وضع داكن
08-09-2026
Logo
العقيدة والإعجاز - مقومات التكليف - الدرس : 10 - الفطرة -2- دقائق المنهج الإلهي في خصائص النفس
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 

إيضاحات حول مقومات التكليف:

 

1 – الإنسان كائن متحرك:

أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس العاشر من دروس العقيدة والإعجاز.
تحدثنا في درس سابق عن الفطرة، ولكن لابد من بعض الإيضاحات.
الإيضاح الأول: الإنسان كائن لكنه متحرك، ما الذي حركه؟ الطاولة كائن، لكنه جامد، لو وضعت هذا الكأس على الطاولة مئة عام بمكانه، أما الإنسان كائن متحرك. 

2 – حاجة الطعام والشراب والجنس والذِّكر سببُ حركته:

ما الذي يجعله متحركاً؟ أن الله أودع فيه حاجةً إلى الطعام، يريد أن يأكل، أن يشرب، أن يتنفس، ثم يتزوج، ثم ينجب، لأن الله أودع فيه حاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على وجوده، وأودع فيه حاجة إلى الطرف الآخر إلى المرأة حفاظاً على بقاء النوع، وأودع فيه حاجة إلى تأكيد ذاته حفاظاً على الذكر، لولا هذه الحاجات الثلاثة لكان الإنسان كائناً سكونياً، واضح؟ لولا هذه الحاجات الذي أودعها الله في الإنسان ما رأيت شيئاً على وجه الأرض، لا رأيت بيتاً، ولا طريقاً، ولا جسراً، ولا مدرسةً، ولا جامعة، ولا مستشفى، ولا حديقة، ولا شيء، الكائن الجامد لا يحتاج إلى شيء، إذاً لا يتحرك، الكائن الجامد لا يحتاج إلى شيء إذاً لا يتحرك، بينما الإنسان يحتاج إلى أن يأكل ليخرج من بيته يبحث عن عمل، يشتري بأجرة العمل الطعام والشراب، صار في سنّ الزواج يبحث عن زوجة، يضاعف جهده، يعمل بعد الظهر حتى يتزوج، أنجب أولاداً، ثم يحتاج إلى أن يكون شيئاً مهماً، هذا دافع تأكيد الذات، إذاً الإنسان كائن متحرك، وليس شيئاً جامداً. 

3 – الله سمح لنفسِه العلية أن يوازن ذاته مع مخلوقاته:

نحن في درس سابق إن الله عز وجل خالق، لكن سمح لذاته العلية أن يوازن ذاته مع مخلوقاته، كيف؟ قال تعالى:

﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾

[ سورة المؤمنون ]

الله عز وجل سمّى الإنسان خالقاً مجازاً، كي توازن بين صنعة الإنسان وصنعة الواحد الديان، لكن خَلْق الله يعني أنه يخلق كل شيء من لا شيء، وعلى غير مثال سابق، بينما الإنسان يخلق شيئاً من كل شيء، وعلى مثال سابق، أما الله عز وجل من دون مثال سابق، أي الغواصة تقليد للسمكة، والطائرة تقليد للطير، حتى العجلة تقليد لجذع شجرة يدور، فالإنسان يصنع شيئاً من كل شيء، وعلى مثال سابق، لكن الله عز وجل يصنع كل شيء من لا شيء، ومن دون مثال سابق.
الإنسان يصنع طاولة، يُصنِّع كأسًا، كرسيًا، يبني بناء، كلها جمادات، لكن الإنسان ما صنع طاولة ذكراً وطاولة أنثى، وقال لهم: تزوجوا يأتيكم آلاف الطاولات الصغيرة، أما الله عز وجل جعل من كل زوجين اثنين، النبات يتوالد، والحيوان يتوالد، لو اشترى شخصٌ سيارة ليس معقولاً بعد سنة يرى سيارة أصغر منها على الباب صارا اثنتين، ليس معقولاً، أما يشتري حصاناً يقول لك: أنجب حصاناً، كل سنتين يوجد حصان، من أجل أن توازن: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ الله سمّى الإنسان خالقاً مجازاً، وازِن بين كُلية طبيعية بحجم البيضة صامتة، هادئة، لا تشعر بوجودها، تصفي لك الدم في اليوم خمس مرات، وأنت تعمل، وأنت نائم، وأنت في عملك، وأنت راكب مركبتك، وأنت في الطريق تتنزه، أما الكلية الصناعية بحجم نصف الطاولة، ولابد من أن تستلقي على فراش ثماني ساعات في الأسبوع ثلاث مرات، كل مرة ثلاثة آلاف ليرة، تسعة آلاف ليرة كل أسبوع من أجل تصفية الدم، لما قال الله عز وجل: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ من أجل أن توازن بين صنعة الله:

﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)﴾

[ سورة النمل ]

وبين صنعة الإنسان.
 

الفطرة:

 

1 – معرفة الهدف لرؤية الوسائل إليه:

الآن لازلنا في موضوع الفطرة، أنت حينما تعرف الهدف تبرز أمامك الوسائل، أخطر شيء في دروس العقيدة أن تعرف لماذا أنت في الدنيا؟ لماذا خلقت؟ حينما تعرف الهدف لماذا خلقك الله عز وجل، أي بصراحة إذا أرسل الأب ابنَه إلى باريس لينال الدكتوراه، يحمل إجازة في الطب من بلده، وأراده أن يكون متخصصاً من بلد غربي، مدينة طويلة عريضة واسعة، فيها مقاصف، فيها ملاهٍ، فيها نوادٍ ليلية، فيها دور سينما، فيها جامعات، فيها معاهد، فيها متاحف، فيها حدائق، فيها بيوت سكن، فيها نهر، وفيها جامعة، الطالب المُوفَّق يعلم أن علة وجوده في هذه المدينة شيء واحد؛ أن ينال الشهادة، لذلك إذا عرف علة وجوده تنبع أمامه الوسائل، وهذا مثل ضربته كثيراً، أنت بفرنسا أو بباريس من أجل الدكتوراه، أول عمل تستأجر بيتاً قريباً من الجامعة، توفر الوقت والجهد والمال، تُصاحب صديقاً يُتقن الفرنسية، لا تصاحب صديقاً عربياً تتكلم معه باللغة العامية، تصاحب صديق يتكلم الفرنسية، حتى تضطر أن تتكلم الفرنسية، تشتري مجلة متعلقة باختصاصك، تأكل أكلاً خفيفاً يعينك على الدراسة، إذاً البطولة أن تعرف الهدف، لماذا أنت في الدنيا؟ واقرأ القرآن الكريم: 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

[ سورة الذاريات  ]  

2 – لا تصح حركة الإنسان إلا إذا عرف هدفه:

لذلك احفظوا هذه القاعدة: لا تصح حركة الإنسان في الأرض إلا إذا عرف هدفه، لذلك أحد الإخوة الكرام درَس بأمريكا إدارة أعمال، قرأت له آية والله اقشعرّ جلده، قال لي: والله هذه الآية تلخص دراسة عشر سنوات، ما هي الآية؟ 

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)﴾

[ سورة الملك ]

هدفه واضح، المؤمن يعيش حياة متميزة، هدفه هو الله، لذلك وسائله كلها في خدمة الهدف، يهمه أن يكون ساكناً ببيت فقط، لا يهمه بيت له مساحة معينة، إطلالة معينة، لا يضطر أن يأكل مالاً حراماً ليقتني مثل هذا البيت، يهمه مأوى، يهمه زوجة تحصنه، يهمه دخل يغطي نفقاته، يهمه أن يحقق رسالته، يهمه أن يحقق هدفه بالحياة، يهمه أن يتعرف إلى الله، فترى المؤمن واعياً جداً، هدفه واضح، مسائله واضحة، يمشي قُدُماً في طريق هدفه، إذاً إذا عُرِف الهدف صحت الحركة، بالحركة يُمتحن الإنسان، يصدق أو يكذب، يُخلص أو يخون، يتقن أو لا يتقن، ينصف أو يجحد، يرحم أو يقسو، هنا المشكلة، وأنت تتحرك من أجل كسب رزقك، وأنت تتحرك بعد زواجك، وأنت تتحرك من أجل تأكيد ذاتك تُمتحن. 

3 – الإنسان مخيَّرٌ وشهواته حيادية:

الإنسان مخير، ولأنه مخير كل شيء بحياته حيادي، كلمتان؛ هو مخير، ولأنه مخير كل شيء بحياته حيادي، أي:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾

[ سورة آل عمران ]

حبّ المرأة، شهوة المرأة حيادي، معنى حيادي يمكن أن تتخذ من هذه الشهوة سُلّماً ترقى بها، ويمكن أن تتخذ من هذه الشهوة دركات تهوي بها، تماماً كالوقود السائل في المركبة، هو هُو، ضعه في المستودع المحكَم ليسيل في الأنبوب المحكم، لينفجر في الوقت المناسب، في المكان المناسب ولّد حركة نافعة، ضعه فوق المركبة، أعطه شرارة، أحرق المركبة ومَن فيها، الوقود هو هُو، اسمعوا؛ الشهوة حيادية يمكن أن ترقى بها.
إنسان شاب تزوج امرأة صالحة، أنجب منها عشرة أولاد، خمس بنات، وخمسة ذكور، رباهم تربية دينية، الله عز وجل رزقه بأصهار مؤمنين، تجد هذا البيت مباركاً، والله البيت مثل الجنة، مع أن الدخل وسط، لا يوجد بحبوحة، لكن يوجد حب، يوجد هدف، يوجد تصور صحيح، يوجد عقيدة، يوجد عبادة، يوجد صلة بالله، يوجد هدف كبير. 

4 – الإنسان مبرمج برمجة عالية:

أنا أقول: لأن الفطرة تكشف الحق من الباطل، والخير من الشر، وما يصح وما لا يصح، وما ينبغي وما لا ينبغي، أنت مبرمج برمجة عالية جداً، الآن حدثني أحد الطيارين عن أحدث الطائرات، لا يوجد فيها ولا ساعة، أبداً، شاشات مغشاة، شاشة حليبية، ما دام لا شيء على الشاشة كل شيء على ما يرام، إذا كان هناك خلل تظهر رسالة، إذا كان لونها أسود سهل جداً أن تعالجها، هناك جهاز آخر يعطيك على ورق كيف تعالج هذا الخلل، إذا كان الخلل ليس أسود اللون، لكن لونه برتقالي، أي هذا الخلل يوجد معه خطر، لكن ليس خطرَ سقوط، خطر، ومعالجته ممكنة، أما أحياناً الرسالة على الشاشة باللون الأحمر الداكن، هذا خطر سقوط، فالطائرة مبرمجة، مادام لا يوجد أي خبر الأمور على ما يرام، أيّ خلل تظهر رسالة، هكذا الفطرة، ما دمت أنت مستقيماً مرتاحاً، تنام نوماً عميقاً، تتعامل مع الناس تعاملاً صحيًّا، لكن لما ترتكب خطأ لو لم يعلم به أحد ينشأ خلل داخلي عندك، ضيق، قلق، كآبة، تسأل، تدقق، تبحث، أنت مبرمج ومولّف على أنك إذا أخطأت عندك مُشعر ذاتي، أنك أخطأت، والآن تقريباً حتى السيارات فيها شاشة، الأنواع الحديثة جداً، أيّ خلل بالمركبة تظهر رسالة، قال لي أحد الإخوان إنه اشترى مركبة حديثة، قال له: قف فوراً، فإن لم تقف أطفأت لك المحرك، هناك نقص زيت حاد، قد يحترق المحرك، رسالة، أنت مبرمج أعلى برمجة، أنت مبرمج أنك إذا أخطأت شعرت أنك أخطأت، 

(( عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فَقَالَ: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ. ))

[ صحيح مسلم ]

البر ما اطمأنت له النفس، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس. 

5 – لابد من الامتحان والابتلاء:

إذاً الحركة من خلالها تُمتحن، الحركة من خلالها تكون صالحاً لا سمح الله أو طالحاً، الحركة من خلالها تكون محسناً أو مسيئاً، منصفاً أو جاحداً، مستقيماً أو منحرفاً، صادقاً أو كاذباً، مخلصاً أو خائناً، قال تعالى: 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

[ سورة المؤمنون ]

علة وجودك على وجه الأرض أنك ممتحن، قال تعالى: 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

[ سورة الجاثية ]

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾

[ سورة العنكبوت ]

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)﴾

[ سورة آل عمران ]

اعلم علم اليقين أنك في دار امتحان، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي. 
 

الناس قسمان لا ثالث لهما صالح وطالح:


الآن بشكل مختصر إذا قلنا: فلان له عمل صالح، ما معنى عمله صالح؟ أي  منضبط بمنهج الله، وبنى حياته على العطاء، الانضباط صفة سلبية، والعطاء صفة إيجابية، منضبط ويعطي، منضبط لا يكذب، لا، لا يسرق، لا يغتاب، لا يخون، كلها لاءات أو ماءات، يقول لك: أنا ما أغلط، ما آكل مالاً حراماً، ما أقصّر، ما أتأخر، ما أغش، لاءات أو ماءات هذه الاستقامة، وقدمت من وقتي، من مالي، من علمي، من خبرتي، أي كلمة صالح تعني أنك منضبط، ومعطٍ، لذلك يمكن أن يندرج الناس جميعاً على اختلاف مللهم ونحلهم، وانتماءاتهم وأعراقهم، وأنسابهم وطوائفهم، ومذاهبهم في نموذجين، عرف الله، فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة، وغفل عن الله، وتفلت من منهجه، وأساء لخلقه، فشقي وهلك في الدنيا والآخرة، هذا التقسيم القرآني:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾

[ سورة الليل ]

 

حقيقة الدين أن تكون أخلاقياً:


الآن أتمنى عليكم أن تدققوا فيما أقول: حقيقة الدين أن تكون أخلاقياً، لأنك إذا كنت أخلاقياً فأخلاقيتك ثمن الجنة، أنت خُلِقت لجنة عرضها السماوات والأرض، ثمن هذه الجنة أن تُزكي نفسك كي تكون أخلاقياً، أي أن تحملها على طاعة الله كي تتصل بالله، كي تشتق من الله كمالاً يؤهلك لدخول الجنة، هذا كلام دقيق جداً، تتعرف إليه، تنضبط بمنهجه، تُقبل عليه، تشتق منه الكمال، هذا الكمال ثمن الجنة، لذلك قال تعالى: 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

[ سورة آل عمران ]

لولا الرحمة التي أودعها الله في قلبك لم تكن ليناً لهم، كنت فظاً غليظ القلب،  ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ .

الفطرة مرسخة في الإنسان ولو لم يكن له علم:


إخواننا الكرام؛ الآن بعد أن جاء النبي عليه الصلاة والسلام ومعه القرآن الكريم، ومعه الوحي والأحاديث، مئات ألوف الأحاديث، الأمور واضحة جداً، لكن هذه المرأة التي اسمها خديجة رضي الله عنها زوجة النبي عليه الصلاة والسلام قبل نزول الوحي لما جاءه الوحي، وقال: دثريني دَثريني، ماذا قالت له؟ فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك تحمل الكَلّ، وتُقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر، هذه فطرتها، كلام فطري لا يوجد قرآن ولا يوجد سنة ولا يوجد أحاديث، ولا يوجد علم، ولا يوجد كليات شريعة، على الفطرة، إنسان صادق أمين عفيف، يُقري الضيف، يطعم الفقير، يعين الأسير، يحمل الكَلّ، يعين على نوائب الدهر، قالت: والله لا يخزيك الله أبداً، هذه الفطرة.
أنا أذكر أحد أصدقائي سافر إلى هولندا، رأى إعلاناً عن هاتف خلوي، رجل دين على رأسه قبعة كهنوتية، والأنوار تشع منه، مرت فتاة متفلتة فملأ عينيه منها، فسقطت هذه القبعة عن رأسه، وقُطِع عن ربه، هذا الإعلان بمجتمع متفلت لا يوجد شيء فيه حرام، هذه الفطرة، حتى في المجتمعات المتفلتة يقول لك: فضيحة، ما الفضيحة؟ جنسية، الزنا غير محرم عندكم، لمَ هو فضيحة؟ بالفطرة، الفطرة ثابتة، قال تعالى: 

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)﴾

[ سورة الأعراف ]

أي إنسان على وجه الأرض الخطأ خطأ، والصواب صواب، والانحراف انحراف، والأذى أذى، فلذلك أنت مبرمج مولّف توليفاً رائعاً، لذلك الله عز وجل حينما قال: 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

[ سورة الجاثية ]

الفطرة لا تقبل ذلك، لا تقبل إلا أن المحسن محسن، والمسيء مسيء، المحسن مكافَأ عند الله، والمسيء معاقَب، أي أحياناً تقع مشكلة تجد الناس على اختلاف مشاربهم يعتقدون أن المسيء ناله عقاب، والمحسن نجاه الله، هذه فطرتهم.
والله أيها الإخوة؛ بحث الفطرة بحث عميق جداً، أي دقائق دقائق دقائق الشرع، هذه الدقائق مركزة في أعماق أعماقك، العمل الطيب فيه فطرة، سمعت عن سائق سيارة بمدينة بأمريكا وجد محفظة فيها عشرة آلاف دولار، فبحث عن صاحبها، سلمها للشرطة، وأخذ إيصالاً فيها، والمبلغ عدّاً ونقداً، بعد حين حاكم الولاية دعا أكثر المدارس الثانوية لحفل تكريم لهذا السائق، فإنسان بحث عن صاحبة هذه المحفظة التي فيها عشرة آلاف دولار، عُدّ هذا العمل في بلد كله جرائم، وكله تفلت عُدّ عملاً عظيماً، الحق حق، والخير خير، البر لا يبلى، والذنب لا يُنسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان.
معنى الفطرة أنت مبرمج على الحق، مبرمج على الإحسان، على الصدق، على الأمانة، على العفة، مبرمج على الحلم، فإذا فعلت شيئاً وفق برمجتك ارتحت. 
 

تعب الطاعة ثمنها السعادة والراحة النفسية:


أكبر راحة يرتاح لها المؤمن حينما تأتي حركته في الحياة موافقة لفطرته، أي هذا المحل التجاري ما هدفه الأول؟ أن يبيع، وأن يربح، فصاحب المحل إذا جاء إلى المحل، وعليه ضغط شديد، زبائن، من يشتري، تحميل بضاعة، شحن بضاعة، تسجيل ثمن البضاعة، تراه اثنتي عشرة ساعة ما ارتاح، هو في قمة السعادة، لأن هذه الحركة تتناسب مع أصل إنشاء هذا المحل، لو أن السوق كاسدة، قاعد، أحضروا له قهوة، ثم شاي، ثم مجلة، ثم جريدة، تراه مسموم البدن، أنت مرتاح، هذا المحل برمجته أن يبيع ويشتري، فإذا تعب تعباً لا يُحتمل من البيع والشراء هو في قمة السعادة.
انظروا يا إخوان؛ النقطة الدقيقة أنت مبرمج على طاعة الله، فإذا أطعته، ولو أن طاعته متعبة، يوجد صلاة فجر، ويوجد غض بصر، ويوجد ضبط لسان، ويوجد إنفاق مال، لو أن طاعته متعبة، لكنك في قمة السعادة، ولو أن الراحة مريحة تركت الصلاة، ملأت عينك مما لا ينبغي، لو فعلت شيئاً لا ينبغي وأنت مرتاح فأنت في حضيض الشقاء.
لذلك أيها الإخوة؛ القضية دقيقة جداً، أنت حينما تأتي حركتك في الحياة موافقة لهدفك تكون أسعد الناس، لذلك أي إنسان يتوب إلى الله توبة نصوحة نقول: لقد اصطلح مع فطرته، وهذا الذي ذهب إلى بلد غربي، ودخل إلى فندق، رأى لوحة كتبت على السرير: إن لم تنَمْ فالعلة ليست في فروشنا، إنها وثيرة، ولكن العلة في ذنوبك، إنها كثيرة. 
وهناك حالة اسمها الانهيار الداخلي، لما إنسان يخالف فطرته، يقترف شيئًا لا يجوز يحس بانهيار داخلي، لو لم يعلم أحد بخطئه، هذه الكآبة، الآن أكبر مرض منتشر الكآبة، الكآبة عقاب الفطرة، عفواً إذا كنت ماشيًا في الطريق، ورأيت خط توتر عال، ويوجد لوحة كُتِب عليها: ممنوع الاقتراب، خطر الموت، لما أنت تقرب هل يعاقبك أحد؟ لا، التيار يعاقبك، لا يوجد شرطي، ولا يوجد مخالفة، ولا يوجد حجز مركبة، ولا يوجد توقيف، لكن هذا التيار إذا دخلت إلى ثمانية أمتار قبله هذا حرم التيار يصبح الإنسان كالفحمة، التيار يعاقبك، دقق الآن؛ حينما تخطئ، تصور لا أحد يعاقبك، لكن نفسك تعاقبك، تحس بكآبة، بضجر، ترى أمراض الناس الآن من المعاصي، اعتدى على عرض، ألا يا رب شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً.
والله مرة قال لي أخ: غلطت غلطة، قال لي: والله من ثلاث وعشرين سنة ولا تغادر مخيلتي هذه الغلطة، الخطأ نفسه يعاقبك، الانحراف نفسه يعاقبك، الذي عنده شفافية، الذي عنده نفس شفافة، لو ما أحد بَلَغه ما فعلت، حسْب الإنسان عقاباً له أن ذاته تعاقبه. 
 

الإيمان مضمون أخلاقي:


أيها الإخوة؛ أريد من هذه المقدمة أن أصل إلى أن جوهر الدين الخُلق، الإيمان هو الخُلق، ومن زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الإيمان، النبي عليه الصلاة والسلام كان سيد الخطباء، كان سيد العلماء، كان قاضياً، كان فصيحاً، كان قائداً، كان زعيماً، لكن لما أراد الله أن يمدحه بماذا مدحه؟ قال تعالى: 

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

[ سورة القلم ]

خلق منه، التزام، انضباط، سمو، إياك ثم إياك ثم إياك أن تفهم الدين شعائر، الدين خُلُق، الدين استقامة، الدين انضباط، الدين ورع، الدين رحمة، الدين تسامح، الدين عفو، الإيمان هو الخُلق، فمن زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الإيمان، وأنت مُمتحن في الدنيا من أجل أن تكون أخلاقياً فتستحق الجنة، فإن لم تكن كذلك لا قيمة لعباداتك.
أيها الإخوة؛ كلكم يعلم أنه يوجد بالأحاديث صيغة مشهورة: ليس منا، ليس منا من أشدّ أنواع الوعيد، أنت لست من المسلمين، شيء مخيف:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَامًا، فَسَأَلَهُ: كَيْفَ تَبِيعُ؟ فَأَخْبَرَهُ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ أَنْ أَدْخِلْ يَدَكَ فِيهِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فَإِذَا هُوَ مَبْلُولٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ. ))

[ أبو داود: صحيح ]

لا قيمة لا لصلاته، ولا لصيامه، ولا لحجه، ولا لزكاته، ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ)) ،

(( عن عبد الله بن عباس: ليس مِنَّا مَنِ انتَهَبَ، أوْ سَلَبَ، أوْ أَشارَ بالسَّلَبِ. ))

[  صحيح: المستدرك على الصحيحين ]

هناك أشياء تخرجك من ملة المسلمين، ليس منا،

(( عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ.))

[ أبو داود: إسناده ضعيف ]

أو قُتِل على عصبية، لو تتبعت الأحاديث الشريفة الأحاديث التي تبدأ بـ: ليس منا، لرأيتم عجباً عجاباً، أشدّ أنواع الوعيد أن يأتي الوعيد بعد قول النبي عليه الصلاة والسلام: ليس منا،

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا، أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ. ))

[ صحيح أبو داود ]

أن تُفسد علاقة زوجين، أن تُفسد علاقة بين أخوين، بين أم وابنها، بين أب وابنه، بين شقيقين، بين شقيقتين، ليس منا، نفى عنك أن تكون من المسلمين، وأتمنى عليكم أن تتبّعوا في الأحاديث ليس منا،

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ. ))

[ صحيح البخاري ]

(( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا. ))

[ الترمذي: ضعيف ]

((لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ)) ، ((ليس مِنَّا مَنِ انتَهَبَ أوْ سَلَبَ)) لذلك أيها الإخوة؛ المضمون أخلاقي،

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ.))

[ صحيح ابن ماجه: حسن صحيح ]

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ. ))

[ صحيح البخاري ]

من حجّ بمال حرام، ووضع رجله في الركاب، وقال: لبيك اللهم لبيك، ينادى: أن لا لبيك، ولا سعديك، وحجك مردود عليك. 

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53)﴾

[ سورة التوبة ]

الذي أتمناه أن يكون واضحاً لديكم الإيمان مضمون أخلاقي، والآن المسلمون يزيدون عن مليار وخمسمئة مليون، وليست كلمتهم هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، ولأعدائهم عليهم ألف سبيل وسبيل، أين وعود الله عز وجل؟ أين قوله تعالى: 

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾

[  سورة الصافات  ]

أين قوله تعالى:

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)﴾

[ سورة غافر  ]

أين قوله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

[ سورة الروم  ]

أين قوله تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾

[  سورة النور ]

 

البناء الأخلاقي متوافق مع الفطرة توافقاً مطلقاً:


دققوا أيها الإخوة؛ الإسلام بُنِي على خمس، هذه الخمس ليست هي الإسلام، الإسلام هذا البناء الذي بُنِي على خمس دعائم، بُنِي الإسلام على خمس، الإسلام بناء أخلاقي، البناء الأخلاقي متوافق مع الفطرة مئة بالمئة، ما من أمر أمرك الله به، وما من نهي نهاك عنه إلا مركوز في أصل فطرتك، لمجرد أن تطيع الله تشعر براحة لا توصف، والله كأن جبالاً أُزيحت عن كاهلك، دخلك حلال، ناصح للمسلمين، طبيب نصوح، محام صادق، مهندس أمين، مدرس مخلص، تاجر صدوق، عامل متقن، موظف خدوم، هذا المؤمن.
 والله أيها الإخوة؛ لو كان المجتمع كما ينبغي لكنا في جنة والله،

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ، فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا. ))

[ الترمذي: صحيح ]

دينك الإسلامي متوافق مع الفطرة مئة بالمئة، لمجرد أنك أطعت الله، أو خضعت لقوانين فطرتك النتيجة واحدة، المؤدى واحد، تُحس بسعادة، براحة نفسية، بتألق، بإقبال، أي المؤمن يُصغي إلى صوت الفطرة، ومن أجمل ما مُدِح به الإسلام إنه دين الفطرة، أي الله عز وجل خلق الذكر والأنثى، لمَ خلقهما ذكراً وأنثى؟ من أجل الزواج، الآن أي منهج يُحَرِّم الزواج  خلاف الفطرة، قال تعالى: 

﴿ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)﴾

[ سورة الحديد ]

هم كتبوها على أنفسهم، ولأنهم خالفوا فطرتهم قال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ أحياناً ترى فضائح غير معقولة جداً، لأن هذا ابتدعوه هم، وما كتبه الله عليهم، بل كتبوه هم على أنفسهم، ولأنه خلاف الفطرة: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ لذلك صحابي جليل في أعلى درجات القرب من الله أهمل زوجته، جاءت إلى السيدة عائشة بثياب بالية، سألتها عن حالها قالت: إن زوجي صوّام قوّام، في النهار صائم، وفي الليل قائم، ليس له شغل معي إطلاقاً، كانت أديبة، لكن قالت: صوّام قوّام فقط، السيدة عائشة حدثت النبي الكريم عن حال هذه المرأة، فالنبي استدعى زوجها، قال له: يا فلان أليس لك بي أسوة؟ أنا أنام وأقوم، أصوم وأفطر، أتزوج النساء، هذه سنتي، إن لجسدك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً-الزائر-ولجسمك عليك حقاً، أعطِ كل ذي حق حقه، يبدو أنه انصاع للنبي، والتفت لزوجته، ونالت منه حقها، في اليوم التالي ذهبت إلى السيدة عائشة-هكذا الرواية-عطرة نضرة، تتلألأ، قالت: ما الذي أصابك؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس، انظر إلى الأدب أيضاً، الأدب الراقي، أصابنا ما أصاب الناس. 
 

الإسلام دين الفطرة:


ديننا دين الفطرة، إنسان لا يتزوج، ليس من الفطرة، إنسان لا يشتغل، ليس من الفطرة، أمسك النبي عليه الصلاة والسلام بيد صحابي وهي خشنة، قال: إن هذه اليد يحبها الله ورسوله، الدين دعم الأسرة، دعم العمل، دعم الترتيب والأناقة والنظافة،

(( عن أبي الدرداء: إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ، حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ. ))

[ أبو داود: إسناده حسن ]

أي شيء تحبه أنت وارد في دينك، أي شيء تكرهه منهي عنه في دينك، أبلغ مِن ذلك، يا الله! الله سمّى الأعمال الصالحة معروفاً، لمَ سُمّيت معروفاً؟ لأن الفطر السليمة تعرفه ابتداءً، تعرفه الفطر السليمة ابتداءً من دون تعليل، ولمَ سمّيت الأعمال القبيحة منكراً؟ لأن الفطر السليمة تنكره ابتداءً، لذلك المعروف فطري، أي إنسان بار بوالديه إن كان في مجتمع متدين إسلامي، غير إسلامي، مجتمع ملحد، مجتمع متفلت، مجتمع إباحي، الإنسان الذي يبر والديه محترم في أي مجتمع، فطرة، أنت أحياناً لو سافرت إلى بلاد عديدة ترى فطرة سليمة، إنسان يساعدك في المطار، حدثني أخ قال لي: وصلت إلى المطار لا يوجد معي قطع نقدية صغيرة، بحاجة إلى عربة أضع عليها محافظي، جاءت امرأة دفعت عني، بالفطرة، الخير مركوز في أصل الفطرة يا إخوان، ودقق، اعمل عملاً طيباً تحس براحة لا توصف.
أقسم لي أخ بالله قال لي: أنا وجدت في الطريق إنسانة تضم صبياً وتبكي، وإلى جانبها زوجها، توقفت، خير، أثناء أحداث لبنان، الابن حرارته إحدى وأربعون، وامرأة غريبة لا تعرف ماذا تفعل الساعة الثانية عشرة ليلاً؟ قال لي: أخذتهم إلى مستشفى، وانتظرت معهم حوالي خمس ساعات حتى انتهت المعالجة، واشترينا الدواء من صيدلية مناوبة، ورجعنا إلى المستشفى وأخذنا الإبر، قال لي: للساعة الخامسة، قال: والله عشرة أيام وأنا في قمة السعادة، كأني أعيش في جنة، عمل عملاً طيباً.
أحد إخواننا الكرام طبيب أسنان، زارته مريضة معها أسنان تحتاج إلى تقويم، والمبلغ غالٍ جداً، هي معلِّمة وفقيرة، فإذا ابتسمت ظهر عيب أسنانها، تخجل بنفسها، المبلغ فوق طاقتها اعتذرت، قال لي: نويت أن أقوم بهذا العمل لله، قال لها: أنا أقدم لك هذا العمل هدية، بقيت عندي ستة أشهر، أقسم لي بالله في هذه الأشهر الستة كأنه في قمة السعادة، فطرة، يا إخوان؛ سعادتك بيدك، تملكها أنت، اخدم الناس، كن صادقاً، كن أميناً، كن عفيفاً، كن حليماً، كن عفواً، كن خيراً، أعط من وقتك، من جهدك، أنت أسعد إنسان.
والله مرة في مجلة اسمها ريدرز دايجست، المختار، مجلة عالمية، أنا كنت مغرماً بهذه المجلة، لها طبعة عربية، معنى مختار أي مختارة من كل مجلات العالم، أجمل مقالة بأي مجلة مجموعة بهذه المجلة، لها طبعة عربية قديماً كنت أقرأ المجلة في ليلة واحدة، هناك مقالة انتهت بأول الصفحة، صفحة فارغة، وضعوا حكمة، هذه الحكمة أربع كلمات، أقسم لكم بالله كأن هذه الحكمة حُفِرت في عظامي، ما الحكمة؟ قال: إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، حاول أن تطعم هرة، حاول أن تفرح طفلاً، حاول أن تطعم جائعاً، حاول أن تدل إنساناً ضالاً، تحس براحة لا توصف، دينكم دين الفطرة، أي كل سعادتك وراحتك النفسية أساسها أعمالك الصالحة، لذلك العمل الصالح يرفعك عند الله.
الذي أريده في هذا اللقاء الطيب دقائق المنهج الإلهي فيما يقابله في خصائص نفسك، تحب الصدق، تحب الأمانة، تحب الرحمة، تحب الإنصاف، أي إنسان زوجته صالحة، والأم ضدها، والأب ضدها، فإذا وقف موقفاً أخلاقياً مع زوجته، هذا موقف مُشرف، امرأة صالحة، هناك إنسان يتملق والده ووالدته يطلقها، يحس حاله مجرماً، ما عملتْ شيئًا، صالحة، مستقيمة، صائمة، مصلية، مطيعة لك، لأن أباك كرهها، لا أطلقها، أحياناً الموقف المنصف المخلص يصبح صاحبه بطلاً.
أيها الإخوة الكرام؛ أتمنى أن يكون هذا الموضوع واضحاً عندكم، إسلامنا دين الفطرة، أنت إذا أطعت الله وجدت نفسك، اصطلحت مع نفسك، كنت أسعد الناس. 
 

الموضوع العلمي سرعة الضوء:

 

1 – نظرية أنشتاين:

الموضوع العملي؛ من أشهر النظريات في القرن العشرين النظرية النسبية، التي جاء بها أنشتاين، هذه النظرية اكتشفت السرعة المطلقة في الكون، هي سرعة الضوء، ثلاثمئة ألف كيلو متر بالثانية، وأن أي جسم سار بهذه السرعة أصبح ضوءاً، أي أنت ممكن إنسان من لحم ودم، وزنك سبعون كيلو، لو فرضاً علمياً أتيح لك أن تمشي في الفضاء بسرعة الضوء تختفي أنت، تصبح ضوءًا، ضوءاً عادياً كهذا الضوء، أي جسم سبق الضوء تراجع الزمن، أي أيضاً افتراض، لو ركبنا مركبة أسرع من الضوء لرأينا بأم أعيننا معركة بدر وأحد والخندق واليرموك، هذه معارك كلها مُشَرِّفة، والقادسية، إن سرت مع الضوء توقف الزمن، إن سبقت الضوء تراجع الزمن، إن قصّرت عن الضوء تراخى الزمن، هذه النظرية العملاقة قلبت مفاهيم الفيزياء في الأرض، صاحبها من أعلم علماء الأرض اسمه أنشتاين، لكن أتمنى أن أكون منصفاً معه، قال مرة: كل من لا يرى في هذا الكون قوة هي أقوى ما تكون، عليمة هي أعلم ما تكون، رحيمة هي أرحم ما تكون، حكيمة هي أحكم ما تكون هو إنسان حي، ولكنه ميت، كان مؤمناً بالله. 

2 – سرعة الضوء كما جاءت في القرآن الكريم:

هل يعقل أن هذه النظرية العملاقة التي غيّرت مفاهيم الفيزياء، مفاهيم الحركة والسرعة، أن تكون مدرجة في كتاب الله؟ وهذا من الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)﴾

[ سورة الحج ]

العرب الذي جاءهم القرآن يعدّون السنة القمرية، والقمر يدور دورة حول الأرض كل شهر، إخواننا الذين درسوا الشهادة الثانوية يفهمون هذا الموضوع فهماً عميقاً، لو أخذنا مركز الأرض ومركز القمر وصلنا بينهما بخط القمر يدور حول الأرض، هذا الخط هو نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، نعرفه من نصف قطر الأرض مع نصف قطر القمر مع المسافة بينهما، ضربناه باثنين صار القطر، ضربناه بالبي ثلاثة فاصلة أربعة عشر صار المحيط، ضربنا باثني عشر بالعام، ضربنا بألف بألف سنة.
أنا حينما أعرف محيط الدائرة التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض باثني عشر بسنة بألف بألف سنة، أي أنا حينما أحسب كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يستطيع طالب في الإعدادي إن أعطيناه قطر الأرض وقطر القمر، يأخذ نصف قطر الأرض مع نصف قطر القمر مع المسافة بينهما، المجموع نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض ضرب اثنين القطر، ضرب ثلاثة فاصلة أربعة عشر البي المحيط، ضرب اثني عشر، ضرب ألف، بدقائق يظهر الرقم، هذا الرقم عدد الكيلو مترات التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض، لو قسمته على ثواني اليوم لكانت سرعة الضوء الدقيقة، لأن الضوء سرعته بالثواني، أما هو ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد، ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ أنتم تعدون السنة القمرية.
لذلك أما الناتج ليس ثلاثمئة ألف كيلو متر بالثانية، أدق من ذلك؛ مئتان وتسعة وتسعون ألفاً وسبعمئة واثنان وخمسون، هذه سرعة الضوء الدقيقة جداً، إذاً نظرية عملاقة مُدرجة بآية واحدة في كتاب الله، وقد عُرِض الموضوع مفصلاً في مؤتمر الإعجاز العلمي الخامس الذي عُقِد في موسكو، وأصل الموضوع عندي، وأرجو الله سبحانه وتعالى بأن يعرفنا بقيمة قرآنه الكريم، فهو الصراط المستقيم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور