وضع داكن
25-06-2024
Logo
الدرس : 1 - سورة الأنبياء - تفسير الآيات 1 - 8 الحركة
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . 


  الحركة في الحياة تعني الوصول إلى النهاية الأبدية :


أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الأول من سورة الأنبياء .

بسم الله الرحمن الرحيم : ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ(3)﴾ .

أيها الإخوة الأكارم ؛ هذه السورة - سورة الأنبياء – سورة مكيَّة ، تتحدَّث عن قصص بعض الأنبياء ، وعن أمور العقيدة الأساسية ، كالإيمان باليوم الآخر ، والإيمان بالله خالقاً ، ومربياً ، ومسيِّراً ، فالله سبحانه وتعالى في مطلع هذه السورة يقول : ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ معنى اقترب أي أنهم سائرون في طريقٍ ينتهي بالحساب ، كل حركةٍ تعني الوصول ، أيَّةُ مركبةٍ ما إن تنطلق في طريقها حتى تصل ، أيَّة طائرةٍ ما إن تقلع حتى تهبط ، أي قطارٍ ما إن يتحرَّك حتى يصل ، فالحركة تعني الوصول ، فالله سبحانه وتعالى وضعنا على وجه الأرض ، والأرض تدور حول نفسها ، والأرض تدور حول الشمس ، في كل يومٍ يمضي جزء من حياتنا ، في كل أسبوعٍ يمضي جزءٌ أكبر ، في كل شهرٍ يمضي  جزءٌ أكبر ، وفي كل سنةٍ ، والسنوات والفصول تنتهي جميعها بمجيء ملك الموت . .﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾

الآن الحبل مُرخَى لهم ، يتكلَّمون حقاً أو باطلاً ، يأخذون ما لهم ، وما ليس لهم ، يحكمون بالحق إذا حُكِّموا بين شخصين أو بالباطل ، يتكلَّمون بما تهوى أنفسهم أو بما تُمليه عليهم مبادئهُم ، الناس في بحبوحة ، مخيَّرون ، لكن كل عملٍ عنه محاسبون ، كل موقفٍ من مواقفهم عنه سيُسْأَلون ، كل دِرْهَمٍ من دراهمهم كيف اكتسبوه ، وكيف أنفقوه سيوقفون ، هكذا ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ ما دمت أنت على وجه الأرض ، والأرض تتحرَّك ، والعمر مجموعة أيَّامٍ ، وأسابيع ، وأشهر ، وسنوات ، فلابدَّ من أن نصل إلى النهاية ، لذلك كل متوقعٍ آت ، وكل آتٍ قريب ، من هنا عبَّر الله سبحانه وتعالى عن يوم القيامة بالفعل الماضي : ﴿ اقْتَرَبَ ﴾ أي اقترب وانتهى ، الآن لو أنك راكبٌ في سيَّارة ، ما دامت واقفة في مركز الانطلاق ، ولا تدري متى تتحرَّك ، فالوصول غير محدَّد ، لكن ما إن تتحرَّك حتى تصل ، هذه الطائرة ما لم تقلع حتى تهبط ، هذا القطار ما لم ينطلق حتى يصل إلى الهدف ، إذاً : ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ حسابٌ دقيق . .

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

[  سورة الحجر  ]

وفي الحديث : عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((  لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ  : عن عُمرِهِ فيمَ أفناهُ ؟ وعن علمِهِ ماذا عمِلَ بهِ ؟ وعن مالِهِ مِن أينَ اكتسبَهُ  ؟ وفيمَ أنفقَهُ ؟ وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ ؟ ))

[  صحيح الترغيب : حسن صحيح ]

 لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول : 

(( عن عبد الله بن عباس قال  : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لرجلٍ وهو يَعِظُه  : اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ  : شبابَك قبل هَرَمِك ، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك ، وغناك قبل فقرِك ، وفراغَك قبل شُغلِك ، وحياتَك قبل موتِك.))

[ أخرجه المنذري الترغيب والترهيب إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما  ]

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ الدولاب يمشي ، وأنا في طريقي إلى هذا المسجد ، في بعض المواقف عند الإشارات الضوئيَّة جاءت جنازة ، نحن في رمضان ، هو في طريقه إلى التراب ، وإلى الحساب ، وإلى نعيمٍ مقيم ، أو إلى عذابٍ أليم ، هكذا ، فلذلك الإنسان مادام غافلاً عن هذه الساعة ، عن هذه اللَّحظة ، عن تلك النهاية فهو في ضلالٍ مبين ، ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾   الحساب لم يقل الله عزَّ وجل : اقترب للناس يومُ الدين ، أو اقترب للناس يوم القيامة ،  اقترب للناس حسابهم ، يقول لك : مفتِّش محاسبات ، الإنسان حينما يُحَاسَب يتعرَّى ، ينكشفُ على حقيقته ، يقول لك : الصندوق مكشوف ، يعرف هذا ، ويتذوَّقه أمناء الصناديق ، لو جاءهم تفتيشٌ حسابيٌّ مفاجئ ، وكانوا قد تصرَّفوا في بعض الأموال ، يكادون يُصْعَقون إذا جاء التفتيش الحسابي فجأة  ، من منا يدري متى يأتيه الحساب ؟ متى يأتيه مَلَك الموت ؟ 

 

الغافل عن الساعة والغارق في ملذاته يأتيه الموت كالصاعقة :


﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ هذا الغافل عن تلك الساعة ، هذا الغارق في مشاريعه ، وهذا الغارق في ملذَّاته ، وهذا الغارق في أحلامه ، وهذا الغارق  في طموحاته ، وهذا الغارق في مُتَعِهِ ، وهذا الغارق  في تجارته ، وفي معمله ، وفي حانوته ، وفي وظيفته , وفي هواياته ، وفي شهاداته ، وفي مراكزه التي يطمح إليها ، هذا الغافل يأتيه الموت كالصاعقة ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ في غفلةٍ ، وفي إعراض ، في غفلةٍ عن هذا اليوم ، وفي إعراضٍ عن هذا القرآن ، كلام الله رب العالمين لا يأخذونه مأخذاً جدِّياً ، كلام الله رب العالمين لا يطبِّقونه كما لو أنه كلامٌ من إنسانٍ يخشون بطشه ، أو يرجون عطاءه ، الناس في تعاملهم اليومي حينما يقرؤون نصًّا لإنسانٍ يُرجى خيره ، أو يُرْهَب بطشه ، ينفِّذونه بحذافيره ، يدقِّقون في تطبيقه أدقَّ التدقيق ، ما لهم إذا قرؤوا كلام الله عزَّ وجل وكلام الله عزَّ وجل فيه أمرٌ وفيه نهيٌ ؟ فهل قُرَّاء القرآن الكريم عند أمر الله وعند نهيه ؟ هل هم صَدَّقوا وعده ووعيده ؟ 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾

[ سورة النور ]

هل صدَّقوا وعده ووعيده ؟ هل ائتمروا بأمره وانتهوا عن نهيه ؟ هل طمعوا في جنَّته وخافوا من ناره ؟ هل رضوا بما قسمه الله لهم ؟ هل وسعتهم السُنَّة ولم تستهوهم البدعة ؟ هل رأوا في الدين خلاصاً من كل مشاكلهم ومشكلاتهم ؟ هل رأوا في الإقبال على الله سعادةً لقلوبهم ؟ هل رأوا في تطبيق الشريعة الغَرَّاء إنقاذاً لهم من مآسيهم ؟ 

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾

[  سورة الأنفال  ]

في حياته وأنت فيهم ، وبعد مماته وشريعتك بين ظَهْرَانيهم في حياتهم مطبَّقة . .﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ غافلون .. بئس العبد عبدٌ سها ولها ، ونسي المبتدى والمنتهى ، بئس العبد عبدٌ تكبَّر واختال ، ونسي الكبير المتعال ، بئس العبد عبدٌ تجبَّر وطغى ، ونسي الجبَّار الأعلى ، بئس هذا العبد ، بئس العبد عبدٌ طَمَعٌ يقوده ، ورغبٌ يُذِلُّه ، نعوذ بالله من الغفلة ، أي هذا الغافل :

أيـا غافـلاً تبدي الإساءةَ والجهلَا         متى تَشْكُر المَولَى على كلِّ ما أولَى ؟

عليكَ أيَادِيه الكِرَامُ وأنتَ لا تراهــا         كــــــأنَّ العيـــــــــن عـميـــــــاءُ أو حَـــــــــولا

لأنت كمزكومٍ حوى المِسـكُ جَيبُـه         ولكنَّــــه المَـحْـــــرُومُ ما شَمَّــــه أصــــــلا

* * *

إلى متـــى أنتَ باللذَّاتِ مشــغُـــولُ         وأنتَ عنْ كــــــــلِّ مـا قـــــــدَّمْتَ مَسـؤولُ

* * *

فَيــــــــــا خَجَلي مِنه إذا هو قـال لي        أيـا عبـــــــــــدَنا هــــــــــلا قـــــــــــرأتَ كِتَابنا ؟

أما تَسْتَحي منَّا ويكْفيــكَ ما جَـــــرى        أما تَخْتَشــــــــــي من عُتْبِنَا يومَ جَمْعِنـــــا

أما آنَ أن تغـــدو عن الذَنْبِ رَاجِعاً         وتَنْظُرْ فيما بِه قد جرى فيــــــه وعْــــدُنَا

* * *

 

أخطر ما في حياتنا الغفلة عن كتاب الله :


﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ أي أخطر ما في حياتنا غفلتنا عن مصيرنا ، أخطر ما في حياتنا غفلتنا عن هذا الكتاب ، فيه وعدٌ ووعيد ، فيه أمرٌ ونهيٌ ، فيه جنَّةٌ ونار ، فيه تشريعٌ دقيق ، فيه نظامٌ حكيم ، فيه منهجٌ قويم ، فيه عبرةٌ لمن يعتبر ، فيه ذكرى لمن يتذكَّر ، فيه إخبارٌ عن أقوامٍ مضوا ، فيه وصفٌ لحالتنا الراهنة ، فيه حديثٌ عما سيكون ، ويلٌ لمن جعله وراءه ظهرياً ، ويل لمن ألقاه وراء ظهره وقال :

﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ( 30)﴾

[ سورة الفرقان ]

هجروه ، قرؤوه على الأموات ، ولم يقرؤوه على الأحياء ، قرؤوه في المناسبات ، ولم يقرؤوه في المُلِمَّات ، قرؤوه وكأنه كتابٌ لا يعنيهم ، وأحكامه لا تتصل بحياتهم ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ السعيد من اتعظ بغيره ، والشقي من اتعظ بنفسه ، نعوذ بالله من الغفلة ، ومن الإعراض ، أن يدير الإنسان ظهره للدين ، أن يدير ظهره لأوامر الله سبحانه وتعالى ، ألا يقيم لها وزناً ، ألا يهتمَّ بها ، ألا يأخذها مأخذاً جِدِّياً . 


حالتان مرَضيتان ؛ الغفلة والإعراض :


حالتان مَرَضيتان خطيرتان مدمِّرتان ، الغفلة والإعراض ، من علامات المؤمن الصحوة والإقبال ، من علامات الكافر الغفلة والإعراض ، المؤمن صاحٍ ، يعرف حجمه الحقيقي ، يعرف لماذا هو هنا على وجه الأرض ، يعرف مهمَّته في الحياة ، لماذا أرسله الله إلى الدنيا ، ماذا ينتظر منه ، ما الذي وراءه ، وما الذي أمامه ، لماذا يتزوَّج ؟ لا من أجل المتعة ، من أجل أن ينجب أولاداً صالحين يذكرون الله من بعده ، يتزوَّج من أجل أن يأخذ بيد هذه الزوجة إلى ما يحبُّ الله ويرضاه ، لماذا يعمل ؟ لخدمة المسلمين لا ليستغلَّهم ، لا ليبني ثروته على فقرهم ، لا ليغشَّهم ، لا ليحتال عليهم  ؛ بل ليخدمهم ، وينصحهم ، والله سبحانه وتعالى يتولَّى أن يرزقه رزقاً حلالاً طيِّباً .

المؤمن صاحٍ يعرف ما له وما عليه ، يعرف ما يجوز ، وما لا يجوز ، ما يمكن ، وما لا يمكن ، ما يصح ، وما لا يصح ، يعرف ذلك ، يعرف حدوده ـ " رحم الله عبداً عرف حدَّه فوقف عنده " ، ويعرف أن لكل مخلوقٍ إلهاً يحاسب عنه ، الناس في تعاملهم اليومي يقولون : الله وكيلك ، لو تعرف معنى هذه الكلمة لارتَعَدْتْ فرائصك ، الله وكيله وتغشُّه ؟ الله وكيله وتحلف له يميناً كاذباً ؟ الله وكيله وتحتال عليه ؟ لذلك من علامات الإيمان الصحوة ، و من علامات الإيمان الإقبال ، هو صاحٍ ، حضر مجالس العلم ، أَنَّى لإنسانٍ أن يأخذ شهادة عُليا ، وهو لا يداوم على الجامعة ، مستحيل ، من أين يأتي العلم وأنت جالس في البيت تتابع برامج ترفيهيَّة ؟ من أين يأتيك العلم وأنت في دكَّانك تبيع وتشتري ؟ من أين يأتيك العلم وأنت مع أهلك وأولادك تمزح معهم ؟ لابدَّ من أجل أن تكسب العلم أن تذهب إلى مواطن العلم ، إنها مجالس العلم ، لابدَّ من حضور مجالس العلم لتعرف الحلال من الحرام ، والحقَّ من الباطل ، والخير من الشر ، لتعرف كيف يعامل الله عباده ، قد يأتيك رجل يقول لك : الله سبحانه وتعالى لا يعذِّب أحداً من عباده ، هذه الآيات التي يتحدَّث فيها عن النار إنما هي من أنواع التخويف ، إن لم تكن تعرف الحقيقة فكيف تواجه هذا الإنسان ؟ إن صدَّقته أهلكت نفسك ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾ . .

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) ﴾

[ سورة النحل  ]

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال  : قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قَالَ  : ( يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ  ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا  ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا  ، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا  ، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا  ، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا  . ))

[ رواه البخاري ومسلم  ]

لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم . . 

 

طلب العلم وقاية من الغفلة :


أنَّى لك أن تعرف الحقيقة من دون أن تحضر مجالس العلم ؟ من دون أن تستمع إلى تفسير كتاب الله ؟ من دون أن تتعرَّف إلى سُنَّة رسول الله ؟ من دون أن تعرف الأحكام الفقهيَّة في كل موضوع ؟ أنىَّ لك أن تتحمَّس إلى الله من دون أن ترى من سبقوك مِن أصحاب رسول الله ومن التابعين الأجلاء ومن العلماء العاملين ؟ هؤلاء الذين تستمع إلى قصصهم  مشاعل في الطريق ، مشاعل وضَّاءة ، نبراسٌ لك في طريق الإيمان ، لذلك : عن أبي سعيد الخدري  :

(( طلبُ العِلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ . ))

[  الجامع الصغير  : خلاصة حكم المحدث  : صحيح ]

طلب العلم فرض عين وليس فرض كفاية ، فرض عين ، كن في أي مستوىً أردت ، في أي عملٍ شئت فلابدَّ من طلب العلم . .﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ إذا كان الإنسان ذاهباً إلى بلد يسأل : ماذا أفعل ؟ أي فندقٍ أنزل ؟ كيف شراء الحاجات هناك ؟ دُلَّني على مكانٍ مناسب ؟ على فندقٍ مناسب ؟ على طريقةٍ مناسبة أُحَصِّل فيها قوت يومي ؟ ما من إنسان يسافر إلا ويسأل الخبراء عن هذا البلد عما في هذا البلد من مشكلات ، من ميّزات ، من ملابسات ، من خصائص ، فكيف الإنسان وهو ذاهب إلى الدار الآخرة - قولاً واحداً - ولا يسأل عن هذه الرحلة الأبديَّة الطويلة التي لا عودة منها ؟ ذهاب بلا عودة ، أبداً ، الإنسان أحياناً يسافر يغيب شهراً ، أو شهرين ، أو سنة ، أو سنتين ، أو خمس سنوات ، ثمَّ يعود ، أحياناً الإنسان يدخل السجن ، بعد كذا سنة يعود إلى أهله ، لكنَّ الموت ذهابٌ بلا عودة ، فالذي لا يعرف كيف يستغل حياته إنسانٌ في منتهى الضلال ..﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ نعوذ بالله من الغفلة ، ومن الإعراض ، ونرجو الله أن نكون ممن تيقَّظت قلوبهم ، وممن أقبلوا على ربِّهم .

 

موقف المؤمن عند سماعه القرآن :


﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ .. أي هذا القرآن الذي نزل مُنَجَّماً على قلب سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم يستمعونه وهم يلعبون ، كلامٌ خطير ، كلام مصِيريّ ، كلام إذا قرأه الإنسان ، وعرف أبعاده لا يقرُّ له قرار ، ولا يهدأ له بال حتى يعرف أين هو منه ، هل مع الفائزين أم مع الضالين ؟ هل مع الناجحين أم مع الخاسرين ؟ فلذلك : ﴿ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ ولكنَّ المؤمن لا يلعب ، إذا استمع إلى آيةٍ أخذها مأخذاً جدياً ، وطبَّقها في حياته تطبيقاً صحيحاً ، إنها كلام ربِّ العالمين ، لماذا تأخذ كلام البشر بِجِد ؟ إذا مُنِعْت من شيءٍ بقوَّة قانون ، وقرأت في نهاية القانون الروادع التي كُتِبَت من أجل أن تحاسب المخالفين ، وعرفت أن الذي أصدر هذا القانون لن يتساهل في تطبيقه ، وأنه يفعل ما يقول ، لماذا تأتمرُ به ؟ لماذا تحرصُ على تطبيقه ؟ أيعقل أن تكون خشيتك من إنسان أعظم من خشيتك من الرحمن ؟! أيعقل هذا ؟! أيعقل أن تحسب لإنسانٍ حساباً ولا تحسب لخالق الكون حساباً ؟!! ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ ونحن في كل زمانٍ نستمع إلى هذا الكتاب ، وهذا الكتاب يُتْلى علينا ، ويأتينا تأويله ، أما أنه يُتْلَى علينا فهذا شيءٌ مفروغ منه ، يُتلى علينا صباحاً ومساءً ، أو نتلوه نحن ، أما أن يأتينا تأويله فإن كل وعدٍ ووعيدٍ وعد به القرآن أو توعَّد به نجده واقعاً لا محالة ، الله وعد المرابي بإتلاف ماله ، فكل مرابٍ يُتْلَف ماله إنما هو تأويلٌ لهذا الكتاب ، وعد المؤمن بالحياة الطيِّبة ، فحياة المؤمن الطيبة تأويلٌ لهذه الآية ، وعَدَ المُعْرِضَ عن ذكر الله بالمعيشة الضنك ، فالمعيشة الضنك تأويلٌ لهذه الآية ، وعد القاتل بالقتل ، وعَدَ الزاني بالفقر ، وعَدَ المرابي بالمحق ، وعد على كل سيئةٍ عقاباً ، فحينما يُطَبَّق القرآن هذا التطبيق هو تأويل ، وهذا التأويل مما يزيد في إيماننا بهذا الكتاب .

إذاً الله سبحانه وتعالى يُصَرِّف لنا الآيات الكونية والقرآنية ، يصرِّف لنا الآيات الكونيَّة  ؛ الليل والنهار ، الشمس والقمر ، الصيف والشتاء والربيع ، الأمطار ، البحار ، الأنهار ، الينابيع ، هذه الأرض المُزدانة بالنباتات الخضر والأزاهير الحِسَان أليست آيةً من آيات الله الدالَّة على عظمته ، هذه آية ، ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ هناك لهوٍ ، وهناك غفلةٍ ، هم في مُتَعِهِم الرخيصة ، وفي مباهجهم المنحرفة ، وفي شهواتهم الدنيئة ، وفي تطلُّعاتهم الأنانية ، إنهم لاهون بها .

 

ما من إنسانٍ ينحرف عن طريق الحق إلا ويتَّهم أهل الحق بالزيغ :


﴿ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ﴾ هل يُعْقَل أن يُرْخِي الإنسان لشهواته العِنَان ويقول : أنا على غلط ؟ لا ، يقول عكس ذلك ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ﴾ أي وأسرَّ النجوى الذين ظلموا ، والذين ظلموا أسروا النجوى ، ﴿ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ النجوى أي الحديث الخفي ، قالوا : ﴿ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ما من إنسانٍ ينحرف عن طريق الحق إلا ويتَّهم أهل الحق بالزيغ ، يقول لك : هؤلاء معقَّدون ، غير واقعيين ، حالمون ، لا يعرفون مباهج الحياة الدنيا ، ما ذاقوا طعم الدنيا ، إنهم زاهدون ولو عرفوها لما زهدوا فيها ، هكذا يدَّعي أهل الفسق والفجور ، ما عرفوا أن المؤمنين ذاقوا من طعم القُرْب ما أذهلهم ـ " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف " ما عرف أهل البُعد والضلال أن المؤمنين لو عَرَضْت عليهم أن يُلقوا في النار ، أو أن يتركوا دينهم ، لفضَّلوا أن يُلقوا في النار ، لأنهم عرفوا أن لهم رباً عظيماً ، ما عرفوا أن سحرة فرعون قالوا :

﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)﴾  

[ سورة طه ]

ما عرف هؤلاء الضالُّون أن في حياة المؤمن شوقاً إلى الله عزَّ وجل ، من أجله يضحي بالغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، ما عرف الضالون أن في حياة المؤمن سعادةً لا يحلَمُ بها أثرياء العالم ، لو أن حياته في ظاهرها متقشِّفةٌ ، خشنةٌ ، متواضعةٌ ، محدودةٌ ؛ ولكنَّ في قلبه من السعادة ما لو وزِّع على أهل بلدٍ لكفاهم ، ما عرف هؤلاء الضالون أن من . .

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾

[  سورة طه  ]

﴿ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ أخي هذا محمَّد إنسان عبقري ، ذكي ، صاغ هذا القرآن بحكمةٍ بارعة ، وأقنع الناس أنه كلام الله عزَّ وجل ، ووحَّد القبائل ، وصار زعيماً عليها ، وانتهى الأمر ، هذا الدين كله عندهم ، ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ لكن على أذكى .. ﴿ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ إنكم إن اتبعتموه سَحَرَكُم ، سحركم بأخلاقه ، سحركم بالحق الذي بين جنبيه ، سحركم بنفسيِّته التي أقبلت على الله عزَّ وجل ، سحركم بأُنسه ، ﴿ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ هذا ساحر ، لا تستمعوا إليه ، إنه يأخذكم من بين أحضان أهلكم ، المؤمن يَسْحَرُ الناس بُخلقه الكريم ، بتواضعه العظيم ، بحلمه ، بكرمه ، بسخائه ، بلطفه ، بأُنسه ، هكذا المؤمن ، إنه اشتق من كمال الله شيئاً ، إنه بإقباله على الله اشتقَّ شيئاً من كماله ، إنه رحيم ، إنه لطيف ، إنه عفوٌ كريم ، شيءٌ طبيعي أن تُحِبَّ المؤمن ، أما إذا التقيت بالنبي عليه الصلاة والسلام فربَّما بقيت أيَّاماً لا تنام الليل شوقاً إليه ، هؤلاء الذين رأوه في المنام يبكون أياماً طويلة وأشهراً وهم يذكرون هذه الرؤيا﴿ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أي وأسرَّ الذين ظلموا النجوى ، الذين ظلموا بدلاً من الواو في أسرّوا ﴿ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ﴾ من هم الذين أسروا النجوى ؟ الذين ظلموا بدلاً من الواو ﴿ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي النبي الكريم ما هو إلا بشرٌ مثلكم ، هكذا يدَّعي الذين ظلموا . 


أهون شيء التعامل مع الله عزَّ وجل :


﴿ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(4)﴾ 

إن الله وحده يعرف الحقيقة ، يعلم القول ، يعلم ما تقولون من كذب ، ويعلم ما أقول من صدق ، يعلم أني رسولٌ من عند الله ولست بمفترٍ عليه ، يعلم أنكم تفترون على الله كذباً ، ﴿ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ لذلك أهون شيء التعامل مع الله عزَّ وجل ، لا تحتاج إلى يمين ، ولا تحتاج إلى بيان ، ولا إلى وثيقة ، ولا إلى شاهد ، ولا إلى كتاب ، لا تحتاج إلى شيء لأن الله يعلم السرَّ وأخفى ، القضيَّة سهلة جداً ، يكفيك أن تكون مخلصاً له ، التعامل مع الله عزَّ وجل لا يحتاج إلى إثبات ، إنه مطلعٌ على قلبك . . قال له : "  يا إبراهيم ، ألك حاجةٌ عند الله ؟ قال له : " منك ؟ قال له : " لا ، من الله " ، قال له : " علمه بحالي يغني عن سؤالي " . 

إذا كـنـت في كـل حالٍ معي            فعن حملِ زادي أنا في غنى

* * *

إذا أخلص الإنسان لله عزَّ وجل ، وتقرَّب إليه ، أغناه عن استجداء الاستحسان ، عن استجداء المديح ، أغناه عن أن يعرف الناس فضله ، جاء رسولٌ إلى عمر بن الخطَّاب من بعض المعارك - وأظن من معركة القادسيَّة - فقال : " يا أمير المؤمنين مات خَلقٌ كثير " ، قال : " من هم ؟ " قال : " إنَّك لا تعرفهم " ، فبكى عمر بكاءً مُرًّا ، وقال : " وما ضرَّهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم " ومن أنا حتى لا أعرفهم ؟ .

 

إحاطة علم الله بكل قول ظاهر وخفيّ :


﴿ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي قولٍ يُقال في الأرض والسماء الله يعلمه ما إذا كان صدقاً أو كذباً ، فيه إخلاصٌ أم فيه خيانة ، فيه وضوحٌ أم فيه غموض . .﴿ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ .

شيءٌ آخر :

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)  ﴾

[  سورة الأعراف ]

يعلم القول ، وهو الحَكَمُ الفَصْلُ ، وهو أحكم الحاكمين 

 

افتراء المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وردّ الله عليهم :


﴿ بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ﴾ هذا الذي يقوله النبي الكريم إنما هي أحلامٌ يراها في الليل ، أحلامٌ تكاثفت عليه ، تواردت عليه فهو يعبِّر عنها ، إنها ليست حقيقةً ، إنها أضغاث أحلامٍ ﴿ بَلِ افْتَرَاهُ ﴾ إن هذا القرآن قد افتراه من عنده ، قد افتراه هذا النبي أو افتراه محمد طبعاً يقولون : محمد ، لقد افتراه محمَّد من عنده ، وليس من عند الله . .﴿ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ﴾ هذا نوعٌ من الشعر يا أخي فيه سحر ، كلامٌ طلي ، له حلاوة ، عليه طلاوة ، إنه نوعٌ من الشعر ، إنه شاعر ، وقالوا : هو شاعر . .﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ لو أنه نبيٌّ مُرْسَل فلْيِأتنا بآيةٍ كما جاء بها موسى ، كما جاء بها عيسى عليهما السلام ، يحيي الميت ، يبرئ الأكمه والأبرص ، يضرب البحر فإذا هو طريقٌ يَبَس بين جبلين عظيمين ، إن كان نبياً صادقاً فليأتنا بآيةٍ كما جاء بها الأوَّلون .

 

مصير تكذيب الأنبياء :


الله سبحانه وتعالى يرّد عليهم ، يقول الله سبحانه وتعالى : ﴿ مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ قوم صالح طلبوا الناقة لتخرج إليهم من الجبل هل آمنوا بالله عزَّ وجل على إثرها ؟ قوم موسى رأوا البحر قد أصبح طريقاً يَبَسَاً ، ورأوا عدوَّهم فرعون قد غَرِقَ فيه ، وبعدئذٍ جاءهم السامري . .

﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88)  ﴾

[ سورة طه ]

فصدَّقوه ، أنفعهم بني إسرائيل ما رأوا من آياتٍ بيِّنات ؟ أنفعتهم العصا التي أصبحت حيَّة ؟ قوم سيدنا عيسى أنفعهم أنه أبرأَ الأكمه والأبرص ، وأحيا الموتى ، وأنبأهم بما في بيوتهم ؟ ﴿ مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ .

 

الكون معجزة :


الكون هو المعجزة ، ومن لم يؤمن بالكون ، بوضعه الراهن من دون أن تُخْرَقَ قوانينه لن يؤمن بخرق قوانينه ، خلقك معجزة ، ابنك معجزة ، نقطةٌ من ماءٍ مهين فيها ثلاثمئة مليون حوين ، حوينٌ واحد أقوى هذه الحوينات وقف أمام بويضةٍ فتحت له الباب فدخل ، أغلقت الباب ، وبقي ثلاثمئة مليون حوين آخر خارج الحساب ، فهذا الحوين وهذه البويضة تكاثرا ، وانقسما إلى عشرة آلاف قسم في ثمانية أيَّام ، وهما في طريقهما إلى الرحم ، في الرحم التصقا بجداره ، تشكَّل الدماغ ، تشكَّل القلب ، تشكَّل الأحشاء ، تشكَّل الأعضاء ، ما هذا ؟ في تسعة أشهر يصبح ابنك إنساناً فيه معدة ، فيه أمعاء ، فيه قلب ، فيه رئتان ، فيه دماغ ، له عينان ، له أذنان ، له أنف ، له لسان ، له شفتان ، له يدان ، له أصابع ، له سُلاميَّات ، له أظافر ، له عظام ، له عضلات ، له أوردة ، له شرايين ، في تسعة أشهر من فعل هذا أنت أم زوجتك ؟

﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35)﴾

[ سورة الطور ]

﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59)﴾

[ سورة الوقعة ]

الكون نفسه معجزة ، خلقك معجزة ، ابنك معجزة ، كأس الحليب الذي تشربه معجزة ، هذه البقرة لها خليَّة ، الخليَّة الثديية على شكل قبَّة ، محاطة هنا بشرايين دمويَّة كثيفة جداً ، يجول حولها الدم هنا فتسقط قطرات الحليب من هنا ، وحتى هذه الساعة لا يعرف العلماء - علماء الأحياء - ما آليَّة تصنيع الحليب ، كيف يتحوَّل الدمُ إلى حليب ؟ إن لتر الحليب الواحد يحتاج إلى أربعمئة لترٍ من الدم يجول حول الخليَّة الثديية حتى يصبح هذا اللتر من الحليب صالحاً لك أنت ، وَفْقَ بنيتك الجسميَّة ، فيه بروتين ، وفيه سكَّر ، وفيه دسم ، وفيه مواد ، وفيه فيتامينات ، وفيه مواد معدنيَّة ، شيءٌ يأخذ بالألباب ، تركيب الحليب وحده من الذي صنعه أهذه الخليَّة الثديية ؟ أهي عاقلة ؟ كأس الحليب الذي تشربه هذه البقرة معمل حي يأكل الحشيش فيعطيك الحليب ، تصنع منه السمن ، تصنع منه الجبن ، تصنع منه اللبن ، تصنع منه كل حاجاتك . .

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66)﴾

[  سورة النحل ]

هذه آية من آيات الله الكُبرى .

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)﴾

[ سورة النحل ]

طبع الغَنَم طبعٌ وديع ، مسالم ، غير مخيف ، غير متوحِّش ، مذلَّل ، تأكل لحمه ، وتأكل دهنه ، وتأكل أحشاءه ، وتستعين بجلده ، وتستعين بصوفه ، وتأخذ روثه أو فضلاته سماداً لأرضك ﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ لكم خصيصاً ، تطلب معجزة ؟! الغنمة معجزة ، والبقرة معجزة ، والدجاجة معجزة ، وابنك معجزة ، وزوجتك معجزة .

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)  ﴾

[ سورة الروم ]

المرأة لها بنية خاصَّة ، لـها بنية فيزيولوجية خاصَّة ، لها بنية نفسيَّة ، الثمار معجزة ، هذه الشجرة تسقيها ماءً تعطيك تفاحاً ، له شكلٌ لطيف ، شكل  محبَّب ، ورائحةٌ محبَّبة ، وقِوامٌ ، وحجمٌ ، ونكهةٌ ، وغذاءٌ ، كم أنواع أشجار الفاكهة ؟ أنواع المحاصيل ؟ أنواع الخضار ؟

 هذه الشمس معجزة تبعد عنَّا مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر ، ومع هذه المسافة الشاسعة نورها وضَّاء ، ودفؤها فيه خيرٌ عميم . القمر تقويمٌ في السماء .

﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13)﴾

[ سورة الإسراء ]

المطر معجزة ، هذا الكون أيضاً هكذا قال عليه الصلاة والسلام : حسبكم الكون معجزة . إذا لم يؤمن الإنسان بالكون لن يؤمن بخرق قوانينه ، والدليل : ﴿ مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ إذا لم تؤمن بهذه الآيات الدالَّة على عظمته التي بثَّها الله في السماوات والأرض لن تؤمن بخرق القوانين .

 

الأنبياء بشر تجري عليهم خصائص البشر :


﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ من حكمة الله سبحانه وتعالى أن جعل الأنبياء من بني البشر ، لو كانوا ملائكةً لما اتبعهم أحد ، أنت ملَك ، أنت بشر ؟ أنا عندي شهوات ، وقد جعل الله عز وجل الأنبياء العِظام من بني البشر ، يحسُّون ما نحس ، ويشعرون بما نشعر ، ويغضبون لما نغضب ، جعلهم مثلنا يأكلون ، ويشربون ، ويتزَّوجون ، وينجبون ، ويمشون في الأسواق .

 هذا بحثٌ نؤخره إن شاء الله تعالى إلى درسٍ قادم . . الحديث عن الأنبياء . . ولماذا قال الله في حقِّهم :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)﴾

[  سورة الفرقان ]

لماذا هم يتزوجون كما يتزوج البشر ؟ لماذا هم من بني البشر ؟ ما الحكمة التي وراء ذلك ؟ ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ(8)﴾ يموتون . .

﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ﴾

[  سورة الزمر ]

﴿ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ هذه الفِقْرَة التي تتحدَّث عن أنبياء الله سبحانه وتعالى فيها تعليقٌ دقيق نؤخره إلى درسٍ قادم إن شاء الله تعالى .


الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور