الأستاذ مجاهد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، رمضان هو شهر البركة والخير، ومن بركته كونه شهر القرآن، وهو كذلك شهر الجهاد والفتح في تاريخ المسلمين، ففيه وقعت غزواتٌ ومعاركٌ غيَّرت وجه التاريخ الإسلامي، كغزوة بدرٍ، وفتح مكّة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولاحقاً معركة القادسية التي انتصر فيها المسلمون على الفُرس، وفتح بلاد الأندلس بقيادة طارق بن زياد، وعين جالوت بين المسلمين والتتار، ومعركة حطين التي أسفرت عن تحرير بيت المقدس، وحرب أكتوبر، وعبور خط برليف، وتحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، قال الله تعالى في كتابه العزيز:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾
صدق الله العظيم، فكيف انتصر المسلمون في هذه المعارك؟ وما أسباب النصر في ضوء القرآن الكريم والسُنَّة النبوية؟ وكيف يمكن أن يستلهم المسلمون، من القرآن والسُنَّة والتاريخ، أسباب النصر والنهوض في هذه المرحلة العصيبة من التاريخ؟ للحديث عن الدروس من الفتوحات الإسلامية التي حدثت في رمضان، يُسعدنا ويُشرِّفنا أن نكون بصحبة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي الداعية الإسلامي.
أهلاً وسهلاً بفضيلتكم دكتور محمد، وكل عام وأنتم بخير، وشرفٌ لنا صُحبتك في هذه الحلقة.
الدكتور محمد راتب النابلسي:
بارك الله بكم، ونفع بكم، وجعل أعمالكم في ميزان حسناتكم يوم القيامة.
الأستاذ مجاهد:
آمين يا رب العالمين، كما يُسعدنا مشاهدينا الكرام أن نستقبل أسئلتكم واستفساراتكم.
فضيلة الدكتور، لو أردنا أن نسألك عن كيف كان حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الشام، وكيف بشَّر بفتحها؟
فضل بلاد الشام في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم:
الدكتور محمد راتب النابلسي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، لقد تربَّعت الشام على أفئدة المؤمنين، وسكنتها قلوب الصالحين، ودرجت عليها نفوس الأنبياء والمرسلين، فهي سيدة البقاع بعد الحرمين الشريفين، وإليها موئل الإيمان، وعسكَر الإسلام، ولعلَّ شدَّة المخاض في هذه الأيام مُقلقٌ للمسلمين.
فيا ربِّ هل إلا بك النَصرُ يُبتغى ويا ربِّ هل إلا عليك المُعَولُ
إخوتي الكرام: لقد ثبتت وصحَّة فضائل بلاد الشام في أحاديثٍ كثيرة، والحديث الذي يُذكر أنَّ الشام، سورية، ولبنان، والأردن، وفلسطين، هي أكثر أرضٍ مباركة، مع أنه بحسب علمي، هذه البلاد يكثُر فيها فساد الأقوياء، ومعظم الناس فيها ليسوا كما ينبغي، والحمد لله على كل حال.
لقد صحَّ في فضل الشام أدلةٌ كثيرة، في القرآن والسُنَّة النبوية، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)﴾
قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: وقوله (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) يقول تعالى ذكره، الذي جعلنا حوله البركة لسكانه في معايشهم، وأقواتهم، وحروثهم، وغروسهم.
وعن ابن عمر قال:
(( ذَكَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في يَمَنِنَا، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، وفي نَجْدِنَا؟ قالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في يَمَنِنَا قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، وفي نَجْدِنَا؟ فأظُنُّهُ قالَ في الثَّالِثَةِ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ والفِتَنُ، وبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. ))
ولا يقدح في هذا، أن يكون في عصرٍ من العصور، ضعفٌ للدين في هذه البلاد، فالخبر متعلقٌ بعموم الزمان، فأهل الشام مازالوا حصن الإسلام والمسلمين، ومازالت هذه البلاد الطيِّبة، تُصدِّر حملة العِلم والعاملين به، والمُبيّنين للناس أمر دينهم، والمُجدّدين لما وَهَن منهم، وعلى أرضها ويد أهلها، كُسرت أعظم الحملات العسكرية لأهل الكُفر، وعلى بلاد الشام كما حصل في الحروب الصليبية، وكصدِّ التتار وشرِّهم عن بلاد الإسلام، ففيهم كُسرت شوكتهم، وهذا الخبر سيستمر فيهم إن شاء الله إلى آخر الزمان، والذي حصل في سورية قبل ثلاثة أشهر يؤكِّد ذلك.
وعن عبد الله بن حوالة رضي الله عنه قال:
(( كُنَّا عندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فشكَوْنا إليه الفَقرَ والعُرْيَ وقِلَّةَ الشيءِ، فقال: أبشِروا، فواللهِ لأَنا وكثرةُ الشيءِ أخْوَفُ عليكم مِن قِلَّتِهِ، واللهِ لا يزالُ هذا الأمرُ فيكم حتى تُفتَحَ لكم أرضُ فارسَ والرومِ، وأرضُ حِمْيَرَ، وحتَّى تكونوا أجنادًا ثلاثةً: جُنْدٌ بالشَّامِ، وجُنْدٌ بالعِراقِ، وجُنْدٌ باليَمَنِ، وحتَّى يُعطى الرَّجُلُ المِئَةَ الدينارِ فيَسخَطُها، قال ابنُ حَوَالةَ: فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، مَن يستطيعُ الشَّامَ وبها الرُّومُ ذَواتُ القُرونِ؟ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: واللهِ لَيَستخلِفَنَّكُمُ اللهُ فيها حتى تَظَلَّ العِصابةُ منهمُ البِيضُ قُمُصُهمُ، المُحَلَّقَةُ أقْفاؤُهم، قيامًا على الرَّجُلِ الأسودِ منكمُ المحلوقِ، وإنَّ بها اليومَ رِجالًا لأنتم أحقَرُ في أعيُنِهم منَ القِرْدانِ في أعجازِ الإبِلِ، قال ابنُ حَوَالةَ: فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، خِرْ لي ، إنْ أدرَكَني ذلك، قال: أَختارُ لكَ الشَّامَ، فإنَّها صَفْوةُ اللهِ من بلادِهِ، واللهُ يَجتَبي صَفْوتَهُ مِن عبادِهِ بأهلِ الإسلامِ، فعليكم بالشَّامِ، فإنَّ صَفْوةَ اللهِ منَ الأرضِ الشَّامُ، فمَن أبَى فيَسقيَ بغُدُرِ اليَمَنِ، فإنَّ اللهَ قدْ تكفَّل لي بالشَّامِ وأهلِهِ. ))
[ أخرجه شعيب الأرناؤوط والطبراني والبيهقي ]
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( يا طوبَى للشَّامِ يا طوبَى للشَّامِ يا طوبَى للشَّامِ، قالوا يا رسولَ وبم ذلك قال : تلك ملائكةُ اللهِ باسطوا أجنحتِها على الشَّامِ. ))
اللهم أنجِ المستضعفين من المؤمنين والمسلمين في بلاد الشام، و في مشارق الأرض ومغاربها، يا أرحم الراحمين، واجعل لهم فرجاً ومخرجاً.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، وألِّف بين قلوبهم، ووحِّد صفوفهم، ووفِّقهم لاتباع كتابك، وسُنَّة نبيك، ويسِّر لهم أسباب النصر، وفتح بيت المقدس، وإقامة شريعتك.
اللهم اجعلهم من:
﴿ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)﴾
إخوتنا الكرام: الدنيا تصبح جيفةً، عندما يُكرِّم الله سبحانه وتعالى عبده بنعمةٍ، فلا يستخدمها في سبيله سبحانه وتعالى، علينا أن نحذر من أن نكون أمثال هؤلاء القوم، طُلاب الدنيا، فإنَّ أشرَّ من يمشي على وجه الأرض هم طُلاب الدنيا، هم أشرُّ الناس، فالأنبياء عليهم السلام إنما جاؤوا، لحث عباد الله وترغيبهم في طلب رضوان الله عزَّ وجل، وطلب الحياة الأبدية، السرمدية، هذا مطلب الأنبياء عليهم السلام، وبالأخصّ مطلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، نبي آخر الزمان، وحبيب الرحمن جلَّ وعلا، سيدنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم، وأمّا الجاهل فطلبه لا يتعدَّى حدود الدنيا الفانية، التي لا قيمة لها.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( لا تزالُ عصابةٌ من أمَّتي يقاتلونَ على أبوابِ دمشقَ وما حولَهُ وعلى أبوابِ بيتِ المقدسِ وما حولَهُ لا يضرُّهم خُذلانُ من خذلَهم ظاهرينَ على الحقِّ إلى يومِ السَّاعةِ. ))
يا أيُّها الإخوة الكرام الأحباب: اهتمّوا بدينكم.
الأستاذ مجاهد:
نعم بخصوص هذا الحديث فضيلة الدكتور، يعني ما يحدث في غزَّة الآن، من غلق المعابر، ومنع دخول المساعدات، وكأن لسان حال أهل غزَّة، أين قافلة عثمان لتُغيث جوعنا؟ أمام هذا الدمار الذي حلَّ بها، تسرَّب إلى البعض شعورٌ باليأس، وشعورٌ جرَّاء قلة الحيلة، فماذا تقول لهم فضيلة الدكتور؟
واجبٌ على كل مسلم الصلاح والإصلاح:
الدكتور محمد راتب النابلسي:
أنت طبيب عندك مريضان، الأول يعاني التهاب معدة حاد، تُخضِعه لحميةٍ قاسيةٍ جداً جداً جداً، وبعدها شفاءٌ تام.
وأمّا الثاني لديه ورمٌ خبيث منتشر في كل جسمه، سألك الثاني: ماذا آكُل؟ فقلت له: كُل ما شئت، فالبطولة أن يكون الخير فينا، حتى يتولى ربنا عزَّ وجل أن يقودنا إلى الآخرة، إلى جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض فيها:
(( قالَ اللَّهُ: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ. ))
فاهتموا أيُّها الإخوة بدينكم، ويا أهل الشام بالذات، وحافظوا عليه، فاهتموا وطبِّقوه في حياتكم، وفي أُسرِكم، وفي أخلاقكم، وفي بيوتكم، وفي كل شؤونكم، وهذا واجبٌ على كل مسلمٍ في العالم كله، ولكن بفضل الشام، فإننا نوصي أنفسنا وإيّاهم بتقوى الله عزَّ وجل، ومن فضل الشام، أن قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ:
(( فُسطاطُ المُسلِمينَ يومَ الملحمةِ إلى جانبِ مدينةٍ يُقالُ لها دِمَشْقُ مِن خيرِ مدائِنِ الشَّامِ ))
[ أخرجه أحمد وأبو داوود ]
وإنكم يا أهل الشام في أرضٍ مباركة، فتمسَّكوا بالصلاح والإصلاح.
إخوتي: الحقيقة أنَّ الكلام عن بلاد الشام طويلٌ جداً، ولكن أوجزنا شيئاً من ذلك، عن أهمية بلاد الشام، والأحاديث في فضائل الشام كثيرةٌ أيضاً.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دُنيانا التي فيها معاشانا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شرّ، تقبَّل صيامنا، وصلاتنا، وقيامنا، وركوعنا، وسجودنا، وبلّغنا مما يُرضيك آمالنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
الأستاذ مجاهد:
قبل أن أختم معك فضيلة الدكتور، أُريد منك كلمة في أقل من دقيقة لأهلنا في غزَّة، على ما يحدث معهم الآن جرَّاء وقف المساعدات، وشعورهم بالجوع، في ظل صيام رمضان، ماذا تقول لهم في دقيقة؟
يسوق الله تعالى الشدائد لعباده ليكافئهم على صبرهم بجنةٍ عرضها السماوات والارض:
الدكتور محمد راتب النابلسي:
أُقسم لك بالله، أُقسم لك بالله، أُقسم لك بالله، الذي دخل في الإسلام في فرنسا، ثمانية أضعاف من أخبار هؤلاء القوم الشجعان الصابرين، هذه كلها دروسٌ من الله، الله عزَّ وجل أنزل القرآن كتابه، وأفعاله أيضاً أفعالٌ كونية، فلذلك إذا كنت مع الله كان الله معك.
فـلو شاهدت عيناك من حسننــا الذي رأوه لما ولَّيت عنا لغيرنــــا
ولو سمعت أُذناك حُسن خطابنا خلعت عنك ثـياب العُجب و جئتنـا
ولو ذُقت مـن طعم المحبـة ذرةً عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــا
لذلك لو أنَّ مريضَين أمام طبيبٍ كبير، الأول يعاني التهاب معدة حاد، أخضعه لحميةٍ قاسيةٍ جداً جداً جداً، على حليبٍ فقط، والثاني معه ورمٌ خبيث منتشر، سأله الثاني: ماذا آكُل؟ فقال له: كُل ما شئت، فالبطولة أن نكون تحت المعالجة الإلهية، ونحن فينا خير إن شاء الله، وتنتظرنا جنَّةٌ عرضها السماوات والأرض فيها: (ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ) الله هو ربُّ العالمين، وأرحم الراحمين، وحينما يسوق لعباده شيئاً سلبياً لصالحهم، ولرفعتهم، ولدخولهم جنَّته في آخر الزمن.
الأستاذ مجاهد:
أشكرك خالص الشكر، فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي الداعية الإسلامي، على وجودك معنا، شكراً جزيلاً لك.
الدكتور محمد راتب النابلسي:
بارك الله بكم.
الملف مدقق