وضع داكن
15-04-2024
Logo
الدرس : 2 - سورة مريم - تفسير الآيات 04 - 15‏ ، الدعاء مخ العبادة+ العناية بالأولاد + الولد الصالح هبة الله.
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

 

الدعاء مخ العبادة :


أيها الأخوة الكرام  ؛ لا زلنا في قصة سيدنا زكريا عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، ودائماً أقول لكم : إن قصص القرآن الكريم ليس القصد منها أن نقف على أخبار السابقين من الأنبياء والمرسلين ، أن نستنبط من هذه القصص قواعد نسعد بها في حياتنا الدنيا ، سيدنا زكريا يقول :

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً (4) ﴾

[ سورة مريم ]

هذه الآية تكفي ، " ولم أكن بدعائك رب شقيا " ، أي يا ربي أنا لا أشقى أبداً إذا دعوتك ، مادمت أدعوك فلا أشقى ، " ولم أكن بدعائك رب شقيا " .

صورة منتزعة من الواقع ، أحياناً الإنسان يحمل بيده أشياء ثقيلة في أيام الشتاء الباردة ، ويرتدي ثياباً غليظة ، فلو سأله طفل صغير : كم الساعة ؟ يضطر أن يضع الحاجة على الأرض ، وأن يرفع بيده اليمنى كمه الأيسر ، ويقول له : الساعة السابعة يا بني ، ألا يستحي رجل وقور من طفل صغير ألا يرد عليه ؟ الله عز وجل يقول : 

﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (60)﴾

[ سورة غافر ]

 ما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا ، لذلك : " ولم أكن بدعائك رب شقيا " ، لا يمكن أن يشقى مؤمن دعا الله عز وجل ، والدعاء أيها الأخوة مخ العبادة ، جوهر العبادة ، قمة العبادة ، ولا سيما إذا كنت محتاجاً ، الدعاء عند الحاجة رقة ، فهذه أول نقطة ، " ولم أكن بدعائك رب شقيا " ، ويجب أن يقول هذا الكلام كل مؤمن ، يا ربي أنا لا أشقى بدعائك .

يوجد نقطة مهمة ، ماذا يوجد مصيبة كبيرة تفوق حد الخيال ؟ إنسان يجد نفسه فجأةً في بطن حوت ، في ظلمة بطن الحوت ، وفي ظلمة الليل ، وفي ظلمة البحر ، سيدنا يونس . 

﴿ وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (86) فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين(87)﴾

[ سورة الأنبياء ]

 ثلاث ظلمات ، " فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، فاستجبنا له ونجيناه من الغم " ، والقصة انتهت اسمعوا التعقيب : " وكذلك ننجي المؤمنين " ، هذا الكلام يعنينا نحن الأحياء ، هل عندك مصيبة من أن تجد نفسك في بطن الحوت ؟ في الليل وفي بطن الحوت وفي ظلمة البحر ؟ ومع ذلك " فاستجبنا له " وليست له وحده ، والدليل : " وكذلك ننجي المؤمنين " لذلك : " ولم أكن بدعائك رب شقيا " ، اقرؤوا كتاب الأذكار للنووي ، يوجد دعاء إذا دخلت البيت ، دعاء إذا خرجت من البيت ، دعاء إذا أصيب الإنسان بمرض ، دعاء إذا خاف الإنسان ، ما من حالة من حالات الإنسان إلا وهناك دعاء نبوي ، إذا دعوت الله بهذا الدعاء كشف الله عنك ما أنت فيه ، فهذه الآية : " ولم أكن بدعائك رب شقيا " لا يشقى إنسان يدعو الله ، لا يشقى إنسان يدعو الله أبداً . 

 

الله تعالى قادر على كل شيء :


النقطة الثانية :

﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5)﴾

[ سورة مريم ]

الملك تكون زوجته عاقراً لا يدع طبيباً بالعالم ، لا يوجد أمل ، هناك ملوك يحبون زوجاتهم ، وزوجته عاقر ، علم البشر كله ليس فيه حل لهذه القضية ، فما طلب شيئاً سهلاً ، قال: 

﴿ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً (8)﴾

[ سورة مريم ]

الإنسان أيها الأخوة من رحمة الله بالبشر أن المرأة عندها بيوض محدودة ، كذا ألف بيضة ، كذا مئة ألف بيضة ، هذه تنتهي في سن اليأس ، في 40 ـ 45 ـ 48 ـ 52 ـ نقول : دخلت المرأة سن اليأس ، لم يعد هناك إنجاب ، لو كانت هي منجبة يوجد عندها سن اليأس ، السبب أن البيوض محدودة ، تصور امرأة عمرها 90 سنة وحامل ، غير معقول ؟ أما الرجل فينجب بالتسعين ، أو في الثمانين ، انظر إلى حكمة ربنا عز وجل ، أن الرجل قدرته على الإنجاب مستمرة حتى الموت ، بينما المرأة قدرتها على الحمل محدودة إلى سن اليأس ، هذا من رحمة الله بالإنسان ، هو كان كبيراً في السن ، وامرأته عاقر .

﴿ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (9)﴾

[ سورة مريم ]

" قال كذلك " لا تستعظم شيئاً على الله عز وجل ، أشخاص كثيرون معهم أورام خبيثة والله أعرف صديقاً نما عنده ورم خبيث في الرئة ، أعرفه معرفة جيدة ، والأطباء الذين عالجوه  واتفقوا على أنه ورم خبيث من الدرجة الخامسة أعرفهم واحداً ، واحداً ، وزرته مرتين أو ثلاث في البيت ، وفي مرة والله بكيت ، ثم انحسر هذا المرض ، والله بلا علاج وبلا عملية ، والآن هو حي يرزق ، والقصة من اثنتي عشرة سنة ، أنا عندي عشرات القصص ، مهما كان الشيء مستعصياً ، مرض خبيث ، مرض في القلب ، في الكليتين ، الله على كل شيء قدير ، " قال كذلك قال ربك هو عليّ هين " ، إذا اعتقدت أن قدرة الله تتعلق بكل ممكن ، أي شيء الله عليه قادر أولاً : " ولم أكن بدعائك رب شقيا " ، ثانياً : الله على كل شيء قدير ، يوجد إنسان عنده زوجة سيئة ، يصلحها الله له ، عنده أولاد ، يصلحهم الله له ، عنده مرض ، الله يشفيه منه ، عنده فقر مدقع الله يغنيه ، العبرة أن تتصل بالله ، وأن تسأله .

 

متابعة الله عباده وحرصه على تزكيتهم وهدايتهم :


﴿ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً (11) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً (12) وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً (13) وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً (15)﴾

[ سورة مريم ]

وهذا الكلام لكل مؤمن طبق أمر الله بقوة ، ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ، " خذ الكتاب بقوة " ، لا تتقيد الرخص هذه مسموح فيها ، وهذه الله يسامحنا ، ونحن عبيد إحسان لسنا عبيد امتحان ، وهذه بلوى عامة ، لم يعد هناك شيء من الدين ، " خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا ، وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا " ، من حنان الله بنا ، وحرصه على هدايتنا ، وعلى تزكيتنا ، كنا كما نحن عليه ، كل واحد منا له عناية مشددة ، يقول لك : دخل العناية المشددة ، كل مؤمن بالعناية المشددة ، الله يتابعه ، يحاسبه ، يخوفه ، يطمئنه ، يرزقه ، يحجب عنه ، يضيع له ماله ، تصيبه أوهام ، أمراض ، مخاوف ، هذه هي العناية المشددة ، لولا رحمة الله بنا ، ولولا حرصه على تزكيتنا ، وهدايتنا ، وإسعادنا ، لما كنا كذلك .

أحياناً يبعثون شخصاً درس باختصاص نادر ، يقول لك : هذا كلف الدولة ثلاثمئة مليون ، وكل واحد من المؤمنين مكلف الآلاف ، ملايين الإجراءات التي تسوقه إلى باب الله عز وجل ، كل أفعال الله هدفها أن تسوق المؤمن إلى باب الله ، " وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا " ، لولا حرصنا على هدايته ، وتزكيتنا له لما كان تقياً ، إذا الإنسان أخطأ وبقي مخطئاً ، والله ما نبهه ، ولا خوفه ، ولا حذره ، إلى أن ينتهي أجله فدخل النار ، هذا ليس واقعاً ، " وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا " أي إذا الله وهب الإنسان ولداً صالحاً ، يحب أن يسجد لله عز وجل ، ويشكره على هذه النعمة ، الابن الصالح قرة عين ، " وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا " ، الابن الجبار ، العصي ، الشقي ، هذا يشقي والديه .

 

تربية أولادنا التربية الصالحة أكبر مهماتنا بالحياة :


لذلك أخواننا الكرام ؛ لو تفوقتم في الدنيا ، لو تفوقتم في كسب المال ، في نيل الشهادات العليا ، ولم تهتموا بأولادكم ، الإنسان يشقى بشقاء أولاده ، أي أحد أكبر مهماتنا بالحياة تربية أولادنا التربية الصالحة ، وشعور الأب حينما يرى ابنه في طاعة الله ، ليس جباراً ولا عصياً ، هذا الشعور لا يقدر بثمن ، لا يعرفه إلا الأب الذي رأى أبناءه كذلك ، فهذه القصة نستفيد منها  في ضرورة العناية بأولادنا ، نستفيد منها في خطورة الدعاء في حياتنا ، " ولم أكن بدعائك رب شقيا " ومهما كان الأمر فيما يبدو لك مستحيلاً هو على الله هين ، ومهما بدا لك الأمر مستحيلاً لأنه يخالف ما ألفه الناس ، احفظ ، " ولم أكن بدعائك رب شقيا " ، إذا كان طلبك كبيراً جداً ، الجواب هو : " هو علي هين " .

الشيء الثالث : ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط .

 

المصائب إعلام من الله للإنسان أنه أخطأ :


الشيء الأخير : لولا رحمة الله بنا ، وحنانه علينا ، وحرصه على هدايتنا ، لما كنا كذلك ، لكن كل واحد مكلف آلاف وملايين الأفعال الإلهية التي ساقته إلى بابه ، قصص كثيرة جداً ، يغلط الإنسان غلطة الله يعاقبه عليها ، ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم ، وما يعفو الله أكثر ، فإذا الله عز وجل ساق للإنسان الشدة لذنب ارتكبه ، الآن يوجد أب يضرب ابنه ضرباً مبرحاً دون أن يعلمه السبب ؟ لا يكون مربياً ، يكون هذا أباً جباراً ، إذا آلمه من ابنه شيء وبطش به ولم يعلمه السبب إطلاقاً ينشأ عند الابن حقد ، ويحتار لماذا ضربني والدي ؟! أما الأب الرحيم المربي يقول له : هذه من أجل كذا ، معنى ذلك أن كل مصيبة يسوقها الله عز وجل .

﴿ ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عَلِيمٌ (11)﴾

[ سورة التغابن ]

ربنا عز وجل إذا أرسل مصيبة يلقي في روعك أن هذه من أجل كذا ، هذا إلهام ، وفي طريق ثان ، توافق المصيبة مع الذنب يشعر أنها من أجل ذلك ، إما توافق ، أو لا ، شخص لم يدفع زكاة ماله ، الله أتلف له مال بقدر الزكاة ، هذا إعلام له ، إنسان نظر إلى الحرام دخل إلى بيته فشقي بزوجته ، دخل الشيطان إلى البيت ، من كلمة لكلمة أرسلها إلى بيت أهلها ، أهلها علموا بما فعل ، ثم طلقها ، ثم ندم عنده أولاد ، من أين بدأت المشكلة ؟ من إطلاق البصر للحرام ، أحياناً يكون العقاب من جنس الذنب ، هذا إعلام من الله ، وأحياناً الله يلقي في روعك أن هذه من أجل كذا ، هذا معنى : " وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا ، وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا " .

 

الابن الصالح فضل من الله عز وجل :


إذا شخص عنده ابن صالح لا يقل : أنا ربيته ، أنا اعتنيت فيه ، الله قال :

﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (27)﴾

[ سورة العنكبوت ]

"وهبنا" ، ممكن تكون أكبر علماء العالم ويأتيك ابن شقي ، سيدنا نوح أليس نبياً ؟ ألم يكن ابنه كافراً ؟ كان كافراً ، لا أحد يعزي ابنه الصالح لتربيته ، وأنا مهتم فيه من صغره ، أنا حريص عليه ، هو جيد عملك ، لكن قل : هذا من فضل الله عليّ ، الذي عنده ولد يصلي ، صالح لا يسبب له متاعب ، قرة عين له ، يجب أن يشكر الله ليلاً نهاراً على أنه وهب له هذا الابن الصالح .

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور