وضع داكن
06-02-2023
Logo
محاضرات خارجية – ندوات مختلفة – تركيا – استانبول – المحاضرة : 20 - ملتقى (لتقاربوا) الشبابي الثاني - لقاء مشترك مع الأستاذ فاضل سليمان - لماذا لا نتغير بالقرآن؟
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
المهندس: فاضل سليمان:

المقدمة:


الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، جزاكم الله خيراً، أنا أشكر الإخوة المنظمين، وأشكر الندوة العالمية للشباب الإسلامي على دعوتي لهذا الملتقى.
أولاً: لألتقي بشيخي وأستاذي وأحد أصحاب الفضل عليّ وهو الدكتور: راتب النابلسي، هذه أول مرة أقابله وجهاً لوجه في حياتي، وحقيقة أنا من أسباب قَبولي أصلاً للدعوة هنا أن أقابل الشيخ راتب، طبعاً وأن أقابل حضراتكم أيضاً، لكن أنا ملتزم ببرنامج في لندن كل يوم سبت فسيكون صعباً قليلاً، لكن علمي أن الدكتور راتب في هذا الملتقى جعلني أصر على المجيء لأقول كلمتي في أول يوم وأغادر مباشرة حتى أستطيع اللحاق بدرسي غداً في لندن.
ثانياً: أنا سعيد كوني بين حضراتكم واسمحوا لي لو أتكلم باللغة العامية المصرية، فلو تكلمت باللغة العربية الفصحى لن تعجبكم لأن لغتي العربية الفصحى ستكون بلهجة مصرية، فأنتم معتادون على العامية المصرية.
أحب أن أعرفكم بنفسي، هم عرّفوكم بالجزء المشرِق مني، لكن الجزء غير المشرق هو أنني من منطقة في مصر اسمها الصعيد، نعم أنا صعيدي، نعم، وأنا أفخر بذلك وأقولها في كل مكان، وأنت تعرف جيداً لماذا هي نقطة عار بالنسبة لنا.

مشكلتنا مع القرآن:


وأحد أقاربي_ وهذه ليست نكتة- في ألمانيا طبيب أنف وأذن وحنجرة، جاءه مريض فلاح يشكو من أذنه، فبالكشف عليه وجد عنده التهاب في الأذن الوسطى، فكان العلاج المطلوب له أن يأخذ مضاداً حيوياً 500 ملغ كل ست ساعات، كبسول كل ست ساعات، فالمريض عاد بعد يومين يشكو للطبيب ويقول له: الألم ما زال كما هو، قال له: لا يوجد مشكلة ولكن استمر على الدواء، قال له: لا أستطيع أن آخذ الدواء أكثر من هذا؟ قال له: لمَ، أتم الدواء، يجب أن تأخذه أسبوعاً كاملاً وإن شاء الله الألم سيزول، قال له: لا أستطيع أن آخذ الدواء أكثر من هذا، اسمع الكلام، لم يسمعه، فقال له الطبيب دعنا نكشف عليك لنرى ما بك، وعندما كشف عليه وجد أنه يحشر كبسول في أذنه كل ست ساعات.
هذه ليست نكتة، هذه أنا أقصدها؛ لأنه من يفهم المشكلة فيها سيفهم مشكلة الأمة، الرجل يأخذ الدواء ولكنه لا يغيره، لا يشفيه؛ لأنه يأخذه بطريقة خاطئة، هذه مشكلتنا مع القرآن، القرآن شفاء، الله -سبحانه وتعالى- أنزل القرآن:

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) ﴾

[ سورة الإسراء ]

والله -سبحانه وتعالى- يقول:

﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (44)  ﴾

[ سورة فصلت ]

إذاً: لماذا لا يغيرنا؟ لماذا لا يشفينا؟ لماذا أمراض صدورنا ما زالت موجودة؟ لأننا نأخذه بطريقة خاطئة، فقط، هذا يكفي.

كيف نتعامل مع القرآن:


تعالوا لنرَ كيف نتعامل مع القرآن، أولاً طبعاً تعلمون أن القرآن:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (57) ﴾

[ سورة يونس ]

كما قال الله -سبحانه تعالى-، يعني يشفي الصدور من أمراض الصدور، أمراض القلوب؛ الغل والحسد والحقد والكسل والدّعة والجبن، الخنوع، التذلل لغير الله، الكبر، الغرور، نحن مصابون ببعض منها، لا يوجد أحد منا مصاب بكل هذه الأمراض، لكن معظمنا مصابون ببعض هذه الأمراض، ومع ذلك نقرأ القرآن، وبعضنا يحفظ القرآن، نحن في بلدنا نستحفظ القرآن كاملاً، ومُلتحين بلحىً طويلة وكل شيء، وقبلوا الخيانة، وقبلوا المذابح، وقبلوا قتل الناس، القرآن لم يغيرهم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:

(( قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يكونُ في آخِرِ الزَّمانِ قومٌ يَقرَؤونَ القُرآنَ، لا يُجاوِزُ ترَاقيَهم ، يَمرُقونَ منَ الإسلامِ كما يَمرُقُ السَّهمُ منَ الرَّميَّةِ، قِتالُهم حقٌّ على كلِّ مُسلِمٍ. ))

[ المسند لشعيب عن علي بن أبي طالب ]

أتحدى أي إنسان أن يحضر لي اسم كتاب واحد في العالم يُقرأ بدون فهم غير القرآن، ليقل لي أحدكم اسم كتاب واحد يُقرأ من غير فهم غير القرآن الكريم، لا يمكن، لا يوجد، هل تعرفون برنامج من سيربح المليون؟ في هذا البرنامج لو أن أحدكم ذهب لهذا البرنامج وجاءه هذا السؤال: ما الكتاب الذي يُقرأ من دون فهم؟ إياك أن تختار أن تحذف إجابتين، أو أن تتصل بصديق-حرام- ادّخر هذه وسائل المساعدة لأسئلة صعبة، الإجابة الصحيحة هي القرآن، هذا ما فعلناه في القرآن الكريم، جعلناه الكتاب الوحيد الذي يُقرأ بدون فهم، نأتي يوم القيامة ونقول لله -سبحانه تعالى-: كنا نقرأ كتابك من دون فهم، يالله كنا نقرأ كتابك من دون فهم، لماذا؟ هذا يعني احترام!

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) ﴾

[ سورة الزمر ]

أريد من كل واحد من حضراتكم أن يتخيل أنه عندما يذهب إلى مكان إقامته في الليل أنه سيجد أسرة تنتظر عند الباب، فلما يسألهم يجدهم أسرة من الأسر التي قُصف بيتها ممكن في سورية-الآن عندنا بلاد كثيرة استعبدت- رجل وزوجته وأربع أطفال ويقولون ليس لدينا مكان يؤوينا، ماذا ستفعل؟ هل ستضع بيدها عشرين ليرة تركية أو عشرين دولار وتقول لهم: اللهم ابعث لهم من يحنّ عليهم، أعتقد أن الناس والشباب الإسلامي لن يتركهم، على الاقل سيقول تفضلوا وباتوا معنا الليلة، لا يمكن أن نترككم في العراء حتى نحل مشكلتكم في الصباح ونجد لكم مكان.
كلما زاد إيمان الإنسان كلما قلّ تمسّكه بالدنيا، هل منا من إيمانه أقوى من ذلك فيستطيع أن يقول لهم: تفضلوا ستعيشون معنا إلى أن تُحل مشكلة بلدكم أياً كانت سورية، اليمن، ليبيا، هل منا من يستطيع أن يفعل هذا؟ يقول لهم: تفضلوا ستعيشون معنا إلى أن تُحل مشكلتكم، هل منا من هو أكثر إيماناً من ذلك، سيقول لهم: تفضلوا ستعيشون معنا إلى الأبد، لا يوجد أي مشكلة وحياكم الله.
أنا متأكد بعضكم يقول: ما هذا الكلام الذي يقوله! هل هناك أحد هكذا؟ الحقيقة أن هناك شعب بالكامل كان كذلك، شعب اسمه شعب المهاجرين خرج من بلده، وشعب آخر استقبله اسمه شعب الأنصار، واستقبلوهم في بيوتهم بنيّة أن يعيشوا معهم إلى الأبد، والدليل: بعد خمس سنوات بعد بني النضير وظهور المال للمرة الأولى في المجتمع المسلم أراد المهاجرون أن يخرجوا وأن يتخذ كل منهم بيتاً له، وأن يدعوا الأنصار الطيبين الضيوف الكرماء أن يعيشوا أخيراً في بيوتهم براحتهم قليلاً، ماذا كان رد فعل الأنصار؟ بكوا، قالوا: لماذا تريدون أن تتركونا؟ هل قصّرنا معكم في شيء؟ يقول المهاجرون: والله ما قصرتم، ولكن يكفي، بقينا عندكم لخمس سنوات وضيّقنا عليكم، يقول الأنصار: لا بد أننا فعلنا معكم شيئاً، وقصرنا معكم، لماذا تريدون أن تتركونا؟ الأنصار إلى هذه اللحظة كانوا لا يعرفون النبي أصلاً، يعني عندما أتى في الهجرة مع أبي بكر كانوا يسألون بعضهم: من منهما محمد؟ لا يعرفونه، لكن لماذا إيمانهم أعلى من إيماننا؟

لماذا إيمان الصحابة أقوى من إيماننا؟


ربما الجو الروحاني للمدينة، الذي ذهب منكم إلى المدينة المنورة يعلم الجو الروحاني هناك، والمسجد النبوي والتراويح والتهجد في رمضان، عمرة رمضان، والصيام ونفطر تمر مع بعض، وهذه الأشياء الجميلة، طبعاً تمر المدينة لم يكن موجود أبداً، حتى هذه اللحظة لم يكن اسمها المدينة أصلاً، كان اسمها يثرب، هل يقبل أحد أن يقال أن صحابي جليل يستيقظ في الصباح مع زوجته الصحابية الجليلة في نهار رمضان فيشربا الخمر! هل يقبل هذا أحد؟ هذا  كان يحدث حتى ذلك الوقت.
الصوم فُرِض في السنة الثانية بعد الهجرة، وتحريم الخمر كان في السنة السادسة، ويقال في السنة الرابعة بعد الهجرة، إذاً حتى هذا الوقت لم يكن هناك محرمات، ولا كان هناك عبادات،  ولا كان اسمها المدينة، ولا كانوا قد شاهدوا النبي، ولا يوجد سنة نبوية، الأنصار فأنا أتكلم عن الأنصار، وإيمانهم كان أقوى من إيماننا بآلاف المرات، سبحان الله!
الأمر يستحق أن نتدبره، ما الذي كان لدى الأنصار؟ وليس لدينا؟ وجعل إيمانهم أقوى من إيماننا بهذه الطريقة، شيء واحد: القرآن.
لكن نحن أيضاً عندنا القرآن، نحن عندنا كلمات القرآن، هم كان لديهم في قلوبهم حقيقة القرآن، لماذا؟ لأن الطريقة التي كانوا يتعاملون بها مع القرآن تختلف عن طريقتنا في التعامل مع القرآن.
آخر مرة قلت هذه الكلمة في مصر، فسألت الشباب طَلبة الأزهر: من منكم يحفظ سورة البقرة؟ طبعاً الكل، أسألكم الآن من منكم يحفظ سورة البقرة؟ أروني يديكم، تمام، الحمد لله الكثير منكم يحفظ سورة البقرة، كم أخذت معكم من الوقت تقريباً حتى حفظتموها؟ شهر ونصف، شهر، أربع أسابيع، ست أسابيع، أسبوعان، أسبوع، شهر، هناك من حفظها في أسبوع؟ هل يوجد منكم من حفظها بأقل من أسبوع؟ واحد، كم يوم؟ ثلاثة أيام.

نظام الصحابة في التعامل مع القرآن:


أقول لكم شيء: ليت عبد الله بن عمرو كان حياً حتى يقابلكم، أنتم تعرفونه كيف يحفظ القرآن، فقد حفظ القرآن في ثماني سنوات، أنا لا أتكلم عن أي صحابي، أتكلم عن أحد العبادلة الأربعة، من أعظم الصحابة في علوم القرآن، ثمانية سنوات لماذا؟
تعالوا نفهم لماذا: عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: كنا نتعلم مع رسول الله العشر آيات من القرآن لا نتجاوزها-يعني عشر آيات فقط، ممنوع أن تكمل أكثر من ذلك، طبعاً أريد أن أكمل، كيف؟ تابع الحديث- حتى نتعلم ما فيها من علم وعمل، فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً. يعني التلاوة والفهم والتفسير والتطبيق.

(( كان أصحابُنا يُقرِئُونا ويُعلِّمونا ويُخبِرونا أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يُقرِئُ أحدَهم عَشْرَ آياتٍ فما يَجوزُها حتى يَتعلَّمَ العَمَلَ فيها، قال: وقالوا: عَلِمْنا القُرْآنَ والعَمَلَ جميعًا. ))

[ شعيب الأرناؤوط عن عبد الله بن حبيب ]

فالصحابة هؤلاء تلاميذ النبي -عليه الصلاة والسلام- كان نظامهم هكذا.
اقرأ، افهم، تدبر، طبق، احفظ، نحن نظامنا: احفظ، احفظ، احفظ.
نظامنا في تعاملنا مع القرآن أفضل من نظام الصحابة في شيء واحد فقط: يحفظنا بسرعة فقط، لكن لا يُغيّرنا، نظام الصحابة يغيرهم، الصحابة قبل أن يكونوا صحابة ما كانوا مسلمين نصف على نصف مثلنا، كانوا كفاراً، وليسوا كأي كفار، عندما ترى أبي ذر الغفاري كان قاطع طريق، هذا الرجل صار فيما بعد إنسان يقول عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: لو أظلت الغبراء- السماء- وأقلت الخضراء- الأرض- ما أقلت الخضراء ولا أظلت الغبراء من هو أصدق لهجة من أبي ذر. 

(( ما أَظَلَّتِ الخَضْراءُ، ولا أَقَلَّتِ الغَبْراءُ مِن ذي لَهْجَةٍ أصْدَقَ مِن أبي ذَرٍّ. ))

[ شعيب الأرناؤوط عن أبي الدرداء ]

هذا كان قاطع طريق، ما الذي غيره هكذا؟ القرآن.
سيدنا عمر بن الخطاب، لم يكن قبل الإسلام كافراً عادياً، كان هذا صاحب الفكرة، فكرة أن كل عائلة وأسرة من أُسَر قريش تعذب أولادها المسلمين بنفسها حتى لا تتقاتل العائلات، انظروا إلى الفكر كيف، وهو الذي بادر بقتل النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأخذ السيف وذهب ليقتله صلى الله عليه وسلم، ثم حدث ما حدث، وذهب إلى أخته وضربها وضرب زوجها، ثم قرأ آيات:

﴿ طه (1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ (3) تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ (5)﴾

[ سورة طه ]

خذوني إلى رسول الله، ما كان يقرأ مثلنا، نحن نقرأ من أجل أن نحفظ ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ * إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾ من أجل أن نحفظـ، وأهلنا عندما وُلِدنا، الناس الصالحون من أهالينا يقولون هذا الولد أريده أن يكون حافظاً للقرآن في الكبر، منتهى آمالهم أن نحفظ القرآن، لم يقل أحدهم أريد أن يكبر الولد فاهماً للقرآن، مُطبِّقاً للقرآن، وهذه هي الكارثة، لذلك هناك أسرة اسمها أسرة الطموح منكم، الطموح الحقيقي أرجوك ألا تطمح في القليل، لا تطمح أن يكون ابنك حافظاً للقرآن، هذا قليل جداً، اطمح أن يكون متدبراً للقرآن، مطبقاً للقرآن، يعيش بالقرآن.
حسناً، أريد أن أقول لكم أن الطريقة التي نتعامل بها مع القرآن دفعت النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يشكونا إلى الله، والقرآن يقول لنا:

﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) ﴾

[ سورة الفرقان ]

لم يقل: هجروا القرآن، أستغفر الله نحن هجرناه! نحن نقرؤه ونحفظه، ونقيم مسابقات في حفظ القرآن، وفخورون جداً فمثلاً عندما نقول لفلان: هذه الكلمة أين في القرآن؟ يقول لك: في الصفحة 83 في الناحية اليمين، ونحن فخورون جداً بهذا الكلام، والمزمار الذهبي، وأجمل صوت، فوصل الأمر أن القرآن عند بعضنا لم يعد اسمه قرآن، صار اسمه مشاري، تركب السيارة مع شخص تسأل ماذا تسمع؟ يقول لك: أسمع مشاري، لماذا لا تسمع العجمي؟ حسناً: وضع العجمي، ماذا تسمع للعجمي؟ لا مشكلة أي شيء، المهم العجمي.
أنا أتكلم كلاماً وهمياً؟ أنا أؤلف أم هذه هي الحقيقة؟ نحن في كارثة، أهم كتاب في العالم كتابنا، جعلناه يُقرأ بلا فهم، ولما اهتممنا به اهتممنا بالحفظ، يقول لك: الحفظ شيء مهم، نعم، ربنا -سبحانه وتعالى- قال:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) ﴾

[ سورة الحِجر ]

وماذا طلب منا؟

﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)﴾

[ سورة ص ]

﴿لِّيَدَّبَّرُوا﴾ لام السببية، الدكتور عبد الكريم بكار يقول: طلب الله منا التدبر وتعهّد لنا بالحفظ، فأخذنا على عاتقنا أن نحفظ وتركنا التدبر، أنا لا أقلل أبداً أبداً من أهمية الحفظ، بالعكس الحفظ مهم جداً، لكن الإنسان يحفظ أي شيء لماذا؟ من أجل أن يطبقه، يعني شخص يقول لي: كيف أذهب من هنا إلى اسطنبول. أقول له: فور خروجك تذهب شمالاً، وبعدها إلى اليمين، وتسير بشكل مستقيم حتى تصل للميدان فتذهب شمالاً إلى أن تصل إلى السفينة فتركبها لتصل إلى اسطنبول، حفظت؟ نعم حفظت، أقول له: سمّع، يقول لي: أخرج إلى الشمال وبعدها إلى اليمين إلى أن أصل للميدان، فأذهب إلى الشمال، وأركب السفينة إلى اسطنبول، أحسنت، طبق الآن.
الإنسان يحفظ من أجل أن يطبق، فنحن إن كنا لا ننوي التطبيق لماذا نحفظ؟ كي يكون القرآن شاهد علينا! أبداً، أنا لا أقول لا تحفظ، أنا أقول لو أننا نمشي مثل الصحابة ويكون الحفظ نتيجة طبيعية للتدبر يكون أفضل كثيراً، ربنا -سبحانه وتعالى- أنزل القرآن من أجل أن نتدبره،  ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ دعونا نرى كيف يكون التدبر، أنا طبعاً أشعر بالخجل أنني أتكلم أصلاً بين يدي أستاذي، لكن أنا طلبت منه أن يحضر رغم أنه متعب وجاء للتّوّ من السفر حتى يقوّمني ويصحّحني، وسأترك آخر المحاضرة له حتى يعلق ويصحح لكم أخطائي.

معنى التدبر:


التدبر: جاءت من كلمة الدُّبُر، ودُبر الشيء: ما يأتي بعد الشيء، من أجل ذلك ظهر الإنسان اسمه الدُّبر، بعدما يمشي يأتي الدبر وراءه.
فالتدبر ما يأتي بعد القراءة والفهم، قرأت؟ نعم، فهمت؟ نعم، تدبر الآن، يعني من تجربتي وما تعلمت من المشايخ وعلى رأسهم الدكتور مجدي الهلالي، وهو أفضل إنسان حقيقة رأيته في مجال التربية الإيمانية، قال لك: التدبر أن تضع نفسك داخل الآية، كل آية تبحث فيها عن الرسائل المُحمَّلة، كل آية مُحملة بكمِّ هائل من الرسائل لقلبك، ابحث عنها، قرأت؟ نعم، فهمت؟ نعم، الآن تدبر، مثلاً:

﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾

[ سورة الحشر ]

الفهم: يقول لك والتفسير يقول لك: ربنا يقول: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل سيهدمه.
التدبر الآن: ضع نفسك في الآية، أنت لا تتأثر لماذا؟ هذا القرآن يهدّ الجبل فلماذا أنت لا تتأثر؟ إذاً أنت طريقة تعاملك مع القرآن خطأ ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ﴾ هذا اسم إشارة للقريب، هذا القرآن الذي في حقيبتك، الذي في سيارتك، الذي على مكتبك، الذي بجانب السرير يهد جبالاً وأنت لا تتأثر، ضع نفسك داخل كل آية، وابحث عن الرسائل المخبوءة، التدبر طبعاً يختلف عن التفسير، التفسير مُقيد بأصول التفسير، وهذا واجب ولازم لأنه طبعاً سيترتب عليه بعد ذلك أفعال وأحكام وحلال وحرام، التدبر لا يخرج منه، هذا شيء أساسي، فلا تستخرج منه حلالاً ولا حراماً ولا أحكاماً، وإلا ستفسد الدنيا، هذه لها ناسها. أنت تقرأ وتدع القرآن يتعامل مع مشاعرك، سأقول لكم شيئاً:
منذ حوالي سنة وأربعة أشهر تقريباً، هناك شخص نكرهه كلنا خرج يوم تولى قال الخطاب، وكان وجهه مكفهِّر وكان هناك شيء غريب قليلاً، في اليوم الثاني كنت أصلي الفجر في لندن فغاب الإمام فدفعتني الناس للصلاة بهم، وهناك آية أنا معتاد أن أقرأها دائماً في الصلاة:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) ﴾

[ سورة آل عمران ]

في هذا اليوم -سبحان الله- القرآن تعامل مع مشاعري، وجاءني تدبر لم يأتِني من قبل، أود أن أقوله أيضاً أمام الشيخ كي يقول لي رأيه فيه، الآية تقول: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ صح؟ أربعة  من تشاء، القرآن من صفاته الإيجاز بأقل عدد من الكلمات يعطيك أكبر عدد من المعاني فتعجبت حينها، لماذا لم يكن هناك صياغة أخرى تختصر الآية وتأتي بالمعنى نفسه؟ اسمع مني: لو أتت الآية بهذه الطريقة، وهي لم تأتِ هكذا: قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك وتعز من تشاء وتنزع الملك وتذل من تشاء، كنا اختصرنا اثنين "من تشاء" لكن الله -سبحانه وتعالى- لم ينزلها هكذا، الله -سبحانه وتعالى- فصل عن قصد إتيان الملك ونزعه عن العز والذل، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ﴾ ينتهي الموضوع هنا ويبدأ موضوعاً جديداً ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إذاً: ممكن إنسان أن يُؤتَى الملك ويُذَل، وممكن لإنسان أن يُنزَع منه الملك ويُعَز، صح؟

وسائل التدبر:


التدبر يتعامل مع مشاعر الإنسان، وكل آية تتفجر بالمعاني، مثلاً: أقمنا سلسلة لعشرة أسابيع في سورة النور في مسجد شرقي لندن، والله كنا نتدبر باللغة الانكليزية، الذي معه مصحف أو في الموبايل يفتحه، سأقول لكم على بعض الآيات، ولنتدبرها سوية لأريكم كيف يتم التدبر، لنحضر الآية الكريمة في سورة النور التي تسمح بدخول الأماكن العامة دون استئذان: افتحوا سورة النور الآية (29):

﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29)﴾

[ سورة النور ]

أولاً: أن تنظر في كل آية في آخر الآية:

من وسائل التدبر: أن تنظر في كل آية في آخر الآية، بعض الناس تسميه ذيل الآية، ما علاقته بجسم الآية، لماذا اختار الله -سبحانه وتعالى- هذه الطريقة لإنهاء الآية، الآية في كل التفاسير تقول لك أن مسموح لك أن تدخل الأماكن العامة دون استئذان، كأن تدخل الصيدلية، السوبر ماركت، المطعم، كيف تستأذن؟ تدخل مباشرة، لكن التدبر: يقول لك لماذا اختار الله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ لإنهاء هذه الآية بالذات؟ لكي تفهم يجب أن يكون لديك قدرة على التخيل الذي يسميه صاحب الظلال: التصور، التصوير الفني في القرآن من أجمل الكتب التي تساعد الإنسان على التدبر، يعودك على التصور والتخيل.
تخيل معي أخي الحبيب رجل يقف على باب سوبر ماركت ويأبى أن يدخل إلا عندما يأتي مدير السوبر ماركت ويأذن له بالدخول، ثم يذهب إلى باب الصيدلية ويرفض أن يدخل إلا إذا أتى مدير الصيدلية وأذن له بالدخول، ماذا يفعل هذا الرجل؟ يتصنع التقوى، فتأتي الآية التي تبيح لك أن تدخل الأماكن العامة دون استئذان ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ۚ ﴾ تحذرك من تصنع التقوى ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ .
هذا اسمه التدبر، غير متقيد بأصول التفسير، لكن غير مبني عليه حلال وحرام وأحكام،  هو يتعامل مع القلب، وفي أمراض القلب، فالآية تبيح لك من الناحية الفكرية دخول الأماكن العامة دون استئذان، ومن الناحية القلبية تحذرك من تصنّع التقوى، ونحن محاطون بكثير من التقوى المصطنعة، تحذركم الآية من التقوى المصطنعة، أكبر أنواع العُجب التقوى المصطنعة، هذا عُجب، الآية التي قبلها:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28)﴾

[ سورة النور ]

لماذا أنهاها الله ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ يجب أن تتخيل وتتصور، تصور نفسك ذهبت لبيت أحدهم وسألت: وسيم موجود؟ فقالوا لك: لا، للأسف اليوم لن يستطيع مقابلتك، نحن نعتذر جداً، ويغلقون الباب في وجهك، ممكن ترجع لو سمحت؟ ارجع ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ﴾ أنت لو إنسان تفهم جيداً، وفهمت هذه الآية جيداً وعرفت ممَّ تحذرك ستفهم أن هذا أزكى لك وتغادر، ولكن لو أنت لست كذلك، تفكر: ماذا يوجد بالداخل؟ من يوجد عندهم ولا يريدون أن أعرف، فتنزل وتجلس في سيارتك وتحضر السندويشات والمشروبات الغازية وتبقى منتظراً إلى الليل لتعرف من سينزل من عندهم، ربنا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أو على الأقل ممكن أن تشتمهم: أولاد الكذا لم يدخلوني، ماذا يظنون أنني سأفعل، ربنا يحذرك ﴿هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ﴾ اذهب ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ .
فهذا نوع من أنواع التدبر أن تنظر إلى الآية وإلى أواخرها، وتتدبر لماذا الله -سبحانه وتعالى- جاء بهذه الآية هكذا.

ثانياً: ربط الآية مع المقطع الذي أتت فيه:

لديك مثلاً نظام آخر، هذه دورة أو ورشة عمل فأحب أن نتدبر سوية آية في سورة النور عجيبة جداً، الآية (61) هذه الآية كثير من المسلمين الجدد في أوروبا، والناس التي تفكر سألتني عنها، لماذا ربنا يقول لنا هذا الكلام؟ هذا الكلام طبيعي جداً وتلقائي وغير بحاجة أن ينزله الله في كتاب من فوق سبع سماوات؟ اسمع الآية:

﴿ لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) ﴾

[ سورة النور ]

هل أنا محتاج لآية من فوق سبع سماوات تقول لي: كُلْ في بيت خالك، وكُلْ في بيت خالتك، على فكرة هذه الآية من الآيات التي استخدمها الملحد المصري سيّد القِمْني في الاستهزاء بالقرآن، إذاً ما معنى الآية؟ ولماذا وردت؟ هنا من أجل أن نتدبر نحاول أن نربط الآية بالمقطع الذي أتت فيه، ارجع ثلاث آيات للوراء وانظر الآيات ماذا تقول وأنت تفهم، الآية (58):

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) ﴾

[ سورة النور ]

آية تقول لنا أن الناس التي تعمل في البيت، والأطفال الصغار الذين لم يبلغوا الحُلُم يجب أن يستأذنوا في أوقات معينة، لمّا تضع الناس ملابسها وتنام في غرفها وترتاح، والآية التي تليها:

﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59)﴾

[ سورة النور ]

والكبار أيضاً يجب أن يستأذنوا دائماً، وليس في ثلاث أوقات فقط، الآية التي تليها:

﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ۖ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60) ﴾

[ سورة النور ]

الآيات الثلاث تتكلم عن الحياء، لكن الخوف أن الناس مع كل هذا الكلام عن الحياء تتطرف كثيراً في الحياء فتبدأ تنعزل عن المجتمع، ولا تقبل حتى الدعوات وأن تذهب وتقبل العزائم وتأكل في البيوت فتأتي الآية تقول: ﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ﴾ وتقول لك: لا، لا تنعزل، فتأتي آية لتضعك على الوسطية، تقول لك الحياء لا يجعلك تنعزل، ويقول الله تعالى ﴿ليْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ فالحياء ليس معناه أن تنعزل، فالآية بالمقطع تفهّمك، هذا وسيلة من الوسائل.

ثالثاً: ربط أول آية في السورة في آخر آية في السورة:

عندك وسيلة أخرى وهي ربط أول آية في السورة في آخر آية في السورة، أول آية في سورة النور:

﴿ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) ﴾

[ سورة النور ]

يعني ربنا يقول لي: هذه السورة أنزلت لك فيها آيات بينات والسورة مليئة بالأحكام من أجل أن تتذكر، ماذا أتذكر؟ هل نزلت هذه الآيات سابقاً من أجل أن أتذكر؟ لم أفهم كيف أتذكر؟ بعدما ركزت ولكن لم أفهم ما معنى أتذكر؟ كيف أتذكر ومتى؟ انظر لآخر آية في السورة كلها:

﴿ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64) ﴾

[ سورة النور ]

لعلك تتذكر، تأتي يوم القيامة تُنبأ بهذا الكلام، هل تتذكر؟ لقد نزل إليك هذا الكلام، ونزل هذا القرآن، أنا اقول الآتي: التدبر هنا سيأتي ليتعامل مع قلبك ومع مشاعرك، آية قد تحركك، قد تُبكيك، قد تُضحكك، قد تُنزِل عليك السكينة، إن حصل هذا لك معناها أن القرآن بدأ يتعامل مع مشاعرك، وبدأ يشحن قلبك بالإيمان، لا تدع الآية أعد قراءتها مرات ومرات، واقرأها مع الآية التي قبلها واقرأها مع الآية التي بعدها، وأعد قراءتها فليس وراءك شيء، ومن ضمن المشاكل التي تمنعنا عن التدبر الرغبة في إنجاز أكبر عدد من الآيات، فالحرف بعشر حسنات، ونريد أن نقرأ أكبر عدد من الحروف ونضرب بعشرة ونحسب عدد الحروف بالآلة الحاسبة وكأننا نتعامل مع بنك سيرسل لنا حالة الحسنات كل شهر، لا ليست هذه الطريقة أبداً، فأنا عندما أعيد قراءة الآية نفسها مرة ثانية أيضاً أُثاب على كل حرف مرة ثانية، فما المشكلة؟ الرسول عليه الصلاة والسلام ظل ليلة كاملة في آية واحدة، لماذا؟ كانت تحركه، كان يقرؤها ويبكي، إذاً المشاعر كانت تتحرك، إذاً الإيمان يزيد، فالقلب هو وعاء المشاعر، عندما تبدأ المشاعر تتحرك هناك حركة زيادة إيمان، لا تترك الآية لأن هذه الآية هي هي إن قرأتها غداً لن تحركك، آية أخرى ممكن تحركك، فإن حصل معك وبدأت الآية تحركك وتشحنك إيمانياً لا تتركها، نحن لسنا في عجلة على الإطلاق، يقول لك أحدهم: لا، نحن نريد أن نختم في شهر، لماذا؟ الرسول -عليه والصلاة والسلام- قال لسيدنا عبد الله بن عمرو عندما قال له: بكم أختم يا رسول الله؟ قال: "في أربعين"، وبقي سيدنا عبد الله بن عمرو يجادل مع الرسول عليه الصلاة والسلام فنزل معه  لثلاثين لأسبوع لثلاثة أيام وأراد بأقل من ذلك، في أقل من ثلاث لن تفقهه.

(( عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو أنَّهُ سألَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في كم يقرأُ القرآنَ قالَ: في أربعينَ يومًا. ثمَّ قالَ: في شَهرٍ. ثمَّ قالَ: في عشرينَ. ثمَّ قالَ: في خمسَ عشرةَ. ثمَّ قالَ: في عشرٍ. ثمَّ قالَ: في سبعٍ ))

[ أبو داوود عن عبد الله بن عمرو ]

 نعم ولكن هذا من؟ هذا سيدنا عبد الله بن عمرو أحد العبادلة الأربعة الذي اشتكت منه زوجته بسبب عبادته وقراءته القرآن طيلة اليوم حتى أهمل أهله وأهمل زواره، نتكلم عن شخص يقرأ القرآن في اليوم خمسة عشر وستة عشر ساعة ، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- أمره أن يقرأ جزءاً إلا ربع في كل هذا الوقت، فبذلك الآية تأخذ حقها، أنا عندما أقرأ نصف ساعة أو ساعة في اليوم، لن يكون من الممكن أن أقرأ جزءاً بساعة، أنا بذلك أضحك على نفسي بالتأكيد، أحاول أن أقرأ مرة أخرى بالطريقة التي لا تشحنني ولا تشحن قلبي بالإيمان، الآية يجب أن تأخذ حقها في التأمل والتدبر ومحاولة فك الشيفرة وفك شيفرة الرسائل المُرسَلة إلى قلبي في كل آية.
يوجد مغني أجنبي اسمه الدريك، هذا من أربع سنوات عمل هاش تاغ على التويتر، هل يعرف أحدكم ما اسمه؟ ليس عيباً والله، لن يشنقك أحد، yolo""، هل سمع أحد عن هذا الهاش تاغ؟ you only live once ستعيش مرة واحدة، فهم نشروه في الغرب you only live once ستعيش مرة واحدة، معناها ممكن أن نشرب ونرقص ونتناول المخدرات، لماذا؟ هم يريدون أن يعيشوا حياة سعيدة، لا أحد يريد الاكتئاب، فالمشكلة في هذه الأشياء أنها لا تأتي بالسعادة، السعادة مؤقتة وقت فعل المعصية ثم مباشرة بعد التوقف عن الفعل يعود الاكتئاب مضروب بمئة، ف yolo""، يشربون yolo""، يرقصون yolo""، يتعاطون المخدرات yolo""، التي بعدها يرمي نفسه من النافذة، لماذا لست مسروراً؟ لا، لست مسروراً بل والاكتئاب يزيد، نحن لدينا yolo""، إسلامية you only live once نحن لدينا yolo""، إسلامية التي هي أنك ستعيش مرة واحدة، فعِش حياة طيبة، أن يرزقك ربنا -سبحانه وتعالى- الحياة التي فيها السعادة، الحياة أن تعيش حياة طيبة، أنا أريد أن أعيش سعيداً، لا أحد يريد الاكتئاب، كيف أعيش سعيداً؟ ما رأيك أن تدخل الجنة وأنت لا زالت على الأرض؟ أين؟ بتدبر القرآن، أقسم بالله أنه من يتدبر القرآن ويعيش مع القرآن سيشعر أنه في الجنة، أنت تعرف كلما تجد رسالة تُرسَل إلى قلبك تشعر أنك تطير، وأن الدنيا لا تسعك، أنت متصل بالآخرة، المشكلة أن الكتاب بين أيدينا، موجود في هواتفنا، لكن نقرأه بطريقة سريعة، لماذا؟ من أجل مراجعة الحفظ، بالأول نقرأ سريعاً من أجل أن نحفظ وبعدها نقرأ سريعاً من أجل مراجعة الحفظ، ونظل نقرؤه سريعاً طيلة حياتنا إلى أن نموت، من غير المعقول أن هذا الكتاب نقرؤه بهذه الطريقة.
جزاكم الله خيراً، سأتوقف عند هذه المرحلة؛ كي ندع الفرصة للدكتور راتب أن يصحح أو يعلق على كلامي، وأرجوك أن تقسو عليّ، أنا أريد وأبحث عن حضرتك، وأبحث عن العلماء من أجل أن يعلموني، أرجو أن تقسو عليّ أمام الناس، ولو عندك أي ملحوظة لا تقلها لي جانباً، الآن أمام الجميع كي نتناقش ونستفيد من حضرتك، وأيضاً كي أفتح الفرصة لأسئلة الناس، جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم، تفضل دكتور راتب:
الدكتور محمد راتب النابلسي:
أنا لا أصدق أن واحداً منكم يتوقع أن أوجّه شيئاً سلبياً للدكتور.
المهندس فاضل سليمان 
لا شيخ هذا من تواضعك.
الدكتور محمد راتب النابلسي:
تُؤخَذ ألفاظ القرآن من حفّاظه، وتُؤخذ معانيه ممن يعانيه.
تؤخذ ألفاظ القرآن من حفاظه: يوجد تجويد، ويوجد قلقلة، ويوجد مدود، ويوجد إدغام، ويوجد إظهار، ويوجد إقلاب، تؤخذ ألفاظ القرآن من حفاظه 
وتؤخذ معانيه ممن يعانيه: بالتعبير المعاصر: لك مع الله تجربة، واحد أحياناً يقرأ آية فيبكي لساعة، هذه الآية لمست موضوعاً ساخناً عنده، يعني منذ زمن قد دفع مبلغاً ضخماً لأيتام وحرم نفسه أشياء كثيرة، عندما تأتي آية عن إطعام الأيتام يبكي، الإنسان متى يتأثر؟ أذكر مرة كاتب لبناني كتب قصة اسمها: العاقر، أتوقع لو قرأت هذه القصة امرأة عاقر لبكت مئة مرة، لأنه وضع يده على آلامها، والذي لديها اثنا عشرة ولداً متعبة معهم لن تنزل من عينها ولا دمعة.
فالقرآن بحاجة لمعاناة، تُؤخَذ ألفاظ القرآن من حفاظه، وتُؤخَذ معانيه ممن يعانيه، هذا كتاب الله، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه.
إخوتنا الكرام الشباب هناك حقيقة دقيقة: أولاً: 

﴿ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)﴾

[ سورة الإسراء ]

والمطلق في القرآن على إطلاقه: ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ نفسياً وروحياً وفكرياً وعلمياً واجتماعياً، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه.

لا تُقطف ثمار العبادة الشعائرية مالم تصح العبادة التعاملية:


الآن الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قرآن يمشي، والآن: ما لم يرَ المسلمون، مالم يرَ الناس في أي بلد إسلاماً يمشي أمامهم، إنسان، قال سيدنا جعفر لما خاطب النجاشي: قال له النجاشي قل لي عن الإسلام قولاً، قال له: أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ويأكل القوي منا الضعيف، ونسيء الجوار حتى بعث الله فينا رجلاً- دقق- نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء.
سألَهم فقال:

(( ما هذا الدِّينُ الذي فارَقتُم فيه قَومَكم، ولم تَدخُلوا في دِيني، ولا في دِينِ أحَدٍ مِن هذه الأُمَمِ. قالتْ: فكان الذي كَلَّمَه جَعفَرُ بنُ أبي طالبٍ، فقال له: أيُّها المَلِكُ، كُنَّا قَومًا أهلَ جاهِليَّةٍ نَعبُدُ الأصنامَ، ونأكُلُ المَيْتةَ، ونأتي الفَواحِشَ، ونَقطَعُ الأرحامَ، ونُسيءُ الجِوارَ، يأكُلُ القَويُّ مِنَّا الضَّعيفَ، فكُنَّا على ذلكَ حتى بعَثَ اللهُ إلينا رسولًا مِنَّا، نَعرِفُ نَسَبَه، وصِدقَه، وأمانَتَه، وعَفافَه، فدَعانا إلى اللهِ لنُوَحِّدَه ونَعبُدَه، ونَخلَعَ ما كُنَّا نَعبُدُ نحنُ وآباؤُنا مِن دونِه مِن الحِجارةِ والأوثانِ، وأمَرَنا بصِدقِ الحديثِ وأداءِ الأمانةِ، وصِلةِ الرَحِّمِ، وحُسنِ الجِوارِ، والكَفِّ عنِ المَحارِمِ والدِّماءِ. ))

[ الوادعي عن أم سلمة أم المؤمنين ]

هذا الإسلام، هذه اسمها عبادة تعاملية، وما لم تصح العبادة التعاملية العبادات الشعائرية كالصلاة والصيام والحج والزكاة لا تُقطَف ثمارها إطلاقاً، ولا جدوى منها إطلاقاً، لذلك إخواننا الكرام، النقطة الدقيقة أن النبي الكريم خاتم الأنبياء والمرسلين، وكتابه خاتم الكتب، وبعثته خاتمة البعثات، والأنبياء السابقون شهد الله لهم أنهم أنبياؤه بخرق لنواميس الكون، سيدنا موسى ضرب البحر فإذا هو طريق يَبَس، سيدنا عيسى أحيا الميت، فهذا النبي خاتم الأنبياء، بعثته خاتمة البعثات، كتابه خاتم الكتب، المعجزة الحسية كتألق عود الثقاب، تتألق وتنطفئ، تصبح خبراً يُصدَّق، يصدّقه مَن يصدّقه ويكذّبه مَن يكذّبه، لا تصلح معجزة حسية لنبينا، خاتم الأنبياء فجعل الله المعجزة له كتاب الله.
أمثلة عن إعجاز القرآن:
 يعني مثلاً: أول رحلة إلى القمر: أبولو ثمانية هل سمعتم بها؟ من عشرين سنة، أول رحلة لما وصلت إلى القمر، هذه الرحلة بعد انطلاقها بساعات صاح رائد الفضاء: لقد أصبحنا عُمياً لا نرى شيئاً، ما الذي حدث؟ الذي حدث أنه تجاوز طبقة الهواء فأُلغي انتثار الضوء، نحن هنا لو كان هناك نوافذ ولا يوجد أشعة شمس يوجد ضوء، ضوء الشمس جاء من انتثار الضوء، تعرفون معنى الانتثار، الشمس تُسلَّط على ذرات الهواء هذه الذرات تعكسها على ذرات أخرى، فلما تجاوز الرواد طبقة الهواء لم يعد هناك انتثار للضوء، قالوا: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً، تمام، هذه واقعة بأول رحلة فضاء أبولو ثمانية، افتح القرآن:

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ(14) لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ   قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ(15)﴾

[ سورة الحجر  ]

هذا يؤكد بالمئة مليار أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن. 
بعد اكتشاف أشعة الليزر تُقاس بها المسافات بدقة بالغة، يكون مع المهندس جهاز ليزر يضغط عليه يقول لك: 16 متراً و83 سم، تنطلق أشعة وتعود، لما قاسوا أعمق نقطة بالأرض غور فلسطين بأشعة الليزر تبين أنها أعمق نقطة في الأرض، ومعركة الروم والفرس تمت في غور فلسطين، وقال تعالى:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) ﴾

[ سورة الروم ]

يوجد من هذا النوع تقريباً 1300 آية، هذه الآيات تؤكد قطعاً أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن، شيء دقيق جداً، بعدما مضى مئة سنة على تطور علم الأجنة تبين أن الذي يحدد نوع الجنين ذكراً أم أنثى ليست البويضة، بل الحوين فقط، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ (45) مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ (46)﴾

[ سورة النجم ]

كلما تقرأ آية تجد نهاية ما توصّل العلم إليه بآية واحدة، فيا أيها الإخوة هذا القرآن كلام الله -عز وجل- والله الذي لا إله إلا هو لو أمضينا كل حياتنا في فهم آياته، الدكتور الكريم بارك الله به أنا تأثرت تأثراً بالغاً بمحاضرته، لأنها كلها معاناة لخصتها بهاتين الكلمتين: تؤخذ ألفاظ القرآن من حفاظه، وتؤخذ معانيه ممن يعانيه، ولما لا يكون هذا الكتاب مُسعِد لنا جميعاً يكون هناك تساؤل كبير، هذا كلام خالق الأكوان وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه.
لقطات سريعة: إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ اجتماعياً، نفسياً، سياسياً، ثقافياً، فكرياً، عقلياً...إلخ الآن:

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

[ سورة البقرة ]

هذه العبارة مشهورة جداً، تُعاد كثيراً لا خوف عليهم في المستقبل من مفاجآت المستقبل، ولا هم يحزنون على الماضي، الآية الثانية:

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (123)﴾

[ سورة طه ]

لا يضل عقله ولا تشقى نفسه، اجمع الآيتين: الذي يتبع هدى الله لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ماذا بقي من السعادة؟ صدقوا ولا أبالغ إن الله -عز وجل- ليباهي الملائكة بالشاب المؤمن، يقول انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي، ما من شيء أحب إلى الله تعالى من شاب تائب، لذلك الشاب وقت المبادئ والقيم، يعني ملك الغساسنة زار سيدنا عمر وأعلن إسلامه ورحّب به وانتقل إلى مكة ليطوف بالبيت، أثناء الطواف بدوي غير منتبه داس طرف ردائه فضربه ضربة –لأنه ملك- هشّمت أنفه، فشكاه إلى عمر فاستدعاه، تصور سيدنا عمر أمامه ملك الغساسنة، والثاني بالتعبير المعاصر: من دهماء الناس، من سوقتهم، من عامتهم، فأحد الشعراء صاغ الحوار شعراً: قال: 

صحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟

قال جبلة : 

لست ممن ينكر شياً 

أنا أدبت الفتى ، أدركت حقي بيديا

قال عمر : 

أرضِ الفتى ، لابد من إرضائه

مازال ظفرك عالقاً بدمائه

أو يهشمن الآن أنفك 

يخاطب ملِكًا .

و تنال ما فعلته كفك 

قال : 

كيف ذلك يا أمير ؟

هو سوقة ، وأنا عرش وتاج ؟

كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً ؟

قال عمر : 

نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها

أقمنا فوقها صرحاً جديداً

وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً

قال جبلة : 

كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى و أعز

أنا مرتد إذا أكرهتني

قال عمر : 

عنق المرتد بالسيف تُحَز

عالم نبنيه، كل صدع فيه يُداوى

وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى

إخواننا الكرام، الإسلام شيء عظيم، والله الذي لا إله إلا هو لو أمضيتم شبابكم في فهمه، وفي الدعوة إليه:

(( خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ. ))

[ البخاري عن عثمان بن عفان ]

لذلك- دقق- كلمة جهاد لها رد بليغ، هل تصدق الجهاد أربع أنواع: أحدها القتالي، أول جهاد: جهاد النفس والهوى، وهذا أصعب جهاد:

(( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ))

[ ابن باز وهو ضعيف ]

جهاد النفس والهوى، الجهاد الثاني: الجهاد البنائي: تأخذ شهادة عليا تنفع بها وطنك وأمتك، والثالث: جهاد دعوي: قال الله تعالى:

﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) ﴾

[ سورة الفرقان ]

فإذا صحَّ الجهاد النفسي، والجهاد البنائي، والجهاد الدعوي، يمكن أن ننجح في الجهاد القتالي.
بارك الله بكم ونفع بكم، وشكراً لهذه المحاضرة والله قيمة جداً، والله أنا انتفعت منها كثيراً، والله.

والحمد لله رب العالمين.

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور