وضع داكن
25-06-2024
Logo
الدرس : 2 - سورة الحديد - تفسير الآيات 02 – 06 مظاهر قدرة الله
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيُّها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني من سورة الحديد، يقول الله تعالى:

﴿  سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(1)﴾

[ سورة الحديد ]

 بيَّنتُ لكم في الدرس الماضي أنَّ (سبَّح) فيها ثلاثة معانٍ؛ نزَّه ومجَّد وصلَّى، وكلّ مخلوق في السماوات والأرض يُسبِّح الله تعالى، يسبّحه قالاً، فهناك تسبيح دلالة، وهناك تسبيح مقال، لا شكّ أنّ كلّ شيءٍ يُسَبِّح الله تسبيح دلالة، فإتقان الصّنعة، ودِقَّة الخَلق يُشيران إلى عظمة الخالق، هذا معنى وهناك معنى آخر؛ وهو أنَّ هذه المخلوقات تُسبِّح بِلسانها، تسبح الله سبحانه وتعالى ولكِنَّنا نحن بني البشر لا نفْقَهُ هذا التَّسبيح، قال تعالى: 

﴿ تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)﴾

[ سورة الإسراء ]

 ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ثمّ إنِّي بيَّنتُ لكم في الدرس الماضي أنّ التأمّل في خلق السماوات والأرض يجعلك تُواجهُ عظمة الخالق، بل إن التفكر في خلق السماوات والأرض يعدُّ أقْصر طريق إلى الله عز وجل، وأوْسَعَ بابٍ تدخل منه عليه، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ المتفرِّد الذي لا يُنال جانبُه، الحكيم: بمعنى أن كلّ شيء في مكانه الصحيح، وفي وقته الصحيح، وفي حجمه الصحيح، وفي نوعه الصحيح.

﴿ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(2)﴾

[ سورة الحديد ]


قدرة الله المطلقة:


 أيها الإخوة، المُلْكِيَّة لله عز وجل، ومُلكِيَّة الله مُلْكِيَّة مطْلقة، أما مُلْكِيَّة الإنسان فهي مُلكِيَّة نِسْبيَّة، فقد تمْلِكُ بيتًا ولا تنتفِعُ به، وقد تنتفِعُ به ولا تملِكُ رقبته، وقد يكون لك النفع والملكية معاً، ولكنَّ المصير ليس لك! قد يُستَملك، أما مُلكيَّة الله جلّ جلاله فهي ملكيَّة مطْلقة، هو مالك المُلك، وكلّ شيءٍ يمكن أن يُملَّك هو مالِكه، والإنسان في الحقيقة لا يملك شيئاً، فمن يملك سمْعه؟ ومن يملكُ بصره؟ ومن يملك عقله؟ ومن يملك انتظام نموّ خلاياه؟ لا أحد يدري كيف تتفلَّت الخلايا من عِقالها، لا أحد يدري كيف يفقدُ الإنسان قوَّته.
 إذًا ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كلّ ما في السماوات وما في الأرض مُلكٌ لهق عز وجل خلقًا وتصرُّفًا ومصيرًا، وإذا أيْقَنَ الإنسان أنَّه في قبضة الله يستحيي أن يعصيه، وإذا أيقن أنَّه ملكٌ لله عز وجل يستحيي أن يخرج عن منهجه، فالله سبحانه وتعالى يُبَيِّن أنَّه يملكُ ما في السماوات وما في الأرض. 
يحيي: فهو الذي يَهَبُ الحياة وحْده، وهو الذي يُميتُ وحده، والحياة والموت هما أخطر ما يشغل الإنسان، وهما بيد الله عز وجل، فلا يمكن لإنسان أن يصل إليهما، ولو بدا لنا في الظاهر أنّ فلانًا قتَل فلانًا! إلا أن الإنسان لا يموت إلا بأجله، ولو أنه قُتِلَ قتْلاً.
﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ يهب الحياة، وكم مِن زوجَين شابَّين سليمَين لكنهما عقيمان، لا يلدان، وكم مِن إنسانٍ مريض مكَّنَهُ الله مِن إنجاب الأولاد فهو تعالى الذي يهب الحياة.
ويميت: ينهي الحياة والحقيقة كما كنت أقول سابقاً: كلمة الحق لا تقطع رزقًا، ولا تُقرِّب أجلاً، فالذي يُحيي هو الله، والذي يُميتُ هو الله، وإن فزَع الإنسان وألَمه واخْتِلال توازنِهِ حينما يموت له أحد أقربائِهِ من أدِلَّة ضَعف إيمانه، والنبي عليه الصلاة والسلام تُوفِّيَ ابنهُ إبراهيم فَدَمِعَتْ عَيناه، فلمَّا سئِلَ قال:

(( إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون. ))

[ أخرجه البخاري ]

 فالإنسان المؤمن متوازن حَتَّى في أحزانه؛ لأنَّه يرى أنَّ الموت قرار إلهي، والله حكيم في أفعاله حكمةً مطلقة، ومعنى الحكمة المطلقة: أن لو لم يحدث الذي حدث لكان الله سبحانه وتعالى مَلومًا، ولكان ذلك نقْصاً في حكمة الله، ولو كُشف لك الغطاء عن كلّ شيء حدث لوجَدْتَ أنّ الذي حدث هو أحكمُ ما حدث، ولكننا دائمًا وأبدًا نقول: الإنسان حينما كان مُخَيَّراً، وحينما أُعْطِي حريَّة الاختيار، وقد أوْدَعَ الله فيه الشَّهوات فإذا خرج عن منهج الله اسْتَوْجِبُ المعالجة، وهي غير مُحَبَّبة، كما أنها ليْسَتْ خيرًا مطلقاً، لكنها تحمل خيرًا نسبيًّا، وهو خير المآل، أما في الحال ليست خيراً؛ فالأب الذي يقسو على ابنه يتألَّم ابنه أشدّ الألم من أبيه، أما حينما يرى نفسَهُ مِن عِلْية القوم بِفَضل تربيَةِ والده الشديدة يعلم عندها أنَّ هذه الشدة  كانت في ظاهرها شرًّا له، أما في باطنها كانت خيراً له، فالخير للإنسان المُخيَّر الذي أُعطِي وحُمِّل الأمانة هو خيرٌ نسبي.
أيها الإخوة، لا يوجد في الكون شرّ مطلق، والخير مطلق ونِسبي؛ الخير النِّسبي حينما يُعالِج الله إنسانًا مُقصِّرًا أو شاردًا أو عاصِيًا بالشدائد في الظاهر، لكن هذه الشدائد تنتهي إلى الخير، فما مِن إنسانٍ وصَلَ إلى الله، واستقام على أمره، في الأعمّ الأغلب إلا بعد شِدَّة ساقها الله إليه، وهذا معنى قَول الله عز وجل: 

﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)﴾

[ سورة التوبة ]

 أي ساق لهم مِن الشَّدائد ما حملهم بها على التوبة، فهذه الشِدَّة تبدو للإنسان الأعمى شرًّا، وإنما هي مَحضُ خيرٍ، قال تعالى: 

﴿  وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21)﴾

[ سورة السجدة ]

 وهناك آيات كثيرة جدًّا تُشير إلى هذا المعنى، قال تعالى: 

﴿  وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ(27)﴾

[ سورة الشورى ]

 فأحيانًا تكون قِلَّة الرِّزق أحد الكوابِح التي تكبح الإنسان عن معصيَة الله عز وجل، قال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يعني قدرته تعلّقت بكل ممكن، وأيُّ شيءٍ مهما بدا لك مُستحيلاً فالله جلَّ جلاله قادرٌ عليه، فهذا الذي يتوجَّه إلى الله عز وجل ويُقْبِلُ عليه ويشْعُر أنَّ الله على كلّ شيءٍ قدير لايعاني من قلق، أو خوف، أو حزن أو يأس، أو قنوط، فالحُزن والقلق والخوف لا يتأتَّى إلا مِن إنسانٍ ضَعُف إيمانُهُ، أما إن قَوِيَ إيمان الإنسان فلا شيء يقلقه، ما دام الله موجوداً، وهو على كلّ شيءٍ قدير، وهو ذو أسماءٍ حُسنى، وصفات فضلى، والأمر كلّه بيدِه ويعود إليه، وهو الذات الكاملة، و من هنا كان عليه الصلاة والسلام إذا أصابهُ مكروه قال:

(( لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ. ))

[ رواه البخاري ومسلم ]

 لا إله إلا هو، من هو؟ الرحمن الرحيم، فالأمر كلّه بيَدِهِ، فأحيانًا يقول لك إنسان: أتمنَى أن أقدم لك أي مساعدة ولكنَّ الأمر ليس بيَدِي! أما إذا أيْقَنْتَ أنَّ الأمر كلّه بيَدِ الله تعالى، وأنَّ أمرَهُ هو النافذ، وأنَّه يحكم لا مُعَقِّبَ لِحُكمِهِ، وأنَّه له الخلق والأمر، وهو على كلّ شيء قدير، وهو الرحمن الرحيم، وهو السميع البصير، وهو الغنيّ، فلا يمكن لأي قلقٍ أو خوفٍ أو همٍّ أو حزنٍ، أن يدخل إلى قلبك، فالإنسان يحْزن، ويهتَمّ، ويخاف، ويقلق على قَدْر ضَعف إيمانه، فكلَّما قَوِي إيمانه ازْداد ثِقَةً بالله عز وجل، وازْداد تفاؤُلاً بِعَطائِهِ، والفوز من متاعب الحياة الدنيا، ولكن أيها الإخوة، لقد خلقنا الله في هذه الحياة الدنيا، وما أرادنا أن نرْكن إليها، فإذا ركَنَّا إليها، جاءَتْ المنغِّصات فسبحانه وتعالى أرادنا أن نعْمل للآخرة، فالإنسان حينما يجعل الآخرة أكبر همِّه يرتاح مِن عَناء الدنيا، وإنّ أسْعَدَ الناس في الدنيا أرْغبهم عنها، وإنَّ أشقاهم فيها أرغبهم فيها، فالإنسان متى ينجو من عذاب الله في الدنيا؟ إذا كان على الطريق المستقيم، ونحو الهدف الصحيح، فالأب لا يُعقل أن يضرب ابنه وهو متفوِّق في دراسته، ومُحسنٌ إلى إخوته، ومنضبطٌ بِتَعليمات والِدِه، هذا مستحيل، لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول: 

﴿  مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147)﴾

[ سورة النساء ]

 فالشَّدائد سببها خروج الإنسان المُخيَّر عن منهج الله تعالى، ومن رحمة الله به أن يُعيدَهُ إلى الطريق الصحيح، فهذه الشَّدائد التي يسوقها الله للإنسان في ظاهرها شرّ، أما في حقيقتها فهي خير، وسوف نُسمِّيها الخير النِّسْبي، أيْ المصير فيها إلى خير، فهذا صاحب السَّفينة الذي ركِبَ معه سيّدنا الخضِر قد خَرَق له السفينة، بربكم أليس خْرق السفينة شراً في ظاهره؟ قال تعالى:

﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)﴾

[ سورة الكهف ]

 وكان وراءهم ملك يُصادر كلّ سفينة فلمَّا رآها مخروقة تركها، وبعد حين أصلحها صاحب السفينة فعادَت مِلْكًا له، إذًا ما الذي نجَّاهُ من المُصادرة؟ إنه خرْق السفينة، فهل كان خرقُ السفينة خيراً أم شرّاً؟ هو شرّ في ظاهره، أما في مآله فهو خير، سنسميه خير نسبي، وحينما يفْهم المؤمن المصائب في الدنيا كلّها على هذه الشاكلة يسْعدُ مع ربِّه، ويرْضى بِقَضاء الله وقدرهِ، وحالة الرِّضا من أرقى الحالات التي يُحصِّلها المؤمن، أن ترضى عن الله، والآية الكريمة تقول: 

﴿ قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)﴾

[ سورة المائدة ]

 إنك لا ترضى عن الله إلا إذا عرفْت كمالهُ، لا ترضى عنه إلا إذا عرفت حِكمَتَهُ، فالإنسان أحيانًا قد تُلِمُّ مشكلة به؛ فيتألق من خلال هذه المشكلة، وقد قال العلماء: الحُزن خلاَّق ! فالرَّخاء والنَّعيم والبَحبوحة والمال المتوافر لا يصْنعُ وطنًا، بل يصنع ُإنسانًا خاملاً، كسولاً، متكبِّرًا، تافهًا، ولكنَّ الفقْر أحيانًا يصنعُ المبادئ والقِيَم، فقد يعاني من الفقر وتصيبه مشكلة، ومرض، ويكون دخله قليل والمطالب كثيرة، كيف يضحي وكيف يضبط مصروفه، وكيف يلبي حاجات من حوله؟ فالإنسان قد يتألّق من خلال بعض المصائب، بل إنَّ الأنبياء صلوات الله عليهم أشدّ الناس بلاءً، والنبي عليه الصلاة والسلام أشدُّ الأنبياء بلاءً، والبلاء الذي يُصيب الأنبياء من أجل أن يُظهِر كمالهم، فهناك كمال لا يبدو في الأحوال العاديَّة، فلو أننا رأينا زوجين متفاهمين ومحبّين ومخلصَين، فإخلاص هذا الزَّوج لِزَوجته لأنها في مستوى طُموحه، وتقدم له خدمات جُلّى؛ أم أولاده، تصنع له الطعام، تنظف له الثياب، تقضي له حاجته فيحبها وتحبه، هل نقول إن هذا الزوج مخلص لهذه لزوجة؟ لا ندري! أما حينما تمْرض مرضًا طويل الأمد فلا يتأفَّف الزوج ولا يتبرّم، بل يعكِفُ على خِدمتها ويرْعى أولاده دون تبرّم عندئذٍ نقول: هذا زوجٌ مخلص، فالذي أظهر إخلاصه هو مرض زوْجته، فلو لم تمرض لمَا ظهر إخلاصه، فبدا كأنَّه زوجٌ أنانيّ، يحبها لأنَّها تحقّق له كل مطالبه، أما حينما تمرض ويرعى هذه الزوجة أمَداً طويلاً يظهر كماله، ويظهر إخلاصه، فمعنى ذلك أنَّ الإنسان قد لا يتألّق ولا يظهر كماله ولا حقيقة محبَّتِه ولا شوْقِهِ إلا بالشَّدائد، فالشدائد مِحَكُّ الرِّجال ، والإنسان لا ينكشف على حقيقته إلا عند الشِّدّة. 
فلذلك ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ، 

﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(30)﴾

[ سورة الإسراء ]

﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فأنت قد تصْحب إنسانًا قويًّا في نظر الناس، ثم قد تستعين به في ِقَضيَّة ما فيقول لك: هذه فوق طاقتي! هذه لا أطيق أن أقدمها لك، فقُدرته محدودة، فيكون قد خيَّب ظنَّك، أما إذا كنت مع الله عز وجل فهو على كلّ شيٍ قدير، وهناك قِصص لولا أنَّها وقَعَت ولولا أنني أعرف أشْخاصها لصَعُبَ عليّ تصديقها، فهناك إنسان مصاب بمرض السرطان من الدرجة الخامسة فدعا الله عز وجل من كل قلبه، الذي فحص الخزعة أعرفه، وأُرسِلَت الخزعات إلى بريطانيا وهناك خمسة أطباء قالوا له: إنَّ السرطان في درجته الخامسة، ولا أمل من بُرْئِه، كيف تراجع المرض شيئاًفشيئاً، وهو في أتم صحته الآن! والقصة مضى عليها أكثر من عشر سنوات، فالله تعالى على كل شيء قدير مهما كان المرض خطيراً، مهما كان المرض عُضالاً. 
يكون الإنسان بحالة فقرٍ مُدقِعٍ  فيخلق الله من الضَّعف قوَّة، ومن المرض شِفاءً، ومن الفقر غِنًى، ومن الخَفاء ظهورًا، ومن العَجز تفوُّقًا، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فإن اعتَمَد الإنسان على الله فهو أقوى الناس، وإن توكَّل عليه فهو أغنى الناس، وكلمة ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لها مدلول كبير لدى المؤمن، فأنت مع الذي ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فأحياناً يكون هناك طِفل صغير له أب مقتدِر غنيّ، هذا الطفل لا يخشى شيئاً؛ لأن الأب يتولّى أمر كله، ويدفع كل نفقاته، ويعطيه كل ما يريد، فالطفل في ظاهره فقير، قال العلماء: هو غنيٌّ بِغِنَى والدِه، والمؤمن قِياسًا على هذه القاعدة فقير، ضعيف وقد يكون مسْتْضعَفاً، جاهل، ولكنَّه عالم بإقباله على الله، غنيٌّ بغنى الله تعالى..

وما لي سوى فقري إليك وسيلةٌ   فبالافتقارِ إليـــــــك فقري أدفـــــــعُ

وما لي سوى قرعي لبابك حيلةٌ   فإذا رددْتَ فأيَّ بــــــابٍ أقــــــــرعُ

ومن الذي أدعو فأهتف باسـمـه   إن كان فضلك عن فقيرك يُمْنـــــــعُ

[ أبو القاسم السهيلي ]

 قال تعالى:

﴿  لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(2) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)﴾

[ سورة الحديد ]


 حقيقتا الزمان والمكان:


 إن في الكون حقيقتان؛ الزَّمان والمكان.

 الزَّمان:

الزمان: إن كل شيء في هذا الكون مهما أوْغلت في القِدَم لا بد أن يكون قبله شيء آخر، وقبل هذا الشيء شيء إلى أن تصل إلى شيء بدأ الله به الكون، فتسأل: ماذا قبلهُ؟ إن الذي قبله هو الله، فالله قبل كل شيء، وإذا تابَعتَ النَّظر إلى المستقبل رأيت أن كلّ شيء بعدهُ شيء، إلى أن تصل إلى شيء فتقول: ماذا بعده؟ إن ما بعده هو الله ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ فالله عز وجل محيطٌ بالزَّمان بَدْءاً ونهاية، فكلّ شيء له بِداية وكل شيء له نِهاية، والأصحّ هو أنَّ الله سبحانه وتعالى هو واجب الوجود، وما سِواه ممكن الوجود، ما سواه محدود ببدءٍ ونهاية، فكل ما سوى الله حادث، سبقَهُ عدم، وينتهي إلى عدَم، إلا الله تعالى فهو الأوَّل فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده شيء، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ أي أن الله سبحانه وتعالى مُحيط بالزَّمان، ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ معناه أن الله سبحانه وتعالى محيط بالمكان، فكل شيء ظهر الله فوقه، وكل شيء خفِيَ عنك الله وراءه قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ .

 المكان:

إن كلّ شيء ظهر لك؛ الله هو الذي أظهرهُ، وكلّ شيءٍ خَفِيَ عنك الله هو الذي أخفاه عنك، فالله فوق  كل شيء ظاهر، ووراء كل شيء باطن، ففي المدرسة أعلى رُتبَة للمدير، وبالمستشفى المدير، وبالسَّكنة قائد السكنة، هذه أعلى رتبة، فمهما بدا هذا الإنسان لك عالياً في مقامه فالله فوقه، مهما بدا لك خفيّاً يعمل من وراء.. فقد يكون هناك شخص هو المُحرِّك وكل من حوله صورة، مهما بدا لك أن هذا الإنسان هو الذي يعمل في الخفاء فالله وراءه: 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)﴾

[ سورة الفتح ]

﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ فقد تمر بك حوادث فيُقال لك: لها خلفية، فلان هو الذي حرَّكَها! فمَن حرَّكَ الذي حرَّكها؟ الله عز وجل، وقد تجد إنساناً خالي الذِّهن، فيُلْقى في ذِهنه أن سَلوا فلانًا عن الوثيقة الفلانيَّة، فإذا سألوه وجدوها مزوَّرة! فيوضع المزوِّر في السِّجن، فمَن الذي ألقى في ذِهن هذا الموظَّف هذا السُّؤال؟ الله عز وجل، لعله أدبه، والإنسان كلَّما تعمَّق في التَّوحيد لا يحقد على أحد؛ لأنه يرى أنَّ الله وراء كلّ شيء، وأن يدُ الله تعمل في الخفاء، فإذا رأى شيئاً ظاهراً أمامَه، رأيَ العين فالله فوقه، بيد الله عز وجل، الله مُهَيمِنٌ عليه، وإذا رأى شيئًا خفياً يتحرَّك بِذَكاء بالغ فالله تعالى وراءه، لا يوجد جهة أخرى لا ظاهرة ولا باطنة، فالله سبحانه تعالى هو الظاهر وهو الباطن، الشيء الظاهر بشكل صارخ الله فوقه، والشيء الخفي بشكل ذكي الله وراءه، فإذا أيقنت أن الله سبحانه وتعالى يحرك كل شيء، وأن الله فوق كل شيء وعلاقتك معه انتهى الأمر، قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ 

 علم الله مطلق:


 عليم: كلمة مطلقة، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، ولا يمكن لعلمه أن يُحدَّ، فعلمه تعالى عِلمُ كَشفٍ لا عِلمَ جبْرٍ! علمَ ما كان وعلِمَ ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ! فعِلمُ الله مطلق، نحن ينبغي أن نعلم ما معنى مطلق؟ لو أنَّ قاضٍ أصْدر مائة حُكم وكان عادلاً في تسعة وتسعين حكمًا، وظلمَ في حكمٍ واحد فقط لاعتُبِر هذا القاضي عادِلاً عند الناس! لأنّ الأحكام البشريَّة نِسبيَّة، وليس هناك من إنسان لا يُخطئ، لِكُل جواد كَبوةً، ولِكل حُسام نبْوَة، ولِكلّ عالم هفْوَة، فإذا قلتَ: فلانٌ عالم، فليس المعنى أنَّه لا يخطئ! ولكنّ المعنى أن خطأهُ قليل، نسمي: فلان عادل ليس معنى هذا أنه لا يظلم، ولكن أحكامه الظالمة قليلة جداً، فإذا أطلقنا الأحكام على بني البشر فالأحكام كلها نِسبيَّة، أما إن قلنا: الله تعالى عادل، فَعَدل الله تعالى عدل مُطلق، ورحمتهُ مطلقة، فلو أنَّ إنسانًا واحدًا مِن عند آدم إلى يوم القيامة ظُلِم لمَا كان الله تعالى عادلاً بالمعنى المطلق، فالله عز وجل عدْله مطلق، رحمته مطلقة، حكمته مطلقة، فهذه النقطة دقيقة، فلا وجود للنِّسْبيَّات مع الله، عادل مطلقاً، حكيم مطلقاً، عليم مطلقاً، قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ علمه مطلق. 
 قال تعالى: 

﴿ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(4)﴾

[ سورة الحديد ]


 في ستة أيام:


 الآية واضِحة، ﴿فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ﴾ لعلَّها في ستِّ مراحل مرت بالأرض إلى أن أصبحت صالحةً للحياة، أو لعلَّ الأرض مُصمّمة على نظام ليل ونهار، وصَيفٍ وشِتاء، وخريف وربيع، فالآية واضِحة في معانيها، أما تفسير هذا المعنى فالله أعلم به؛ فلعل السماوات والأرض خُلِقت في مراحل ست، في حُقَب ست، أو لعل نظام السماوات والأرض مبني على الليل والنهار، والصيف والشتاء، والخريف والربيع، أربعة فصول، وليل ونهار يحققان الحياة المستقرة على وجه الأرض.
 فقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كما قال الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول" ، وقال بعض المفسِّرين: الاسْتِواء هو الهَيْمنَة، مثال: تصنع أنت طائرة، وتبيعها، وبعد ان تبيعها لا تستطيع السيطرة عليها ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي أن الله مهيمن عليه: 

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾

[ سورة الزمر ]

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)﴾

[  سورة الأعراف  ]

الخلق له والأمر له، وكم مِن شيءٍ صنعه الإنسان ثم ليس له أمره، أوضح مثل: قد تُباع مركبة أو طائرة أو سفينة حربية، بِيعت فقُبِض ثمنها، أما أمرها بيد من اشتراها، ولكن الله عز وجل –ولله المثل الأعلى- كل شيء خلقه مهيمن عليه ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ .

ما يلج في الأرض وما يخرج منها:


 ثمّ قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فالمُزارِع مثلاً أودَعَ في الأرض الحب، فكَمْ عدد الحبوب التي بذرها؟ وما مصير هذه الحبوب؟ هل سَتُنبِت أم لا؟ فكلّ شيءٍ دخل في الأرض يعلمهُ الله، وكلّ شيءٍ خرج منها يعلمه أيضاً، ففي أحد الأعوام كان مجموع إنتاج القمح في ِبَلدنا مائتان وخمسة وستِّين طنًّا، ثم أصبح في عام آخر ثلاثة ملايين طنًاً! هذا على الرغم من أن المساحة والطرق والسُّقيا بقيت كما هي، هو الذي يعلم، وهذا الشيء واضح أمامكم، فالمحاصيل الزِّراعيَّة ليس لها قاعدة، فأحيانًا تأتي بِكَمِّيات مذهلة، فتهبط الأسعار، وأحيانًا تأتي بكميات قليلة جداً، فترتفع الأسعار، ومن هنا ورد في الحديث: عَنْ أَنَسٍ قَالَ غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعِّرْ لَنَا فَقَالَ:

((  إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ. ))

[  رواه الترمذي  ]

 والمعروف أنَّ السواحل دائمًا دافئة وقلَّما تُصاب بالصَّقيع، وفي بعض الأعوام هبطَت الحرارة في الساحل إلى تسع درجات تحت الصِّفر، فقال القاطنون هناك: ما مرَّ معنا صقيع كهذا من خمسين سنة مضت، صقيع واحد يُتلف مزروعات بِمِئات الملايين! أحياناً صقيع واحد يتلف ثروة زراعيَّة بأكملها، فكلّ شيءٍ في الأرض يعلمهُ الله، كم سيخرج يعلمه الله.

 ما ينزل من السماء وما يعرج فيها:


 قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾

كمِّيات الأمطار:

 كميات الأمطار: إذا قرأت النَّشرات الجَوِيّة رأيت العجَب العُجاب! ففي هذه المنطقة هطل ستِّون مليمتراً، وفي هذه المنطقة هطل مليمتر واحد! وهناك خمسة وعشرون، وبمنطقة أخرى ثلالة ميليمتراً وهنا لم يهطل شيء، فتوزّع الأمطار شيءٌ عجيب، في هذا العام نزل بليلة واحدة في بعض مدن الخليج مائة وستون ميليمتراً، بلاد قاحلة نزل بها مائة وستون ميليمتراً في ليلة واحدة.
﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ فكل توقُّعات البشر، أنَّ الأرض تميل نحو الجفاف، وأن حروباً ستقام من أجل المياه، هذه كلها كلمات من أجل بثّ اليأس والقنوط. 

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ(58)﴾

[ سورة الذاريات ]

فبَعد أنْ مرَّتْ دمشق بِسبع سنوات عِجاف، كان مُعدَّل الأمطار فيها يقِلّ عن مائة وخمسين مليمتراً، مائة وأربعين أو مائة وعشرين ميليمتراً، وبعد أن أيْقن العلماء أنَّ خطّ المطر انتقل عن دِمشق وأنها أصبحَت مع المنطقة الجافّة، وبعد الأزمات الطاحنة التي حصلت فوجئنا قبل سنوات ثلاث بِثَلاث مائة وخمسين مليمتراً! مع أن معدل الأمطار في دمشق مئتان وعشرة ميليمترات تقريباً، وقد قرأتُ أنّ بعض الينابيع التي جفَّت من ثلاثين عام قد تفجّرت إثر هذه الأمطار الغزيرة! مياه النيل وصلت إلى دمشق وإلى برزة، فكيف حصَل هذا؟ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ﴾ قال تعالى:

﴿  وَأَلَّوِ ٱسْتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَٰهُم مَّآءً غَدَقًا(16) لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِۦ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا(17)﴾

[ سورة الجن ]

 فقد كان معدل الأمطار لغاية الشهر الأول من السنة ثلاثين ميليمتراً، الآن أصبح مائة وخمسين ميليمتراً، خلال شهرين نزل مائة وعشرين ميليمتراً، قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ إذا رأى الإنسان المؤمن منخفظًا جوِيًّا قادمًا نحو البلد؛ قال هذه رحمة الله قد أتَتْ، لأنَّ أصل الرِّزق هو الماء، قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ حقيقة الله تعالى مع المؤمن في كل زمان ومكان، قال تعالى: 

﴿ وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍۢ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍۢ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍ(61)﴾

[ سورة يونس ]

 وقال تعالى: 

﴿  فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213) وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ(214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ(216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ(217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ(218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(220)﴾

[ سورة الشعراء ]

 ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فهذه الآيات المتتابعة كلها تصف ذات الله عز وجل، ونحن نقرأ هذه الآيات ونتدبّرها، ونقف عند مَدلولاتها دون أن نُحاوِل أن نغوص في معنى بعض الكلمات إلى درجة نصل فيها إلى ذات الله، فهذا فوق طاقتنا! لكنّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ 

  وهو معكم أينما كنتم:


 فهو معكم بعِلمه، ومعكم حقيقةً، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فأنت إن سكتت يعلم، وإن تكلَّمت يسمع، وإن تحرَّكت يرى! يعلم ويسمع ويرى.

وإلى الله ترجع الأمور:


قال تعالى: 

﴿  لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(5)﴾

[ سورة الحديد ]

 فالأمور في النِّهاية بيَد الله عز وجل، 

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ(41)﴾

[ سورة الرعد ]

وهو الذي يُحيي ويُميت، هو الذي يرزق، هو الذي يقلِّل الرزق أحياناً، وهو الذي يرفع، هو الذي يخفض، هو الذي يُعِزّ، هو الذي يُذِلّ ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾
 قال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ هذه الآية تبثّ في قلب المؤمن الراحة، فالأمر بيَدِ الله تعالى، فإذا كانت لك خُصومة مع إنسان، ثم رُفِع الأمر إلى قاضٍ عادِل، وكنت واثِقاً بِعَدالته ونزاهتِهِ، كما أنك كنت على حق، فهل تقلق عندئذ؟ أبداً، فالإنسان المؤمن حينما يقرأ هذه الآية ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ وهو على حق لا يخشى أحدًا إلا الله تعالى، من هنا قيل: "لا يخافَنّ العبد إلا ذنبَه ولا يرجُوَنَّ إلا ربه" أما المستقيم يتلو قوله تعالى: 

﴿  إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)﴾

[ سورة فصلت ]

 ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ﴾ فإذا كان الله وليَّك فهل تخاف أحدًا؟ والقضية هي أن تستحقّ أن يتولَّى الله أمرك، والذي يجعلُكَ مُستحِقًّا لهذا أن تكون قائماً على طاعته فقط، ومن هنا قال الله عز وجل: 

﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)﴾

[ سورة الحجرات ]

 فالفرق بين العباد إنما هي بالطاعة فقط، لا يوجد تفرقة أخرى، فالعباد يتفاضلون فيما بينهم بِطاعتهم لله عز وجل، فإذا أطَعْتَ الله فأنت في ظِلِّه، وتستحقّ أن يتولى أمرك، تستحق أن ينْصرك وأن يسدد خُطاك، وأن يُلقي على قلبك الأمن والسكينة، أن ينصرك على خصمك، أن يُوفِّقَك، وأن يحْفظك، وأن يؤيدك، أن يُمدَّك بمددٍ من عنده، وهذا كله بطاعتك لله، والقول: أنت تطلب من الله الكرامة، والله يطلب منك الاستقامة.

ولوج الليل في النهار وولوج النهار في الليل:


 قال تعالى: 

﴿ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ(6)﴾

[  سورة الحديد ]

 أوْلَجَ بِمَعنى: أدخل ، وهذه الآية تُشير إلى كُروِيَّة الأرض، لا يوجد بالأشكال إلا شكل واحد وهو الكرة، فهذه الكرة إذا دارتْ أمام منْبع ضَوئي تداخل الضَّوء والظَّلام بِشَكل لطيف، أما إذا كان الشكل مكعَّبًا، فإن الضَّوء يأتي فجأة فيحدث الظلام فجأةً، وإن أيّ شَكْلٍ هندسي آخر له أضلاع يمنع تداخل الليل في النهار، فلما قال الله عز وجل: ﴿يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ فالذي خلق الأرض وحرَّكها في دورةٍ حول نفسها وحول الشَّمس، هو الذي يعلمُ ما في نفسك، (الوحدانية) والذي تعبدُه وتُصلّي له وتُطيعُه هو الذي يُحرّك الأرض، فالأرض تدور حول نفسها ألفاً وستمائة كيلو متراً في الساعة، وتدور حول الشمس ثلاثين كيلو متراً في الثانية، والأرض في حركتها حول نفسها وحول الشمس إنما هي بيد الله عز وجل، فالذي يحرِكها هو الذي يعلم ما في نفسك، لذا كان علم الله عز وجل علماً مطلقاً، كما أن كماله مطلق، وقدرته مطلقة، وغناه مطلق.
 قال تعالى: ﴿يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾

والحمد لله رب العالمين.


دعاء:


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضِنا وارضَ عنا، صلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

الملف مدقق

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور