وضع داكن
03-03-2024
Logo
الدرس : 26 - سورة الأنفال - تفسير الآيتان 67 - 68 ، معاملة الأسرى معاملة حسنة هو من طبع الإسلام
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

النصوص نوعان ؛ قطعية الدلالة وظنية الدلالة :


أيها الإخوة الكرام ؛ مع الدرس السادس والعشرين من دروس سورة الأنفال ، ومع الآية السابعة والستين والآية الثامنة والستين ، وهي قوله تعالى : 

﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) ﴾

أيها الإخوة الكرام ؛ أسرى جمع أسير ، والأسير من شُدّ على يديه وقُيد ، وأصبح في قبضة جهة قوية ، جهة قوية قبضت عليه ، شدت وثاقه ، أصبح في قبضتها وفي أمرها .

الحقيقة الأسير في الإسلام إن لم يُقتل يصبح عبداً ، لكن قبل أن أبدأ هذا الموضوع الدقيق لا بد من تقديم : لو أنني قلت لواحد منكم : أعطِ فلاناً ألف درهم ونصفه ، كم المبلغ ؟ يا ترى الهاء في ونصفه تعود على الألف أم على الدرهم ؟ تعود على الألف أي أعطه ألفاً وخمسمئة ، وإن كانت تعود على الدرهم أي أعطه ألفاً ونصف درهم ، هذا النص اسمه احتمالي ، وهناك نص قطعي ، أعطِ فلاناً ألفاً وخمسمئة درهم لا يحتاج هذا النص لا إلى تفسير ، ولا إلى تأويل ، ولا إلى بحث ، ولا إلى درس ، ولا إلى خلاف بين العلماء ، هذا نص قطعي الدلالة ، أما أعطِ فلاناً ألف درهم ونصفه فهذا نص ظني الدلالة ، إن أعدت الهاء الضمير الغائب على الألف ألف وخمسمئة ، إن أعدتها على الدرهم ألف ونصف ، قد يفهمه شحيح ألف ونصف ، وقد يفهمه كريم ألف وخمسمئة ، النص هذا اسمه : نص احتمالي .

 

عدم تشريع العبودية في الإسلام إطلاقاً :


الآن مع عدة آيات متعلقة بالرق ، حينما تؤمن بالله الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، تؤمن به إلهاً عظيماً ، رحيماً ، عادلاً ، موجوداً ، واحداً ، كاملاً ، أسماءه حسنى ، صفاته فضلى ، وهذا تشريعه ، لابد من أن تفسر هذا التشريع تفسيراً إنسانياً .

أنا حينما أقبض على مقاتل ، وبإمكاني أن أقتله ، ولم أقتله ، حقنت دمه ، وجئت به إلى عندي ، وعاملته معاملة إنسانية تفوق حدّ الخيال ، كان أصحاب النبي يطعمون الأسير أفضل ما عندهم من طعام ، ويأكلون أردأه ، الأسير إنسان رأى نفسه معززاً ، مكرماً ، محترماً ، سيده يرحمه ، يطعمه ، يسقيه ، يطعمه مما يأكل ، يلبسه مما يلبس ، لا يكلفه ما لا يطيق ، أنا أعتقد أن تسعين بالمئة إن لم أقل تسعة وتسعين بالمئة من الأسرى الذين لم نقتلهم بل حقنّا دماءهم ، لم نقتلهم بالحرب بل حقنّا دماءهم ، وهم عطلوا تفكيرهم ، ولم يؤمنوا وحقدوا على هذا الدين ، عاملناهم معاملة لينت قلوبهم ، وأزاحت الحقد عن صدروهم ، ورأت أن المسلم إنسان رحيم ، منصف ، عادل ، عنده ذوق ، عنده رحمة ، فأنا أرى أن العبودية لم تشرع في الإسلام إطلاقاً ، بل شرع لتصفيتها ، لم تُشرع العبودية في الإسلام ، بل الذي شُرع من أجل تصفيتها ، لكنها واقع قائم ، لكن كيف تعامل الإسلام مع العبودية كواقع قائم بأساليب من أجل أن تصفى؟ 

 

حينما يغلق الآخر عقله لدعوتك يمكن أن تفتح قلبه بإحسانك :


أيها الإخوة ، الأسير بشكل أو بآخر أسير حرب ، وكان من الممكن أن يُقتل ونستريح منه ، لكن حقناً لدمه ، ورأفة به ، وطمعاً لهدايته ، عاملناه كأسير مع الإحسان إليه . 

قال أبو الحسن الماوردي في كتابه "أدب الدنيا والدين": وَحُكِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَى دَاوُد -عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلَامُ-: ذَكِّرْ عِبَادِي إحْسَانِي إلَيْهِمْ، لِيُحِبُّونِي؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُحِبُّونَ إلَّا مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهِمْ.

[ ذكره بعض العلماء في كتبهم بصيغة التمريض ولا يوجد في كتب السنة المسندة ]

حينما يغلق هذا الآخر عقله لدعوتك يمكن أن تفتح قلبه بإحسانك ، عندئذٍ يصغي لك ، يصغي لكلامك ، حينما يغلق عقله لبيانك افتح قلبه بإحسانك ، فإن فتحت قلبه بإحسانك أصغى لكلامك ، هذه الحالة التي سمح الله بها والرقيق قائم في المجتمعات .

لذلك الموازنة هذا الأسير إما أن أقتله ونحن في حرب ، والقتل جائز ، لأنك إن لم تقتله قتلك ، هذه حرب ، مثلاً عندنا أخلاق الحرب ، وأخلاق السلم .

أخلاق السلم :

﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)﴾

[ سورة فصلت ]

هذا السلم ، في الحرب :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (9)﴾

[ سورة التحريم ]

هذه أخلاق الحرب .

الحديث الآن عن الحرب لا عن السلم ، في السلم : ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ لكن بعض المسلمين اختلطت عندهم أخلاق الجهاد مع أخلاق الدعوة ، إذاً أنت بين خيارين ، أنت قائد جيش ، وفي معركة ، والطرف الآخر يريد أن يقتلك ، لكنك انتصرت عليه ، فإما أن تقتل جنوده واحداً تلو الآخر ، وإما أن تأسرهم ، إن أسرتهم أبقيت على حياتهم ، وحقنت دماءهم ، طمعاً في هدايتهم ، انتظاراً كي يفتحوا لك قلوبهم بإحسانك حتى يفتحوا لك عقلهم لبيانك .

 

تشريع الإحسان للأسرى :


هذا المنطلق تطبيقات سيئة شيء آخر ، لا علاقة لنا بالتطبيقات ، علاقتنا بالمنطلقات ، هذا هو الدين ، أما مسلمون أساؤوا فهم هذا الدين ، لم يفهموا حقيقة هذا الدين ، ظنوا أن الأسر مكسب ، هم بعيدون عن حقيقة هذا الدين بعد الأرض عن السماء ، فبقاء الأسير على قيد الحياة أمر مطلوب ومرغوب ، لذلك شرع الله سبحانه وتعالى الإحسان للأسرى ، أجمل كلمة قرأتها في معاملة الأسرى : كان أصحاب رسول الله يطعمون الأسير أطيب الطعام ، ويأكلون أردأه .

لا تبتعدوا كثيراً ، هناك أُسر تستقدم خادمة ، تعاملها كابنتها تماماً ، كالابنة ، الطعام ، والشراب ، والثياب ، والغرفة الدافئة ، ولا تكلفها ما لا تطيق ، وقد تكون هذه الخادمة ليست مسلمة ، إذا بها بعد حين تُسلم ، الفكرة ، أحياناً الإنسان يغلق عقله لبيانك .

أنا أذكر أن صحفية بريطانية وقعت في أسر جماعة مسلمة في شرق آسيا ، تفننت في إحراجهم ، تخلع ثيابها أمامهم ، يغضون عنها البصر ، تطلب طعاماً نادراً يأتون به إليها ، مكثت أشهراً ، هي تحمل حقداً على الإسلام يفوق حدّ الخيال ، تفننت في إحراجهم ، وفي استفزازهم ، ثم أطلقوا سراحها ، عقدت مؤتمراً صحفياً أول كلمة قالتها : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وهي الآن من الداعيات الكبيرات في بريطانيا ، كيف أصبحت داعية ؟ والله لا أبالغ أعرف قصتها تفصيلاً ، تنطوي على حقد على هذا الدين يفوق حدّ الخيال ، لما رأت الذين أسروها كيف عاملوها ، كيف أكرموها ، كيف أطعموها ما تشتهي ، كيف حققوا لها مطالبها ، وحينما استفزتهم بخلع ثيابها غضوا عنها البصر ، تقول في المؤتمر الصحفي : طموحي في الحياة أن يتزوجني واحد من هؤلاء .

أعطيكم فكرة مع أن الإسلام شرع لتصفية الرق ، لكنه كان قائماً وراسخاً في كل المجتمعات ، وأصلاً في الحياة الاجتماعية عند كل الشعوب ، فلذلك الإسلام واقعي ، هذا النظام نظام العبودية سعى جاهداً لتصفيته .

 

صمود الدين الإسلامي بالرغم من كثرة أعدائه وخصومه :


أيها الإخوة ، الحقيقة الإسلام ما أكثر أعداءه ! وما أكثر خصومه ! وما أكثر التهم التي تنصب عليه ! وأقسم لكم بالله لولا أن الإسلام دين الله لانتهى من ألف عام ، لكنه دين الله بقي صادماً أمام أعدائه .

مرة أحد أصدقائي ، رئيس الجالية الإسلامية في أمريكا ، قال لي : أجريت دراسة كلفتني سنتين ، حول أعمال العنف في أمريكا ، اتصل بكل مراكز الشرطة ، المفاجأة التي لا تصدق أن نسبة المسلمين الذين يقومون بأعمال العنف لا يزيدون عن اثنين في المئة ، والإعلام العالمي يروج أن كل عميل وراءه مسلم .

الحقيقة يجب أن تبحث عنها ، فهذه التي تحقد على الإسلام حقداً يفوق حدّ الخيال عندما رأت معاملتهم حينما بالغت في استفزازهم ، حينما أوقعتهم في حرج في طلباتها ، حينما أكرموها بتوجيه نبيهم ، وأطلقوا سراحها بعد شهرين ، في أول كلمة قالتها في المؤتمر الصحفي أنها أعلنت إسلامها ، وأنها تتمنى أن تحظى بزوج من هؤلاء ، هذا الدين دين الله عز وجل .

والآن أقول لكم مثلاً من واقع المسلمين : في بيوت كثيرة من كل بلاد المسلمين فيها خادمات ، بعض الخادمات لسن مسلمات ، المعاملة الطيبة جداً ، الإكرام ، حينما تعامل هذه الخادمة كبنت من بنات صاحب البيت ، ما الذي يحصل ؟ تُسلم .

حدثني إنسان قال لي : إنسانة في هذا البلد الطيب لا تقبل إلا خادمة غير مسلمة ، يقول لها : عجيب ، طلب غريب ، قالت له : أريدها غير مسلمة ، المفاجأة أنها كلما جاءت بخادمة غير مسلمة من خلال المعاملة الطيبة ، والإكرام تسلم ، أرادت أن تتقرب إلى الله بتعريف هؤلاء بالإسلام .

أنا أقدم لكم تمهيدات ، الموضوع دقيق جداً ، الرق لم يشرعه الإسلام إطلاقاً ، بل كان موجوداً ، وواقعاً وقائماً .

لذلك مثلاً : سابقاً في الجاهلية قد يرتكب أحد جناية في حق الآخر ، ولا يقدر أن يقدم الدية ، فيقول له : خذني عبداً - أقول لكم ما يجري في الجاهلية - إنسان ارتكب جريمة قتل ، وليس معه دية ، فيقول لولي المقتول : خذني عبداً ، هذا مصدر ، أو خذ ابنتي جارية ، وآخر يكون مديناً بمبلغ كبير ، يقول لمن دينه هذا المبلغ : خذ ابني عبداً ، أو ابنتي جارية ، لذلك كانت مصادر الرق متعددة ، ولم يكن للعتق إلا مصرف واحد هو إرادة السيد أن يعتق عبده ، أو أن يحرره فقط ، أي مصرف واحد اختياري وأنواع منوعة من مصادر العبودية ، في الحرب ، في الجريمة ، في القتل ، في الدَّين الباهظ ، في بعض التبعات .

 

الإسلام جعل الرق نوعاً من الدعوة إلى الله يقوم على أساس المعاملة الطيبة :


لذلك كان عدد العبيد يتزايد ، المصادر كثيرة ، والمصرف واحد ، والمصرف الواحد اختياري ، على مزاج السيد ، عندما جاء الإسلام كيف عالج هذه المشكلة ؟ 

عمل على تصفية الرق ، كيف عالجها ؟ أولاً : ألغى كل مصادر الرق ، إنسان ارتكب جناية ، يقول له : خذني عبداً ، أو خذ ابنتي جاريةً ، إنسان عليه دين باهظ لا يطيق سداده ، يقول : خذني عبداً ، أو خذ ابنتي جارية ، هذا في الإسلام محرم أشد التحريم ، ماذا فعل الإسلام ؟ جفف مصادر الرق ، أبقى على رق واحد هو رق الحرب ، إنسان يحاربك وبإمكانك أن تقتله ، ضمن الحرب القتل جائز في كل العقائد العسكرية في العالم ، لكن المسلم يوجد بقلبه رحمة ، هذا الذي يحاربه يجهل حقيقة هذا الدين ، يجهل علة وجود الإنسان ، لذلك يبقي على دمه ، ويأخذه أسيراً ، ويعلمه الإسلام ، لا بالمنطلقات النظرية بل بالتطبيقات العملية ، يعامله معاملة طيبة جداً ، والشاهد الكبير ، كان أصحاب النبي الكريم يأكلون أردأ الطعام ، ويطعمون أطيبه للأسرى استجلاباً لقلوبهم ، ودعك من كل الأمور الأخرى . 

أنت عندك معمل ، عندك عامل ، هذا العامل غير مسلم ، رأى من كرمك ، من إحسانك ، من رحمتك ، من عطفك ، زوجْته ، أكرمته ، بعد حين يميل إليك ، هذا الشيء يقع كل يوم ، ما دام الرق قائماً ، حقيقة قائمة في جميع المجتمعات ، أراد الإسلام أن يجعل من الرق نوعاً من الدعوة إلى الله ، تقوم لا على أساس الإقناع الجدلي ، بل تقوم على أساس المعاملة الطيبة ، الفكرة واضحة إلى هنا ؟

دائماً وأبداً هناك بون شاسع بين المنطلقات النظرية أحياناً ، وبين التطبيقات العملية ، الأمور بعد حين تأخذ طابعاً نفعياً ، تأخذ طابعاً غير صحيح ، لكن كما قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.  ))

[ أبو داود  ]

يكون هناك مفاهيم طرأ عليها خطأ كبير ، فهم سقيم ، بعد عن الحقيقة . 

 

أول إجراء جاء به الإسلام كل رقٍّ من غير الحرب المشروعة حرام :


أيها الإخوة ، إذاً الإسلام عايش الرق كواقع قائم ، وأراد أن يصفيه عن طريق منع مصادره إلا مصدراً واحداً هو الحرب ، إنسان جاء ليقاتلك ، ولك أن تقتله ، لا ، احقن دمه ، هو أخوك في الإنسانية ، ليرى منك المعاملة الطيبة ، القلب الرحيم ، العطف ، الحنان ، عندئذٍ يميل إليك .

أول إجراء جاء به الإسلام كل رق من غير الحرب المشروعة حرام ، ولا يجوز الاسترقاق من غير طريقة الحرب ، الآن بالعكس وفتح الإسلام أبواب العتق على مصارعه ، الواقع السابق قبل الإسلام المصادر متنوعة كثيرة والمصرف واحد ، الآن المصادر أُغلقت بكاملها ، ولم يسمح إلا باسترقاق الحرب ، إنسان جاء ليقتلك ، حقنت دمه ، وعلمته الإسلام بالتطبيق العملي ، وفتح بالعكس أنواع الإعتاق ، أول شيء جعل عتق العبد كفارة لعدد من الذنوب ، فعتق رقبة ، فأغلق أبواب العبودية وما أكثرها في الجاهلية ، وأبقى باباً واحداً على المعاملة بالمثل ، أنت معقول تحارب جهة هي تأخذ أولادك ، وتسترقهم ، وتجعلهم عبيداً ، وأنت بسذاجة تأخذ أولادهم فتطلق سراحهم ؟ مستحيل ! سمح الإسلام ـ والرق قائم ومنتشر في كل أرجاء البلاد ـ مرحلياً بالمعاملة بالمثل ، فما دام أعداء الدين أخذوا الأولاد وجعلوهم عبيداً فأنت مسموح لك فقط في الحرب ، في الحرب الدينية ، في حرب نشر الإسلام ، في حرب نقل الهدى إلى أطراف الدنيا ، في الحرب التي انتقلت من قوله تعالى : 

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)﴾

[ سورة البقرة  ]

سمح الإسلام مرحلياً باسترقاق المقاتل وحقن دمه لا قتله ، جاء إلى بيتك رأى رحمتك ، أنا أقول كلاماً دقيقاً جداً ، رأى كرمك ، رأى عدلك ، رأى إنصافك ، أحبك ، قال :

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) ﴾

[ سورة التوبة  ]

صار أخوك .

 

الهدف من الإحسان إلى الأسرى :


كلمة ﴿ فَإِنْ تَابُوا ﴾ أي أنا جعلته عندك أسيراً كي يؤمن من خلال معاملتك له ، ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ انتهى الأمر ، معنى ذلك سمحت لك أن تأخذه إلى بيتك ، لا من أجل أن تستخدمه ، لا من أجل أن تستغله ، لا من أجل أن تتعبه ، لا من أجل أن تقضي عليه ، من أجل أن تهديه إلى الله ورسوله ، ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ .

إذاً حرم الإسلام كل مصادر الرق إلا الذي يحاربك في الدين ، ينبغي ألا تقتله ، ألا تبيده ، الآن حرب إبادة الآن ، الآن في العالم حرب إبادة .

بدولة في شرق أسيا جمعوا خمسة آلاف في قلعة وأبقوهم من دون طعام وشراب حتى شربوا بولهم ، وأكلوا لحم بعضهم ثم قصفوهم وقتلوهم .

العبيد بأمريكا قتل منهم ثلاثمئة مليون ، في بعض البلاد ساقوهم مسيرة إلى شمال سيبيريا أكثر من ألفي كيلو متر ، خمسة وتسعون بالمئة منهم مات في الطريق ، لو تقرؤون ما يجري في العالم من ظلم ، وقهر ، الإسلام جعل هذا النظام السائد القائم كواقع جعله طريقاً للهدى . 

كان الصحابة الكرام يأكلون أردأ الطعام ، ويطعمون الأسرى أطيبه ، وثمامة بن أثال الذي وقع أسيراً ، رُبط في سارية المسجد ، مرّ به النبي قال : ما وراءك يا ثمامة ؟ قال : إن تقتل تقتل ذا دم - أنا قاتل - وإن تعفو تعفو عن شاكر ، وإن أردت الفدية فاطلب ما تشاء ، في اليوم التالي مرّ به أعاد القول ، في اليوم الثالث أطلق سراحه ، فغاب واغتسل وعاد ليشهد أنه لا إله إلا الله ، هذا شاهد من شواهد كثيرة . 

القصد أن هذا أخوك في الإنسانية ، ينبغي أن تأخذ بيده إلى الله ، هو عطل عقله عن سماع كلامك ، أردت أن تفتح قلبه بإحسانك ، فلعل عقله يصغي إليك ، واضح ؟ 

 

الإسلام جعل العبودية طريقاً للهداية وسبباً للإحسان وسبباً لفتح القلوب :


والله الذي لا إله إلا هو لا يمكن أن يكون الدين إسلامياً إلا هكذا ، وأي فهم آخر يكون فهماً جاهلياً ، فهماً خاطئاً ، الإسلام دين خالق الأكوان ، أي حينما تغلق عقلك عن فهم هذا الدين نقنعك بهذا الدين من باب المعاملة الطيبة ، والآن أنت مسموح لك كمسلم أن تعامل الآخر معاملة طيبة ، والنتائج باهرة وغير متوقعة ، ضربت مثل الخادمة أحياناً ، تكون غير مسلمة ، بالمعاملة الطيبة تسلم ، ليس بعيداً عنكم ما جرى في سجن أبو غريب في العراق ، كلهم أسرى ، الأعمال التي مارسها المحتلون مع هؤلاء الأسرى ، العقل لا يصدقها ، وليس غريباً عنكم ما جرى في سجون بأمريكا ، أنواع التعذيب تفوق حدّ الخيال ، أنواع الإذلال ، التعرية الكاملة ، الكهرباء ، الماء ينهمر مدة أربع وعشرين ساعة في أيام الشتاء ، شيء يفوق حدّ الخيال ، نحن نطعمه أطيب الطعام ، ويأكل أصحاب البيت أردأه ، العبودية كانت قائمة والرق قائم ، فجعل الإسلام هذه العبودية طريقاً للهداية ، سبباً للإحسان ، سبباً لفتح القلوب . 

 

إعتاق الرقاب من أعظم الأعمال التي تقربك إلى الله :


إخواننا الكرام ، بل قول الله عز وجل : 

﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) ﴾

[ سورة البلد ]

جعل إعتاق الرقاب من أعظم الأعمال التي تقربك إلى الله . 

﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) ﴾

[ سورة البلد ]

إعتاق عبد ، أعظم عمل تتقرب به إلى الله إعتاق العبيد لتصفية الرق ، جاء الإسلام والرق قائم في العالم كله ، ماذا فعل الإسلام ؟ أغلق كل المصادر عدا مصدراً واحداً لا بد منه ، الذي يحاربك جاء ليقتلك ، بدل أن تذبحه ، وأن تصفيه ، وأن تبيده ، أخذته وفتحت قلبه بإحسانك ، ففتح عقله لبيانك ، فأسلم ، فأصبح أخاك في الله ، وانتهى الأمر ، واضح تماماً ؟

لكن من لم يرتكب ذنباً يوجب عتق رقبة ، ولا أعتق رقبة بأريحية إيمانية ، لم يرتكب ذنباً يوجب إعتاق هذا العبد بحسب التشريع ولا أعتق رقبة حباً بالله عز وجل ، وعنده عبد ، قال : هؤلاء العبيد ، الآن دقق لرسول الإنسانية :

(( عن المعرور بن سويد قال : لقيت أبا ذر بِالرَّبَذَةِ وعليه حلة وعلى غلامه حلة ، فسألته عن ذلك فقال : إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم :  يا أبا ذر أعيرته بأمه ؟! إنك امرؤ فيك جاهلية ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم  .  ))

[ متفق عليه ]

هذا المنهج ، أخوك وقع تحت يدك ، ينبغي أن يأكل مما تأكل ، وأن يلبس مما تلبس ، وألا تكلفه ما لا يطيق ، وإن كلفته فأعنه ، أصبح مثل أحد أفراد البيت ، وماذا تخاطبه؟ يا عبدي ، أعوذ بالله ، يا فتاي ، أنت كابني ، هذا الإسلام ، وفوق ذلك شرع الإسلام لعتق العبيد ، جعل عدداً كبيراً من الذنوب كفارتها إعتاق رقبة ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾ ، إذاً الإسلام جاء والرق موجود ، وأبوابه متعددة ومصرفه واحد ، أغلق كل أبوابه على الحرب وفتح مصارف لا تعد ولا تحصى تمهيداً لتصفيته . 

 

تحريم أخذ الأسرى لأعمال دنيوية :


أيها الإخوة ، لكن لو أن الإنسان أراد هذا الأسير من أجل عرض الدنيا ، كأن يطمع بمن يخدمه ، أو بامرأة يقضي منها حاجته ، أو بمال يبغي به رغد العيش ، كل ذلك مرفوض ، والدليل : ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ أي ممنوع في التشريع الإسلامي أن تأخذ الأسير كي يخدمك ، أو أن تأخذ الأسيرة كي تقضي حاجتك منها ، أو أن تأخذ الأسير ليعينك في أعمالك ، ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا ﴾ الله عز وجل في أصل التشريع شرع - والأسر قائم والعبودية قائمة - تشريعاً مرحلياً لتصفية العبودية قولاً واحداً ، فأغلق كل مواردها إلا مورداً واحداً مورد الحرب ، وفتح الأبواب على مصارعها لعتق العبيد :

﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14)﴾

[ سورة البلد ]


الرق في الإسلام تشريعه مرحلي من أجل تصفيته كلياً :


أيها الإخوة ؛ شيء آخر : هذا أصل التشريع ، هذا هو الإسلام ، هذا هو منهج الله ، هذا هو المنهج الإنساني ، والرق في الإسلام تشريعه مرحلي من أجل تصفيته كلياً ، تصفيته بأن أغلق كل الأبواب ، وأبقى باب الحرب التي تهدف إلى إعلاء كلمة الله ، وكأن هذا الأسير بدل أن تقتله حقنت دمه ، وجئت به إلى البيت ، وفتحت قلبه بإحسانك ففتح لك عقله لبيانك ، فآمن فبعد أن آمن أصبح أخوك في الإنسانية ، وانتهى كل شيء ، لذلك اجتهاد النبي الكريم وأصحابه الكرام ﴿ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ هم لم يعصوا أمر الله عز وجل ، لكن التشريع جاء مع الذي حصل ، أحياناً أنت واجهك موقف ، اجتهدت وقفت هذا الموقف هذا ليس معصية ، لكن حينما يأتيك التشريع وتخالفه هذا يُعد معصية ، فأصحاب النبي الكريم اجتهدوا اجتهاداً سواء أقره الوحي أم لم يقره ، هم ما فعلوا شيئاً ومعهم أمر سابق لكنهم اجتهدوا ، والحديث عن اجتهاد الصحابة حديث سوف نأتي عليه إن شاء الله في درس قادم . 

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور