وضع داكن
18-05-2024
Logo
مدارج السالكين - الدرس : 078 - الحياة - 2 الفرق بين الأخلاقي واللا أخلاقي
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

        الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

تمهيد :


        أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس الثامن والسبعين من دروس مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وقد سبق أن تحدَّثنا عن منزلة الحياة، وهذا الدرس جزءٌ ثان لِمَنزلة الحياة التي عدَّها مؤلّف الكتاب أحد مدارج السالكين, في منازل إياك نعبد وإياك نستعين.

        أيها الإخوة الكرام ؛ بادئ ذي بدء ، أحدُ كبار العلماء يقول: 

الإيمان هو الخُلق، فمن زاد عليك في الخلق, زاد عليك في الإيمان.

        ولعلّه قال هذا القول استنادًا إلى أنّ الله جلّ جلاله حينما أثْنى على نبيِّه المصطفى -صلى الله عليه وسلّم- أثْنى عليه بِخُلقِه العظيم، مع أنَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- كان قائدًا, وكان زعيمًا، وكان محاربًا، وكان زوْجًا، وكان مجتهدًا, وكان قاضيًا, وكان وكان، كلّ هذه الخصائص الفائقة المتميّزة أغفلها القرآن الكريم, حينما أثنى على نبيِّه -صلى الله عليه وسلّم- أثنى عليه بِخُلقه العظيم.

        ولعلّكم تتساءلون ما السبب؟. 

السبب : أنّ كلّ هذه القدرات الفائقة التي تحلّى بها النبي صلى الله عليه وسلم, إنّما منَحَهَ الله إياها, لِتَكون أداةً فعّالةً في دعوته، هي ليسَتْ منه, من الله ، قد يُعطيك الله ذاكرةً دقيقة جدًّا، قال تعالى:

﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) ﴾

[ سورة الأعلى ]

              كان عليه الصلاة والسلام إذا نزلَت عليه السورة حفظها من أوّل مرّة، هذه قدرة عاليَة جدًّا، وهذه القدرة من الله تعالى، آتاه الحكمة, وهي هِبَة من الله، وقوّة في القلب، وآتاه حُسْن القيادة، وآتاه الرحمة، قال تعالى: 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

[ سورة آل عمران  ]

        ولكن بماذا أثنى عليه؟. 

أثنى عليه بما هو منه، وبما هو من كسْبِهِ, وبما هو نتيجة انتصاره على نفسه .

إذًا : 

لا يُعْقَل أن يمْنَحَ أبٌ ابنه سيارةً, ثمّ يُقيمُ حفلاً تَكريميّا لهذا الابن, لأنّهُ مُنِحَ هذه السيارة, لأنّ الابن لا دوْر له إلا أنَّه أخذ هذه السيارة ، واستمْتَع بها، أما إذا نجَحَ الابن بِدَرجة عاليَةٍ جدًّا في الامتحان, يُقام له حفل تكريم، لأنّ هذا التفوّق في نجاحه من جهده .

إذًا: 

اِجْعَل في ذِهْنك أنّ الذي يرفعُكَ عند الله تعالى لا ذكاءٌ فِطري منحهُ الله إياك، ولا شكلٌ وسيم جبلكَ الله عليه، ولا قدّ رشيق، ولا نسبٌ عريق, ولا إمكانات عاليَة، ولا ذكاءٌ عالٍ، ولا عقلٌ راجح، هذه كلّها خصائص خصّ بها بعض عباده، فهذا العبد إذا أراد أن يفتخر, لا ينبغي أن يفتخر بشيءٍ ليس من عنده، ولكن بماذا يفتخر الإنسان؟ بأخلاقه، لذلك الخُلُق هو الإيمان، والإيمان كَسبي، والخُلُق كَسْبي، وهذا الذي أراده الله عز وجل حينما أثْنى على نبيِّه, فقال: ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) .

هناك نماذج مؤلمةٌ حقًّا: يصلّي, ويصوم, ويحجّ, ويؤدّي الزكاة, وطبْعُهُ شرس، وكلماته قاسيَة، وقلبهُ قاسٍ كالصَّخْر؛ لا يلينُ, ولا يرحم, ولا يتساهل، لا يبتسم .

ما قيمة هذا الإيمان؟. وما قيمة هذه العبادات إذا كنت أداة تنفير من المجتمع؟. 

قال تعالى: ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) هناك قاعدة لهذا الخُلق العظيم، قال تعالى: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ) يا محمّد, بِسَبب رحمةٍ اسْتقرَّتْ في قلبك من الله, من خلال اتِّصالك به كنتَ ليِّنًا لهم .

        فالرحمة غير مرئِيَّة، أما اللِّينُ فهو شيءٌ مَرئيّ, منعكسُ الرحمة اللِّين، منعكسُ الرحمة التساهل، منعكسُ الرحمة إشفاق, منعكسُ الرحمة الخِدْمة، منعكسُ الرحمة العفو، منعكسُ الرحمة الحلم, منعكسُ الرحمة العطاء، فالرحمة شيءٌ داخلي.

        إنسانة تنام وقد عملَت عملاً شاقًّا، وإنسانةٌ أخرى تنام جنبها، إذا بكى طفل الواحدة استيقظت أمّه, لماذا؟ لأنَّ الله أوْدَع في قلبها الرحمة، لا يهدأ لها نوم إذا كان ابنها يبكي, فالرحمة شيء لا تظهر إلا منعكساته، قال تعالى: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ )

أعود وأُكرّر: من لا يرْحَمُ لا يُرْحَمُ، صاحب القلب القاسي بعيدٌ عن الله عز وجل .

علامة إيمانك: رحمةٌ في قلبك ترحم بها عباد الله وخلق الله.

        مرّة مررْتُ أمام بائع دجاج, يذبحُ الدجاجة, ويضعها فورًا في ماءٍ يغلي, من أجل أن يسهل عليه نتْفُ ريشها، في ماءٍ يغلي ! مخلوق لها إحساس, ذبحتها وحرقتها بالماء الذي يغلي:

من لا يرْحَم لا يُرْحم.

علامة اتِّصالك بالله رحمتك . 

الله رحيم، كلّ من اتَّصل به اشتقَّ من رحمته, فإن اتَّصلْت به أصبحت رحيمًا، والعكس: إن لم تكن رحيمًا, فهذا دليل أنَّك لسْتَ متصلاً به، وهذا دليل قطعي.

        وعليه الصلاة والسلام لحكمة بالغة قال .

(( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ, إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ  ))

[ أخرجه الترمذي في سننه ]

        أضاف إلى الدِّين الخلق، قد يصلِّي صلاةً شَكليّة وقلبهُ قاسٍ كالجلمود، وهذا عند الله مَطرود، وقد يصوم صيامًا شَكليًّا، وهو متكبّر عتُلٌّ جبّار، وقد وقد ..إذا جاءكم (( مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ ))

        قلتُ مرَّةٍ لأخٍ: لماذا يفحصون من يرغب نَيل إجازة سياقة الشكل التالي: يُكَلِّفونه أن يرجع بالمركبة إلى الوراء، وفي طريقٍ ضيِّق لا يزيد عن عرض عجلات السيارة، والطريق منعطفات، وهناك علامات على طرفيّ الطريق، فلو أخطأ عدّة سنتيمترات، وأبعد هذه الإشارة عن مكانها يرسب -سؤال دقيق-, هذا أصعب شيء في القيادة؛ أن ترجع إلى الوراء في طريق ضيِّقٍ جدًّا، وهناك علامات تظهر واضحةً إذا أخطأت, والطريق متعرِّج, فإن أحسنْتَ الرّجوع، فقد تُحْسنُ أيَّ نوعٍ من القيادة, والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: 

   

((     فعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي, وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ ))

[ أخرجه الترمذي في سننه ]

        الإنسان خارج بيته له قواعد عامّة، إذا تجاوَزَ الإشارة هناك شرطي, وإذا تهجَّم على إنسان هناك محكمة، وإذا استعلى على مدير عملهِ يطردهُ، وإذا تكلّم كلاما بذيئًا يحتقرهُ الناس، وإذا ضرب من دونه يحقد عليه الناس, هناك روادع وضوابط ، أما في البيت لا يوجد من يُحاسبُه فهو ربّ الأسرة، فإذا انضبط الإنسان في بيته, وكان رحيمًا ومتواضعًا، معنى ذلك أنّه في الأعمّ الأغلب: منضبط خارج المنزل، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: (( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي, وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ )) .

             أعجبُ أحيانًا! أستمع إلى قصص لِهَوْلها لا تُصدّق: إنسان يضرب زوجته ضربًا مبرِّحًا وهو يُصَلِّي، يضرب زوجته أمام أولاده وبناته، أو يحقِدُ على أولاده فيطردهم خارج المنزل, ولا يعبأ أين ناموا؟ ومع من أقاموا؟ ويُصلّي!! هذا القلب القاسي ما ذاق طعْم الصلاة ، هذا القلب القاسي ما ذاق طعم القرب من الله عز وجل، الله رحيم، وكلّ من اتَّصل به اشْتقّ من رحمته، فأنت علامة إيمانك رحمتك، وعلامة إيمانك عدلك, وعلامة إيمانك تواضعك، وعلامة إيمانك بذْلَكَ، وعلامة إيمانك كرمك, وعلامة إيمانك شجاعتك، الإيمان هو الخُلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان.

        والذي ذكرتُه قبل قليل: من أنّ الله عز وجل ما أثنى على نبيّه إلا بِخُلقه العظيم، وما سوى ذلك مِنَحٌ من الله عز وجل.

        مرّةً كنتُ في عقْد قِران، وقد أُثْنِيَ على أحد الحاضرين ثناءً عاطرًا، وكان أحدُ الحاضرين من علماء دمشق، وقف وخطب وقال: نقل كلمة لابن عطاء الله السَّكَندري، ما مدحك من مدحك إلا ومدح من منحك، فإذا آتى الله حكمة لإنسان، فالمانح هو الله تعالى، آتاه رحمة, المانح هو الله, آتاه إدراكاً دقيقاً, المانح هو الله، ما الذي نِلْت؟ الخُلق، الخُلُق عمليّة ضبْط فقط، أن تقول أيّة كلمة, وقلتَ كلمة الحقّ، يمكن أن تنظر إلى أيّ جهةٍ, ونظرت إلى الحقّ، ولم تنظر إلى الباطل، ويمكن أن تستمع إلى كلّ شيءٍ, فاسْتمعت إلى ذِكر الله وحده، عمليّة ضبط اللّسان والسمع والبصر والرّجل، ضبط العلاقات، ضبْط الدّخل، ضبْط الإنفاق, الدِّينُ كلّهُ ضَبْط.  

 

الفرق بين الأخلاقي واللاأخلاقي :


        يحْلُو لي أحيانًا أن أقول عن إنسان: لا دين له، وقاسٍ، ووقِح، مُتَهجِّم, فأقول: هو دابّة بهيمة، المؤمن كائنٌ راقٍ منضبط، يضبطُ لسانه وعينهُ وسمعه وبصرهُ وحركتهُ وإنفاقه ودخله، والإيمان هو ضبط، والضبط خُلُق, كلّ إنسان إذا أخطأ ابنه خطأً شديدًا, بإمكانه أن يضربهُ ضرْبًا مبرِّحًا, ولكن أن ينصحُه أولى، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال:

(( علِّموا ولا تُعَنِّفوا، فإنّ المعلّم خير من المعنّف ))

[ أخرجه الحارث في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

        فالأخلاقيّ حيّ، وغير الأخلاقيّ ميّت.

 

منزلة الحياة.


        الشيء الثابت أنّ حياة الجسد لا قيمة لها إطلاقًا، العبرة حياة القلب, والدليل: الله عز وجل قال: 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)﴾

[ سورة الأنفال ]


        فأنت حيّ إذا اسْتجبْت لله ولرسوله، حياتك بهذه الاستجابة، فإن لم تسْتجب فأنت مع الموتى:

ليس من مات فاستراح بميِّتٍ إنما الميّت ميِّتُ الأحياء

        أحيانًا تجلس مع إنسان ماديّ وشهواني، أيّة قيمةٍ دينيّة أو قيمة أخلاقيَّة تحت قدمِه، مُسْتَعِدّ أن يفعلَ كلّ شيءٍ من أجل مصلحته, مُستعدّ أن يفعل أيّ شيءٍ ولو كان محرَّمًا من أجل الدّرهم والدينار، هذا ميّتٌ ولا نبْضَ له، لأنّه عديم الأخلاق، لا يستحي، ولا يخجل، ولا يشعر بِذَنب، ولا يندم إطلاقًا، ويأخذ ما حلى له، ويضرب ويشتم.

 

من هو المفلس؟ :


        بالصحاح أحاديث لو عقَلَهَا الناس لارْتَعَدَت فرائصهم.

   

((     فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: أَتَدْرُون مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا -يَا رَسُولَ اللَّهِ- مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, وَسَفَكَ دَمَ هَذَا, وَضَرَبَ هَذَا, فَيَقْعُدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْخَطَايَا, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ   ))

        إنسانٌ عاتب إنساناً، فقال له: لقد اغْتبتني وبلغني ذلك، فقال له: ومن أنت حتى أغْتابك؟ لو كنتُ مغتابًا أحدًا لاغْتَبْتُ والديّ, لأنهما أحقّ بحسناتي منك, هذا الإنسان مؤمن, وموقِن أنّ المُغتاب سوف يخسر من حسناته، وسوف يأخذها من يغتابه، وهذا بِنَصّ حديث للنبي عليه الصلاة والسلام، فإذا لم يستمع الإنسان للغيبة يصبحُ إنسانًا راقيًا. 


هذا المؤمن الحق :


            وقد سمعتُ عن الشيخ بدر الدّين -رحمه الله تعالى- ما تجرأُ أحدٌ أن يغتابَ أحدًا أمامه, كان يقول: يا أخي اُسكتْ أظلم قلبنا, تجد المجلس فيه راحة، وفي مجالس أخرى يغتاب فيها الناس، يُعَرَّوْن، كلّ مسالبهم تُفْتضح في مجلس، أما المؤمن لا يسمحُ أن يُغتاب في حضرته أحد ، النبي الكريم قال: 

من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدَّثهم فلم يكذبهم, ووعدهم فلم يخلفهم, فهو ممن كملت مروءته, وظهرت عدالته، ووجبت أخوّته، وحرمت غيبته

        كلّ إنسان صحَّتْ عقيدته، وصحَّ عمله، وأدَّى عباداته ممنوع أن تغتابهُ ، الأخلاقي حياته أخلاقه، لو عملَ عملاً فيه خطأً, يتألَّم ألمًا لا حدود له، إنسان وثقَ بك فأسأتَ به الظنّ، إنسان تقرَّب إليك فنَهَرْتهُ، إنسانٌ علَّق عليك الأمل فيأَّسْتهُ، إنسان ما ارتكبَ ذنْبًا وبَّخْتهُ، إنسان يجْهدُ لإرضائك فَغَضَّبْتَهُ، فالإنسان حينما يُسيء ولا يتأثّر, فمعنى ذلك أنَّه ميّت, المؤمن إذا ارتكبَ خطأً لا ينام الليل، هناك حديث يحار الناس في تفسيره.

        عَنْ أَبِي أَيُّوبَ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: 

(( قَدْ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ, لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ وَيَغْفِرُ لَهُمْ ))  

[       الحديث على ظاهره غير مقبول، مع أنّه في الصِّحاح, ولكنّ المعنى هناك: أنَّه لو لم تُحسُّوا بِذُنوبكم, لكنتم هلكى عند الله, لذهَبَ الله بكم. ]

        علامة حياة أخوتنا الكرام؛ إذا أذْنَب يعتذر، يقول لك: سامحني, أخطأتُ, نسيتُ, ما قصدتُ، أتمنَّى أن لا تغضب عليّ، يُقدِّم هديَّة تكفيرًا لِذَنبهِ، أما إن لم يحسّ بما فعل, فمعناه أنّه ميّت، إذا الإنسان ارتكب الذّنب, ولم يعبأ باعتِذارٍ ولا بإصلاح ذات بينٍ, هذا إنسان ميّت.

 

الفقرة الثانية من منزلة الحياة .


        هناك حياة الأخلاق؛ فأنت حيّ لأنّك أخلاقي، فإن لم تكن أخلاقيًّا فأنت في حُكْم الموتى، هناك أزواج يتزوّجها, يحملُها على تسجيل بيتها له، وتُسجِّلُهُ ثمّ يُطلّقُها ، أو يطردها، أسمعُ قِصَصًا أحيانًا لا أصدّقها، طرَدَ زوْجته وتركها بالطريق , الساعة الثانية ليلاً, هذا ميّت، أنت حيّ إذا كنتَ أخلاقيًّا، قد تكون فقيرًا، وقد يكون الفقْر وِسام شرفٍ لك، ولكنَّك تحرصُ على أهلك، هناك إنسانٌ دَخْلُه محدود, وقد يكون في أعلى عِلِيِّين, أساسًا النبي -عليه الصلاة والسلام- كان فقيرًا.

        وقد يسألك أحدكم : لماذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- إنسانًا فقيرًا وضعيفًا؟.

 سؤال وجيه: لو كان غنِيًّا مُتْرفًا لما صدَّقه الناس، ثمّ هناك أمر مهمّ جدًّا: أنت حينما تقول للفقراء: اصْبِروا وأنت غنيّ, هذا الكلام يجرحهم، ماذا يقولون لك؟ لو ذُقْت طعْم الفقْر لما قلتَ هذا الكلام, أما النبي فقد كان فقيرًا، كان إذا دخلَ بيته ولم يجِدْ طعامًا, يقول: اللهمّ إنِّي صائم.

        الآن: لا يوجد مِنَّا من يدخلُ بيته, ولا يجد شيئًا إطلاقًا يأكلهُ، فالقضيّة الحياة هنا هي حياة الأخلاق، فقد تكون فقيرًا، وصاحب دخْل محدود، وقد يكون الإنسان مريضاً ومعذباً في بيته, وفي عمله، كلّ هذا ممكن، أما إذا كان غير أخلاقيّ, هذا الذي هو وصْمةُ عارٍ في الإنسان. 


حياة الأخلاق تطبعُ على الحياء والعِفَّة والجود والسَّخاء والمروءة والصِّدْق والوفاء ونحوها


وهذه الحياة حياة الأخلاق حياةٌ مُسْعِدَة, تجد الإنسان بِحَسب فطرته بالدرجة الدنيا أخلاقيًّا، وتجدُهُ يعيش بسعادة لا توصَف، هو موصول بالله، وقد يكون إنسانًا لا أخلاقياً، وجمع المال بالحرام، ويعيش بِمَظهر فخْم جدًّا، وداخله فارغ منهار، أما الأخلاق فهي الحياة، أضربُ لكم مثلاً دقيقًا:

        لو أنّ أحدكم دخل بيته الساعة الواحدة ليلاً, قالَتْ له أُمُّه: يا بنيّ, أنا أُعاني من وجَعٍ في الرأس, وأريد حبّة دواء مُسكِّنَة, فيقول لها: كلّ المحلاّت مغلقة الآن، وهو يعلم أنّ في البلد عِدَّة صيدليات مناوبة، لو عنده حسّ أخلاقي سليم لا يرتاح بالنوم، والدتهُ سبب وُجوده وحياته تتألم، لو أنّ هذا الإنسان استيقظ, عنده الحسّ الأخلاقي, لارتدى ثيابه, وخرج يبحث لها عن هذا الدواء، وفعلاً بحث في كلّ الصيدليّات المناوبة ولم يجد هذا الدواء، ورجع وقال لها: لا يوجد، هذه المرّة ينام مرتاحًا، وبالحالتين؛ الأمّ لم تستعمل الدواء، لكنّ أوّل مرّة هناك محاسبة داخليّة، أما المرّة الثانية أصبح معذورًا، خرج من بيته وبحث ولم يجد فاعْتذَر، فالإنسان لا يستطيع تحمّل وِزْر الذّنب، قد لا يستطيع تحمّل وزر العمل السيّء.

        إذا كان هناك أربعة أو خمسة أولاد لهم أمّ توفيت، الذي يبكي عليها أشدّ البكاء: هو الذي قصَّر في حقّها، يبكي عليها أشدّ البكاء, لأنّه يوجد إحساس داخلي بأنه مذنب، بِقَدْر ما تُحاسب نفسك فأنت عند الله غال. 

        حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا.

        حاسِبْ نفسكَ على كلمة، على نظرة، على تعليق في غير محلّه، على إنسانٍ ما رحَّبْتَ به، حاسِبْ نفسكَ على إنسانٍ أهْملتَهُ وقد أقْبَلَ عليك، هذا هو الحِساب.

        من حاسبَ نفسهُ حِسابًا عسيرًا, كان حسابهُ يوم القيامة يسيرًا.

        قال: وكلّما كانت هذه الأخلاق في صاحبها أكْمَل, كانتْ حياتُه أقوى وأتمّ.

        الإنسان المستقيم عنده قوَّة، عندهُ جرأة وشجاعة، يعتمد على الله ويتوكَّل عليه، الإنسان لمَّا ينحرف يضعف، ويصبح خرقة بالِيَة، لأنه لمّا ترك الأخلاق أصبح خائفاً من الله وضعيف النفس، حينما الإنسان يرتكب عملاً لا أخلاقياً، أو حينما يُشْرك يقذف الله في قلبه الخوف، قال تعالى:

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) ﴾

[ سورة آل عمران ]

        وقد يكون الذي يخاف أقوى الأقوياء، وقد تكون أمَّةً, ومع ذلك يقذف الله في قلبها الخوف.

 

خُلُق الحياء مشتقًّا من الحياة .


        قال: لذلك كان خُلُق الحياء مشتقًّا من الحياة اسمًا وحقيقةً.

        الذي عنده حياة عنده حياء، والذي عنده حياء عنده حياة، والحياء من الإيمان.

        قال له: خُذْ أجارَتَكَ لا حاجةَ لنا بك, فإنِّي أراك لا تستحي من الله.

        الإنسان يستحي أن يتكلَّم كلمةً بذيئة، يستحي أن يكذب, وأن يخون العهد, ويستحي أن يتجاوَز، يستحي أن يقصّر.

        قال: أكْمَلُ الناس حياءً أكْملُهم حياةً، ونُقصان حياء المرء من نقصان حياته، ونقصان حياته من نقصان إيمانه، والإنسان إذا مات, لا يحسّ ما يؤلمُه من الجروح ، هناك حديث صحيح ورد في الصّحاح .

((  عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ ))

[ أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود في سننه ]

               من أدقّ معاني هذا الحديث: أنّك إذا لم تستحِ من الله في عمل, فافْعَلْهُ ولا تعبأ بالناس.

        أحيانًا الإنسان يتحرّج، أو يتهيَّب الناس وهو على حقّ، فإذا كنت على حقّ, وكان الله راضيًا عنك, فافعل ما تشاء, ولا تعبأ بأحد.

        بِتَعبير دقيق: من هو أقرب إلى الحياة؛ الشّجاع أم الجبان؟ حياة الشجاع أكْمَلُ من حياة الجبان، حياة السخيّ أكْملُ من حياة البخيل، حياة الفطن الذكيّ أفضل من حياة البليد، فالأنبياء -عليهم صلوات الله- كانوا أكْمل الناس حياةً.

        تجد إنساناً عادياً ولكنه محترم، بيته مضبوط, وأخلاقهُ عظيمة, صادق ولا يكذب، ربى أولاده وضبطهم، قانعٌ بِزَوجته، وزوجته راضِيَة عنه، والبيت صغير جدًّا، والدخْل قليل، ولكن النفسيّة نفسيّة ملِك، وتجد شخصًا آخر دنيء النفْس, خسيس الصفات، قد يكون معه الملايين، وقد يكون بِمَركز جيّد، وقد يكون بيته قصْر، ولكنّه منهارٌ داخليًّا، فأنت تشعر أنّك أحسن منه، وكثير من الأشخاص من الطّبقة الدنيا لهم نفسيّة الطّبقة العليا، وهناك من عندهم نفسيّة الطبقة الدنيا وهم من الطّبقة العليا، لِبُعْدِهِم عن الله تعالى.

        وصفُ الله تعالى من أدقّ الأوصاف، قال تعالى:

﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)﴾

[ سورة القلم ]

             حلاّف مهين، مهين أمام نفسه، وكثير الحلف، همَّاز مشّاء بِنَميم, ودائماً يطعن ويمنّ بين الناس، ويفسد العلاقات بينهم, منّاع للخير، لا يكتفي أنَّه لا يفعل الخير، بل يمنع فِعْل الخير، معْتَدٍ أثيم, يعتدي ويأثَم, يأثَم بِمَعاصي الشهوات، ويعتدي بِمعاصي العدوان، يأخذ أموال الناس بالباطل، وهذه هي المعصِية، وهي العدوان، وحينما ينتهك الحرمات والأوامر الإلهيَّة عندئذٍ يكون مهينًا.

 

هكذا كان خلق نبينا :


              قال: والبسْط من أجلّ هذه الأخلاق، وأقواها في صفة الحياة, وهو ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلّم- مع أهله وأصحابه، النبي كان لطيفًا, باشّ الوجه, ومتواضعاً، إذا الإنسان عاشرهُ أحبَّه، ومن رآه بديهةً هابهُ, ومن عاملهُ أحبَّه، وكان عليه الصلاة والسلام مع أصحابه, ومع أهله، ومع القريب والبعيد في سَعَة صدْر، ودوام بِشْر، وحُسْن خلقٍ, يُسلِّم على من لقِيَهُ، ويقفُ مع من اسْتَوْقفَهُ، يمْزحُ بالحقّ، مع الصغير والكبير، يُجيبُ دعْوَة الداعي، وليِّنُ الجانب، حتى يظنّ كلّ واحدٍ من أصحابه أنّه أحبّهم إليه، وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبًا أو مستحبًّا أو مباحًا يعينُ عليهما، وهذه هي حياة الإنسان، لذلك قال تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض الله﴾ يصف الكفار أنَّهم ما بكتْ عليهم السماء والأرض، معنى ذلك: أنّها تبكي على المؤمن.

        قال علماء التفسير: مَوْضِعُ سجود المؤمن يبكي عليه عند الموت، وموضعُ رفع عمله إلى السماء يبكي عليه عند الموت، المؤمن خيِّر ومؤنس، ووجُوده مُحبَّب، قد يكون أب بخيل, أقرب الناس إليه يتمنَّونَ موتهُ. 

        حدَّثني مريض اسْتَدْعوه إلى عند مريض على وشك الموت، وكان أولاده قلقين جدًّا أن يكون المرض غير شديد، فلمّا قال لهم: عَرَضِيَّة, انْزَعَجوا كثيرًا, هم أرادوا أن تكون القاضية عليه كي يتخلَّصوا منه, فالمؤمن وُجودهُ مُحَبَّب، وكلّ من حوْلهُ يتمنَّى وُجوده.

        كان عليه الصلاة والسلام يقول: 

(( أعرف حجرًا بِمَكّة كان يُسَلِّم عليّ وأُسلِّم عليه ))

        دخل مرَّةً بستاناً, فرأى ناقة, فلمّا رآها ذرفَت عيْناها حَنَّتْ إليه, وقال: 

من صاحِبُ هذه الناقة؟ قالوا: فتًى من الأنصار, فقال: آتوني به، فلمّا جاؤوا به, قال: يا صاحب الناقة, ألا تتَّق الله في هذه البهيمة التي ملَّكك الله إياها, فإنّها شكَت إليّ أنك تجيعها ووتتعبُها

        كان عليه الصلاة والسلام يُصغي الإناء للهِرَّة، وكان أن يرى أن مَن ذَبَحَ شاةً أمام أختها فقد أخطأ، فقال: 

أتُريدُ أن تُميتها مرَّتَين؟ هلاَّ حَجَبْتها على أختها 

        كان عليه الصلاة والسلام يقول: 

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ, فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ, وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ, وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ))

[ أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم ]

              هذا هو نبيُّنا، وهو قُدْوتُنا، ونحن كلّما اقتربنا من سنّته كنّا أقرب إليه.

 

ما الذي يرفعنا عند الله؟ :


             خطر ببالي مثال: أستاذ جامعي كبير جدًّا، له مئات المؤلّفات, ويحمل أعلى الشهادات، وله مكتب فخْم، وله مستخدم لا يقرأ ولا يكتب, فَبِغِياب هذا الدكتور أو البروفسور, يجلس هذا الحاجب على مكتبه, ويأخذ وَضْعِيَّة معيّنة, وهو لا يقرأ ولا يكتب، جلوسُهُ بهذا المكان, هل يرفعُ قدره؟ فنحن لا يرفعنا عند الله مديح النبي فقط، يرفعنا عند الله اتِّباعُ سنَّته.

        فمن شدَّة أخلاقه العليَّة: كلّ من أصحابه صلى الله عليه وسلّم كان يظنّ أنّه أقربُ الناس إليه. فقال: ومن العبادة من وفَّقه الله, فنال حظًّا من هذا البسْط النَّبَوي الكريم، وجعل انبساطه مع الخلق رحمةً لهم، كما قال تعالى:( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) هذه الآية معادلة رياضيَّة، ولكن فيها بلاغة رائعة، فالباء للسَّببِيَّة, حينما تتّصل بالله تستقرّ في قلبك رحمة تجاه الخلق، وهذه الرحمة تنعكس ليناً في المعاملة, هم يلْتفّون حولك، فاللِّين الذي هو انعكاس الرحمة التي هي بسَبب الاتّصال بالله، هذه الرحمة انعَكَسَت لينًا، وهذا اللّين جذب الخلق إليه فالْتَفُّوا حوله. 

        الآن الطرف الثاني : قال تعالى: ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) يعني: لو لم تتَّصل بنا, لامتلأ قلبُكَ قَسْوَةً مكان الرحمة، والقَسْوَة انعَكَسَت غِلْظةً وفظاظة ووقاحة، واتِّهام مفاجئ من دون برهان, ومواجهة الناس بما يكرهون، والتَّحطيم والتوبيخ والتعنيف، والموقف القذر، والوقاحة، قال تعالى: ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) فالقسْوة منعكسها الفظاظة، والفظاظة من لوازمها: نفور الناس منك, إذًا: اتّصال رحمة لينٌ التفات، انقطاعٌ قسْوةٌ فظاظة انفضاض، وهذه معادلة رياضيّة، قال تعالى:( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) 

 

المهمتان الكبيرتان اللتان بعث بهما النبي .


        النبي -عليه الصلاة والسلام- له مهمّتان كبيرتان: 

1- الأولى هي التبليغ .

2- والثانية هي القدوَة . 

أما لو سألتموني أن أُوازِنَ بين هاتين المهمَّتين، مهمَّة التبليغ بالنسبة إلى مهمّة القدْوَة صغيرة جدًّا، التبليغ سهل، أما أن تكون أخلاقيًّا فهذه بطولة .

فالنبي -عليه الصلاة والسلام- كان مبلِّغًا وقُدْوةً لنا, لذلك جاع فصَبَرَ، واغْتنى فأعطى، قُهِرَ فاعتذر، سيْطَرَ فعَفَا .

في الطائف قُهِر, قال: إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أُبالي, ولك العتبى حتى ترضى.

        ففي فتح مكّة انتصر, فقال: (( اذْهبوا فأنتم الطلقاء )) .

        دخل بيته فلم يجدْ طعامًا, فقال: (( إني صائم )) .

        جاءهُ مالٌ كثير، فقال: (( لِمَن هذا الوادي؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ فقال: هو لك )) .

        ذاق موت الابن: (( إنّ العين لتَدْمع، وإنّ القلب ليَحْزَن، ولا نقول إلا ما يُرضي الربّ، وإنا عليك يا إبراهيم لمَحزونون )) .

        ذاق الهِجرة استِئْصال من الجذور، وذاق زوجةً مشاكسة لِيَكون قدْوةً لنا، ذاق أن يُقال عن زوجته الأقاويل, هذه لا تُحْتَمَل, وصبر، وانتظر تبرئة الله لها، هناك أناسٌ هجَوْهُ، واستطالوا عليه بالهجاء من كفار مكّة فصَبَرَ عليهم، وأنت يمكن أن تكون قُدْوة, وتأثيرك بعد أن تكون قدوة أضعاف تأثيرك, إن لك تكن قدوةً لغيرك, هؤلاء الذين أكرمهم الله, وجعلهم دعاةً إليه, هؤلاء يقتدي بهم السالك, ويهتدي بهم الحَيْران، ويُشْفى بهم العليل، ويُسْتضاء بِنُور هدايتهم ونُصْحهم ومعرفتهم في ظلمات دياج الطّبْع والهوى، هؤلاء الدعاة إلى الله الصادقين هم خلفاء الرّسل حقًّا، وهم أولو البصر واليقين, فجمعوا بين البصر والبصيرة، قال تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) استنباطًا من هذه الحقيقة العلماء ثلاثة: 

1- عالمٌ اسْتنار بِنُوره واسْتنار الناس به، وهذا من خلفاء الرسل . 

2- وعالمٌ اسْتنار بِنُوره ولم يسْتنِر به أحدٌ, فهذا من العبّاد . 

3- وغيره لا استنار بِنُور ولم يسْتنِر به أحد, فهذا من ضعفاء الناس.

        فإما أن تسْتنير وتُنير، وإما أن تسْتنير لِنَفسك, أما أن لا تستنير ولا تُنير، فهذا عبءٌ على الناس.

        أيها الإخوة, أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الدرس مُتَرْجمًا لواقع، فأنت بِقَدْر ما أنت أخلاقي أنت مؤمن، أما إذا تخلَّيْت عن أخلاقك بعُدْت عن الإيمان، فحياة النفس حياة الأخلاق.

و الحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور