعض، أما إذا قرأ القرآن وعقِلَهُ وتدبّر آياته أخرجه القرآن من الظلمات إلى النور، فيُخرجه من ظلمات الجهل إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن ظلمات الشكّ إلى أنوار اليقين، ومن ظلمات التِّيه والضَّياع إلى أنوار الوِجدان، ومن ظلمات التردُّد إلى أنوار اليقين، ومن ظلمات التعسّف في حركة الحياة إلى أنوار منهج واضِحٍ يسير عليه، فالظلمات كثيرة، والأنوار باهرة، فمن قرأ القرآن وتدبّرهُ وعَمِلَ به أخرجهُ من الظلمات إلى النور، وأحيانًا قد يدْعم الله عز وجل هذا الكتاب الذي هو كلامه بأفعاله، فإذا قال تعالى: 

﴿  يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)﴾

[ سورة البقرة ]

 يمحقُ الله أمامك المُرابي، فكلّ شيء وعد به القرآن أو توعَّد به القرآن أفعال الله جلّ جلاله تؤكِّد وعْدهُ ووعيده، فهناك آيتان؛ آية قرآنيّة وأخرى تكْوينيَّة، ودعمه أيضاً بآيات كونية، فهناك آيات كونية، وآيات تكوينية، وآيات قرآنية، وعلى الرغم من ذلك لا يزال الإنسان مُقصِّراً، قال تعالى: 

﴿  وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(9)﴾

[ سورة الحديد ]

 فما لكم لا تؤمنون؟ وما لكم لا تنفقون؟ فالمال مال الله، وإنك إن أنْفقْتهُ يخلفهُ الله عليك، ويعلمه ويأتيك مقابله أضعاف مضاعفة، ما لك لا تنفق! 

(( أنفِق بلالًا ولا تخشَ من ذي العرشِ إقلالًا ))

[ تخريج الإحياء للعراقي بسند ضعيف ]

قال تعالى:

﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(10)﴾

[ سورة الحديد ]

 فالمال لن يبقى لك حتى وإن لم تنْفقه، فالإنسان يموت ويدع ثروة طائلة، هل يعلم كيف تُنفَق هذه الثروة؟ فقد سألوا مرَّةً شابًّا مات أبوه من وقت قريب، إلى أين أنت ذاهب؟ فقال بالحرف الواحد وباللغة الدارجة: (أريد أن أسْكرَ على روح أبي!)، فلما يبخل الإنسان بإنفاق المال، هل تعلم كيف سينفق الورثة هذا المال؟ بأي طريق، لا تعرف، أنفِقْ وأنت حيّ، فدرهم تنفقه في حياتك خير لك من مائة ألف درهم يُنفَق بعد مماتك، صدقوني أيها الإخوة قد اطَّلَعْتُ على عشرين أو ثلاثين وصيَّة أوصى أصحابها أن يُنفقَ مالهم على أرواحهم في وجوه الخير، هذه الوصايا التي أعرفها جيداً، وقد كنت شاهداً عليها، بيد أنها لم تُنفَّذ منها واحدة، لقد بخل أهله عليه بعشرة آلاف ليرة، أوصى لهم بثلاث مائة ألف تُنفَق بعد مماته فبخلوا عليه بعشرة آلاف ليرة مع أنه قد ترك لهم أموالاً طائلة! فدرهم تنفقه في حياتك خير لك من مائة ألف درهم يُنفَق بعد مماتك، فالله تعالى قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهذا المال يدك عليه يد الأمانة، فإن أنفقت منه نجحْت وفُزْت، وإن لم تنفقه أُخِذ منك، ورثه الله عز وجل، فالله يرث الأرض ومن عليها، فالله يخوّف الناس؛ إن لم تنفقْ فمآل هذا المال إلى الله، لكن تخْسر خسرانًا مبينًا، أما إذا أنفقت عوّض الله عليك ما أنفقت وارتقيت عند الله. 

 تلخيص:


ما لكم لا تؤمنون! ما لكم لا تنفقون! لقد تحدث الدرس اليوم عن الإيمان والإنفاق، والإنفاق مطلق أيها الإخوة، فيمكن للطبيب أن يُعالج الفقراء مجَّاناً، كما يمكن للمحامي أن يتوكَّل قضيَّة لإنسانٍ فقير ضعيف ومظلوم مجاناً، ويمكن لِصاحب المحل المواد الغذائيَّة أن يوزِّع منها مجَّانًا، فيمكن لك أن تتصدَّق من كلّ شيء تملكه؛ مِن عِلمٍ إلى مال إلى خِبْرةٍ إلى متاعٍ إلى بِضاعةٍ إلى غذاءٍ، ما لكم لا تؤمنون! ما لكم لا تنفقون! قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا﴾ فالآيات كلّها تتحدث عن الإيمان والإنفاق، والإنفاق يؤكِّد الإيمان، الإنفاق يُحَقِّق الإيمان، الإنفاق يثبِّتُ الإيمان، الإنفاق يدل على الإيمان، الإنفاق يشير إلى الإيمان، الإنفاق يُجسِّدُ الإيمان، لذا قال الله عز وجل ودققوا في هذه الآية: 

﴿  وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)﴾

[ سورة آل عمران ]

 فأوَّل صِفة من صفات المتَّقين هي كما قال تعالى: 

﴿ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ(134)﴾

[ سورة آل عمران ]

 الإنفاق يؤكد إيمانك، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( الصَّدقة برهان. ))

[ تخريج المسند لشعيب ]

 فهي برهان على إيمانك، من الصِّدق، والصدق من معانيه: مطابقة العمل للقول، مفهوم الصدق عند الناس: مطابقة القول للعمل، ولكن له معنى أعمق: مطابقة العمل للقول هو الصدق، (الصَّدقة برهان) فمن أنفق من ماله دلَّ إنفاقه على أنه صادق في إيمانه.
 والتَّوجيه الأخير هو قوله عليه الصلاة والسلام:

(( إنكم لا تسعون الناس بأموالكم وَلْيَسَعُهُمْ منكم بَسْطُ الوجه وحسن الخلق. ))

[ رواه الحاكم ]

 فيمكنك أن تنفق من وقتك، من خبرتك، من جهدك، من حرفتك، من أيّ شيء آتاك الله إياه، الإنفاق مطلق هنا وغير متعلق بالمال، فقد يقول إنسان: أنا لا أملك مالاً فائضاً، فما معي لا يكفي طعامي وشرابي، متاح لك أن تنفق كل شيء في حوزتك.
 قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ لقد كان الإسلام في بادئ الأمر ضعيفًا، وكان عِبئًا على المسلمين، فلما نصر الله الإسلام صار ميزة، لكن الذي ينفق في الضَّراء وفي زمن الشِّدة له أجر كبير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( سبقَ دِرهمٌ مائةَ ألفِ درهمٍ. ))

[ رواه النسائي ]

 ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( لا تَسُبُّوا أصحابي، فلو أنَّ أحدَكم أَنْفَقَ مثل أُحُد، ذهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحدهم، ولا نَصِيفَه. ))

[ متفق عليه ]

 فالذي آمن قبل الفتح كان له درجة أعظم، فقد كان الإيمان في ذلك الوقت صعباً وفيه شِدَّة، وهذا يحدث في ِكُلّ عصر، فإن لم يكن مُيسَّراً للمؤمن أن يعلن عن إيمانه، ولا أن يمارس شعائره كما يريد، وكان عليه ضَغطٌ شديد فيُضاعف الله عز وجل له أجره، وهناك فرق كبير بين كونك حراً تتحرَّك كيف تشاء، وبين أن تكون مقيداً تحْسِب حِساباً لِكلّ شيء، فلك أجر أكبر مما لو أنّ الأمر في بحبوحة، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: 

(( السلام عليكم دار قوم مؤمنين, وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا، فقالوا: يا رسول الله, ألسنا بإخوانك؟ قال بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض، فقالوا: يا رسول الله, كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرًّا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم, ألا هلم, ألا هلم. فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا. ))

[ صحيح مسلم ]

(( إن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم، وفي رواية :قيل يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم. ))

[ أخرجه الترمذي ]

 مر معي حديث في بعض التفاسير:

(( كنتُ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالسًا فقال :أنبئوني بأفضلِ أهلِ الإيمانِ إيمانًا، قالوا يا رسولَ اللهِ، الملائكةُ، قال: هم كذلك ويحِقُّ لهم ذلك وما يمنعُهم وقد أنزلهم اللهُ المنزلةَ الَّتي أنزلهم بها؟ بل غيرُهم؟ قالوا: يا رسولَ اللهِ الأنبياءُ الَّذين أكرمهم اللهُ برسالتِه والنُّبوَّةِ، قال: هم كذلك ويحِقُّ لهم ذلك وما يمنعُهم وقد أنزلهم اللهُ المنزلةَ الَّتي أنزلهم بها قالوا: يا رسولَ اللهِ الشُّهداءُ الَّذين استُشهِدوا مع الأنبياءِ قال: هم كذلك ويحِقُّ لهم ذلك، ما يمنعُهم وقد أكرمهم اللهُ بالشَّهادةِ مع الأنبياءِ، بل غيرُهم. قالوا: فمن يا رسولَ اللهِ؟ قال: أقوامٌ في أصلابِ الرِّجالِ يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يرَوْني، ويُصدِّقون بي ولم يرَوْني، يجِدون الورقَ المُعلَّقَ فيعملون بما فيه، هؤلاء أفضلُ أهلِ الإيمانِ إيمانًا. ))

[ ابن كثير بسند ضعيف ]

 فالإنسان إذا قرأ القرآن وعقله، واستقام على أمر الله كان مؤمناً من أحباب رسول الله، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ لكن ربنا عز وجل بالتعبير الدارج (جبّار الخواطر) قال تعالى: ﴿وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ كما قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ. ))

[  رواه مسلم  ]

 فقد ينكمش المؤنت الضعيف فقال: (وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ) فالكل على العين والرأس، ﴿وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ الذي آمن قبل الفتح، والذي آمن بعد الفتح، والذي آمن في الشدّة، والذي آمن في الرَّخاء، الذي أنفق وكان مُقتَّراً عليه في الرزق، والذي أنفق وكان ميسور الرزق ﴿وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فالله تعالى يعرف عملك وأبعاده وخلفيته وبواعثه ومؤداه وإخلاصه، لا يعلم هذا إلا الله، لذلك ليس من شأن البشر تقييم بعضهم بعضاً، بل هذا من شأن خالق البشر، هو الخبير يعلم حجم العمل، ويعلم الباعث لهذا العمل، خلفية العمل، مؤدّى ذاك العمل، الهدف البعيد من هذا العمل، لا يعلم هذا إلا الله ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين.

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور