وضع داكن
06-12-2022
Logo
حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 137 - معية الله
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، اللهم صلِ وسلم وبارك على حبيب قلوبنا ، على نبينا وقدوتنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، أهلاً ومرحباً بكم مستمعينا الكرام السلام عليكم ، وعلى الهواء مباشرة في لقاء إيماني جديد بوجود فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، شيخنا الحبيب الحمد لله على السلامة ، وأهلا ومرحباً بكم معنا .
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ، ونفع بكم ، وأعلى قدركم .
المذيع :
 الله يكرمكم يا شيخنا ، وأهلاً ومرحباً بكم .
 اليوم لدينا حديث جميل ، ولدينا كلمات طيبة نستمع إليها من فضيلة العلامة الشيخ النابلسي تحت عنوان : "معية الله" ، نستمع كثيراً لهذه الكلمة ، هؤلاء الأشخاص من معية الله ، نريد أن نتعرف ، وأن نفهم هذا المفهوم أكثر ، من هم أهل الله ، وكيف نكون منهم ؟ ومن هم أولياء الله ، وكيف لنا أن نتحلى بصفاتهم ونكون منهم ؟
 يقول ربنا سبحانه وتعالى في الآية الثالثة والستين من سورة يونس ، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[ سورة يونس : 62 ـ63]

 وقال النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يعلم الصحابة :

((يا غلام ، إِني أُعَلِّمك كلمات احفظ الله يحفظك))

[الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما]

 فما هو حفظ الله ، وما هي معية الله ؟ هذا هو سؤالنا الذي نستهل به لقاءنا مع الشيخ محمد راتب النابلسي ، شيخنا الحبيب بعد ترحيبنا مرة أخرى بكم ، ما المقصود بمعية الله؟ ما معناها ؟ ما هي ؟ ما هو مفهوم معية الله ؟

المعية نوعان :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، وأمناء دعوته ، وقادة ألويته وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، بارك الله بكم .
 أبدأ لقائي مع أخوتي الكرام المستمعين بهذه المقولة : إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ بمعنى أن معية الله عز وجل مقام عند الله رفيع ، ولكن المعية نوعان ، المعية الأولى :

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد :4]

 أي بعلمه ، الله معنا دائماً ، أحوالنا ، أقوالنا ، أفعالنا ، خواطرنا ، نوايانا ، حركاتنا ، سكناتنا ، خروجنا ، دخولنا ، ارتقاؤنا ، معنا أينما كنا ، معية الله الأولى معية علم .

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾

[ سورة الحديد :4]

 يعلم ما تفعلون ، ما تقولون ، ما تضمرون ، يرى حركتكم ، يعلم خواطركم ، فالمعية الأولى معية علم ، لكن حينما يقول الله عز وجل : إن الله مع المؤمنين ، هذه معية أخرى ، من نوع آخر ، المعية إذا جاءت مع المؤمنين تعني أن الله عز وجل معكم بالنصر ، والتأييد ، والحفظ والتوفيق ، فالأولى : معية علم ، والله مع الكافر ، أي يعلم ما يتكلم ، يعلم حركاته ، سكناته ونواياه السيئة ، يعلمها ، فإذا كان الله مع الكافر ، معية علم فقط ، وإذا كان مع المؤمن معية علم أيضاً ، وإذا كان مع أي مخلوق معية علم ، لكن المعية التي اتصف بها المؤمنون .

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد :4]

 إن الله مع المؤمنين ، إذا جاءت المعية مرتبطة بالمؤمنين ، هذه معية التوفيق ومعية التطهير ، معية التكريم ، كل المعاني الإيجابية من معية الله ، أنا ألخصها بهذه الكلمة : إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك .
 إذا كان الله مع هذا المؤمن من يستطيع في الأرض كائناً من كان أن ينال منه ؟ قوى الأرض بأكملها لا تستطيع أن تنال من المؤمن إذا كان مع الله ، وإذا كان الله معه ، فإذا كنت مع الله كان الله معك ، عندما يكون المؤمن مع الله طائعاً ، ملتفتاً ، مقبلاً ، مطبقاً لمنهجه، يراقب نواياه التي تسبق أعماله ، كل هذه المقدمات يكتسب بها المؤمن معية الله ، وإذا اكتسب معية الله فهو في أعلى درجات التكريم ، مثلاً يكون إنساناً عادياً ، إذا قال له الملك : أنا معك ، من يقدر بالمملكة كلها أن ينال منه ؟ هذه معية الله كبيرة جداً ، فأنا أتمنى على كل مؤمن أن يدفع ثمن معية الله عز وجل .
المذيع :
 وما هو هذا الثمن دكتور ؟

ثمن معية الله عز وجل هي الطاعة :

الدكتور راتب :
 الثمن هي الطاعة ، الطاعة سلوكاً ، والإقبال عليه نفساً ، والإخلاص له قلباً ، سلوك طاعة ، بالنفسية قرب ، بالضمير إخلاص ، فالإخلاص والإقبال والسلوك ، هذه تستوجب معية الله عز وجل .
المذيع :
 جميل ، إذاً معية الله ، والله يعلم كل أحوالنا ، وهذه تنطبق على كل خلقه ، وعلى كل البشر ؟
الدكتور راتب :
 ومع الكافر ، هو كذلك .
المذيع :
 معية العلم .
الدكتور راتب :
 يعلم كل ما يخطط له .
المذيع :
 ومعية الحفظ لأولئك الذين يتقون الله سبحانه وتعالى .
الدكتور راتب :
 والتأييد ، والتوفيق ، والنصر ، والنجاح .
المذيع :
 هنا أريد أن أتوسع مع فضيلتكم دكتور محمد ، ما المقصود بهذه المعية ؟ إذا كان إنسان من الناس الذين يتقون الله عز وجل ، يسارعون في أداء فرائضهم ، وينتهون عما نها عنه سبحانه وتعالى ، ويجتهدون بالنوافل والاستغفار ، فربنا رضي عنهم ، فكانوا في معية الله ، ما دلالة ذلك ؟ ما معنى أن يكون في معية الله ؟ ما الذي يتحقق في حياتنا وآخرتنا ؟

الحكمة أكبر عطاء إلهي على الإطلاق :

الدكتور راتب :
 الذي تحقق أن الإنسان بين إلهام الملَك ووسوسة الشيطان ، فالإنسان له قرين حتماً، قرين من الشياطين ، وقرين من الملائكة ، فإذا كان مع الله ألهمه الملك ما ينفعه ، ألهمه الخير ، ألهمه الصواب ، ألهمه الكلام السديد ، ألهمه التصرف المدروس العاقل ، ألهمه الموقف القوي ، ألهمه الشجاعة ، ألهمه الإيثار ، هذه كلها إلهامات ، الإنسان بين إلهام ملك ، وبين وسوسة الشيطان ، فإذا كان مع الله يتولى الملك إلهامه بالخير ، إلهامه بالحكمة ، أكبر عطاء إلهي على الإطلاق الحكمة ، والدليل :

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة : 269]

 الإنسان بالحكمة يسعد بزوجة من الدرجة العاشرة ، ومن دون حكمة يشقى بزوجة من الدرجة الأولى ، بالحكمة يجعل العدو صديقاً ، من دون حكمة يجعل الصديق عدواً ، بالحكمة يتدبر أمره بالمال المحدود ، من دون حكمة يتلف المال الكثير .
 أكاد أقول أخي الكريم بارك الله بك : أكبر عطاء إلهي على الإطلاق الحكمة ، إلا أن هذه الحكمة لا تؤخذ ، هنا المشكلة ، لا تؤخذ ، ولا تكتسب ، ولا تتملك ، الحكمة تؤتى من الله والدليل :

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ﴾

[ سورة البقرة : 269]

 أكبر مكافأة من الله للعبد المؤمن أنه يُلهمه الحكمة ، أي ناجح بقراراته ، ناجح بتصرفاته ، ناجح بمواقفه ، ناجح في بيته ، ناجح في عمله ، ناجح مع أخوانه ، ناجح مع أصدقائه ، ناجح مع زملائه ، ناجح في أمر راتبه ، ناجح في أوقات فراغه ، ناجح في هواياته مطلق النجاح .

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة : 269]

 أنا أضرب مثلاً بسيطاً : لو فرضنا طفلاً جاء العيد ، أقرباؤه أعطوه بعض الأموال، فإذا زاره عمه أو خاله ، قال له الطفل : عمي أنا معي مبلغ عظيم ، كم تقدر مبلغ هذا الطفل الصغير ؟ عمره خمس سنوات ، قال لك : معي مبلغ عظيم ، أي مئة دينار مثلاً لا أكثر .
 إذا مسؤول بالبنتاغون قال : أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً ، بكم تقدر ؟ مئتي مليار ، فإذا قال ملك الملوك ، ومالك الملوك ، خالق الأكوان :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113]

الإنسان إذا بحث عن الله وطبق أمره علمه ما لم يكن يعلم :

 إله خالق الأكوان ، يخاطب النبي الكريم :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113]

 الحقيقة لو أن الإنسان تبصر في نفسه لوجد أنه إذا بحث عن الله ، وعرفه ، واستلهم إيحاءاته ، وطبق أمره ، وتوجه إليه ، وأخلص له ، علمه ما لم يكن يعلم .

﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113]

 من الممكن أن نلخص هذه الحلقة كلها بكلمتين : إذا كان الله معك فمن عليك ؟ من يستطيع من أهل الأرض ، من أقوياء الأرض ، من طغاة الأرض ، أن ينال منك ؟ لا أحد. وإذا كان عليك فمن معك ؟ وإذا الله عز وجل :

﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾

[ سورة الرعد : 11]

 إذا أراد الله إكرامك يسخر عدوك لخدمتك ، وإذا أراد الله إهانة عبد جاءه الشر من أقرب الناس إليه ، البطولة أن تكون مع الله ، ويكون الله معك .

كن مع الله تر الله معــــك  واترك الكل وحاذر طـــــــمـــعك
وإذا أعطاك مـن يـمنعه ؟ ثم  من يعطي إذا ما منعـك ؟
***

المذيع :
 ربنا سبحانه وتعالى خلق لهذا الكون نواقيس وقوانين معينة وجعلها السنن الكونية التي تسير عليها ، هل يمكن لهذه السنن الكونية أن تتغير مع أولياء الله ، مع أولئك الذين دخلوا في معية الله من عباده المتقين ؟

الظاهرة القرآنية تؤكد أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن :

الدكتور راتب :
 والله هذا الموضوع ينقلنا إلى موضوع الكرامات ، أنا أولاً أقول لك بالكلام الدقيق : أن النبي الكريم حينما يرسله الله لهداية خلقه ، هذا النبي الكريم يقول : أنا رسول الله ، أو يأتي بمنهج ، المنهج افعل ولا تفعل ، هؤلاء الذين ألفوا أن يعيشوا مع شهواتهم من دون قيد أو شرط ألفوا التفلت ، ألفوا أن يتحركوا بدافع من شهواتهم ، إذا جاءهم منهج إلهي يحد من شهواتهم يرفضون هذا المنهج ويقولون :

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾

[ سورة الرعد : 43]

 يكفرون برسالة النبي ، الآن كيف يشهد الله لهذا النبي أنه رسوله ؟ هنا الشاهد ، لابد من أن يجري على يديه خرقاً للنواميس ، سيدنا عيسى أحيا الموتى ، سيدنا موسى ضرب البحر أصبح طريقاً يبساً ، سيدنا ابراهيم أُلقي في النار فلم تحرقه ، فحينما يقول إنسان أنا رسول الله لا بد من أن يشهد الله له برسالته ، وذلك بأن يجري على يديه خرق لنواميس الكون ، هذه المعجزات . إلا أن الأنبياء السابقين لكل نبي معجزة حسية ، ترى بالعين ، المعجزة الحسية كتألق عود الثقاب يتألق هذا العود ، ثم ينطفئ ، فيصبح خبراً يصدقه من يصدقه ، ويكذبه من يكذبه ، إلا أن النبي الكريم آخر الأنبياء والمرسلين ، بعثته خاتمة البعثات ، رسالته خاتمة الرسالات ، كتابه خاتم الكتب ، فلابد من أن تكون المعجزة مع رسول الله وحده مستمرة ، حينما يأتي نبي كريم مع معجزة حسية ، وتنتهي حياته سيأتي بعد نبي آخر ، ومع الآخر معجزة ، أما هذا النبي خاتم الأنبياء والمرسلين ، بعثته خاتمة البعثات ، رسالته خاتمة الرسالات ، إذاً لابد من أن تكون المعجزة لهذا النبي محمد عليه الصلاة والسلام مستمرة ، ولن تكون مستمرة إلا إذا كانت علمية .
 لذلك في هذا الكتاب الكريم ، ألف وثلاثمئة آية فيها إعجاز أي حقيقة اكتشفت حديثاً والقرآن ذكرها قبل ألف وأربعمئة عام ، هذه الظاهرة القرآنية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الذي خلق الأكوان ، هو الذي أنزل القرآن .
 نأتي بمثل : رواد الفضاء في أول رحلة فضائية أبولو 8 ، حينما تجاوزوا طبقة الهواء صاح رائد الفضاء الأول : لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً ، ما الذي حصل ؟ نحن في الأرض هناك ظاهرة فيزيائية اسمها تناثر الضوء ، فحينما تسلط أشعة الشمس على ذرات الهواء ، هذه الذرات تعكسها على ذرات أخرى في أي مكان على سطح الأرض ، في النهار في مكان فيه أشعة شمس ، مكان آخر فيه ضوء الشمس ، بيتك إذا النوافذ مفتوحة في النهار تجد ضياء في البيت ، بعض الغرف التي لها علاقة بالجهة القبلية تدخل لها أشعة الشمس ، لكن بقية الغرف ليس فيها أشعة الشمس لكن فيها ضوء ، هذا الضوء هو تناثر الضوء ، فكرة دقيقة في الفيزياء ، الأشعة تسلط على ذرات الهواء هذه الذرات تعكسها إلى ذرات أخرى ، فأصبح في الأرض مكان فيه أشعة شمس ، كساحة عامة ، وفي البيت الذي فيه نوافذ فيه ضوء الشمس لكن ليس فيه أشعة الشمس ، هذه الظاهرة عندما رواد الفضاء صعدوا إلى القمر ، وتجاوزوا طبقة الهواء ، ألغي انتثار الضوء ، فصاح رائد الفضاء بأعلى صوته : لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً ، أصبح الظلام دامساً عندما تجاوزوا طبقات الهواء ، أصبح الظلام دامساً لأن انتثار الضوء ألغي .

إعجاز القرآن الكريم :

 الآن نفتح القرآن الذي نزل قبل ألف وأربعمئة عام يقول الله عز وجل :

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر : 14 ـ 15]

 تطابق مئة بالمئة بين حدث روي حديثاً في العشرين عام الماضية ، بعد أن توصل الإنسان إلى القمر ، وتجاوز طبقة الهواء ، وصاح رائد الفضاء : لقد أصبحنا عمياً ، وبين كلام الله عز وجل :

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر : 14 ـ 15]

 من هذه الشاكلة ، يوجد مئات بل بضع مئات من القضايا التي القرآن أشار إليها مثلاً علم الجنين ، علم الأجنة ، هذا علم عمره مئة عام ، الآن توصلوا إلى أن الذي يحدد جنس الجنين ذكر أو أنثى ليست البويضة ، ولكنه الحوين ، نفتح القرآن :

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾

[ سورة النجم : 45 ـ 46]

 دقة متناهية .
المذيع :
 شيخنا الحبيب هذا كله كما تفضلت يدل على إعجاز كلام الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم ، والذي هو معجزة خالدة ببقاء الإسلام رسالة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ماذا عن أولئك الذين يدخلون في معية الله ، أولياء الله الصالحين ، هل إذا كان الإنسان في معية الله ، من أولياء الله الصالحين تغير هذه القوانين والسنن الكون له أم هو مأمور أن يأخذ بأسبابها فهي لا تغير أحد ؟
 كنت قد سألت فضيلتكم شيخنا إذا كانت قوانين الكون تتغير ، أحياناً نعرف إذا كان إنسان في حفظ الله ، يمكن إذا كان في كرب ربنا يكشف عنه الكرب ، إذا كان في ضائقة يفرج عليه أكثر من باقي الناس ، هل هذا واقعي ؟

الفرق بين الكرامة والمعجزة :

الدكتور راتب :
 أولاً هناك وهم كبير حول تعريف الولي ، قيل : ليس الولي الذي يمشي على سطح الماء ، ولا الولي الذي يطير في الهواء ، ولكن الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام ، أن يراك حيث أمرك ، وأن يفتقدك حيث نهاك ، الآن لو رجعنا إلى تعريف الولي في القرآن الكريم :

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[ سورة يونس : 62 ـ 63]

 هذا تعريف القرآن ، وهناك ملايين القصص والخرافات والخزعبلات متعلقة بالأولياء صدق لا أصل لها ، لكن البطولة أن تفهم الدين فهماً وفق منهج الله عز وجل ، الإنسان يتفوق ، أما أنا مضطر أن أذكر المعجزة ، حينما يرسل الله رسولاً ، ومعه منهج ، ويقول للناس : أنا رسول الله ، هناك من يكذبه ، فلابد من أن يشهد الله له أنه رسوله .
المذيع :
 من خلال المعجزات .
الدكتور راتب :
 المعجزة سيدنا موسى ضرب البحر أصبح طريقاً يبساً ، سيدنا عيسى أحيا الموتى .
المذيع :
 أما الكرامة ما هي ؟
الدكتور راتب :
 الكرامة هذه بالتعبير المصرفي شيك مسطر ، لا تصرف إلى لصاحبها ، هذه الكرامة إشعار الله لهذا المؤمن الذي تفوق في إيمانه ، وبذل الغالي والرخيص حتى يحبه الله ، هذه لا يتاجر بها ، لذلك قالوا : الولي كل الولي الذي يستحي بكرامته ، لا يروي كراماته .
 أنا موقفي دقيق جداً ، أنا الكرامة لا أنكرها ولا أرويها ، لا بد حينما تخطب ود الله ، تقوم الليل ، تنفق من مالك ، تدعو إلى الله ، هذه الأعمال الطيبة الرفيعة جداً لابد من أن يقابلك الله بمودة ، المودة هي الكرامة ، أحياناً تجد نفسك مرتاحاً ، طليق اللسان بالحديث ، أحياناً تبحث عن شخص تجده أمامك ، هذه أشياء تسمى كرامات ، هذه لا يتاجر بها ولا تذكر ولكنها إشعار لهذا المؤمن الصادق المخلص المقبل أن الله يحبه ، فالكرامة تكون لكن لا يتاجر بها ، وليست للتحدي بخلاف المعجزة ، المعجزة الأنبياء أمروا أن يتحدوا البشر بها ، لكن الولي الحقيقي ينبغي أن يسكت عن كرامته ، وألا يرويها ، لأنه غير معصوم ، لو رواها والناس صدقوه ، ثم رأوا خطأ من أخطائه ، يكفرون بالدين ، فأنا أتمنى على كل الدعاة ألا يرووا لمن حولهم كراماتهم .
المذيع :
 إذاً أنت موقفك شيخنا واضح من الكرامات لا تنكرها ، لكنك أيضاً لا تدعو إلى أن يتناقلها الناس .

أي إنسان مؤمن مستقيم هو أحد أولياء الله :

الدكتور راتب :
 لي مثل بسيط : طالب بالشهادة التوجيهية ، شهادة مصيرية متعلقة بالجامعة ، والده مرض أثناء العام الدراسي مرضاً شديداً فترك الدراسة من أجل والده ، وتفرغ لخدمته ، وتطبيبه قبل الامتحان بشهر ، أو بأسبوعين شُفي والده ، بقي معه أسبوعان ، إذا الله عز وجل ألهمه أن يفتح الكتاب على الصفحة التي منها السؤال ، هل هذا صعب على الله ؟ هذه لا تروى لأحد هذه القصة ، هذه فقط إكرام من الله لهذا الابن البار .
المذيع :
 إذاً المنهج هنا أن يسر الإنسان بهذه الكرامة ويخفيها .
الدكتور راتب :
 ينبغي ألا يعلنها حتى لا يشوش الناس ، لأنه ليس معصوماً ، قد يخطئ وقد يصيب ، الكرامة أولاً أنا لا أنكرها ، لأنها إشعار من الله أنني أحبك يا عبدي .
المذيع :
 حينما نقول شيخنا أولياء الله ، وحينما نقول أولئك الأشخاص الذين دخلوا بمعية الله هل نتحدث عن فئة واحدة ، أم أن المعنى منفصل ؟
الدكتور راتب :
 أي إنسان مؤمن مستقيم أحد أولياء الله ، كلام دقيق جداً دليل قرآني :

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾

[ سورة يونس : 62 ـ 63]

 فقط ، تعريف جامع مانع للولاية ، أما خرق العادات فأنا لا أغلبها ، هذه لا يتاجر بها .
المذيع :
 حينما نقول في قول الله سبحانه وتعالى كما تفضلتم عن أولياء الله الصالحين :

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾

[ سورة يونس : 63]

 آمنوا بماذا ؟ ويتقون ماذا ؟

أولياء الله اتقوا الله و آمنوا به :

الدكتور راتب :
 آمنوا بالله عز وجل ، آمنوا بالله موجوداً وواحداً وكاملاً ، آمنوا بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى ، استقاموا على أمره ، تقربوا إليه بالأعمال الصالحة .

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾

[ سورة يونس : 63]

 هذا أصبح ولياً ، أي إنسان تعرف إلى الله ، طبق منهجه ، استقام على أمره ، أحسن إلى خلقه ، أصبح ولياً .
المذيع :

﴿ وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾

[ سورة يونس : 63]

 كيف يتحقق ذلك ؟
الدكتور راتب :
 يتقون المعصية ، يتقون أن ينقطعوا عنه باستقامتهم ، يتقون أن يعاقبوا بطاعتهم ، حينما يلغى المفعول به يطلق الفعل ، قاعدة عامة في اللغة ، يتقون كل شيء ، يتقي أن يعصي الله ، يتقي أن يغضب الله ، يتقي أن يؤذي مخلوقاً ، يتقي أن يدعي لنفسه مالا يملك ، ممكن أن يوضع عليها مليون كلمة بعدها ، أما عندما ألغي المفعول به أطلق الفعل .
المذيع :
 إذاً : من آمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر .
الدكتور راتب :
 واستقام على أمره ، وعمل صالحاً ، وتقرب إلى الله الآن هذا من أولياء الله ، بالمعنى القرآني وليس النصوصي .
المذيع :
 كلام مهم ، وكلام بغاية الروعة والأهمية شيخنا الحبيب ، دكتور أولئك الذين يتقون الله ، ويؤمنون به ، ما هو ثوابهم وأجرهم عند الله في الدنيا ، وعند الممات ، وفي القبر في حياة البرزخ ، وفي الآخرة ؟

في قلب المؤمن من الأمن ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم :

الدكتور راتب :
 فال تعالى :

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[سورة الرحمن : 46]

 العلماء قالوا : جنة في الدنيا ، وجنة في الآخرة ، جنة الدنيا جنة القرب من الله ، أحد كبار العلماء يقول :
 ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري ، إن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة فماذا يفعل أعدائي بي ؟
 معنى ذلك أن حياة المؤمن جنة ، جنة في الأرض ، لكن هذه الجنة جنة القرب من الله ، لأن الله عز وجل قال وهو يصف المؤمنين ويخبرهم :

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ﴾

[ سورة محمد : 6]

 يوم القيامة :

﴿ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد : 6]

 في الدنيا ، ذاقوا طعمها .

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد : 6]

 عرفها لهم بقرب العبد من ربه ، أنت مع العظيم ، مع الرحيم ، مع الجليل ، مع الحكيم ، مع القدير ، مع الغني ، مع الإله العظيم ، أنت قوي بالله ، غني بالله ، حكيم بالله ، عالم بالله ، أي إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك ؟ هذه سماها العلماء : جنة القرب ، أي يوجد في قلب المؤمن من الأمن ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم ، والدليل قوله تعالى :

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 81 ـ 82 ]

 لهم الأمن وحدهم ، ولا يتمتع بالأمن إلا المؤمن ، حرصاً بنص الآية ، لو أن الله عز وجل قال أولئك الأمن لهم ولغيرهم ، لما قدم الخبر الذي هو شبه جملة على المبتدأ ، أصبح هناك قسر ، مثلاً : إذا خاطبت ربك فقلت يا ربي نعبد إياك ، لا تمنع أن نعبد غيرك ، أما إذا قال الإنسان في الفاتحة :

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾

[ سورة الفاتحة : 5]

 قدمنا إياك على الفعل ، أصبح هناك قسر ، أي لا نعبد إلا إياك ، فلذلك نعمة الأمن لا يتمتع بها إلا المؤمن حصراً ، بنص القرآن الكريم .

المذيع :
 الله يفتح عليكم يا دكتور ، ماذا عن فضل أو جزاء أولياء الله الصالحين من يدخلون في معية الله ، من عباد الله الصالحين والمتقين ، في لحظات الوفاة ، هل يثبتهم الله بالقول الثابت وفي عالم البرزخ ؟

المؤمن ينسى كل متاعب الحياة حينما يدنو أجله ويرى مقامه في الجنة :

الدكتور راتب :
 يقول أحد التابعين الأجلاء الحسن البصري : التقيت بأربعين صحابياً ، ما منهم واحد إلا كان في أسعد لحظات حياته عند موته .
 لذلك سيدنا بلال عندما جاءته المنية ، قالت ابنته : وا كربتاه يا أبتِ ، فقال لها : لا كرب على أبيكِ بعد اليوم ، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه .
 الجنة سيدي تشبه طالباً فقيراً جداً ذهب إلى بلاد الغرب ، ودرس على حسابه ، يعمل في النهار ، ويدرس في الليل ، حتى نال الدكتوراه ، أي تقريباً سبع سنوات أعمال شاقة بين عمل ، وبين دراسة ، ودوام ، ومتابعة ، وهموم ، وامتحانات ، وغير ذلك ، نال الدكتوراه ، موعود أن يصبح في بلده أستاذ جامعة ووزير مثلاً ، حجز في الطائرة ، وضع قدمه على سلم الطائرة ، مع أول درجة من سلم الطائرة انتهت حياة وبدأت حياة ثانية ، بعودته لبلده ، سيكون له بيت فخم بأفخم شوارع المدينة ، سيكون له بيت في المصيف ، بيت على البحر ، عدة سيارات، مكانة اجتماعية ، طعام درجة أولى ، بيت درجة أولى ، ألبسة ، مكانة ، أنهت حياة التعب والشقاء وبدأت حياة السعادة ، هذه عند الموت .
 لذلك المؤمن حينما يدنو أجله ويرى مقامه في الجنة ، يقول : يا رب ما رأيت شراً قط بحياتي ، ينسى كل متاعب الحياة ، أما الكافر حينما يرى مكانه في النار يقول : لم أرَ خيراً قط.
 هذه البطولة سيدي ، البطولة أن تصل لهذه الدرجة .
المذيع :
 أي أن الموت ليس دائماً مخيف ، من كان يتقي الله سبحانه وتعالى سيأتي موعد قطف الثمار .

المؤمن خطه البياني صاعد والموت نقطة على هذا الخط :

الدكتور راتب :
 الإنسان المؤمن خطه البياني صاعد صعوداً مستمراً ، والموت نقطة على هذا الخط الصاعد ، والصعود يأتي بعد الموت أيضاً .
المذيع :
 ماذا عن جزاء أولياء الله الصالحين ، ومن يدخلون بمعية الله ، من عباده المتقين يوم القيامة ؟
الدكتور راتب :

﴿ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

 هذه عبارة دقيقة جداً : لا خوف عليهم في المستقبل ، ولا هم يحزنون على الماضي ، فهذه الآية غطت الزمن كله ، أثناء الآية الحاضر ، والماضي : ولا هم يحزنون على ما مضى ، والمستقبل : لا خوف عليهم ، فلذلك لا ينتظر المؤمن إلا الخير ، والدليل :

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

[ سورة التوبة :51]

 ما قال علينا ، لنا غير علينا ، لن يصيبنا في المستقبل .

﴿ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة التوبة :51]

المذيع :
 شيخنا الحبيب ، في الحديث الذي يرويه عبد الله بن عباس حينما قال :

((كنتُ رَدِيفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال لي : يا غلام ، احفظ الله يَحْفَظْك ، احفظ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ))

[الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما]

 ما المقصود بذلك ؟ وكيف لنا أن نحفظ الله ، وأن نقصد الله ؟

حفظ الله أي حفظ أمره بالتطبيق :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أن تحفظ الله ، أن تطيعه ، أنا أحفظ الله بألا آكل المال الحرام ، هذه واحدة ، أحفظ الله ألا أملأ عيني من محاسن امرأة لا تحل لي ، أحفظ الله ألا أصغي إلى غناء لايحبه الله .
المذيع :
 عفواً قصد فضيلتكم في حفظ الله ألا نتعامل مع مال حرام ، وألا نملأها ؟
الدكتور راتب :
 وألا نعصيه إطلاقاً ، احفظ الله في أمره ، الله له أوامر ، له عبادات ، له معاملات ، له أعمال صالحة ، تقريباً مجمل مافي القرآن والسنة من أوامر ونواهي للمؤمن ، فإذا طبق الأمر وانتهى عما نهى الله عنه ، معنى ذلك أنه حفظ الله ، حفظ أمره بالتطبيق .
 أحياناً يأتيك أمر من مدير الشركة ، مدير المؤسسة ، ما معنى حفظ الأمر ؟ أي طبقته ونفذته بحذافيره ، أما إذا أهملته ، ألقيته بالمهملات ، أنت ما حفظته ، حفظ الأمر أي تطبيقه .
المذيع :
 جميل جميل ، شيخنا كان هذا حديثنا عن الجزء الأول من الحديث احفظ الله ، ماذا عن القسم الآخر يحفظك ؟ كيف يكون حفظ الله للعبد ؟
الدكتور راتب :
 حفظ الله أي إذا كان الله معك فمن عليك ، إذا حفظك ، حفظ لك صحتك ، أنت عندما تطبق منهج الله بالطعام والشراب وممارسة المباحات وفق منهج الله ، يحفظ الله لك بالمقابل صحتك من العطب ، بتطبيق أمر الله في علاقتك بزوجتك يحفظ الله لك هذه العلاقة من الفساد أو الشقاق الزوجي أو التطليق ، احفظ الله في كسب مالك يحفظ الله لك مالك ، لا يتلف مالك ، أنا اتقيت الله بالتجارة ، ما كذبت ، ما غشيت ، ما بعت بضاعة غير صحيحة ، ما وصفت وصفاً غير صحيح ، هذا المال الذي ربحته بالتجارة يحفظه الله لي ، أي أسكن في بيت ، آكل وأشرب ، وأربي أولادي ، وأدخلهم الجامعات ، فأنت عندما تحفظ الله بكسب مالك يحفظ الله لك صحتك وأهلك ومن حولك ، حفظ الله أي وفقك .
المذيع :
 حسناً ، ماذا عن الابتلاءات التي تحصل لعباد الله الصالحين ؟

الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين :

الدكتور راتب :
 هذا موضوع ثان سيدي ، موضوع لا علاقة له به ، الموضوع السابق أن الإنسان دائماً بالرخاء شاكر لله عز وجل ، لكن الرخاء وحده لا يكشف حقيقة الإنسان ، حينما يأتيه شيء يكرهه لذلك قالوا : الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين .
 مثلاً هذا الإنسان دخله جيد ، وأولاده متفوقين ، وزوجته يحبها وتحبه ، وعنده مركبة، وعنده بيت ملك ، ماعنده ولا مشكلة ، ياترى هل يحب الله ؟ يقول لك : لا يوجد دليل أنه يحبه ، أما عندما تأتيه مشكلة ويصبر ويقبلها من الله ، ويقول ياربي لك الحمد .
إذا أحب الله عبده ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، وإن شكر اقتناه .
 الإنسان لا يظهر ما بداخله ، مثلاً أنت اشتريت سيارة لا تمتحن بالطريق الهابطة ، ولا تمتحن بالطريق المستوية ، لاتمتحن إلا بالطريق الصاعدة ، هنا تمتحن ، أما إذا الأمر سيان ، مستحيل أن يكون الامتحان بالأمور المباحة .
المذيع :
 الله يفتح عليكم دكتور على هذا الشرح الطيب .
الدكتور راتب :
 دائماً يكون الامتحان بشيء صعب ، شخص مرض مثلاً ، فيقول : أنا ماذا فعلت لك ياربي ؟ لا تقال هذه الكلمة ، يا رب لك الحمد على الصحة والمرض ، والغنى والفقر .
المذيع :
 هذه العبارة لاتجوز ، أن يقول الإنسان : أنا ماذا فعلت يا رب حتى ابتلى ؟
الدكتور راتب :
 كأنه يرفض هذا القضاء والقدر ، لذلك قالوا : الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين .
المذيع :
 جميل ، سؤال شيخنا قبل أن نبدأ مع اتصالات مستمعينا الكرام ، كيف أعرف أن مايصيبني هو ابتلاء تمحيص من الله لصدق إيماني ، أم أنه علامة غضب من الله وعقاب لي في الدنيا ؟

أعظم إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان :

الدكتور راتب :
 والله ياسيدي الجواب دقيق ، في آية قرآنية :

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة : 14ـ 15]

 لا أعتقد إنساناً في الأرض يعمل عملاً إلا يلقى في روعه أن هذا العمل يرضي الله ، إذا كان لايرضي الله يلقى في روعه أن هذا العمل لا يرضي الله ، وهناك أمثلة كثيرة ، مثلاً : طبيب مسموح له أن يرى موضع الألم من مريضته وهي أنثى ، والمرأة جسمها كله عورة ، لكن مسموح للطبيب أن يرى مكان الألم ، فإذا نظر إلى مكان الألم واختلس النظر إلى مكان آخر لا تشكو منه ، من يعلم خائنة الأعين هذه ؟ الله وحده لا أحد غيره ، مثلاً أنت في غرفتك والبناء المقابل لك فيه شرفة ، وقفت فيها امرأة بثياب مبتذلة ، ولا يوجد قوة في الأرض تكشف أنك تنظر لهذه المرأة ، وتملأ عينيك من محاسنها ، من يعلم ذلك ؟ إذا أنت غضيت بصرك وأغلقت النافذة من يعلم إلا الله ؟

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

[ سورة غافر : 19]

 فعندما يكون الإنسان مع الله ، يستقيم على أمره حتى لو كان لوحده ، أوضح مثال الصيام ، شخص صام صيام نفل مثلاً ، لن أقول رمضان ، ودخلت إلى بيتك ولا أحد في البيت ، وكان يوماً من أيام الصيف الحارة ، وتكاد تموت من العطش ، من يستطيع أن يعرف لو أنت أخذت من الثلاجة كأس ماء باردة ؟ لماذا لا تشرب ولا نقطة ماء ؟ وأنت لوحدك في البيت ، لأنك تعرف أن الله معك . أعظم إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان .
المذيع :
 ونعم بالله رب العالمين ، نستأذن فضيلتكم دكتور أن نبدأ بمشاركات مستمعينا الكرام .
 أختي أم فارس تفضلي .
المستمعة :
 السلام عليكم .
المذيع :
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
المستمعة :
 دكتور راتب النابلسي منور .

أسئلة المستمعين :

الدكتور راتب :
 أهلاً وسهلاً تفضلي .
المستمعة :
 سؤال أريد تفسير حلم ، وسؤال أريد أن أسأل عن تغطية الوجه هل هو فرض أم من الممكن ألا نغطي الوجه عندما نخرج ؟
المذيع :
 اسمحي لي قبل أن تطرحي سؤالك ، دكتورنا هل ترغب بتأويل ذلك الحلم ؟
الدكتور راتب :
 الأحلام لست مختصاً بها ، تحتاج اختصاصين .
المذيع :
 إذاً لنتجاوز النقطة الأولى أم فارس الدكتور ليس مختصاً بها ، وأشكرك على سؤالك ولو أنه خارج الموضوع ، لكن أصبحت واضحة .
المستمعة :
 ادعو لنا يا دكتور ، بالتوفيق لي ولزوجي وأولادي .
المذيع :
 السؤال الثاني عن حكم تغطية الوجه للمرأة هل هو فريضة أم لا ؟
الدكتور راتب :
 القصة دقيقة ، مسيلمة الكذاب ، قبض على صحابيين ، فقال لهما : أتشهدان أني رسول الله ؟ أول صحابي قال : ما سمعت شيئاً ، فقطع رأسه ، سأل الثاني ؟ قال : أشهد أنك رسول الله ، صحابي شهد لمسيلمة الكذاب أنه رسول الله ، الآن نستمع إلى رد النبي على هذه القصة ، قال : ألا إن الأول قد أعز دين الله فأعزه الله ، طبعاً قُتل ، قال : وأما الثاني فقد قبِل رخصة الله .
 كأنه في بعض الموضوعات وضعك الإسلام بين حالة عليا ، هي البطولة ، وبين حالة دنيا مقبولة ، كالجامعة تماماً ، هناك درجة مقبول من يحصل على خمسين علامة ، ويوجد تسعون علامة ، يحصل على درجة شرف ، الاثنان ناجحان ، لكن أحدهم ناجح مقبول ، والثاني ناجح بدرجة شرف .
هذا المثل فائدته أن هناك نقاب وحجاب ، النقاب أعلى من الحجاب بكثير ، والحجاب مقبول أحياناً ، وأنا أتمنى على المنقبة ألا تنتقد المحجبة ، وأتمنى على المحجبة ألا تنتقد المنقبة ، يوجد حد أدنى ، وحد أقصى ، فالتي أختارت الحد الأقصى بطلة ومتفوقة ولها أجر عند الله ، لأن وجهها قد يكون فاتناً ، لن تفتن الشباب بوجهها الجميل ، حتى بعض العلماء قالوا : إذا كان وجهها فاتن يجب أن تستره ، الأولى قبلت رخصة الله ، والثانية أعزت دين الله فأعزها الله .
المذيع :
 معنى مهم الله يكرمك يا دكتور للطرح لهذه المنهجية الراقية التي فتح الله سبحانه وتعالى بها عليكم .
 عبر الفيسبوك على صفحة حياة إف إم الأخت آية حسن تقول : كيف لنا أن نستشعر أن الله معنا في كل شيء ، وهل عدم توفيقنا في شيء من أشيائنا في الدنيا يعني أن الله ليس معنا ؟

أبسط الحقوق التي نقدمها لأولياء الله أن نطبق دعوتهم فنسعد بها ويسعد بنا :

الدكتور راتب :
 لا ليس المعنى هذا ، غير صحيح ، لأن المؤمن غال على الله ، أحياناً المؤمن يختار شيئاً ليس في صالحه ، فالله عز وجل لا يستجب له ، فحينما يثق المؤمن بعلم الله ، وحكمته ورحمته ، ومحبته ، فإذا دعا الله في شيء ولم يستجب له ربه يحسن الظن بالله ، يقول : لعل هذا الشيء لا ينفعني ، وقد يرى بعد حين كيف أن هذا الشيء لم يكن ينفعه .
المذيع :
 ونعم بالله رب العالمين ، ننتقل لاتصال الأخ محمد تفضل .
المستمع :
 السلام عليكم ، جزاكم الله كل خير عنا وعن المسلمين إن شاء الله ، سؤالي لشيخنا الكريم : ماذا نفعل يا شيخ لخدمة وإكرام أولياء الله في الدنيا ، إن علمنا بأن شخصاً من المسلمين هو ولي من أولياء الله ، ما هي أبسط الحقوق التي نقدمها لأولياء الله ؟ السؤال الثاني إذا تكرمت .
الدكتور راتب :
 دقيقة ، أن هذا الداعية العالم أكبر إكرام له ، أعلى إكرام له ، أعظم إكرام له ، أن تطبق دعوته فتسعد بها ويسعد بك ، أما الهدية تؤكل وتنسى ، أي شيء مادي ينتهي ، أما أنت عندما تطبق منهجه وتسعد ، ويكون بيتك جنة ، وتحسن لزوجتك ، والزوجة ولية من أولياء الله ، وعندك أولاد ربيتهم ، بفضل دعوة هذا الشيخ تكون كل أعماك في صحيفته ، هذه أكبر خدمة تقدمها للشيخ لا يريد هدية ولا أي شيء ، أن يكون لوجه الله ، لا نريد شيئاً ، فقط أن تطبق منهجه ، لو طبقت دعوته أعمالك بصحيفته .
المستمع :
 جزاكم الله خيراً شيخنا ، طلبي أن تدعو لنا بالخير وجزاك الله كل خير .

كلما كثرت ساعات الإقبال نكون أرقى عند الله :

الدكتور راتب :
 أدعو لك بالخير والتوفيق والنجاح ، وأدعو الله بأن تنال ما كنت تتمنى من الله .
المذيع :
 تقبل الله ، اللهم آمين ، ولكل المستمعين والمسلمين ، محمد باتصال جديد ، تفضل .
المستمع :
 السلام عليكم ، الله يجزيكم الخير ، والله يعطيكم العافية إن شاء الله ، شيخ محمد يشهد الله إني أحبك في الله .
الدكتور راتب :
 بارك الله بك .
المستمع :
 الله يكرمك يا رب ، شيخ السؤال عن معية الله : الآن نحن في بعض الأوقات نشعر بمعية الله ، كما ورد في الحديث : كنت سمعه الذي يسمع به ، ويده التي يبطش بها ، تشعر بهذه المعية أحياناً ، وأحياناً أخرى تشعر بأنها غير موجودة ، كيف السبيل ليبقى هذا الشعور ؟
الدكتور راتب :
 هذا وضع طبيعي جداً ، قال أحدهم للنبي الكريم : يا رسول الله نكون معك ونحن والجنة كهاتين ، فإذا عافسنا الأهل ننسى ، أي جاء إلى البيت ، الأكل لم ينضج ، غضب قليلاً، ثم انزعجت زوجته قليلاً منه ، ثم تصالحا ، وهكذا ، فإذا عافسنا الأهل ، أشياء لم تعجبه، وأشياء أعجبته ، هنا غضب ، هنا ما غضب ، نكون معك ونحن والجنة كهاتين ، فإذا عافسنا الأهل ننسى ، لذلك قال النبي الكريم :

(( لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة ، ولزارتكم في بيوتكم))

 لذلك اعتقد يقيناً أنت كمؤمن ساعة وساعة .

(( الأنبياء- كما قال النبي- تنام أعيننا ، ولا تنام قلوبنا))

 اتصال بالله مستمر ، الأنبياء والمرسلين ، أما المؤمينن فأعظم مؤمن ساعة وساعة، لكن البعض ساعة إقبال وثلاث وعشرونساعة غفلة ، والبعض الآخر ساعة غفلة وثلاث وعشرون ساعة إقبال ، يتفاوتون بساعة الغفلة والإقبال ، أما كمؤمين ساعة وساعة .

(( لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي))

 معنى ذلك أنك في درس علم مع نبي كريم ، تشعر بسعادة كبيرة جداً طبعاً ، والعلماء يسيرون على منهج الأنبياء ، يأتي إلى الجامع يقول : والله كأننا في الجنة ، أصبح هناك تجلّ وسرور ، الدنيا أشرقت أمامنا ، شاهدنا عظمة الله عز وجل ، شاهدنا عظمة الدنيا بأعمال صالحة ، يأتي للبيت يجد شيئاً ناقصاً ، غضب قليلاً ، صرخ على زوجته فحزنت منه فأصبح : فإذا عافسنا الأهل ننسى ، يا سيدي كلنا ساعة وساعة ، أين بطولتك ؟ كلما كثرت ساعات الإقبال تكون أرقى عند الله عز وجل ، ثلاث وعشرون ساعة إقبال وواحدة غفلة ، أو ثلاث وعشرون غفلة وواحدة إقبال .
المذيع :
 نسأل الله أن يزيد ساعة الإقبال علينا ، أختي أم إحسان .
المستمع :
 السلام عليكم ، أريد أن أسأل سؤالين ، بسم الله الرحمن الرحيم ، هل انقطع الوحي تماماً بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ وما الدليل من الكتاب والسنة ؟

معاني كلمة الوحي :

الدكتور راتب :
 لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين ، الأنبياء يوحى إليهم ، ولا يوحى لغيرهم ، إذا كان خاتم الأنبياء خاتم الوحي معه طبعاً ، شيء بديهي ، إياكِ ثم إياكِ ثم إياكِ أن تصدقي أن هناك إنسان غير النبي الكريم يوحى إليه ، يعني كلمة الوحي تعني الإلهام .

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾

[ سورة القصص : 7]

 هذه لا علاقة لها بالوحي ، وحي الرسالة ، ويوجد وحي :

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ﴾

[ سورة النحل : 68]

 هذا وحي غريزة ، وهناك وحي خلق ، الله أوحى للأرض ، وأوحى لأم موسى ، وحي خلق ووحي غريزة ووحي إلهام ، أما وحي الرسالة لا يمكن أن يكون إلا للنبي .
المذيع :
 سؤالك الثاني أختي أم إحسان .
المستمعة :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل : 43]

المذيع :
 هذا وحي إلهام وليس وحي رسالة ، الإنسان إذا كان يقصد الأنبياء :

﴿ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ ﴾

 نعم ، أي أنبياء .

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً ﴾

 يعني أنبياء .
المستمعة :

﴿ نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾

 أي كله كان للرسول عليه الصلاة والسلام ، حسناً كيف :

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾

 من سيسأل الرسول عليه الصلاة والسلام ؟

العلماء يعلمون الوحي الذي نزل على النبي الكريم :

الدكتور راتب :
 أهل الذكر يعرفون معنى الوحي ، أهل الذكر يعرفون القرآن والسنة ، النبي مات ، والرسول مات ، يوجد مليون عالم ، العلماء يعلمون الوحي الذي نزل على النبي الكريم ، يفتون من خلال الوحي الذي نزل على النبي .

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

المذيع :
 من المخاطب بهذه الآية دكتور ؟

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾

 من أوحى الله إليهم ، أم عامة الناس ؟
الدكتور راتب :
 لا ، المؤمنون .

﴿

إخفاء الصور