وضع داكن
14-07-2024
Logo
موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 01 - الخلق أن تتحرك وفق منهج الله
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

 أعزائي المشاهدين اسمحوا لي بادئ ذي بدءٍ أن أرحب بفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ قسم الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية في كليات الشريعة ، وأصول الدين .
 فضيلة الدكتور ، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى : الإيمان هو الخلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ، ومن ها هنا نسمع منكم شرحاً عن مفهوم الإيمان وما هو تعريف الأخلاق ، وهل للأخلاق علاقة بالإيمان ؟ فتفضلوا مشكورين غير مأمورين .
الدكتور :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 الحقيقة أن الإنسان هو المخلوق الأول رتبة ، لقوله تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 72 )

 والإنسان هو المخلوق المكرم ، لقوله تعالى :

 

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )

 والإنسان هو المخلوق المكلف ، مكلف أن يعبد الله ، لقوله تعالى :

 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )

 لكن الإنسان أودع الله فيه حاجات كثيرة ، من هذه الحاجات : أودع فيه حاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على الفرد ، وأودع فيه حاجة إلى الطرف الآخر المرأة ، حفاظا على النوع ، وأودع فيه حاجة إلى التفوق حفاظاً على الذكر ، هذه الحاجات الثلاث الأساسية تدفعه إلى الحركة ، إذاً هو كائن متحرك .
 الحقيقة : أن هذه الحركة يجب أن تنضبط بمنهج الله عز وجل ، كيف ؟ لا بد من طرح بعض الأمثلة :
 إنسان سافر إلى بلاد الغرب ، نزل في فندق ، استيقظ في صبيحة اليوم الأول وسأل إلى أين أذهب ؟ نقول له : ما هذا السؤال الغريب ! نحن نسألك لماذا جئت إلى هنا ؟ إن جئت طالب علم ؟ اذهب إلى المعاهد والجامعات ، وإن جئت سائحاً ؟ اذهب إلى المقاصف والمتنزهات ، وإن جئت تاجراً ؟ اذهب إلى المعامل والمؤسسات ، معنى هذا المثل أن حركة الإنسان في الدنيا لا تصح إلا إذا عرف سر وجوده .
 قبل قليل قلت : الإنسان كائن متحرك ، حركته بسبب أن الله أودع فيه حاجات كثيرة من أبرزها الحاجة إلى الطعام والشراب ، والحاجة إلى الجنس ، والحاجة إلى تأكيد الذات ، الأولى حفاظاً على الفرد ، والثانية حفاظاً على النوع ، والثالثة حفاظاً على الذكر ، إذاً هو كائن متحرك ، هذه الحركة يجب أن تنضبط بمنهج الله ، متى تنضبط ؟ حينما يعرف الإنسان سر وجوده .
 هذا الذي ذهب إلى بلد غربي إن كان قد جاءه سائحاً له حركة ، وإن جاءه تاجراً له حركة ، وإن جاءه طالب علم له حركة ، فلماذا خلقنا في الدنيا ؟ ما لم يعرف الإنسان علة وجوده في الدنيا لن تصح حركته ، مثلاً :
 هذا الطالب الذي ذهب إلى بلد غربي لينال الدكتوراه ، ما دام الهدف واضحاً جداً وضوح الشمس ، يسلك إليه آلاف الوسائل ، وكل هذه الوسائل مرتبطة بالهدف كيف ؟ يستأجر بيتاً قريباً من الجامعة ، توفيراً للوقت والجهد والمال ، يصاحب طالباً يتقن اللغة الفرنسية ، يشتري مجلة تتصل باختصاصه ، يأكل طعاماً يعينه على الدراسة ، ما دام الهدف واضحاً فهذا الإنسان يختار من الوسائل التي لا تعد ولا تحصى الوسائل التي توصله إلى هدفه ، لكن بن قوسين أجري استبيان في بلد عربي حول ما إذا كان الإنسان مدركاً لهدف ما ، فالنتيجة الصاعقة أن 93 % من الناس لا يعرفون أهدافهم إطلاقاً .
 لذلك نقول : إما أن يكون لك هدف ، وتخطط له ، وإما أن تكون أنت رقماً لا معنى له في خطط الآخرين ، إما أن تخطط ، وإما أن يخطط لك ، لذلك قال تعالى :

 

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة الملك )

 إذاً لا تصح حركة الإنسان في الحياة لأنه كائن متحرك إلا إذا عرف سر وجده وقد يعرف سر وجوده بالتأمل ، والبحث ، والدرس ، ولكن وحي السماء ، الحق المطلق يخبره أن الإنسان خُلق للعبادة ، والعبادة في أدق تعاريفها طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، في هذا التعريف جانب معرفي وجانب سلوكي ، وجانب جمالي ، الجانب السلوكي هو الأصل ، والجانب المعرفي هو السبب والجانب الجمالي هو النتيجة .
 لذلك نعرفه فنعبده فنسعد بقربه في الدنيا والآخرة ، نعرفه فنطيعه ، فنسعد بقربه يعني إن أردت أن تضغط الدين لكله في كلمات ثلاث معرفة الله أولاً ، وطاعته ثالثاً والسعادة بقربه في الدنيا والآخرة ثالثاً .
 إذاً اتفقنا أن الإنسان لا تصح حركته إلا إذا عرف سر وجوده ، والإنسان كائن متحرك .
 مرة ثانية : لو أن طالباً على مشارف امتحان مصيري ، يبنى على الامتحان مستقبله ، وظيفته ، زواجه ، استقراره ، وجاء أصدقاءه الذين يحبهم ويحبونه ، أخذوه إلى مكان جميل ، قبل الامتحان بأيام معدودة ، أطعموه أطيب الطعام ، تمتع بأجمل المناظر لماذا يشعر بكآبة كبيرة ؟ لأن هذه الحركة قبل الامتحان لا تتناسب مع هدفه ، لو أنه جلس في غرفة قميئة ، وقرأ الكتاب المقرر ، يشعر بلذة وسعادة ما بعدها سعادة ، سماها علماء النفس الشعور بالإنجاز .
 إذاً متى يشعر الإنسان ؟ أول مثل لا تصح حركته إلا إذا عرف سر وجوده متى يسعد ؟ إذا جاءت حركته مطابقة لهدفه .
 لذلك التاجر عند كساد الأسواق مع أنه مرتاح ، ويجلس على أريكة مريحة ويشرب ما طاب له أن يشرب من القهوة والشاي ، ومن المجلات والصحف لكنه متألم أشد الألم ، أما حينما يبيع ويشتري وينسى أن يأكل ويبقى واقفاً طوال النهار هو في قمة السعادة .
 فالإنسان يسعد إذا جاءت حركته في الحياة موافقة لهدفه ، ويشقى إذا جاءت معاكسة .
 إذاً الإنسان كائن متحرك يسعد إذا جاءت حركته مطابقة لهدفه ، بل تصح حركته إذا رف سر وجوده ، الإنسان هو المخلوق الأول لقوله تعالى :

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 72 )

 هذا الإنسان كما قال الإمام علي كرم الله وجهه و رضي عنه قال : ركب الملك من عقل بلا شهوة ، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل ، وركب الإنسان من كليهما ، فإن سمى عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان .

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾

( سورة البينة )

 ركب الملك من عقل بلا شهوة ، ركب الحيوان من شهوة بلا عقل ، ركب الإنسان من كليهما ، فإن سمى عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان .
 الإنسان تحرك ، ما الأخلاق ؟ الله عز وجل أودع فيه الشهوات ، وبإمكان الإنسان أن يتحرك منطلقاً من هذه الشهوات بزاوية 180 درجة ، لكن الشرع سمح له بسبعين مثلاً ، ما الخلق ؟ أن تضبط شهواتك في هذه الزاوية التي سمح الله لك بها ، الخلق ضبط يعني من السهل جداً أن تأكل ما تشاء ، وبكمية تشاء ، ومع من تشاء ، إما حينما تأكل وفق القواعد الصحيحة تكون قد استمتعت بالطعام ، ولكن وفق منهج .
 بالمناسبة : ليس في الإسلام حرمان ، في الإسلام تنظيم ، أقول كلمة دقيقة : ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسر خلالها ، ليس في الإسلام حرمان إطلاقاً ، ولكن في الإسلام تنظيم .
 لذلك : يقول الله عز وجل :

 

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

 عند علماء الأصول هناك المعنى المخالف ، المعنى المخالف في هذه الآية : الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه ، الخلق أن تتحرك وفق منهج الله ، الخلق في أدق تعاريفه انضباط ، الجانب السلبي ، وعطاء ، الجانب الإيجابي ، انضباط .

(( إن عمل النار سهل بسهوة ، وإن عمل الجنة حزن بربوة ))

 أنت حينما تتحرك وفق منهج الله فأنت أخلاقي ، وأنت مؤمن .
 بالمناسبة : الإيمان مرتبة عالية جداً ، كيف إذا قلنا فلان دكتور ، يعني حتماً معه تحصيل ابتدائي ، وإعدادي ، وثانوي ، وجامعي ، ودراسات عليا ، ودكتوراه ، وكتاب ألفه وفي تقييم دقيق جداً لهذا الكتاب ، كيف إذا قلنا مؤمن ، مؤمن مرتبة علمية ، مرتبة أخلاقية مرتبة جمالية .
 فلذلك الإنسان حينما يتحرك وفق منهج الله يكون مؤمناً ، ويكون أخلاقياً ، وهذا الذي دعا ابن القيم هذا العالم الجليل إلى أن يقول : الإيمان هو الخلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان .
 الحقيقة في نقطة دقيقة جداً : أن الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب ، من كبار الصحابة وقف أمام النجاشي ، وسأله النجاشي عن الإسلام ، الآن نصغي مع إخوتنا المشاهدين إلى تعريف الإسلام من أحد الصحابة الكبار ، قال :
 أيها الملك ، كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، هذه الجاهلية ، وفي ملمح لطيف حينما قال الله عز وجل :

 

﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 33 )

 إشارة إلى أن هناك في آخر الزمان جاهلية ثانية .
 فلذلك قال : " كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه ونسبه وعفافه " ، الشيء اللطيف جداً : أن الصدق والأمانة والعفة أركان الأخلاق ، وفي هذه اللقاءات الخيرة إن شاء الله سيكون الحديث عن الأخلاق ، لكن إذا كان للأخلاق أركان أساسية الصدق والأمانة والعفة ، يعني إن حدثك فهو صادق ، وإن عاملك فهو أمين ، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف .
 يعني بشكل أو بآخر أنت حينما ترى إنسان وهو صامت تقيمه من هيأته ، من ثيابه ، من أناقته ، من انسجام ألوانه ، من جلسته ، أما إذا تكلم قد تنسى هيأته ، أما إذا عاملك قد تنسى كلامه .
 " حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف صدقه و أمانته وعفافه ونسبه " ، لكن لي مع النسب كلمة ، النسب تاج ، يتوج به المؤمن ، أما إذا كان غير مؤمن فلا قيمة له طلاقاً والدليل :

 

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾

( سورة المسد )

 وهو عم النبي عليه الصلاة والسلام ، " حتى بعث الله فينا رجلاً منا نعرف صدقه و أمانته وعفافه ونسبه ، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ـ الآن دقق ـ وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء " ، هذا تعريف الصحابي الجليل للإسلام ، مكارم أخلاقية ، إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى ، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً .
 لذلك لعل الله سبحانه وتعالى يوفقنا في هذه اللقاءات المتكررة حول مفهوم الأخلاق لأن الخلق القويم هو الذي نبحث عنه ، والذي نتمنى أن يكون متمثلاً في المؤمنين المعاصرين كما كان متمثلاً في الصحابة الكرام .
 لكني أنوه هذا التنويه : والله لو أن الصحابة الكرام فهموا هذا الدين كما نفهمه نحن ، يعني مظاهر ، واحتفالات ، مراتب علمية ، ومؤتمرات ، ومؤلفات ، لما خرج من مكة المكرمة ، الدين أخلاق .
 مرة بعث النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن رواحة ليقيم تمر خيبر ، فأهل خيبر أغروا هذا الصحابي الجليل بحلي نساءهم كي يقلل من قيمة التمر ، وكأنهم أرادوا أن يرشوه ، فقال : جئتكم من عند أحب الخلق إلي ، من عند رسول الله ، ولأنتم أبغض إلي من القردة والخنازير ، ومع ذلك لن أحيف عليكم ، فقال أهل خيبر : بهذا قامت السماوات والأرض ، وبهذا غلبتمونا .
 ولن يستطيع المسلمون أن يحققوا أهدافهم ، كانوا رعاة للغنم ، فحينما اتبعوا النبي الأمي صاروا قادة للأمم ، لن يستطيعوا أن يحققوا أهدافهم ثانية ، وأن يستعيدوا دورهم القيادي إلا إذا تخلقوا بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام .
لكن المشكلة أنك إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر أما إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر .
 هناك مرحلة مكية عاشها الصحابة مفقودة في حياتنا ، مرحلة معرفة الله عز وجل يعني مثلاً الله عز وجل قال في القرآن الكريم :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ﴾

( سورة البقة الآية : 26 )

 بعوضة ! من أقل المخلوقات شأناً عند الإنسان ، النبي أشار إلى ذلك ، قال :

(( لو كَانت الدُّنيا تَعْدِلُ عند الله جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سقَى كافراً منها شَرْبَة ماء ))

[ أخرجه الترمذي سهل بن سعد رضي الله عنه ]

 هذه البعوضة وردت في القرآن الكريم ، بعد أن اكتشفت المجاهر الإلكترونية تبين أن في رأس البعوضة مئة عين ، وفي فمها 48 سناً ، وفي صدرها ثلاثة قلوب ، قلب مركزي ، وقلب لكل جناح ، وفي كل قلب أذينان ، وبطينان ، ودسامان ، وفي البعوضة جهاز لا تملكه الطائرات ، تملك جهاز استقبال حراري ، أي أنها لا ترى الأشياء لا بأشكالها ولا بألوانها ، ولا بأحجامها ، بل تراها بحرارتها فقط ، جهاز رادار ، وأن حساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المؤوية ، وما كل دم يناسبها ، تملك جهاز تحليل دم ، هذا الجهاز يشير إليها أن دم هذا الطفل يناسبها ، ودم هذا الطفل لا يناسبها ، لئلا تقتل أثناء امتصاص الدم معها جهاز تخدير ، معها جهاز استقبال حراري رادار ، وجهاز تحليل وجهاز تدير ، ولأن لزوجة الدم لا تسمح للدم أن يسري في خرطومها ، معها جهاز تمييع أما خرطومها الذي لا يزيد عن قطر شعرة ، فيه ست سكاكين ، أربع سكاكين لإحداث جرح مربع وسكينان على شكل أنبوب تلتئمان لامتصاص الدم ، وفي أرجل البعوضة محاجم ، إذا وقفت على سطح أملس ، ومخالب إذا وقفت على سطح خشن ، فإذا قال الله عز وجل

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ﴾

 نقول سبحان الله .

 

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾

( سورة الملك )

 يعني دقة صنعة البعوضة لا تقل عن دقة صنعة الحوت الأزرق ، الذي وزنه 150 طن ، خمسين طن لحم ، وخمسين طن دهن ، وخمسين طن عظام ، ويستخرج منه 90 برميل زيت ، يرضع وليده في كل رضعة 300 كغ ، 3 رضعات طن حليب ،

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾

 دقة الصنعة ، وإتقان الصنعة في البعوضة كالحوت تماماً ، إذا عرفنا الله سبحانه وتعالى ، ثم عرفنا أمره تفانينا في طاعته ، أما إذا لم نعرفه ، تفننا في التفلت من الأمر .
 يعني الانضباط الأخلاقي يحتاج إلى أن تعرف الله ، من هو هذا الإله العظيم ؟ ماذا ينتظرك لو أطعته ، وماذا ينتظرك لو عصيته ، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت .
 فالإنسان حينما يعرف من هو الله يعد للمليون قبل أن يعصيه ، لذلك يمكن أن نقول : أن معرفة الله أحد أكبر أسباب الانضباط الأخلاقي ، وهذا ما يميز المؤمن عن غير المؤمن .
 سيدنا ابن عمر لقي راعياً ، قال له : بعني هذه الشاة وخذ ثمنها ، قال : ليست لي قال له : قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب ، وخذ ثمنها ، قال : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟ هذا الراعي على ضعف ثقافته الإسلامية وضع يده على جوهر الدين .
 والذي حصل علوماً لا نهاية لها ، ولم يستقم على أمر الله لم يعرف شيئاً من الدين ، لأنه الإنسان كما قيل : كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، وكفى به جهلاً أن يعصيه يعني لمجرد أن تطيع الله عز وجل فأنت على علم بالله ، ولمجرد أن تخالف أمره فأنت على نوع من جهل الله عز وجل ، ومعرفة الله أصل هذا الدين ، فالخلق الكريم لا يبنى إلا على معرفة بالآمر .
 مرة ثانية : الإنسان قد تأتيه ورقة من دائرة البريد ، أن تعال غداً وتسلم رسالة مسجلة ، لا تتحرك شعرة ، وقد يذهب ، وقد لا يذهب ، قد تأته ورقة بالحجم نفسه ، من جهة أخرى ، قد لا ينام الليل ، الفرق بين الورقتين هو الآمر .
 فنحن إذا عرفنا الآمر تفانينا في طاعته ، أما إذا لم نعرف الآمر تفننا في التفلت من الأمر .
 إن شاء الله نسعى في الحلقات القادمة أن نرسخ معنى الأخلاق كمنطلق نظري أنا متى أطيع الله ؟ حينما أعرفه ، متى أتفانى في طاعته ؟ حينما أتقرب منه ، أما إذا نظرنا إلى الأخلاق مجردة عن معرفة الله في أغلب الظن أن الإنسان يتبع مصلحته ، وشهوته ونزوته ، ولا يعبأ بهذه التعليمات التي يسمعها من حين إلى آخر .
 فكما أن الصحابة الكرام أقاموا في مكة المكرمة سنوات طويلة يتعرفون إلى الله بل إن الآيات المكية كلها تعريف بالله .

 

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

( سورة الشمس )

﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ﴾

( سورة الفجر )

 أما المرحلة المدنية مرحلة التشريع ، يعني أنت بالكون تعرفه ، وبالشرع تعبده وما لم نجمع بين الخطين فالحركة عرجاء ، لا بد من أن نعرف الله أولاً ، عندئذٍ نتفانى في طاعته ثانياً .
 إذاً : الخلق أبرز ما في هذا الدين ، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى : الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان .
الأستاذ أحمد :
 في نهاية هذه الحلقة أسأل الله عز وجل أن يجزي فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، خير الجزاء على ما أفاد به وأجاد .
 والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور