وضع داكن
06-12-2022
Logo
محاضرات خارجية - ندوات مختلفة - أكاديمية تطوير التعليم - أمريكا : 02 - كيف نستقبل شهر رمضان المبارك؟
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . 

رمضان شهر التوبة والصلح مع الله :


أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة التي إن دلت على شيء فعلى حسن الظن بي ، وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم ، وإن وجدتم في هذا اللقاء الطيب ما كنتم تتوقعون فالفضل لله وحده ، وإلا فحسبكم الله ونعم الوكيل .
نبدأ بالموضوع ؛ رمضان شهر التوبة ، رمضان شهر القرب ، رمضان شهر الصلح مع الله ، رمضان شهر الطاعات ، رمضان شهر القربات ، نستقبله بالتوبة إلى الله الرؤوف الرحيم ، التواب الكريم ، والله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد، النقطة الدقيقة بشارة ، أي رحمة من الله :

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : من صام رمضانَ إيماناً - بفرضيته - واحتساباً - مخلصاً لله - غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ . ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ]

أي ذنوب لا تنتهي ، مسؤولية ، تقصير ، كل هذا الكم الكبير من الذنوب ، إذا (( صام رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له )) أي فرصة ، إنسان عليه ملايين مملينة ، وبيوته مصادرة ، وتجارته محبوسة ، يقال له : افعل هذا العمل ثلاثين يوماً تُفك كل الحجوزات ، وتلغى كل الغرامات ، شيء لا يصدق (( من صام رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ)) .

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال : ومن قام رمضان – التراويح - إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ . ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ]

نحن أمام فرصة هي صلح مع الله ، عودة إلى الله ، اقتراب من الله ، فتح صفحة جديدة مع الله ، نحن أمام فرصة ، نقلة نوعية من الضياع ، من التفلت ، من الشك ، من التقصيرات ، من المخالفات إلى علاقة مع الله طيبة ، لكن مع الأسف الشديد الشديد أن رمضان في مجتمعات كثيرة أصبح شهر الولائم والمسلسلات ، كأننا فرغنا هذا الشهر من مضمونه التعبدي ، من مضمونه المقدس ، من مضمونه الذي فيه قفزة نوعية إلى الله .
لذلك مرة ثانية : (( من صام رمضانَ إيمانا - بفرضيته – واحتساباً - بإخلاص - غفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ ، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ ))
 

رمضان شهر القرآن :

 
أيضاً رمضان شهر القرآن ، شهر الأذكار ، شهر دفع الزكاة ، شهر الصدقات  شهر صلة الأرحام ، شهر توزيع الغذائيات ، شهر التواصل الأسري ، شهر لمّ الشمل ، عبادة استثنائية ، وفيها نقلة نوعية إلى الله ، فرصة ، فرصة السنة ، أي يوجد عبادات يومية ؛ الصلاة  خمسة أوقات لثلاثمئة وخمسة وستين يوماً ، هذه عبادة سنوية ، أي نقلة نوعية ، فرصة استثنائية للإقبال على الله ، أو كي نذوق طعم القرب من الله ، إذا الإنسان ذاق طعم القرب من الله يتمنى أن يتابع ما كان في رمضان إلى ما بعد رمضان ، ولكن معي حقيقة مرة إذا عاد الإنسان بعد رمضان إلى ما كان قبل رمضان والله لا أبالغ كأنه ما صام رمضان ، المفروض نقلة نوعية ،  نقلة في معرفة الله ، نقلة في استقامة الإنسان ، نقلة في عمله الصالح ، نقلة في ضبط سلوكه ، ضبط نشاطاته ، ضبط أعماله ، نقلة نوعية كي تصل إلى الله ، أما النقلة بهذه العبادة الرائعة  النقلة النوعية أن نقلبها إلى ولائم ومسلسلات .
 لكن لا بد من كلمة في المسلسلات ؛ هذا المسلسل فيه مشكلة كبيرة جداً ، عنده قدرة إذا كان قصة محكمة في بدايتها ، والوسط ، والنهاية ، ونوع التمثيل أن تفكك القيم الثابتة ، هذه الأفلام لها دور خطير جداً ، حينما استعصى الإسلام على أن يلغى عمد الطرف الآخر إلى إلغائه بدل الكلمة بالصورة ، مثلاً ؛ بيت فخم جداً ، أربعمئة وخمسون متراً ، ثريات ، سجاد إيراني ، أثاث إيطالي ، بلاط آخر من نوع آخر ، فخامة ما بعدها فخامة ، أناقة ما بعدها أناقة ، ويوجد بار بالبيت ، بار للخمر ، وهناك لقاءات ماجنة ، وثلاث سيارات ، وبيت على البحر ، وبيت على الجبل ، هذا الوضع الجيد ، لكن لا يوجد صلاة بالبيت ، يوجد خمر ومعاص ، و بنفس الفيلم يريك شيخ الجامع ، إنسان أفقه ضيق جداً ، فقير ، عنده شخصيتان ؛ معه ازدواج شخصية ، بالبيت عنيف جداً ، مع الناس بارك الله بك يا ولدي ، ما قدموا شيئاً ، لم يقتربوا من الدين إطلاقاً لكن أنهوا الدين بهذه الطريقة ، نحن أمام الشاشة ، هذه الشاشة صدقوا ولا أبالغ إذا ما انضبطت بهذا البيت لا يوجد توبة ، أكبر غزو حضاري لديننا ، لمستقبلنا ، لعلاقتنا بالله هذه الشاشة ، إذا ما انضبطت ضبطاً دقيقاً جداً ، محطات إخبارية فقط ، مع إسلامية ، إذا ما انضبطت بالبيت لا يوجد توبة ، من الرأس إلى تحت ، فلذلك هذا شهر القرآن ، أن نقرأ القرآن ، صفحات ، أجزاء ، إلى آخره ، أن نقرأ القرآن قراءة تعبد ، وقراءة تدبر ، فهذا رمضان شهر القرآن ، شهر الإحسان ، شهر صلة الأرحام ، لك أخت بطرف المدينة الآخر ، من شهرين ما زرتها ، صرنا في رمضان ، خذ معك هدية لها ، اعمل لقاءات متجددة مع من يلوذ بك من الأقارب ، تواصل أسري ، لمّ الشمل هذا مفهوم غربي ، لمّ الشمل مع الأسرة ، أي عبادة استثنائية فيها حفظ اللسان ، الجوارح ، لذلك النبي قال : 

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ  ))

[ أخرجه البخاري ، وأبو داود ، والترمذي ]

قول الزور ، أي بضاعة ليست أجنبية ، صينية ، وسيئة جداً ، مكتوب عليها بطلب من التاجر : أجنبية ، فأنت عندما عملت هكذا هذا زور ، أين صار صيامك ؟ أين صيامك ؟ إذا كان هناك غش بالبيع والشراء ، إدارة حديث ممتع مع النساء ، الزبائن ، إذا كان هناك إطلاق بصر ، متابعة أفلام ، ولائم مختلطة ، صار رمضان شهراً فولكلورياً ، ليس له علاقة بالدين إطلاقاً ، سهرات حتى الفجر ، سهرات ، وأفلام ، واختلاط ، وكلام مقبول ، وكلام غير مقبول ، هذا الإسلام :

(( عن ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال : خيرُ الصحابةِ : أربعةٌ وخيرُ السرايا : أربعُمائةٍ ، وخيرُ الجيوشِ : أربعةُ آلافٍ ، ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ . ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي ]

 

تفريغ رمضان من مضمونه التعبدي :


نحن مليونان ، مليونا مسلم ، نحتل أهم مركز استراتيجي بالأرض ، ملتقى القارات الثلاثة ، عندنا ثلاثة ممرات مائية هي أصل التجارة الدولية ، وعندنا ، وعندنا ، أتكلم لك عنها ساعات ومع كل ذلك أربع عواصم محتلة ، مع كل ذلك نحن أضعف الأمم ، وأفقر الأمم ، ومعنا ثروات ، نملك نصف ثروات الأرض ، فهذا شيء .

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) ﴾  

[ سورة النور ]

( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ) هل نحن مستخلفون في الأرض ؟ لا والله ( كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ) ديننا غير ممكن ، ديننا يواجه حرباً عالمية ثالثة ، كانت قبل حين تحت الطاولة اليوم فوق الطاولة ، أنا أتكلم من حرقة ، أتكلم من واقع ، وأنتم ، وإن كنتم في أمريكا تنتمون لهذه الملل الإسلامية .
لذلك رمضان : (( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ )) أي غش ، أي كلمة غير صحيحة  هذا قول الزور (( والعمَلَ بِهِ ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ))  
لذلك رمضان أصبح عند بعض المسلمين شهر الولائم والمسلسلات ، وكأنه فرغ من مضمونه التعبدي .
لكن نحن يا ترى الدين كم موضوع ؟ كم كتاب ؟ كم عالم ؟ كم كلية ؟ كم مدرسة شرعية ؟ كم مؤسسة طباعة إسلامية ؟ بالمئات ، بالألوف ، بالملايين ، ومع كل ذلك نحن أضعف أمة الآن ، خمس عواصم محتلة ، ليس أمرنا بيدنا ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ) طبعاً العبادة يمكن أن تكون في أي  مكان .
 

العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا :


لذلك سأقول بعد قليل : يا ترى هذا الدين ، الموضوعات الكثيرة ، العلماء الكثر ،  الجامعات ، المؤلفات ، الفضائيات الإسلامية ، هذا الكم الكبير المذهل يمكن أن يضغط في كليات ؟ 
أنا مرة زرت معمل سيارات بأمريكا ، جنرال موتورز ، قال لي المرافق ، ومعه المترجم ، قال لي : هذه الكاديلاك فيها 300 ألف قطعة ، بقيت في المعمل سبع ساعات ، لفت نظري أنا كراكب سيارة ، يوجد غليسوري ، أي غلاف معدني ، شاشة ، محرك ، مقاعد ، مقود ، بنزين ، عجلات ، مكبح ، سبع قطع أو ثمان ، طبعاً هذا المثل ضربته لأصل إلى هذا الدين الذي فيه ملايين مملينة ، من كتب ، من مؤلفات ، من علماء ، من جامعات ، من معاهد ، هل يمكن أن يضغط إلى كليات ؟ الجواب : نعم ، أول كلية العقيدة ، التصور ، الإيديولوجية ، المنطلقات النظرية ، الفهم ، هذا جانب عقدي ، فكري ، هذا الجانب يحتاج إلى طلب علم ، ينبغي أن تعرف من أنت ، أنت المخلوق الأول ، لماذا أنت في الدنيا ؟ للعمل الصالح ، الدليل:

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)  ﴾

[ سورة المؤمنون ]

العمل الصالح سمي صالحاً لأنه يصلح للعرض على الله ، أكلنا ، شربنا ، سهرنا ،  تابعنا مسلسلاً ، سهرنا سهرة حميمة ، نمنا ، استيقظنا ، ذهبنا إلى المكتب ، إلى المتجر ، إلى الوظيفة ، رجعنا ، إلى أن نفاجأ بالموت .
 

الإيمان بالآخرة يعكس كل مبادئنا وقيمنا :

 
هل يوجد حدث واقعي أخطر من الموت ؟ ماذا أعددنا لهذا الموت ؟ لقاء مع الله إلى أبد الآبدين ، يوجد قبر ، أين الزوجة ؟ أين الأصدقاء ؟ أين السهرات ؟ أين  الولائم ؟ أين السياحة ؟ أين السفر والفنادق ؟ أين هذا كله ؟ الإنسان إذا عاش المستقبل أقول كلمة دقيقة : معظم أهل الأرض يعيشون واقعهم ، وماضيهم فقط ، لا يوجد واحد بالألف يفكر بالمستقبل ، المستقبل فيه موت ، فيه قبر ، ماذا بعد الموت ؟ يوجد برزخ ، ماذا بعد البرزخ ؟ يوجد جنة أو نار ، أو أن تلغي الدين ، لا يوجد حل وسط ، إذا أنت آمنت بالآخرة والله إن لم تنعكس كل مقاييسك مئة وثمانين درجة أنا مسؤول ، كنت تحب الأخذ ، بعد أن آمنت بالله واليوم الآخر تحب العطاء ، بالبداية تعطي للبنات راحتهم بخروجهم ، بثياب فاضحة ، ضيقة ، بعدما عرفت الله تعتني بهندام بناتك ، بتربيتهم ، بصلاتهم ، بحجابهم ، بأولادك ، باستقامتهم ، بالقرآن ، بالعمل الصالح ، إذا لم تنعكس كل مبادئك وقيمك إذا آمنت بالآخرة مئة وثمانين درجة أنا مسؤول ، هذا للآخرة ، إما أن نلغيها ، قل لا يوجد آخرة ، لا يوجد مانع ، افعل ما تشاء ، أنت عندك موقف يحير ، لا تستنكرها ، ولا تعمل لها ، هذا موضوع الآخرة ، ما ورد الإيمان بالقرآن إلا بالاثنين الإيمان بالله واليوم الآخر ، إذا الآخرة مؤمن فيها ، إذا لم تنعكس كل موازينك مئة وثمانين درجة أنا مسؤول ، تنعكس ، كنت تحب الأخذ ، الآن العطاء ، كنت تحب البنت تظهر كل محاسنها ، الآن البنت تلبس ثياباً فاضحة ، قصيرة ، وضيقة ، يستقبلها عمها أهلاً وسهلاً ، أنت غالية علينا كثيراً ، ما شاء الله حولك ! ما هذا الجمال ! أين العم ؟ ما سأل ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ألغي بحياتنا ، مجاملات ، كلها مجاملات ، لا أحد يغير ، نحن نعيش لحظتنا .
كنت مرة بأمريكا ، عدت إلى الشام ، قال لي أحدهم : ماذا رأيت ؟ قلت له والله     كلمتين : يعيشون لحظتهم فقط ، الآن همهم الرفاه ، وهذا وضع العالم كله الآن ، يعيش لحظته، أنت اعتقد أنه لا يوجد موت ، لا يوجد مانع ، عندك دليل أنه لا يوجد موت  ؟ الموت قطعي ، لا يوجد حدث صارخ موجود بالأرض كالموت ، الملوك يموتون ، يا ترى ألا يوجد شيء بعد الموت ؟ فقط بالقبر وانتهى كلامك ، أم أن هناك حياة أبدية ؟ إما أن تؤمن بالآخرة ، تعد لها ، وإلا قل : لا يوجد آخرة وارتح ، اختار هذه أو هذه ، أما لا هذه ولا هذه ، لم تصدق فيها تصديقاً يقلب كل موازينك ، ولا تنكرها وبالقرآن موجودة ، الإيمان بالله واليوم الآخر ، أي أريد موقفاً واضحاً للدين ، هذا الدين منهج ، هذا الدين قيم ، مبادئ ، أهداف بعيدة ، هذا الدين ينقلك إلى أبد الآبدين .

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ' قال الله عز وجل : أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ . ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ]

قل لا يوجد جنة ، يوجد حياة فقط لا يوجد مانع ، إذا عندك قناعة لا يوجد مانع ، أما هذا الدين الحالة الرجراجة لست مصدقاً تصديقاً يقلب حياتك إلى التزام ، ولست مكذباً تكذيباً ينهي اعتقادك الإسلامي ، حالة مضطربة ، أي لا حرب ولا سلم .
 

العاقل من يدخل الموت في حسابه ويعمل لما بعده :

 
الإسلام أخواننا الكرام ؛ عندنا إسلام فردي ، لا يهمك العالم ، عندك أنت ثلاث دوائر ، أول دائرة أنت ، صلاتك ، غض بصرك ، صيامك ، إقبالك ، أي التزامك بالمبادئ الشرعية ، كأب أب مثالي ، كابن ابن مثالي ، كأخ أخ مثالي ، ببيتك ، خروج زوجتك ، أولادك ، علاقاتك ، سهراتك لا يوجد فيها اختلاط ، هذا المنهج لا يوجد فيه حل وسط ، إما أنك ملتزم أو إسلام فولكلوري ، نضع الكعبة بصورة على مستوى الحائط كله ، يا الله ما أجملها ! وفي غرفة ثانية الحرم النبوي ، ونضع بالسيارة مصحفاً ، لا يوجد مانع أبداً ، لكن يا ترى المصحف مطبق ؟ مقروء ؟ تأتمر بأمر الله ؟ تنتهي عما نهى عنه الله ؟ أنا أخشى أن تكون كلماتي قاسية لكن والله من محبتي لكم لأن الدين النصيحة ، الدين انضغط بكلمة واحدة ، النبي قال : 

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال : الدِّينُ النصيحة ، قالوا : لمن يا رسولَ الله  ؟ قال : لله ، ولكتابه ، ولأئمة المسلمينَ ، والمسلمُ أخو المسلمِ ، لا يَخْذُلُهُ ، ولا يَكْذِبهُ ، ولا يَظْلِمُهُ ، وَإِنَّ أحدَكُم مرآةُ أخيهِ ، فَإِنْ رَأى بهِ أذى فَليُمِطْهُ عنه . ))

[ أخرجه الترمذي ]

أنا أريد أن أدخل الموت في حسابي ، هذا ليس تشاؤماً ، لا ، هذه واقعية ، والواقعية الآن منهج ، هل هناك أحد لا يموت ؟ ماذا بعد الموت ؟ لا يوجد شيء ؟ انتهى كل شيء ؟ إذاً لا بد من نقلة عقائدية نوعية ، لابد من أدلة ، لابد من طلب علم ، أي حتى تضع إلى جانب اسمك د. فقط كم سنة دراسة ؟ ثلاث وعشرون سنة دراسة لكلمة د. فقط ، وحتى تستحق دخول الجنة ألا يوجد عندك وقت تسمع درساً ؟ تقرأ تفسيراً ؟ تبحث عن قضية فقهية عليها إشكال عندك ؟ مثلاً لماذا الله خلقنا ؟ هذه أسئلة كبيرة ، أسئلة كبيرة لماذا نحن خلقنا ؟ ماذا بعد الموت؟ ماذا في الآخرة ؟ ما هو  القرآن ؟ من عند من ؟ ما الأدلة ؟ أي اقتطع من وقتك وقتاً تراجع أمورك المألوفة غير المتابعة ، غير المتثبتة ، لابد من أن تكون على شيء من العلم ، فأنا أتمنى وإن لعل تكون كلماتي قاسية لكن لا بد من نقلة نوعية .
 

كليات الدين هي عقيدة وحركة :


إذاً نحن عندنا الكليات ؛ اتفقنا أن العقيدة كلية ، الحركة ، ما الحركة  ؟ الحركة نوعان ؛ نوع سلبي ونوع إيجابي ، أنا ما أكلت مالاً حراماً ، سلبي ، أنا ما كذبت ، سلبي ، أنا ما غششت في البيع ، سلبي ، أنا ما فرقت بين زوجين ، كلها سلبيات ، الإيجابيات ؛ أنفقت من مالي ، من علمي ، من وقتي ، من خبرتي ، دفعت زكاة مالي ، تفقدت فقراء من حولي ، دفعت ، عملت أعمالاً صالحة ، قرأت القرآن ، تتبعت أحاديث النبي العدنان ، فلابد من حركة ، حركة إيمانية ، هذا الكليات ، كلية عقيدة ، مبادئ ، قيم ، كلية حركة ، السلبية استقامة ، الإيجابية عمل صالح ، الثمرة :

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾

[ سورة طه ]

يا ترى نحن صلاتنا منضبطة ؟ خمسة أوقات بالتمام والكمال ؟ هل هناك إقبال على الله في صلاة تسعد بها ؟ أنت تزور أحياناً إنساناً غنياً ، يقدم لك ضيافة ثمينة جداً تُسر بها ، أنت تزور الخالق الواحد الديان ، خالق الأكوان ، ألا يوجد شيء بالصلاة  ؟ يكون هناك سعادة لا  توصف .

(( عن سالم بن أبي الجعد رحمه الله قال : قال رجل من خُزاعةَ : ليتني صلَّيتُ فاسترْحتُ ، فكأنّهم عابوا ذلك عليه ، فقال : سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول : أقم الصلاةَ يا بلالُ ، أرِحْنا بها . ))

[ أخرجه أبو داود ]

هكذا قال النبي ، الآن لسان معظم الناس أرحنا منها ، والفرق كبير بين أرحنا بها   وأرحنا منها ، أي يجب أن نراجع ، وأن نقتطع وقتاً لدراسة أنفسنا ، بالتأمل ، مع الشاشات ، مع الأخبار ، مع الجزيرة ، مع ماذا حدث بروسيا ، وهكذا ، من آخذ رأيك بموضوع ما ؟ من يطبق توجيهك ؟ أنت مستمع ، أما أنت يوجد عندك قضية خاصة ، أنا الآن في السادسة والسبعين ، معنى هذا كم أحتاج لأصل للثمانين ؟ أي ساعة أموت ؟ ماذا يوجد بعد الموت ؟ يوجد تفكك أسرة أحياناً ، أنا لا أريد أن نعيش بأوهام ، كن واقعياً ، الآخرة إما أن تؤمن فيها ، إذا لم تنعكس كل مقاييسك مئة وثمانين درجة أنا مسؤول عن كلامي ، أو لا يوجد آخرة ، لا يوجد آخرة لا يوجد مانع ، أخذت موقفاً .
 

من ذكر الله منحه السكينة والتوفيق :


إذاً الكليات ، الفكر ، الحركة ؛ استقامة وعمل صالح ، الثمرة هي الصلاة ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) إن صليت ذكرت الله ذكراً تعبدياً ، إذا الله ذكرك ، هنا التفوق ، قال :

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)  ﴾

[ سورة البقرة ]

إذا الله ذكرك منحك السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء ، هذه السكينة ، منحك الحفظ ، حفظ إلهي ، منحك التوفيق .

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)  ﴾

[  سورة هود ]

إذا أنت قطفت ثمار الدين تقول : ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني ، صارت الكليات تقريباً العقيدة ، هذه تحتاج لطلب علم ، ونحن أينما كنا لا تستطيع أن تدخل لعند محامي إلا إن كان هناك مبلغ بجيبك ، أتعاب ، وأي مهندس كذلك ، وأي طبيب كذلك ، إلا الجامع مجاناً ، كله فري باللغة الأمريكية ، اطلب العلم ، اقرأ القرآن ، اقرأ تفسيره ، من فضل الله يدخل موقعي مليونا زائر ، وهناك سبع لغات في موقعي ، وتجديد يومي ، هذا بين أيديكم أيضاً وكله بالمجان من دون مقابل إطلاقاً ، أي اقتطع من وقتك وقتاً لمعرفة الله ، لمعرفة هذا الدين العظيم ، لمعرفة سرّ وجودك ، وغاية وجودك .
إذاً كليات الفكر ، إيديولوجية ، الحركة ، السلبية استقامة ، الإيجابية العمل الصالح ، الثمرة هي الصلاة ، الصلاة : ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) صليت ذكرت الله ، الله ذكرك منحك الشيء الذي لا يصدق ، منحك السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء ، منحك التوفيق ( وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ) منحك الحفظ ، صار لك رسالة بالحياة ، أصبحت أنت أكبر من الطعام والشراب ، أكبر من السهرات المعينة ، أكبر من النزهات ، أنت الآن حملت رسالة ، أنت الآن تعمل لما بعد الموت ، هذا الموت شيء مخيف ، بيت عبارة عن أربعمئة وخمسين متراً ؛ ثريات ، سجاد ، طعام ، شراب ، سهرات ، نزهات ، أهل ، والله المرحوم انتهى ، بالأرض .
أنا مرت أتيت من تونس إلى الشام ، كان هناك شخص ميت وضعوه بالنعش ، صار بضاعة ، كان شخصاً له مكانته ، كان مدير عام لشركة صار بضاعة ، إشارة إلى اسمه وأوضاعه ، هذا الموت شيء مخيف ، والله إذا فكرنا بالموت وحده والله إذا لم تنعكس موازيننا مئة وثمانين درجة أنا مسؤول .
 

العاقل من يقتطع من وقته وقتاً لمعرفة سرّ وجوده وغاية وجوده :


إذاً الذي أتمنى أن يكون في هذا اللقاء الطيب نحن يجب أن نقتطع من وقتنا وقتاً لنعرف سرّ وجودنا ، وغاية وجودنا ، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا كلام الله .

(( عن شهر بن حوشب رحمه الله قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى كَلَامِ خَلْقِهِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ . ))

[ أخرجه الدرامي ]

خالق السماوات والأرض ، هذا كلامه ، إن أردت أن يحدثك الله فاقرأ القرآن ، إن أردت أن تحدثه فادعه ، اعمل لنفسك خطاً ساخناً مع الله ، مناجاة بالليل .

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يُمهِلُ حتى إِذَا ذَهَبَ ثُلُث الليل الأَوَّلُ نَزَلَ إلى السماء الدنيا ، فيقول : هل مِنْ مُستَغْفِرٍ ؟ هل مِن تائِبٍ ؟ هل من دَاعٍ ؟ حتى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ' . ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك ]

لك علاقات مع الناس ، مع الجيران ، مع الأقوياء ، مع الضعفاء ، مع الزملاء ، اعمل علاقة مع الله عز وجل ، اعمل معه خطاً ساخناً ، تعلم ، اقرأ  هذا كلامه ، إذا أردت أن تحدث الله فادعه ، إن أردت أن يحدثك الله فاقرأ القرآن ، من يقرأ خمس صفحات باليوم ؟ واسأل عنه ، والله كل شيء بين أيديكم ، من فضل الله ، موقعي الأول بالعالم ، بين يديك ، ابعث أسئلة ، يوجد تفسير ، وحديث ، وسيرة ، وإعجاز علمي ، يدخله في اليوم مليونا زائر ، أول موقع إسلامي ، تطبيق الحديث ، أنا أتمنى عليكم أن يعمل الواحد لنفسه لفتة إلى السماء ، الناس غرقى في وحل الأرض ، شهوات وشبهات ، و في مناقشات لا تقدم ولا تؤخر .
أرجو الله أن يحفظ إيمانكم جميعاً ، وأهلكم ، وأولادكم ، وصحتكم ، ومالكم ،  واستقراركم إن شاء الله .

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

إخفاء الصور