وضع داكن
18-05-2024
Logo
الدرس : 09 - سورة هود - تفسير الآيات 61 – 68 قصة سيدنا صالح
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمْتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا، وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .


مقدمة :


أيها الإخوة المؤمنون، في سورة هود وفي قصة سيدنا نوح عليه السلام جاءت الآياتُ الأخيرة تنبئ أن هناك أُمَماً سوف يمتِّعهم الله، ثم يمسهم عذاب أليم .

قد يرى الإنسانُ أمّةً بمقياس العصر راقيةً، مشكلاتها معظمُها محلولة، رخاءٌ ودخلٌ كبير، آلاتٌ حديثة، ورفاهٌ منقطع النظير، إن كانت هذه الأمة إنما بَنَتْ رفاهها ودخلها الكبير، واستمتاعها بالحياة على ظلمٍ أو على قهرٍ للشعوب الأُخرى فربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ(48)﴾

[ سورة هود  ]


وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً


1 ـ قصة سيدنا صالح مع قومه :

من هذه الأمم التي متَّعها الله سبحانه و تعالى، ثم مسَّها عذاب أليم، هذه الأمة التي أرسل الله سبحانه وتعالى إليها نبيّاً كريماً هو سيدنا صالح عليه السلام، فقال تعالى :

﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (61)﴾

[ سورة هود  ]

بعد أن أهلك اللهُ عاداً، وقد أرسل فيهم سيدنا هوداً عليه السلام، و بعد أن أهلكهم جاء من بعدهم قومُ ثمود، فحينما استعلوا في الأرض، و ضلّوا، وأضلّوا، وتاهوا عن طريق الحق، أرسل الله إليهم أخاهم صالحاً . 

2 ـ كل نبيٍّ يُبعث من قومه :

حدّثتكم في الدرس الماضي كيف أنّ حكمة الله سبحانه وتعالى تتجلى في أن يكون النبي الرسول من بني البشر، تربطه بِقَومه الأخوّة الإنسانيّة، وكيف أنَّ قرابةً أُخرى يجب أن تربطه بقومه؟ يجب أن يكون منهم، نشأ بين ظهرانيهم، رأوْهُ، ورأوا صدقه، ورأوا أمانته ورأوا عفافه، وعرفوا نسبه، واطمأنوا إليه ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ ﴾

3 ـ كلمةٌ أجمع عليها كلُّ الأنبياء : اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ

لعل أحدنا يظنّ أنّ سيّدنا صالحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قال لقومه هذه الكلمة! هذا الذي قاله ملخَّصٌ لِحديثٍ طويل، ولأدلةٍ كثيرة، ولِجُزئيات ولتفصيلات، كل الذي دعاهم إليه يتلخَّص بهذه الكلمات النيِّرات ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ أي ملخّص دعوته أن اعبدوا الله، أي اعرفوه أولاً وأطيعوهُ ثانياً، كي تسْعدوا بِقُربه ثالثاً ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ أموركم كلّها بيده، في هذه الكلمة شيءٌ نظري وعَقَيدي، وشيء سُلوكي فلا بدّ أن تؤمن أولاً أنَّه لا إله إلا الله، ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)﴾

[ سورة محمد ]

4 ـ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قولٌ وعملٌ، وليس كلاما وتمنيات :

بعض الناس يظنّ إذا قالها فقط دخل الجنَّة، يجب أن يكون واضحاً في أذهان الإخوة الأكارم أنَّ كلمةً تقولها لا تستحقّ الجنَّة عليها، بِشَكل عابر، وأنت عاداتك ليْست إسلاميّة، وتصرّفاتك ليست إسلاميّة، وسلوكك ليس إسلامياً، تنساق إلى نفسك، وتتمنّى على الله الأماني، وتعطي نفسك هواها، ولا تنضبط بالشَّرع، فَمِثل هذا الإنسان ولو قال: لا إله إلا الله، لا يستحقّ بها الجنَّة.

أي في مقاييس الأرض هل يكفي أن يقول الطالب كلمةً لينال بها درجة دكتوراه؟! يقول كلمة، وينال بها شهادة عُليا يستحقّ بها التبجيل والتعظيم في مجتمعه؟ هذا مستحيل، هذا في مقياس البشر، ألا إنّ سلعة الله غالية، هذا الذي يظنّ الإسلام كلمات تردَّد وطُقوس تمارس وهو مع شهواته، هذا بعيد بُعْد الأرض عن السماء عن أن يفْهم الدِّين، الدِّين انضِباط وسُموّ روحي، الدِّين عمل وتضحية، والدِّين ورع، والدين معاملة، والدِّين صِدْق، أن يكتفي الإنسان بِقول: لا إله إلا الله، فهذا فهْم ساذج لا يتناسب مع عظمة الله، ولا مع كمال الله ، ألا إنّ سلعة الله غالية، يؤكِّد هذا قوله تعالى: 

﴿ لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) ﴾

[ سورة آل عمران ]

من وقتك الثمين، ومن مالك الذي حصّلتَهُ بِعَرق جبينك، ومن الشيء الغالي عليك، والعزيز عليك، هذا يجب أن تنفقهُ في سبيل الله، أما أن تُتْبِعَ نفسك هواها، وأن تعيش مع الناس بِعاداتهم وتقاليدهم ومرحهم وطربهم، وتستمعُ ما يستمعون، وتنظر إلى ما ينظرون، وتلهو كما يلْهون، وتستيقظ كما يستيقظون، ويعنيك ما يعنيهم، ويؤْلمُكَ ما يؤلمهم، وثم تقول: أنا مسلم، وتتمنى على الله الأمانيّ! الله سبحانه وتعالى يقول: 

﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا(123)﴾

[ سورة النساء  ]

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)﴾

[ سورة المائدة  ]

﴿  وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(111)﴾

[ سورة البقرة  ]

﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(80) بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(81)﴾

[ سورة البقرة  ]


فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ


هذا الكلام، لكي لا يغترّ الإنسان بالله سبحانه وتعالى

﴿  يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ(5) ﴾

[ سورة فاطر  ]

لا تغترّ بالدنيا، أيْ إياك أن تنظر إليها بِحَجم أكبر من حجمها، هي يسيرة وعند الله صغيرة، ولا شأن لها، سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، لا تدوم لإنسان

﴿ وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)﴾

[ سورة الكهف  ]

إياك أن تنظر إلى الدنيا بِحَجم كبير! وإياك أن تنظر إلى الدنيا فتملأ قلبك! إياك أن يكون عِلمُك منتهياً عند الدنيا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا، ولا مبلغ عِلمنا، إياك أن تجعلها في قلبك، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ وأما معنى قوله: ﴿ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ فمعناه: إياك أن تسمح للشيطان أن يوهِمَك عن الله أشياء ليسَتْ صحيحة، إذا قال لك طالبٌ كسول: إنّ هذا الأستاذ إذا قدَّمْت له هديّةً في آخر العام يقدِّم لك الأسئلة قبل يوم! هذا كلامٌ باطل، والأستاذ فوق ذلك، وأرقى من ذلك، وهذا تغرير بك، وهذا سوء معرفة بالأستاذ، أو أن يقول لك: إنَّ هذا القاضي يرتشي، وبِهَدِيّةٍ بسيطة يُصْدر حُكْماً إلى جانبك، فهذا كذلك كلام ساذج، فالقاضي فوق ذلك، وأنزهُ من ذلك، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ إياك أن تسمح للشيطان أن يوهمك أنَّ الله على خلاف ما جاء في كتاب الله

﴿  كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ (41)مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45)وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ(48) ﴾

[  سورة المدثر  ]

﴿  أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19) ﴾

[ سورة الزمر ]

هذا هو الحق، إنَّ لكل حسنةٍ ثواباً، ولكل سيِّئةٍ عقابا، ليس هذا من باب التشديد، ولكن هذا من باب الواقع، فلذلك ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ ملخّص الرسالة، أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، أي بدَل أن تقول: لا إله إلا الله، فاعلم أنَّه لا إله إلا الله، شتّان بين القول والعِلم، العِلم يحتاج إلى بحثٍ، وتدقيقٍ، ملخَّص دعوة سيّدنا صالح أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .


هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ


1 ـ أصل خَلق الإنسان من التراب :

﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ ﴾ أي أنشأكم أصْلاً، وأنشأكم أفراداً، أصْلاً سيّدنا آدم إنَّما خلقه الله من طين الأرض

﴿  فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(29) ﴾

[  سورة الحجر  ]

أما أنت أيها الإنسان فقد خُلِقْت من تراب الأرض، حينما يولدُ الإنسان لا يزيدُ وزنهُ على ثلاثة كيلو غرامات، وكلّ واحد مِنَّا وزنه ستون فما فوق، هذا الوزن من أين جاء؟ من الطعام والشراب، وهذا الطعام والشراب من أين جاء؟ من التراب، الأرض تنبت هذه الفواكه والخضراوات والكلأ الذي يأكله الحيوان، ونأكله نحن في النِّهاية، إذاً الله سبحانه وتعالى خلقنا من ترابٍ أصلاً وأفراداً

﴿  مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى(55) ﴾

[ سورة طه  ]

﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ﴾ هو الذي أنشأكم، وجعلكم تُعمرون هذه الأرض، أعطاكم هذا الفِكْر، بِهِ بحثتم عن طعامكم، وبه زرعتم الأرض، وألقيتم الحَبَّ في الأرض حصدتم النبات، درستم القمح، طحنتم القمح، عجنتم الطحين، خبزْتموه خُبزاً، كلّ هذا عن طريق هذا الفِكر الذي وهبهُ الله إيانا، فعن طريق الفِكر نسجنا وغزلْنا ولبِسْنا، وعن طريق الفِكر سكنَّا، وأعطانا إمكانيّة الاستفادة ممَّا خلق الله لنا في الأرض، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾


وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا


1 ـ الاستعمار بالمفهوم القرآني والمعنى الهامشي :

أي جعلكم تعمرونها، ألْقِ نظرةً على مدينة ترى فيها بنياناً، وفيها طرقات وفيها جُسور، وفيها معامل وفيها مدارس، وفيها جامعات وفيها دوائر حكوميّة، وفيها أنظمة، وفيها مستودعات وفيها وقود، وفيها أغذية، وفيها ملبوسات، استعمركم فيها، هؤلاء الذين قالوا: الإنسان أصلهُ قِرْد، اُنظر إلى مجتمع القِردَة هل تطوَّر مجتمعهم من وضعٍ إلى وضع عبر آلاف السنين؟ القرد هو القرد، أما الإنسان فتطوَّر ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ وعلى سبيل المثال: ركب الطائرة، وصل إلى القمر، و غاص في أعماق البحار، ووصل إلى قيعان البحار، و تعرّف إلى المخلوقات، وعرف الحيوانات و النباتات، و بيَّن ووصف، و ألَّف ودرَّس ﴿ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ فكلمة الاستعمار هنا لها معنى لغوي، وبالمناسبة الكلمات قد يكون لها معنى لغوي في الأصل، وقد تكتسب مع الأيام معنى هامشيّاً، فالاستعمار بمعناها الهامشي، أن تأتي قوةٌ غاشمةٌ تحتلُّ أرضاً لتأخذ خيراتها، و تقهر أبناءها، هذا المعنى الهامشي، ولكنَّ الاستعمار بالمعنى القرآني هو إعمارُ الأرض ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ انظُر إلى البيت، له أساسات وهندسة، هناك هندسة تصميم، وهندسة تنفيذ، وهندسة مدنية، وهندسة جمالية، وهناك بلاط وملاط، وطلاء و مواسير ماء، و تمديدات كهربائية، و تزيينات وأساس، وهذا كلُّه بفضل الله سبحانه وتعالى، هو الذي أعطى الإنسان هذه المواهب، و جعله يحتاج إلى ملايين الأشياء، وجعله يتقن صنعةً واحدة ويحتاج لأخيه الإنسان في صنعة أُخرى، هكذا طبيعة الحياة . 

2 ـ لا يستطيع الإنسان أن يحيا وحده على الأرض :

استعمركم فيها، فلا يستطيع الإنسان أن يحيا وحده فيها، ولو كُلِّفتَ أن تصنع رغيفَ خبزٍ، تصوَّر، يجب أن تشتري أرضاً، ويجب أن تستخرج الحديد من الأرض، ويجب أن تصنع محراثاً، ويجب أن تقتنيَ بقرةً أو ثوراً، ويجب أن تحرث الأرض، وأن تلقيَ الحَبَّ، وأن تسقيَ الزرع، وأن تحصد، وأن تدرس الحصاد، وأن تنظّف، وأن تطحن الحبَّ، وأن تعجن، هذا شيءٌ مستحيل أن تفعله وحدك، لكنك تشتري الخبز جاهزاً، آلاف الرجال ساهموا في صنع الرغيف، كذلك الثياب، فالقطن و الصوف جُمِع كل منهما، وغُسِل، وصار غزلاً، وصُدِّرَ، وصار خيوطاً ونُسج، وخاطه لك الخيَّاطُ، ولبسته أنت ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ هذه آية من آيات الله الكبيرة، أنت مُكرَّم تسكن في بيت، وتنام على سرير، وعلى السرير غطاءٌ من صوفٍ شتاءً، ومن قطنٍ صيفاً، ولك زوجة، ولك أولاد، و تأكل و تشرب، ولك عمل تكسب منه رزقك، و تتعامل مع الآخرين ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾


فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ


1 ـ اقتران الاستغفار بالتوبة دليل الصدق :

يعني اطلبوا منه الشفاء، و طهِّروا أنفسكم بالقرب منه، واستقيموا على هذا، ولا تكن هدايتكم ومضات، هذا الذي يتوب، ثم ينقض التوبة، يهتدي ثم ينتكس، هذا لا خلاق له عند الله، و إذا تعاملت مع الله سبحانه وتعالى فكنْ صادقاً

﴿  مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا(23)﴾

[  سورة الأحزاب  ]

هذا قرار تتَّخذه مع الله سبحانه وتعالى، مع الله رب العالمين، أترجع عنه؟ أتندم عليه؟ أتغيِّر؟ أتبدِّل؟ ضعاف الإيمان يعبدون الله على حرف، فإن أصابهم خير اطمأنوا به، وإن أصابتهم مصيبة انقلبوا على رؤوسهم، وذلك هو الخسران المبين، أما المؤمن فلا يغيِّر ولا يبدِّل ﴿ فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾ أي أقبلوا عليه و طهِّروا أنفسكم بالقرب منه، ثم تابعوا الطريق إلى نهايته

﴿ وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)﴾

[  سورة العنكبوت  ]


إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيب


1 ـ معنى : قَرِيبٌ مُجِيب

﴿ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾ هناك من يتخَّذ شريكاً من دون الله، هو قريب، و لكنه لا يجيبك عند الحاجة، إما لأنه لا يستطيع، أو لأنه لا يريد، قد تستجير بإنسان، و يقول لك: لا أستطيع، هذا فوق إمكاناتي، و قد يستطيع و لا يجيبك لسبب أو لآخر، إنه قريب منك، وقد يكون المجيب بعيداً عنك، و لو أنه سمعك لأجابك، ولكنه لن يسمعك، إذاً﴿ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾ قريبٌ منك

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)﴾

[ سورة ق  ]

2 ـ الله قريب من العبد من كلِّ شيء :

إذا أمسكتَ آلةً تعمل على الكهرباء، وضممتها إلى صدرك، وأحطت بها، أنت أقرب إليها أم الكهرباء؟ الكهرباء التي في داخلها أقرب، ولو فرضنا مسجلة لو أمسكتها بيديك الكهرباء التي بداخلها تحرِّك أقراصها أقرب إليها منك، فربنا سبحانه وتعالى أقرب إلى الإنسان من روحه ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) ﴾

[  سورة النساء  ]


فربنا عز وجل قريبٌ و مجيب


﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) ﴾

[  سورة غافر ]

من لا يدعوني أغضب عليه، و إن الله يحب الملِحِّين في الدعاء

﴿  وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)﴾

[ سورة البقرة  ]

﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا ۖ أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) ﴾

[ سورة هود   ]


 قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا


1 ـ هذا ما قاله قوم صالحٍ لنبيهم :

أي حينما دعوتنا إلى عبادة الله تغيّرتْ نظرتُنا إليك، كنتَ قبل هذه الدعوة معقد الآمال، وكنا نتوسَّم فيك الصلاح، وكنا نعلِّق عليك الآمال، و كنا ننتظر منك أن تكون معيناً لنا، أمَا وقد دعوتنا إلى أن نعبد اللهَ، و ندع ما يعبد آباؤنا فقد خيَّبتَ ظننا، فالإنسان الكافر هو الإنسان الكافر لا يتغيَّر، و لا يتبدَّل، هذا القول الذي قاله قومُ صالح لسيدنا صالح حينما دعاهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى ﴿ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾


قصة إسلام عبد الله بن سلام وموقف اليهود منه : حادثةٌ وعِبرٌ :


هذا القول ذكَّرني بقصةٍ كنتُ قد ألقيتها وهي قصة عبد الله بن سلام، هذا رجل من اليهود أدرك بعثة النبيِّ عليه الصلاة و السلام، لا أريد أن أطيل عليكم، سأقرأ لكم قصته كما رواها هو، يقول عبد الله بن سلام: << لما سمعت بظهور النبي صلى الله عليه و سلم أخذت أتحرَّى عن اسمه ونسبه وصفاته وزمانه ومكانه، وأطابق بينها وبين ما هو مسطورٌ عندنا في الكُتُب، حتى استيقنتُ من نبوَّته، انظُروا إلى الصدق، يبحث ويدقِّق ويحقِّق ويتأمل ويسأل حتى استيقنتُ من نبوَّته، وتثبَّتُ من صدق دعوته، ثم كتمتُ ذلك عن اليهود، وعقلتُ لساني عن التكلُّم فيه، إلى أن كان اليومُ الذي خرج فيه النبيُّ عليه الصلاة والسلام من مكة قاصداً المدينة، فلما بلغ يثرب ونزل بقباء، أقبل رجلٌ علينا، وجعل ينادي في الناس معلناً قدومَه، وكنتُ ساعتئذٍ في رأس نخلةٍ لي أعمل فيها، و كانت عمَّتي خالدة بنتُ الحارث جالسةً تحت النخلة، فما أن سمعتُ الخبرَ حتَّى هتفتُ اللهُ أكبرُ، فقالت لي عمتي حين سمعتْ تكبيري: خيَّبك اللهُ، و اللهِ لو كنتَ سمعتَ بموسى بن عمران قادماً ما فعلتَ شيئاً فوق ذلك، فقلت لها: أيْ عمَّتي، إنه واللهِ أخو موسى بن عمران، وعلى دينه، وقد بُعِث بما بُعث به، فسكتت، وقالت: أهو النبيُّ الذي كنتم تخبروننا أنه يُبعَث مصدِّقاً لمَن قبله، و متمِّماً لرسالات ربه؟ فقلتُ: نعَم، قالت: فذلك إذًاً، ثم مضيتُ من توِّي إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام، فرأيتُ الناس يزدحمون ببابه، فزاحمتُهم حتى صِرتُ قريباً منه، ثم دنوتُ منه و شهدتُ أنه لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله، فالتفت إليَّ، وقال: ما اسمُك؟ فقلت: الحُصين بن سلام فقال: لا بل أنت عبد الله بن سلام ـ هذا من عادة النبيِّ كان يبدِّل الأسماءَ إلى أسماء أحسن منها ـ فقلتُ: نعم عبد الله بن سلّام، والذي بعثك بالحق ما أُحبُّ أنَّ ليَ به اسماً آخر بعد اليوم، ثم انصرفتُ من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتي، و دعوتُ زوجتي وأولادي وأهلي إلى الإسلام، فأسلموا جميعاً، وأسلمتْ معهم عمَّتي خالدة، وكانت شيخةً كبيرة، ثم إني قلتُ لهم: اُكتموا إسلامي وإسلامكم عن اليهود، حتى آذَنَ لكم، فقالوا: نعم ثم رجعتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلتُ له: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهتانٍ وباطلٍ، وإني أُحب أن تدعوَ وجوههم إليك، وأن تسترني عنهم في حُجرةٍ من حُجراتك، ثم تسألهم عن منزلتي عندهم قبل أن يعلموا بإسلامي، ثم تدعوهم إلى الإسلام، فإنهم إن علموا أني أسلمتُ عابوني، و رموني بكلّ ناقصةٍ وبهتوني، فأدخلني النبيُّ عليه الصلاة و السلام في بعض حُجراته، ثم دعاهم إليه وأخذ يحضُّهم على الإسلام، و يحبِّب إليهم الإيمان، ويذكِّرهم بما عرفوه في كتبهم من أمره، فجعلوا يجادلونه بالباطل، ويمارونه في الحق، و أنا أسمع، فلما يئس من إيمانهم قال لهم: ما منزلة الحُصين بن سلام فيكم؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وعالمنا، وابن حبرنا وعالمنا، فقال: أفرأيتم إن أسلم أفتسلمون؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم، أعاذه اللهُ من أن يسلم، فخرجتُ إليهم، وقلت لهم: يا معشر اليهود، اتقوا اللهَ واقبلوا ما جاءكم به محمَّدٌ، فو اللهِ إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وتجدونه مكتوباً عندكم في التوراة باسمه وصفته، وإني أشهد أنه رسول الله، وأؤمن به، وأصدِّقه، وأعرفه، فقالوا: كذبتَ، واللهِ إنك لشرُّنا وابن شرنا، وجاهلنا وابن جاهلنا، و ما تركوا عيباً إلا عابوني به ـ فالكافر هو الكافر ـ فقلتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم أقل لك إن اليهود قوم بهتانٍ و باطل، و إنهم أهل غدرٍ و فجور >> ، يعني أحدهم يمدح ذكاءك، و يمدح عِلمك ما دمتَ متحلِّلاً من الدين، فإذا عرف أنك ديِّنٌ قال: خيَّبتَ ظني فيك، هذا يقوله الناس، والكافر هو الكافر ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾   أأنت عبدُ التقاليد؟ أنت عبد البيئة، أنت عبد المجتمع أم أنت عبد الله؟ تعس عبد الدرهم و الدينار تعس عبد البطن، تعس عبد الفرج تعس عبد الخميصة، و سعِد عبد الله، أنت عبد مَنْ؟ هذا الذي يعصي اللهَ من أجل التقاليد، ويعصي اللهَ من أجل ما هو معروف عند الناس، هذا الذي يستحيي من الناس، ولا يستحيي من الله، هذا الذي يخشى الناسَ، و لا يخشى الله، هذا لا يعرف اللهَ إطلاقاً ﴿ وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ .

2 ـ وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ

نحن نشكُّ في دعوتك ونحن لا نصدِّق ما جئتَ به، ونحن نعبد ما يعبد آباؤنا، ونحن متعلِّقون بالتقاليد والعادات والتراث والقيم الجاهلية

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) ﴾

[  سورة هود  ]


فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُه


1 ـ لا أحدَ ينصرك من الله :

مَنْ يضمن لي إن عصيتُ اللهَ أن ينصرني؟ أموري كلُّها بيد الله سبحانه وتعالى، ومن يستطيع أن ينصرني من الله؟ و من يستطيع أن يمنعني من الله؟

أحدُ الولاة جاءه رجلٌ تابعيٌّ جليل، وكانت قد جاءت الوالي رسالةٌ من أمير المؤمنين تأمره بما لا يرضي اللهَ، فقال: يا أيها العالِم الجليل، ماذا أفعل، هذا أمر من يزيد أمير المؤمنين يأمر بما لا يرضي اللهَ، أفأُطيعه أم أعصيه؟ فأجابه التابعيُّ بكلماتٍ وجيزات، قال: " إن اللهَ يمنعك من يزيد، ولكنَّ يزيد لا يمنعك من الله "، فإذا أطعتَ صديقَك ـ على وجه التقريب ـ وعصيتَ اللهَ سبحانه وتعالى، فإذا جاء المرضُ العُضالُ مثلاً فماذا يفعل الصديقُ؟! قد يتكرَّم عليك بالزيارة، وإن كان صديقاً حميماً قد يزورك مرَّتين، وإن كان أشدَّ من ذلك قد يأتي معه بهديَّة، وإذا جاءت المنيَّةُ يبعث لك بإكليل ورد، هذا كلُّ ما عنده .

2 ـ كلُّ شيء بيد الله :

أما من يملك لك الصِّحةَ؟ ومن يملك لك الحياة السعيدة في الدنيا؟ ومن يملك لك قوَّةً؟ ومن يملك لك رخاءً؟ اللهُ سبحانه وتعالى، إنَّ الله يمنعك من يزيد ولكن يزيد لا يمنعك من الله، فلذلك ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ﴾ مَن يستطيع أن يحول بيني وبين عقاب الله عز وجل.

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11)﴾

[  سورة الرعد  ]

 ومَن يستطيع أن يمنع عني قضاءَ الله ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾

﴿ مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾

[  سورة فاطر ]

  و إذا أعطاك فمن يمنعه، ثم مَن يُعطيك إذا هو منعك ﴿ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾


فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ


أي أنا إن اتَّبعتُ أهواءكم واستجبتُ لكم، وتخليتُ عن هذه الدعوة، وعصيتُ اللهَ لأرضيكم أكُن من الخاسرين، ضع في ذهنك قوله تعالى:

﴿ تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)﴾

[  سورة هود  ]

مهما دارت الأيامُ، فإن المؤمن في النهاية هو الرابحُ، وكفاك على عدوِّك نصراً أنه في معصية الله، وما دمتَ في طاعة وعدوُّك في معصية فأنت منتصر عليه لا محالة . 


وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً


﴿ وَيَا قَوْمِ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64)﴾

[  سورة هود  ]

1 ـ الناقة معجزة صالح :

يبدو أنهم أصرُّوا على كفرهم، و استعلوا وركبوا رؤوسهم، واتَّهموا نبيَّهم الكريم بالكذب والأغراض الشخصية، وقالوا: له أغراض شخصية من هذه الدعوة، إنه يريد أن يستعليَ علينا، وأن يتفضَّل علينا، وأرادوا أن يتحدَّوه، وأرادوا أن يضعوه في وضعٍ حرِجٍ، إن كنتَ تدَّعي أنك رسول الله، وهذا مستحيل، إن كنتَ كذلك فأخرج من هذا الجبل ناقة، فدعا الله تعالى أن تَخرُج الناقة، فاستجاب الله سبحانه وتعالى دعوته ليثبت نبوَّته ورسالته، فانفلق الجبلُ فخرجت منه ناقةٌ عظيمة ﴿ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ﴾

حسبكم الكونُ معجزة :

إذا طلب شيئاً خارقاً للعادة شيئاً فوق التصوُّر شيئاً غير طبيعي، و كان قد علَّق إيمانه على هذا الشيء، وجاء النبيُّ بهذا الشيء، ولم يؤمن به فلا معنى لحياته إطلاقاً، واستنفد الله سبحانه و تعالى معه كلَّ الفرص، لذلك حقَّ هلاكُه ﴿ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ﴾ لكنَّ هذه الناقة التي طلبوها كانت تأكل في أرض الله، وكانت قد شربتْ في يوم واحد الماء كلَّه، وهذه معجزة أُخرى، وتركتْ لقوم صالح الماءَ في اليوم التالي ﴿ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ .

2 ـ كيف تعامل قوم صالح مع الناقة ؟


طلبوا الناقة متحدِّين، وجاءت الناقة، ولم يعجبهم ذلك، وأرادوا أن يقتلوها، خاف عليهم نبيُّهم صالحٌ عليه الصلاة والسلام، خاف عليهم إن قتلوها أن يهلكهم الله سبحانه وتعالى هلاكاً مُبرَماً

﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) ﴾

[  سورة هود ]

هنا سؤال، قوم صالح جميعاً عقروها؟ كيف؟ الذي عقرها واحد، والعلماءُ استنبطوا أنه إذا أقرَّ الإنسان عملاً شائناً فقد شارك الفاعل في الإثم، وأشقى قوم صالح عقَر الناقة، وإقرارهم لهذا العمل يعني أنهم كانوا شركاءَ في الإثم و الجريمة، لذلك سيدنا عمر استنبط أن أهل قريةٍ لو ائتمروا على قتل واحدٍ لقتلَّهم جميعاً، لأنهم جميعاً قتلة، لذلك ﴿فَعَقَرُوهَا ﴾ ربنا سبحانه و تعالى أي أن شقيَّ قوم صالح حينما عقر الناقةَ عبَّر عنهم جميعاً، وحقَّق آمالهم جميعاً، وأرضاهم جميعاً لأنهم دفعوه جميعاً، فجاءت الآية ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾  انتهى.

3 ـ مصير قوم صالح بعد عقر الناقة : فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ

من طلَب معجزةً ثم جاءته فكفر بها استحق العذاب :

بعد أن عقروا الناقة، وعلى وجه التقريب تقول: يا رب إنْ نجحت واللهِ لأُصلِّين، فينجح بمعجزة، ويكون ضعيف في هذه المادة، ويأتيه سؤال يتوقَّعه و قد درسه و لما يأتي السؤال كما يتوقع و ينجح و لا يصلي يستحق العذاب الأليم، ولئن أنجيتني من هذا المرض لأكونن طائعاً لك يا رب، و ينجيه الله من هذا المرض، فلا يطيعهُ، لذلك يأتي العذاب الأليم، فإذا علَّق الإنسانُ إيمانه على شيء من الله عز وجل، و جاء هذا الشيءُ فلم يؤمن، و لم يتُبْ فلينتظرْ مصيبةً كبيرةً قياساً على هذه الحقيقة ﴿ فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ أي استحقوا الهلاك، وقُضِي الأمرُ، فبقيَ الموضوع ثلاثة أيام، العلماء وقفوا عند هذا الإمهال، حتى بعد أن عقروا الناقةَ، ولو أنهم ندموا على فعلتهم، وتابوا إلى ربهم لعفى اللهُ عنهم، هذه مهلةٌ أخيرة، كفروا و استكبروا و استعلوا و تحدَّوا و طلبوا معجزة في ظنهم أنها مستحيلة، هل تخرج ناقة من الجبل؟ خرجتْ، فلم يعجبهم ذلك و لم يرضوا بها لماذا؟ لأنها بدأت تجلب ضعافَ الناس إلى سيدنا صالح، وبدأت تزلزل عقائدهم بكفرهم، و بدأت تشيع في الناس أن هذا نبيٌّ عظيم، و لم يرضوا أن تبقى هذه الآية مستمرة، ولم يرضوا أن ينصرف الناسُ إلى نبيِّهم الكريم، عقروها فاستحقوا الهلاكَ، وأعطاهم اللهُ مهلةً ثلاثة أيامٍ، و لو أنهم تابوا و عادوا و رجعوا و أنابوا لقبلهم اللهُ، ولو يعلم المعرضون انتظاري لهم وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطَّعت أوصالُهم من حبِّي ولماتوا شوقاً إليَّ، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف إرادتي بالمقبلين؟ 

﴿  فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ(66)﴾

[  سورة هود  ]


جاء وقت إنجاء صالح ومن آمن معه :


مَن كان مع الله العزيز كان عزيزا :

كنْ مع القويِّ العزيز تكنْ عزيزاً، و تنجُ من كلُّ همٍّ و ألمٍ:

اجـعلٍ لـربِّك كــلَّ   عزِّك يستقرُّ و يثـبت

فإذا اعتززْتَ بمن  يموت فإن عزك ميِّتُ

[ الإمام الشافعي ]

إذا أردتَ العزة فاعتزَّ بالله سبحانه وتعالى، سبحانك إنه لا يذلُّ من واليتَ، و لا يعزُّ من عاديتَ  ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ القويُّ الذي لا يُدان بقوته، و العزيز الذي لا يُنال جانبُه.

﴿  وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ(67)  ﴾

[  سورة هود  ]


وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ


بيْن مخَلَّد الذِّكرِ وخبر في طي النسيان :

صيحةٌ واحدة كأن لم يغنوا فيها، كأنهم لم يكونوا، صفحةٌ و طُوِيتْ، والإنسان يحيا إن عصى اللهَ سبحانه و تعالى و ظلم و بغى، فيأتِي الموتُ فينهيه كأن لم يكنْ، ويصبح خبراً، وبعد أيام يُنسَى، و انتهى الأمر، و بقي في العذاب إلى الأبد، و لكنَّه إذا جاء للدنيا، و أطاع اللهَ عز وجل خلَّد اللهُ له ذكرُه، و جعله في قلوب المؤمنين .

كيف أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام بعد ألفٍ و خمسمائة عام تقريباً؟ اِذهبْ اليوم إلى المدينة المنورة، و ادخُلْ إلى مسجد النبيِّ عليه الصلاة و السلام ماذا ترى؟ ترى الشيءَ الذي يُبكِي، أُناس من كلَّ قوم و من كلِّ عِرق و من شرق آسيا و من مشارق الأرض ومغاربها و من إفريقيا و من بلاد العرب و من الشرق الأوسط، كلُّهم يناجونه، و يبكون، ماذا فعل النبيُّ عليه الصلاة و السلام؟ دعانا إلى الله سبحانه و تعالى، إذاً: إذا عرفتَ اللهَ في الدنيا جعل اللهُ ذكرَك في قلوب الناس، و يحيي ذكرَك، و تكون مع السُّعداء، فإذا جاء الإنسانُ للدنيا، و انغمس في شهواته يأتي الموتُ، و يُطوَى، و كأنه لم يكن

﴿ نَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)﴾

[ سورة يونس  ]


كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ


كأن لم يغنوا فيها، أين بيوتهم؟ وأين مساكنهم؟ وأين صولتهم؟ وأين جولتهم؟ وأين مكانتهم؟ وأين عزُّهم؟ و أين حفلاتهم؟ و أين سهراتهم؟  

﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ (68) ﴾

[ سورة هود  ]

بَعَدوا عن الله سبحانه وتعالى وأبعدهم ولَعنهم، فصاروا مع الأشقياء .

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور