الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس الثالث والعشرين من دروس العقيدة والإعجاز، وكنا في دروس سابقة في فقرة الشهوات، وبدأنا بشهوة المال، والله عز وجل يقول:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾
وذكرنا في دروس سابقة أنه ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، معنى ذلك أنه ليس في الإسلام حرمان، بل الشهوة حيادية، تكون سلماً نرقى بها إلى أعلى عليين، أو دركات نهوي بها إلى أسفل سافلين.
وبيّنا سابقاً أن المال قِوام الحياة، وأنه محبب إلى النفس، وأن إنفاقه من أعظم القُرب إلى الله عز وجل، وأن هذا المال يمكن أن يكون سبباً لسلامة الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة، ولكن بينت أيضاً أن هذا المال مع أنه قوة كبيرة بيد المؤمن، والذي يملك المال أمامه خيارات لا تُعدّ ولا تحصى للعمل الصالح، وأن هذا المال له طريق مشروع، وطريق غير مشروع.
الحلال منفعة مشتركة بين الناس:
ثم وصلنا إلى أن أية منفعة متبادلة بين شرائح المجتمع وبين أفراد المجتمع هي الحلال منفعة مشتركة، وأن كل منفعة بُنيت على مضرة هي الحرام، هذا كلام جامع مانع، المنفعة إذا بُنيت على مضرة فهذا المال حرام، ولكن قد لا يُنتبه إلى أن أحد أكبر أسباب السلامة والسعادة والتوفيق أن يكون طعامك حلالاً، معنى الطعام الحلال أي أن طعاماً اشتريته بمال حلال، ومعنى المال الحلال أن هذا المال كسبته من طريق مشروع، أي أخطر شيء بحياتك مالك، يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة.
هذا ينقلنا إلى أن الدين ليس في المسجد، في المسجد تأتي لتلقي تعليمات الصانع، كهذا الدرس، وفي المسجد تصلي فتقبض ثمن طاعتك لله، تماماً كمندوب مبيعات يأتي إلى مركز الشركة الساعة الثامنة صباحاً يتلقى التعليمات من المدير العام ويذهب،

ويبيع، ويعود، ومعه الغلة فيأخذ المكافأة، حينما تتوهم أن الدين مقصور على المسجد أنت في وهم كبير، الدين في عيادتك أيها الطبيب، والدين في مكتبك الهندسي أيها المهندس، والدين في قاعة صفك أيها المعلم، والدين في دكانك أيها البقّال، والدين في حقلك أيها المزارع، الدين في عملك، أما المسجد تتلقى منه التعليمات، وتقبض الثمن، فلذلك تركُ دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام، حينما فهِم المسلمون الدين على أنه عبادات شعائرية وكأنهم فرغوه من مضمونه، تجد ملايين مملينة، مليار وخمسمئة مليون لا وزن لهم عند الله، الأَلْفُ منهم كأفٍّ، بينما أصحاب النبي عليهم رضوان الله الواحد كألْفٍ، هل يعقل أن سيدنا خالداً يستنجد بسيدنا أبي بكر، احتاج إلى خمسين ألف جندي مدداً لمعركة طاحنة حاسمة، سيدنا خالد معه ثلاثون ألفًا، والجيش الذي يواجهه ثلاثمئة ألف، فأرسل له المدد، أرسل له القعقاع بن عمرو، قال له: أين المدد؟ قال له: أنا، قال له: أنت؟ قال له: أنا، معه كتاب، أعطاه الكتاب، يا خالد والذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم، وانتصروا، تجد ملايين مملينة، أمم، دولة يقول لك: مئتان وخمسون مليونًا لا وزن لها عند الله، شعوب، تملك ثروات، أمرهم ليس إليهم، بأسهم بينهم، فقراء، مضطهدون، لماذا؟ يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة.
أنا أحاول في هذا اللقاء الطيب أن أضع يدي على أخطر ما في الدين، أن يكون كسبك حلالاً، أن يكون عملك مشروعاً، وكسبك حلالاً، عندئذ تكون مستجاب الدعوة.
والله أيها الإخوة؛ هناك معلومات وهناك مشاعر لا يُتاح لي أن أُعبِّر عنها كلها، لكن لا يوجد إنسان مستقيم يكسب المال الحلال إلا ويُوَفَّق، قصة أرويها كثيراً، أخ من إخواننا العاديين قدم طلبَ إجازةٍ لرئيسه في الدائرة، إجازة ستة أيام، مديره في العمل عصبي المزاج انفجر عليه، قال له: لا يوجد وقت الآن لإجازتك، قال له: هذه إجازة قد استهلكتها، قال له: كيف استهلكتها؟ قال: أنا أصلي في مسجد، كل يوم أصلي الظهر في المسجد، جمعت هذه الأوقات فكان مجموعها ستة أيام، حتى يكون دخلي حلالاً أريد أن توافق لي على إجازة استهلكتها، الجامع إلى جانب الدائرة جامع الطاووسية، هناك درس لي كل يوم، يقول لي: هذا المدير صُعِق، قال لي: والله لا أصدق أن يدخل في حياته إلى مسجد، قال له: أنت أين جامعك؟ قال له، قال لي: والله يا أستاذ رأيته مع الحضور في الدرس القادم، ما الذي دفع هذا المدير العام أن يأتي إلى هذا المسجد؟ الاستقامة.
إخواننا الكرام؛ أنت حينما تستقيم تفعل المستحيل، والد أحد إخواننا توفي رحمه الله، سافر إلى ألمانيا لدورة تدريبية، وقدّم أفكاراً رائعة جداً، بُنِي على هذه الأفكار إجراء تعديلات في المحركات، وكلفوه أن يطّلع على معمل آخر، أعطوه مبلغاً من المال ليغطي نفقات السفر فسافر، وأقام بفندق، وأكل، وزاد معه ضعفي ما أنفق، فردّ التتمة، قال له المدير العام: أنا ما سمعت بحياتي إنساناً يأخذ تعويضَ سفر ثم يُرجِع البقية، قال له: هذا حقك.
ليس في التعامل اليومي ما يؤكِّد إسلامَنا حقيقة:
أحضر لي رجلاً مستقيماً بلباس مدني، بثياب عادية، ليس له مظهر صارخ، أحضر لي إنساناً مستقيماً، وخذ نصرًا من الله عز وجل، نصلي ونأكل أموال بعضنا بعضاً، نصلي ونغش المسلمين، نصلي ونبيع الشيء المحرم، نصلي ونُخفي العيب عند البيع، ألف معصية في البيع والشراء، لا تجد المسلم بسلوكه اليومي يوجد ما يؤكد إيمانه بالآخرة، إيمانه بيوم القيامة، بالحساب الدقيق، لذلك أنا حينما أخصص دروساً عديدة للمال أنا أضع يدي على الجرح، الدين ليس في المسجد، الدين أيها الفلاح ألا تستخدم هرموناً مسرطناً، يوجد هرمون يعطي الفاكهة حجمًا كبيرًا وصفات فيزيائية عالية، يتضاعف ربحك، لكنه مسرطن، وممنوع استخدامه في العالم، ويأتي تهريباً، لا يأتي استيراداً، فصلاته وصيامه وحجه ألغاها حينما استخدم هذا الهرمون.

معمل مواد غذائية يضيف مادة مسرطنة تعطي الإنتاج لوناً فاتحاً، يرتفع السعر، لا يهمه صحة المسلمين، يهمه حقق ربحاً كبيراً، أما هو بأول صف، ما شاء الله على هذا الدرس يا أستاذ ما هذا؟ الله يجزيك الخير، واستقامتك؟! هل ينفعك عند الله أن تثني على هذا الدرس؟ لا والله، ذكروا لي عن إنسان يبيع أقراصًا إباحية، يصلي الظهر بالجامع، هؤلاء الشباب الذين أفسدتهم حطمت أُسَرًا.
إخواننا الكرام؛ يوجد عندنا علة كبيرة جداً، يوجد عندنا خلل خطير جداً في حياتنا، ألا تعجب-إن صح التعبير-مِن تخلِّي الله عنا؟ هان أمر الله علينا فهُنّا على الله، لا تفهم الدين صلاة، هو الدين صلاة، لكن صلاة أساسها الاستقامة:
﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)﴾
لا تفهم الدين ذهاباً إلى الحج، من حجّ بمال حرام، ووضع رجله في الركاب، وقال: لبيك اللهم لبيك، يُنادى أن لا لبيك، ولا سعديك، وحجك مردود عليك، لا تفهم الدين طقوساً، حركات، سكنات، تمتمات، لا، الدين ليس كذلك، الدين أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، الدين بالمعاملة.
حدثني أخ قال لي: أنا حرفتي لفّ المحركات، قال لي: في الجاهلية قبل أن أصطلح مع الله يأتي المحرك، حالات نادرة يوجد شريط خارجي مقطوع، أوصله بثانية، والأجرة خمسة آلاف ليرة، يأتي صاحب المحرك، أشغّل المحرك له، يعجبه، آخذ منه خمسة آلاف ليرة، العملية كلفتني عشر دقائق، قال لي: بعد أن اصطلحت مع الله، وتبت إليه يقول له: ثمن التصليح خمس وعشرون ليرة، يقول له: أخي الشرط خمسة آلاف، خمسة آلاف لو لفيت المحرك، الشريط مقطوع خارجي ولحمته، هذه فقط، إذا ما عملت للآخر صدمة من استقامتك لن تكون مؤمنًا، أما نتساهل في أكل المال الحرام، نتساهل في غش المسلمين، نكتم العيوب عن الشاري، نغش في المواد في أثناء بيعها، هناك معاصٍ في البيع والشراء لا تُعدّ ولا تحصى، وهي منتشرة بشكل واسع جداً، والذين يفعلون هذا يتوهمون أنهم على حق، أنه يصلي، أستاذ أنا عملت ثلاثاً وأربعين عمرة، ما شاء الله! لو عملت مليون عمرة، لو تحج كل سنة، لو تصلي كل يوم مئة ركعة، ما لم تستقم على أمر الله لا تنفعك هذه العبادات.
أنا أضع يدي على جرح المسلمين، دينك في بيتك، بالبيت هل هناك معصية؟ هل هناك تجاوز؟ خروج ابنتك إسلامي أم فيه تفلت؟ ابنتك من صلبك، أنت القيّم عليها، أنت وليُّها، أنت المُنفق عليها، زوجتك علاقتها مع الجيران صحيحة؟ إسلامية؟ عملك مشروع؟ عندك بضاعة محرمة تبيعها؟ يقول لك: مضطرّون، عليها طلب كثير، المشكلة هذه المشكلة، إذا فرّقت بين العبادات والمعاملات، قلت: هذه وحدها، وهذه وحدها، لا تفقه من الدين شيئاً.
ومرة ثانية: تركُ دانقٍ من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام، أكدت هذا كثيراً حتى تعتقد بأي مظهر الله يقبلك، بمظهر إسلامي صارخ، بمظهر مدني، أي مظهر يقبلك الله، لكن الشرط أن تستقيم على أمره، أي الفيصل في الدين الاستقامة، وما لم تستقم على أمر الله لا تقطف من الدين شيئاً، والمظاهر الإسلامية سهلة، أي ماذا يكلفك أن تظهر بمظهر إسلامي صارخ؟ لاشيء، واللهِ مسبح مختلط، هل هناك من معصية أكبر من هذا؟ يقيم مولدًا بشهر المولد، يدعو أناساً يتكلمون عن رسول الله، هذا المسبح المختلط لا علاقة له بدينك؟ كيف توازن؟ هذه مشكلة المسلمين، لذلك المال تُسأل عنه مرتين؛ مرة من أين اكتسبته؟ ومرة فيم أنفقته؟ ويا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والله مرة زرت والد صديقي في العيد، قال لي: أنا عمري ستٌّ وتسعون سنة، أجريت البارحة تحليلات كاملة، قال لي: كله طبيعي، قال لي: والله ما أكلت درهم حرام في حياتي، ولا أعرف الحرام حرام النساء، لا يأكل درهم حرام، حرام المال، ولا يعرف حرام النساء، مَن عاش تقياً عاش قوياً.
أيها الشباب لا تقلقوا على الرزق:
إخواننا الكرام؛ أُخاطب الشباب، لا تقلق، الله موجود، الله عز وجل فوق الظروف، تقول لي: هناك ظروف صعبة، هناك ضغوط، هناك حصار، المكاسب قليلة، فرص العمل نادرة، الله عز وجل في كتابه الكريم قال:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾
الله عز وجل أنشأ لك حقاً عليه،
(( يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. ))
مع الإيمان لا يوجد ألم، لا يوجد حزن، لا يوجد يأس، لا يوجد إحباط، أمرك بيد الله، ما سلّمك الله إلى أحد، قال تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾
ريح الجنة في الشباب، اتق الله يجعل الله لك مخرجاً، وترزق من حيث لا تحتسب، قال تعالى:
﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)﴾
والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في القرآن إلا هذه الآية لكفت، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا*وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ .
المال الحلال منفعة متبادلة متداولة:
أيها الإخوة؛ المال الحلال منفعة متبادلة، المال الحرام منفعة بُنيت على مضرّة، أنت ربحت، لكنك قدمت بضاعة سيئة،

أخذت ربحاً، وسعر بضاعة جيدة، وقدمت بضاعة سيئة، وكأنك سرقته، الآن هذه الكتلة النقدية التي بين أيدي الناس، مجتمع فيه عشرون مليوناً، بين أيدي الناس هذه بالتعبير الاقتصادي كتلة نقدية، بين أيدي الناس مال، مجموع المال الذي بين أيدي الناس الله عز وجل ما أمْره مع هذا المال؟ المال الذي بين أيدي الناس، الكتلة النقدية التي عند الناس، الشرع الإلهي، الوحي الرباني كيف أرادها أن تكون؟ أرادها الله أن تكون متداولة بين كل طبقات المجتمع، الوضع الصحي الطبيعي المشروع الذي يرضي الله أن تكون هذه الكتلة متداولة، ما الدليل؟ قال تعالى:
﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)﴾
هناك مجتمعات متخلفة، هناك غنى فاحش، وهناك بضاعة جميلة جداً، وغالية جداً، أما هذه البضاعة الجميلة والغالية هناك أموال طائلة، أي ممكن إنسان يعمل عرسًا بفندق خمس نجوم بخمسة وثمانين مليونًا، وممكن مئة ألف شاب ليس عند الواحد منهم إمكانية أن يتزوج بغرفة واحدة برأس الجبل، الوضع الصحي الطبيعي والذي يرضي الله أن تكون هذه الكتلة النقدية التي بين أيدي الناس متداولة، بأيدي كل الناس، أي كل واحد يوجد عنده بيت، وكل واحد بإمكانه أن يعالج ابنه بمستشفى، بإمكانه أن يشتري لأولاده ثياباً، بإمكانه أن يُقدم لأولاده حاجاتهم الأساسية، حينما يكون هذا المال متداولاً هذا يكون سبب رضوان الله علينا، أما حينما تجد أكبر كتلة نقدية بأيدي قلة قليلة، والأكثرية محرومة من هذا النقد، هذه حالة مرضية، هذا لا يُرضي الله.
الكسب المشروع آليته أن يجعل الكتلة النقدية متداولة بين الناس:
الآن ما الذي يجعل هذا المال متداولاً؟ وما الذي يجعل هذا المال غير متداول؟ الكسب المشروع آليته أن يجعل الكتلة النقدية متداولة بين الناس، الفكرة دقيقة، أنت تريد أن تكون تاجراً، شاب معك اختصاص إدارة أعمال، دارس دراسة جامعية، في مقتبل الحياة، وهناك إنسان متقاعد جمع مالاً بحياته حلالاً، لكن بهذا السن لا يُتاح له أن يستثمره، جاءك وقدّم لك هذا المال، وأنت قدمت له الخبرة، فتحتم مشروعاً، منه المال، ومنك الخبرة، إذاً منفعة متبادلة، هو انتفع بخبرتك، وأنت انتفعت بماله، نحتاج إلى محل تجاري، الذي هيأ بناء يوجد عنده محلات تجارية، أنت أربحته، اشتريت منه، المحل يحتاج إلى كسوة، تحتاج إلى مئتي حرفة في خدمة البناء الآن، تحتاج إلى بلاط، إلى دهان، إلى تمديدات صحية، كهربائية، لوحة، خط، تزيينات، دون أن تشعر دفعت مبالغ كبيرة جداً حتى هيأتَ هذا المكان، فأنت شغلّت مئتي مصلحة، المحل بدأ العمل، أنت بحاجة إلى موظفين، بحاجة إلى مستودعات، بحاجة إلى سيارة، بحاجة إلى دفتر فواتير، تحتاج مطبعة، دون أن تشعر تحرّك ألف مصلحة وألف حرفة، فأنت ربحك شئت أم أبيت توزعته بينك وبين هؤلاء الذين قدموا لك مواد، أو خبرات، أو خدمات مقابل أجر، فالعجلة دارت، فحينما تلد الأعمال المال يغدو المال متداولاً بين كل الشرائح، هذا منهج الله، الأعمالُ تلد المال، إن أطيب الكسب كسب التجار ؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يُخلِفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يُطروا، وإذا كان لهم لم يُعسِّروا، وإذا كان عليهم لم يُمطلوا، التاجر الصدوق مع النبيين، أي أن تكون تاجراً مستقيماً مسلماً مؤمناً طاهراً، البضاعة جيدة صالحة بسعر معتدل، هذا عمل يرضي الله، التاجر الصدوق مع النبيين يوم القيامة، لأنه ممكن التاجر أن يكون أكبر داعية لا بلسانه ولكن بمعاملته، أنت دون أن تشعر تشتري حاجة متقنةً بسعر معتدل، الله يبارك له، الله يوفقه، ممتازة، من أعماق أعماقك تثني على هذا التاجر، قدم لك بضاعة جيدة بسعر معتدل، إذاً متى تكون هذه الأموال متداولة بين كل الشرائح؟ حينما نسمح للأعمال فقط أن تلد الأموال.
يا ترى بشكل نظري، مصرف إسلامي يقبل الإيداعات، قبلها، عمل مشاريع ضخمة، هو، هو أسّس هذه المشاريع، مشروع زراعي ضخم، مشروع صناعي ضخم، موّل هذه المشاريع من أموال المودعين، وهذه المشاريع وُضِعت أرباحها كلها في سلة واحدة، وزِّعت هذه الأرباح وفق رؤوس الأموال، هذا المصرف بهذه الطريقة إسلامي مئة بالمئة، لأنه اعتمد على المضاربة، تلقى إيداعات، ووظفها في الأعمال الكبيرة التجارية والصناعية والزراعية، وزّع الأرباح بينه وبين المودعين، أي كل منفعة متبادلة بين الناس هذا دخل مشروع، أما كل منفعة بُنيت على مضرة، أي يا نصيب، شخص ربح خمسين مليونًا، والبقية دفعوا وما ربحوا، هذه مضرة، هذه المنفعة بُنيت على مضرة، تترك الناس كلهم يتعلقون بالجائزة الأولى مثلاً، أيّ مال تُبنى عليه مضرة فهناك شبهة كبيرة، إما أنه يوجد حُرمة صارخة، أو حُرمة ماحقة، أو هناك شبهة كبيرة، عندئذ لا يبارك الله بهذه الأموال، وإذا لم يبارك بها أتلفها.
حتى بالمال يوجد معنى دقيق جداً، على بالنية، مَن أخذ أموال الناس-دقق-يريد أداءها أدى الله عنه، أخذ مالاً استثماراً، ونوى أن يُرَبح صاحب المال، هذه النية التي يعلمها الله منه أحد أسباب التوفيق، أما إذا أخذ مالاً كبيراً، قال: هذا غني كبير، لن أردّ له شيئًا، ثم أكذب عليه، أقول له: ما ربحنا، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها، المنطق: أتلفها الله، لا، أتلفه الله، هناك قوانين دقيقة يا إخوان، يوجد قوانين دقيقة جداً تحكم هذه الحياة، الله موجود بأدق الدقائق، فالمنفعة التي تُبنى على مضرة حرام، أوضح شيء السرقة طبعاً، أوضح منفعة تُبنى على مضرة السرقة، ثاني أوضح منفعة تُبنى على مضرة الغش، تعمل مصدر البضاعة دولة عظمى متفوقة بهذه البضاعة، وهذا المصدر مزور، أنت اشتريت البضاعة من دولة متخلفة جداً، لكن كتبت عليها: صنعت في ألمانيا، هذا غش، فالغش أحد أسباب أن تجتمع الأموال في أيد قليلة، وتحرم منها الكثرة الكثيرة، أنت عكست الحكمة الإلهية من أن تكون هذه الأموال متداولة بين الناس.
أيها الإخوة؛ هذا درس في الأصول درس في الكليات، فيه تفاصيل كثيرة جداً، الغش أنواع منوعة، هناك غش بالوزن، هناك غش بالحجم، هناك بالنوعية، هناك بالمصدر، هناك بالتسليم، والله هناك ألوان للغش لا تُعدّ ولا تحصى بحياة المسلمين، يغش المسلمين ومرتاح، وكل سنة يذهب إلى العمرة، يصلي بالجامع، تدخل إلى محله:
﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)﴾
تدخل إلى بيته آية الكرسي، بسيارته يوجد مصحف، فإذا لم يكن هناك استقامة، أنا لا أعرف كيف تقيّمون كلامي.
الاستقامة في المعاملات أصلٌ في صحة العبادات:
أنا أعتقد أنه إذا لم توجد استقامة ألغيت صيامك وصلاتك وحجك وزكاتك، مِن أين جئت بهذا؟ السيدة عائشة تقول: قولوا لفلان: إنه أبطل جهاده مع رسول الله، من أجل عمولة عالية تنصح بشيء مؤذٍ؟ يوجد مثل هذا، يوجد بالعمل الجراحي استاندات للقلب، هناك استاند راصور يوضع للشرايين، هناك استاند احتمال النكسة فيه عشرون بالمئة، يوجد معه عمولة عشرة آلاف، وهناك استاند احتمال النكسة فيه ثلاثة بالمئة، لكن بلا عمولة، لما يختار إنسان الذي فيه عمولة عالية، وفيه خطر على صاحبه، سامحوني بهذه الكلمة لغى صلاته كلها، وصيامه، وحجه، وزكاته، لأنه بنى منفعته على خطر حياة إنسان، هذا مثلٌ، وهناك آلاف الأمثلة، وهناك ملايين الأمثلة.
محام يعلم علم اليقين أن هذه الدعوى خاسرة، هناك اجتهاد لمحكمة النقض تمنع أن يكون الحكم لصالح هذا الموكل، أما القضية طويلة جداً تحتاج إلى عشر سنوات، يقول له: أبداً ناجحة، أنا مسؤول، كل فترة نريد دفعة، سحب منه ثمانمئة ألف خلال عشر سنوات، وسهل جداً بالنهاية أن تخلص منه، يقول: القاضي ما كان منصفًا، ماذا أفعل لك؟ الله عز وجل يعرف أنك أنت كذبت عليه، لذلك المال الحرام يذهب من حيث أتى، يذهب ويأخذ معه صاحبه، تجد مصادرات، احتراق معامل أحياناً، هذا إتلاف المال يوجد وراءه حكمة بالغة، الله عز وجل غني عن تعذيبنا:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)﴾
أيها الإخوة؛ أنا أرى أن قضية المال من أخطر موضوعات الدين، أنا أريد مسلمًا دخله حلال، هذا الدخل القليل يبارك الله له فيه، تجد دخلاً محدوداً، وصاحبه مرتاح، لا يوجد عنده مشكلة، الله حفظ له صحته وصحة أولاده وزوجته، سمعته طيبة، يوجد عنده اعتدال بالصرف، يشتري بضاعة من مصدرها بسعر معتدل، ينفقها باعتدال، لابأس، يقول لك: مسرور الحمد لله، نحن لا نفهم ما هي البركة، البركة أن الشيء القليل قد يبارك الله فيه، والشيء الكثير قد يتلفه الله عز وجل، إذاً يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، الشيء الأول في الدين أن يكون الدخل مشروعاً، شخص اشترى سيارة جديدة لها لوحة استثنائية إلى أن تُرَسم، أوقفه شرطي، قال له: هذه اللوحة لا تسمح لك أن تُركب معك أحدًا، السائق فقط، ركب معه زوجته وأولاده، قال له: أنا ذاهب لأصلي التراويح، تحب أن أدعو لك أم تحب أن أدعو عليك؟

هكذا قال له، ليس الموضوع أن تدعو لي، هذه مخالفة، فأعطاه مبلغاً من المال، قال له: انظر إلى يدي أنا أعمل في البلوك، أنا تبت إلى الله من أي قرش حرام، نحتاج إلى مثل هذا الشرطي، فالرجل صاحب معمل ألبسة، تأثر تماماً من هذه الاستقامة، شاء أم أبى هيأ له ألبسة لكل أهله بالعيد، قال له: أبداً، أنا أعمل بعد الظهر في معمل بلوك حتى أؤمّن رزقي الحلال، والله كبير، لما تخاف منه يعطيك، يرفع رأسك، يكرمك، فقط خف منه، عن سالم عن أبيه مرفوعاً:
(( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه. ))
[ رواه أبو نعيم عن ابن عمر مرفوعاً ]
أقول لك: المؤمن ما موقفه؟ يركل بقدمه ملايين بالحرام، ويقبَل ألف ليرة بالحلال، هذا حلال، هذا فيه بركة، يشتري طعاماً، يُقوي جسمه، يأكله بهناءة، الله يبارك فيه، لذلك جعل الله الحلال صعباً في البداية، وجعل الله الحرام سهلاً، قد تعمل إنسانة فقيرة زوجها مريض ثماني ساعات بالبيت، تأخذ خمسمئة ليرة، وامرأة أخرى تأخذ هذا المبلغ في خمس دقائق، الحلال صعب والحرام سهل، فأنت إذا اخترت الحلال الصعب يأتيك الحلال السهل بعد ذلك.
العاقل من فهِم الدين على حقيقته:
أيها الإخوة؛ والله أتمنى أن نفهم الدين على حقيقته، صاحب دين أي الناس لا يصدقون استقامتك، لا يصدقون عفافك، لا يصدقون نصحك، صادق، هذا الدَّيِّن، أما إذا كان هناك غش واحتيال وخداع وتدليس وكذب واحتكار واستغلال سقطتَ من عين الله، والإنسان لئن يسقط من السماء إلى الأرض أهون من أن يسقط من عين الله.
أيها الإخوة الكرام؛ لازلنا في موضوع المال، الدين استقامة، إذا ألغيت الاستقامة ألغي الدين، ألغيت كل ثمار الدين، الدين فيه راحة نفسية، الدين فيه توازن، الدين فيه أمن، سعادة، ثقة بالله، الدين فيه جرأة، فيه عزة، فيه كرامة، فيه وضوح، لذلك المؤمن مستقيم، أنا أريد بهذا الدرس مع التوفيق الإلهي إن شاء الله أن نعقل جميعاً وأنا معكم أن الدين سلوك، الدين التزام، النبي عليه الصلاة والسلام أرسل ابن رواحة لتقييم تمر خيبر، أغروه بحلي نسائهم كرشوة، قال لهم: جئتكم من عند أحب الخلق إلي، وأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير، ومع ذلك لن أحيف عليكم، فقال اليهود: بهذا قامت السماوات والأرض، وبهذا غلبتمونا.
الكون من بديعِ صنعِ الله تعالى:
أيها الإخوة الكرام؛ ننتقل إلى الموضوع الآخر.
هناك طريقة من طرق التفكير يمكن أن تقدم لك أدلة كبيرة جداً على عظمة الله، هذا الكون، كلمة كون تعبير معاصر يقابله بالقرآن السماوات والأرض:
﴿ إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)﴾
أي الكون، والكون ما سوى الله، ما هو؟ أجرام سماوية، كلمة أجرام ما تعني؟ أي كواكب ونجوم، الكوكب منطفئ كالأرض، والنجوم مشتعلة كالشمس.
الآن دقق لو أن الكون كله كواكب هل هناك حياة؟ لا يوجد حياة، عندئذ الكون حرارته صفر مطلق، مئتان وسبعون تحت الصفر، في هذه الدرجة تتوقف حركة الذرات، لو الكون كله ملتهب لا يوجد حياة، الشمس عشرون مليون درجة في مركزها، مَن صمم أن الكون كواكب ونجوم؟ الله عز وجل، هناك حكمة، وهناك بالتعبير الفلسفي عقل أول، صمم هذا الكون كواكب ونجوم.
الكون متحرك غير سكوني:
سؤال ثان؛ لو أن الكون سكوني غير متحرك، فيه كواكب ونجوم، بحسب قانون الجاذبية الكتلة الأكبر تجذب الأصغر، فالمحصلة يجب أن يكون الكون كله كتلة واحدة، عندنا مليون مَليون مجرة، والله هناك رقم ثلاثة آلاف مليون أيضاً، المجرات كلها، وكل مجرة فيها مليون مَليون كوكب ونجم، يمكن أن يكون الكون كله كتلة واحدة، ما الذي يمنع أن يكون كتلة واحدة؟ الحركة، الحركة لها قانون، أثناء الحركة الدائرية تنشأ قوة نابذة، ببساطة بالغة الغسالة حينما تجفف الثياب عن طريق الدوران السريع، بالدوران يوجد قوة نابذة طاردة، تجد الماء خرج، فالحركة فيها قوة نابذة، والقوة النابذة تكافئ القوة الجاذبة، فهناك كون، هناك أرض، هناك قمر، هناك مريخ، هناك مشتر، هناك شمس، هناك مجرة، هناك نجم قطب، هناك مرأة مسلسلة، لولا هذه الحركة لاجتمع الكون كله في كتلة واحدة، تصميم من؟ حكمة مَن؟ الله عز وجل.
تفاوت درجة انصهار عناصر الكون:
الآن أنا جالس على مقعد وثير، أمامي طاولة من خشب، قاسية، وأمامي كأس ماء سائل، وهناك هواء أتنفسه، أنا أمامكم، هناك غاز أتنفسه، أليس كذلك؟ وهناك ماء أشربه، وهناك شيء صلب أمامي، وهناك مقعد وثير خلفي، مَن صمم أن هناك غازاً وهناك سائلاً وهناك صلباً بآن واحد؟ الله عز وجل، كيف؟ أن درجة انصهار كل عنصر خاصة، الدرجة مئة الحديد صُلب، أما بدرجة ألفين الحديد يصبح سائلاً، ثلاثة آلاف صخر البازلت يصبح سائلاً، بدرجة واحدة تجد صلباً، غازاً، سائلاً، مَن صمم أن درجة انصهار العناصر متفاوتة؟ لولا تفاوت درجة انصهار العناصر لكان الكون من طبيعة واحدة، الكون إذا كان غازاً فقط مستحيل، أو سائلاً فقط، أو صلباً فقط، لكن عندنا غازات، عندك سوائل، عندك طعام، وعندك ماء، وعندك أشياء صُلبة، الحديد صُلب:
﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)﴾
وهناك أشياء جميلة، وأشياء طرية، وأشياء قاسية، مَن قنّن أن درجة انصهار المواد متفاوتة؟ إذاً يوجد بالكون تنوّعٌ كبير جداً.
الحكمة الربانية من دوران الأرض:
دققوا، هذه الشمس وهذه الأرض، لو أن الأرض تدور هكذا، الشمس هنا، بالتعبير الرياضي بمحور موازٍ لمستوى دورانها حول الشمس، هذا المستوي، تدور الأرض هكذا حول الشمس على هذا المستوي، إذا كان دوران الأرض حول ذاتها بمحور موازٍ لمستوي دورانها معنى ذلك أن الأرض فيها نهار أبدي وليل أبدي، الشمس هنا تدور هكذا، هنا نهار، هنا ليل، الليل مئتان وسبعون تحت الصفر، النهار ثلاثمئة وخمسون فوق الصفر، لا يوجد حياة، انتهت الحياة، لو أن الأرض دارت حول نفسها بمحور مواز لمستوي دورانها، لو أنها دارت على محور متعامد مع مستوي دورانها هكذا، الشمس هنا، ما الذي يحصل؟ إلغاء الفصول، الأرض هكذا، الشمس هنا، الأشعة هنا عمودية، إذاً صيف أبدي، هنا مائلة، شتاء أبدي، لكن نحن عندنا صيف وشتاء وربيع وخريف، كيف يكون هذا؟ الأرض تدور على محور مائل، هي هنا الآن، هنا أشعة عمودية في قسمها الجنوبي، الآن بأستراليا صيف، فإذا دارت هكذا كانت هكذا الأشعة هنا عمودية، في الجنوب صيف، فإذا ذهبت إلى هنا صارت هنا عمودية، يكون في الشمال صيف، لولا ميل المحور لما كان هناك تبدل فصول.
لو الأرض بحجم الشمس، لو فرضنا وزن الشمس مئة ضعف عن وزن الأرض، أما الشمس تتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض، إذا قلنا: مئة ضعف، فأنت وزنك بالأرض ثمانون، بالشمس وزنك كم؟ ضرب مئة، ثمانية آلاف كيلو، ثمانية أطنان تمشي، مَن جعل حجم الأرض يتناسب مع وزن معتدل؟ ومَن جعل دورة الأرض حول المحور حول ذاتها أربعًا وعشرين ساعة؟ أنت طاقتك ثماني ساعات عملاً، تجد الناس جميعاً نائمين في الليل، أما لو كانت الدورة سنة، ستة أشهر ليل دائم، وستة أشهر نهار دائم، تستيقظ وتنام، وتنام وتستيقظ، صار فوضى، لم يعد الليل سكنًا، ولم يعد النهار معاشًا، مَن صمم دورة الأرض حول ذاتها أربعاً وعشرين ساعة؟ ومَن صمم دورتها حول الشمس سنة؟ لو تدور حول الشمس بيوم عندك أول أربع ساعات صيف، أربع ساعات شتاء، أربع ساعات ربيع، أربع ساعات خريف، لا يوجد عندك فصل ربيع، فصل شتاء، فصل خريف، فصل صيف، فكّر، فكّر بالشيء بخلاف ما هو عليه تكشف الحقيقة.
أيها الإخوة؛ التفكر في خلق السماوات والأرض أرقى عبادة، لأن هذه العبادة تضعك وجهاً إلى وجه أمام عظمة الله.

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾
الملف مدقق