وضع داكن
16-04-2024
Logo
فاسألوا أهل الذكر - الندوة : 10 - علاقة الصيام بالدعاء والآثار النفسية - مصارف الزكاة.
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أيها الإخوة الكرام السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أهلاً بكم إلى هذه الندوة الثانية، ندوة رمضان في هذه الجمعة المباركة، أيها الإخوة شهر رمضان شهر الصوم وشهر القرآن وشهر الجهاد، وشهر الدعوة والإجابة، شهر النصر والفتوحات، وشهر الزكاة، إنه شهر الأغنياء والفقراء، شهر العبادة في جميع وجوهها الروحية والبد نية.
 رمضان شهر الجائزة، إن رمضان في الإسلام هو شهر اليقظة الروحية التي تنظم حياتنا أفراداً وجماعات لتحقيق فعالية الإيمان الصحيح في حياة المسلمين في إدراك درجة التقوى التي جعلها الله سبحانه وتعالى ثمرة الصوم، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

[ سورة البقرة: الآية 183]

 ورمضان مدرسةٌ تربويةٌ أخلاقية تلهم النفس معاني التقوى من ورع وإصلاح وحب للخير وتقديم كل أنواع العون والمساعدة إلى المحتاجين والفقراء والأنفاق المستمر في سبيل الله لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، أيها الإخوة في هذه الندوة وهي الثانية في رمضان لنا وقفاتٌ صغيرة ٌ في رحاب هذا الشهر فمن جانب ما هي الآثار النفسية للصوم، وما علاقة الصوم بالدعاء، وما الآثار النفسية التي تحققها الاستجابة، لماذا الزكاة ركنٌ رئيسٌ من أركان الإسلام ؟ وما آثارها في صحة الفرد والمجتمع،ما مصارف الزكاة، هل الظروف مرجحةٌ لعامل نقل الزكاة خارج منطقتها ؟ باسمكم جميعاً أيها الأخوة نرحب بضيفنا الكبير فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق وخطيب جامع النابلسي والمدرس الديني في مساجد دمشق، السلام عليكم وأهلاً بكم دكتور، وعليكم السلام وحمة الله وبركاته، كنا تحدثنا أستاذي الكريم في حلقاتٍ سابقة خلال هذا الأسبوع في برنامج اسألوا أهل الذكر، عن موضوع الزكاة وتحدثنا عن موضوع الصوم وصيام الجوارح وتحدثنا أيضاً عن بعض مصارف الزكاة وقلنا في إشارة إلى ندوة هذا الأسبوع أننا في هذه الندوة سوف نتطرق إلى عدة مواضيع من بينها العلاقة بين الصوم والدعاء والإجابة والآثار النفسية له.
 بسم الله الرحمن الرحيم الحد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الآمين.
 أستاذ زهير جزاك الله خيراً بما أن الصيام عبادة، والعبادة فيها كليات ثلاث: كلية سلوكية، وكلية معرفية وكلية جمالية، فلا بد أن تنعكس هذه الكليات على الصائم، فالصائم ترك الطعام والشراب وبعض الذي أباحه الله له، تركه فلا أن يترك ما نهاه الله عنه من باب أولى، إذاً أول شيء في الصوم أنه قفزةٌ نوعيةٌ في سلوك الصائم، تبدأ هذه القفزة بحفظ جوارحه، بحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى، بحفظ بصره، بحفظ لسانه، بحفظ حركته، بحفظ علاقاته، ما دامت العبادة سلوكاً فلابد أن تنعكس على الصائم قفزةً نوعيةً في سلوكه، لا بد أن يلاحظ الناس أن هذا الصائم بعد أن أصطلح مع الله أصبح أنساناً آخر، لا بد من تبدلٍ جذريٍ في علاقات الصائم.
 تبنى علاقاته على التسامح وعلى الإنصاف وعلى الرحمة وعلى البذل وعلى السخاء، هذه أخلاق خالق الأكوان والذي يتصل بالله عز وجل لابد من أن يشتق من كمالات الله عز وجل، فلا يعقل أن يكون الصائم بذيء اللسان، ولا قاسي القلب، ولا منحرف السلوك إن لم يحدث الصيام قفزةً نوعيةً في سلوك الصائم ينطبق على هذا الصائم حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))

 

[ البخاري، الترمذي، أبو داود،ابن ماجه، أحمد ]

 وما دامت العبادة سلوكاً منضبط أساسه معرفة فلا بد من أن يكون الصيام قفزة في معرفة الصائم بالله، هذا الصائم الذي التفت إلى الله وقرأ القرآن وحضر مجالس العلم، أصغى إلى خطيب الجمعة وحاول أن يبحث عن بعض الموضوعات الدينية إذاً في الصيام أيضاً قفزة نوعية في معرفة الصائم لله عز وجل أنا أقول دائماً إن أزمة الإنسان أزمة علم فقط، لأن فطرته تقتضي أن يحب نفسه أزمة علم أرجو من أستاذي الكريم أن نتوقف عند هذه العبارة أهل النار وهم في النار ماذا يقولون ربنا:

 

﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

 

[ سورة الملك: الآية 10 ]

 ذلك أن الإنسان يحب وجوده ستة آلاف مليون على سطح الأرض، جميعاً يحبون وجودهم، ويحبون سلامة وجودهم، ويحبون كمال وجودهم، ويحبون استمرار وجودهم، هذه فطرة الإنسان التي فطر عليها ستة آلاف مليون على اختلاف مللهم ونحلهم واتجاهاتهم ونزعاتهم ومذاهبهم أما هؤلاء الذين يشقون في الدنيا والآخرة لماذا كانوا كذلك لأنهم ما عرفوا أسباب سعادتهم، إنها أزمة علم فقط:

 

﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

 

[ سورة الملك: الآية 10 ]

 يعني فرضاً لو أتيح لأكفر كفار الأرض ما أتيح من معرفة لمؤمن كبير لكان مثله، لأنه يحب نفسه الإنسان مفطور على حب ذاته، بل إن هذا الدين وهذا أعظم ما في الدين دين الفطرة:

 

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

 

[ سورة الروم: الآية 30 ]

 لا تبديد لخلق الله الإنسان حين يصطلح مع الله ويطبق منهج الله يحس براحة الله الذي لا إله إلا هو لو وزعت على ملوك الأرض لوسعتهم، لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾

 

[ سورة محمد: الآية 6 ]

 عرفوا الجنة في الدنيا في الدنيا جنةٌ اسمها جنة القرب من لم يكن في الدنيا في جنة القرب لا تتاح له جنة الآخرة.
 يقول بعض العلماء ماذا يفعل أعدائي بي بستاني في صدري أي جنتي في صدري إن أبعدوني فإبعادي سياحة إن حبسوني فحبسي خلوة إن قتلوني فقتلي شهادة.
 هذا المؤمن كل الأحوال عنده مقبولة يقول النبي الكريم عجبت لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان له خير إن أصابته ضراء صبر فكان له خير وليس ذلك لغير المؤمن فالإنسان حينما يصوم رمضان ويضبط جوارحه وأعضائه ولسانه وعينه ودخله وإنفاقه وعلاقته الاجتماعية لابد من أن يقفز قفزة نوعية في سلوكه، ولا بد من أن يقفز قفزة نوعية في معرفته بالله عز وجل والناس يتفاوتون بمعرفتهم بالله:

 

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

 

[ سورة المجادلة: الآية 11]

 هنا أذكر الآية والله يقرآها الإنسان يقشعر جلده:

 

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾

 

[ سورة النساء: الآية 113 ]

 سمى الله معرفته فضلاً عظيماً في حين قال عن الدنيا:

 

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 77]

 هذا الذي يملك شركة أرباحها تساوي ميزانيات عدة دول في القرآن الكريم يقول:

 

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 77]

﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾

[ سورة الإنسان: الآية 27]

 فلذلك لابد من قفزتين قفزة سلوكية، وقفزة معرفية وفي رمضان قفزة ثالثة قفزة جمالية لأن العبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية.
 فالمؤمن على أن في دنياه خشونة، على أن في دنياه صعوبةً، على أنه يقاوم عدواً، لكن الله معه على أنه كفاه على عدوه نصراً أنه في معصية الله هو في طاعة الله وأنا ذكرت هذا لأخوتنا في الأراضي المحتلة هناك نصر مبدئي هذا متاح لكل مسلم متاح له ولا يستطيع كائن من كان أن يحول بينه وبين هذا النصر، يكفي أن تصح عقيدته أن ترضي ربك أن تكون في رضوان الله، وكيف ما كانت الدنيا فأنت الرابح ألم يثني الله عز وجل على أصحاب الأخدود لم ينتصروا في مقياس الأرض لم ينتصروا أحرقوا لكن بمقياس السماء هم المنتصرون، والذي أحرقهم هو الطاغية، الكافر الذي تنتظره جهنم وبئس المصير، فالقفزة في رمضان قفزة معرفية من خلال تلاوة القرآن وحضور دروس العلم إصغاء إلى الإمام في التراويح، وقفزة سلوكية من خلال الضبط، وقفزة جمالية من خلال اتصاله بالله، فلن أنا العبادة سلوك ومعرفة وسعادة إذاً الصيام من أهم العبادات منعكساته قفزة معرفية وسلوكية وجمالية ننتقل أستاذي للآية التي وردت ضمن آيات الصيام أيضاً:

 

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 186]

 كنا قد تسألنا كثيراًُ عن صلة الأمن النفسي بالصوم حين يستجيب رب العالمين دعاء المؤمن والدعاء في رمضان قلنا رمضان شهر الدعاء أيضاً وهو شهر الإجابة ما الذي تحققه الإجابة من أثر نفسي على الصائم.
 أولاً: آيات الصيام معروفة الذي يقرأ القرآن من دون تعمق يتوهم أن هناك آية مقحمة في لآيات الصيام:

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 186]

 الحقيقة الصارخة أن هذه الآية ليست مقحمة إنها الثمرة الأولى للصائم ذلك هي الثمرة الأولى على طريق التقوى نعم ذلك أن الإنسان قبل أن يعرف الله موزع بين أهل الأرض هذا أعطاه وهذا منعه وهذا حقد عليه مشتت موزع فإذا عرف الله عز وجل ترك الخلق واتجه للخالق أول ثمرة على طريق التقوى أن هذا الإنسان الصائم تعلق بالله عز وجل رجا عنده الفوز توكل عليه أقبل عليه أخلص له أحبه اعتمد عليه جعل همه الله فكافأه الله، الهموم كلها عمل لوجه واحد وهو إرضاءه فكافأه الله، الوجوه كلها حينما يعرف الإنسان الله يستغني به عما سواه فالصائم لأنه عرف الله تعلق بالله فجاءت إذا في اللغة العربية تفيد تحقق الوقوع، بينما أن تفيد احتمال الوقوع والدليل:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾

 

[ سورة الحجرات: الآية 6]

 قد يأتي وقد لا يأتي أما إذا جاءكم:

 

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)﴾

 

[ سورة النصر: الآية 1]

 لا بد من أن يأتي فحين تأتي إذا في صدر جملة هي ظرف لما يستقبل إن الزمان، فهذا الظرف محقق الوقوع لذلك الصائم الحقيقي الذي قطف ثمار الصيام لا بد من أن يسأل الله كان يسأل الخلق، كان يتضعضع أمام الأغنياء وقد قال عليه الصلاة والسلام:

 

((من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه))

 كان موزعاً بين أهل الأرض، كان في شرك خفي صار موحداً، اكتفى بالله عما سواه و قد ورد في الأثر القدسي: من أحبنا أحببناه، و من طلب منا أعطيناه، و من اكتفى بنا عما لنا كنا له و ما لنا.
 فأول ثمرة من ثمار الصيام أنه بعد أن كان يدعو زيداً و عبيداً و فلاناً و علاناً توجه إلى الله وحده ليعبده فصار ربانياً بعد أن كان أرضياً، بعد أن كان شركياً، بعد أن كان شهوانياً، بعد أن كان شيطانياً أصبح ربانياً، فهذا الدعاء هو العبادة، الآية الكريمة:

 

 

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾

 

[ سورة غافر: الآية 60 ]

﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾

[ سورة غافر: الآية 60]

 إن الذين يستكبرون بحسب السياق عن دعاء فجاءت الآية عن عبادتي، إذاً وضع كلمة عبادة مكان الدعاء، من هنا استنبط النبي عليه الصلاة و السلام: أن الدعاء هو العبادة.
 الدعاء مخ العبادة، أي أنت متى تدعو الله ؟ حينما توقن أنه موجود، ادع الله عز وجل، أنت متى تخاطب إنساناً ؟ إذا كان أمامك، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تخاطب إنسان موهوم، يُتهم الإنسان بعقله عندئذ، أنت في الدنيا تخاطب إنسان موجود أمامك، إن كنت في ضائقة لا تخاطب إنساناً لا يسمعك، تخاطب إنساناً موجوداً أمامك ويسمعك، لا يمكن أن تخاطب إنساناً موجوداً أمامك ويسمعك إلا إذا كان قادراً على تلبية طلبك، لا يكفي أن يكون قادراً ينبغي أن يكون محباً لك ورحيماً بك، فأنت بمجرد أن تدعو الله عز وجل أنت مؤمن بوجوده، مؤمن بأنه يسمعك، مؤمن بقدرته المطلقة، مؤمن برحمته، لذلك قال تعالى:

 

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾

 

[ سورة الفرقان: الآية 77]

 إذاً يعبأ الله بنا إذا دعوناه ولا يعبأ بنا إذا دعونا سواه، من هنا يقول الله عز وجل في الآثار القدسية:

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَدْعُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ غَضِبَ عَلَيْهِ))

 

[ الترمذي، ابن ماجه ]

 إن الله يحب المُلحِّين في الدعاء:

 

((عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ قَطَنٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ))

 

[ الترمذي ]

(( إن الله يحب من عبده أن يسأله حاجته كلها ))

 الله عز وجل خلقنا لنربح عليه:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

 

[ سورة الصف ]

 أرادنا أن نربح عليه والدعاء أكبر ربح شيء ثان أنت بالدعاء أقوى إنسان، أقوى قوى الأرض في قبضة الله، فإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك.
 ما هي آداب الدعاء وشروطه ؟
 قال تعالى:

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 186]

 والله يحول بين المرء وقلبه، أي إذا كان إنسان له حاجة عند إنسان ما ويريد أن يطلبها ما هو الأسلوب الذي يمكن أن يطلب به هذه الحاجة ؟
 كمقدمة قال تعالى:

 

﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 186]

 أي أنت جالس في غرفتك وتحدث نفسك، تأتيك خواطر، الله عز وجل يحول بينك وبين خواطرك أي إذا أمسكت مثلاً جهاز مذياع، هو ملتصق بك، الكهرباء أقرب إليه منك لأنها ضمن الجهاز، فالله عز وجل يقول:

 

﴿اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾

 

[ سورة الأنفال: الآية 24]

 إذاً هو معك دوماً، قال تعالى:

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 186]

 فالشرط هنا هو الدعاء، الدعاء يصبح فولكلوراً، تقليد كلما جلست ندعو، ندعو بحكم عاداتنا وتقاليدنا ندعو الله وأمالنا معقودة على زيد وعبيد وفلان وعلان
أجيب دعوة الداعي إذا دعاني حقيقة، إذا علق الأمل على الله، إذا علق اعتمد على الله، إذا أيقن بقدرة الله، إذا أيقن برحمة الله، إذا أيقن بأن الله يسمعه.

 

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 186]

 متى يوقن الإنسان أن الله معه، وأنه يسمعه، أنه قادر على كل شيء، وأنه يحبه، وأنه خلقه ليرحمه إذا آمنا به.

 

﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 186]

 لعلهم يرشدون إلى الدعاء الصحيح إذا لا بد من أن أؤمن بالله أؤمن به موجود وواحداً وكاملاً، أؤمن به خالق ورباً ومسيراً وأومن باسمه الحسنى وصفاته الفضلى، أومن أنه معي، إذا آمنت هذا الإيمان لا بد من أن أستجيب، ومن أعجب العجائب أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تحبه ثم لا تطيعه، فمن لوازم المعرفة أن تستجيب له، فإذا آمنت به واستجبت له وأخلصت في دعائك قدمت شروط إجابة الدعاء إن المحب لمن يحب مطيع.

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعته  إن المحب لمن يحب مطيع

 فأنت حينما تؤمن به الإيمان الذي يحملك على طاعته حينما تستجيب له عندئذ ينبغي أن تخلص في الدعاء، فإذا أخلصت أجابك الله عز وجل، فإذا أجابك الله قويت عقيدتك به.
 ينبغي أن تقوى العقيدة، أي لا يمكن أن يكون كما ورد أيضاً في الحديث القدسي:

(( إن أطعتني فاذهب حيث شئت فلسوف تصافيني وأصافيك، وتواليني وأواليك، وتعرض عني وأنا مقبل عليك، من أوصل إليك الغذاء وأنت جنين في بطن أمك، فلم أزل أدبر فيك أمري حتى أنفذت إرادتي فيك ولما أخرجتك إلى الحياة الدنيا أكثرت المعاصي، ما هكذا جزاء من أحسن إليك ))

 إذاً هكذا ينبغي أن يكون هناك استجابة من العبد باتجاه ربه وأن تتقوى هذه العلاقة.
 هناك كتاب " مدارج السالكين " فيه:

 

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)﴾

 

[ سورة الفاتحة: الآية 5]

 في هذا الكتاب حديث قدسي أورده ابن القيِّم رحمه الله، يقول:

 

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويُعبَد غيري، وأرزق ويُشكر سواي، خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلى بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنِّطهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

 لكن هناك استثناءات، لا بد من أن تؤمن الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، ولا بد من أن تستجيب، ولا بد من أن تكون مخلصاً في الدعاء حتى يُجاب دعاؤك، إلا أن الله سبحانه وتعالى استثنى عبدين، والعبد تشمل المرأة والرجل، استثنى عبدين من عباده، استثنى المضطر يستجيب الله له ولو لم يكن أهلاً للدعاء، يستجيب الله له لا بحكم أهلية الداع بل بحكم اسم الرحيم، يستجيب الله له لا بحكم أهليته بل بحكم عدل الله عز وجل، لذلك مرة رجل من أقرب المقربين إلى هارون الرشيد، برمكي، هذا كان بيده كل شيء، هو بيده الحول والطول، فجأة رأى نفسه في السجن، فَقَدَ كل شيء، فقال لأحدهم: لعل دعوة مظلوم أصابتنا في جوف الليل:

 

 

((عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ))

 

[ البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

 وفي رواية:

(( ولو كان كافراً ))

 الظلم ظلمات يوم القيامة، يروى أن إنسان يطوف حول الكعبة يقول: رب اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل، مشى وراءه رجل قال له: يا هذا، ما أشد يأسك من رحمة الله، قال: ذنبي عظيم، قال: وما ذنبك ؟ قال: كنت جندياً في قمع فتنة، فلما قُمِعت أبيحت لنا المدينة ـ كما يجري الآن في فلسطين ـ دخلت أحد البيوت رأيت فيها رجلاً وامرأة وولدين، فقتلت الرجل، وقلت لامرأته: أعطني كل ما عندك، أعطتني كل ما عندها، ثم قتلت ولدها الأول، فلما رأتني جاداً في قتل الثاني أعطتني درعاً مذهباً، أعجبتني، تأملت فيها فإذا عليها بيتان من الشعر، قرأتهما فوقعت مغشياً علي، فقال له: ماذا قرأت يا ترى ؟

إذا جار الأمير وحاجباه  وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويـل  لقـاضي الأرض من قاضي السماء

 هذا الذي يظلم الناس هو أغبى البشر قاطبة، هؤلاء الذين يهدمون البيوت ويقتلعون الأشجار ويردمون الآبار، ويبقرون بطون النساء، ويقتلون الأطفال، هؤلاء أغبى خلق الله جميعاً لأن الله سيسألهم عن كل قطرة دم، وعن كل دمعة سالت على خد طفل، قال تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

[ سورة الحجر ]

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[ سورة إبراهيم: الآية 42]

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾

[ سورة آل عمران ]

 تحدثنا عن الصوم وتحدثنا عن الدعاء والإجابة والإيمان، تحدثنا عن الآثار النفسية أيضا للصوم و
الاستجابة والدعاء، ننتقل إلى القسم الثاني من ندوتنا وهو الزكاة، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنْ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنْ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنْ النَّارِ وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنْ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنْ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنْ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنْ النَّارِ وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عَالِمٍ))

 

[ الترمذي ]

 الآن نتحدث عن الزكاة، لماذا فرضت الزكاة، لماذا هي ركنٌ أساسيٌ في الإسلام، وما هي مصارفها،بسم الله الرحمن الرحيم،أستاذ زهير، جزاك الله خيراً، لو سألتني أن أضغط الدين كله في كلمتين، الدين كله لقلت: الصلاة والزكاة، ونحن نرى في القرآن أن الصلاة قرنت مع الزكاة بعدد كبير من الآيات.
 السيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام في القرآن وعلى لسانه قال:

 

﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً (31)﴾

 

[ سورة مريم: الآية 31]

 كأن الدين حركتان ؛ حركة نحو الخالق عبادة وطاعة وإقبالاً وحباً وإخلاصاً، وحركة نحو الخلق انضباطاً وإحساناً، ولا يمكن أن يقوم دين على علاقة واحدة، لا يغني أحدهما عن الآخر، لا بد من أن تجمع بين حسن علاقتك مع الله في طاعته والإقبال عليه وحُسن علاقتك مع من حولك في الانضباط والإحسان إليه قال:

 

﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً (31)﴾

 

[ سورة مريم: الآية 31]

 الشيء الثاني هناك من يقول: هل هناك نظام اقتصادي في الإسلام ؟
 الحقيقة أن الزكاة هي النظام الاقتصادي الأول في الإسلام، ذلك أن هذا الغني عنده مال وفير، من الذي أعانه على هذا المال ؟ هؤلاء الذين اشتروا من عنده، وساهموا بتنمية ثروته لهم حق في هذا المال، قال تعالى:

 

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)﴾

 

[ سورة الذاريات: الآية 19]

 وهنا لفتة لطيفة من هو السائل ؟ هو الذي يسأل، يقتحم عليك، يلح عليك، يضغط عليك، أما العفيف لا يسأل فيُحرَم، فلذلك حينما أراد الله عز وجل أن يوجهنا عن طريق نبيه، فورد أن هذا الذي تراه متعففاُ متجملاً لا يسأل هو الذي يستحق الزكاة، وصفهم الله عز وجل فقال:

 

﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 273]

 فالزكاة أصلٌ من أصول الدين، فسيدنا الصديق قاتل منعها،لأنها علمت من الدين بالضرورة، الحقيقة لحكمة بالغة ٍ بالغة بالغة، أراد الله أن يكون في عباده أغنياء وفقراء، هذه من أعمق ما في العقيدة، بحكمة بالغة، الحظوظ في الدنيا موزعة، حظ المال،حظ الوسامة، حظ الزكاة،حظ القوة، في حظوظ موزعة توزيع ابتلاء، كانت إحدى الأخوات المستمعات قد أثارت مثل هذه المواضيع أيضاً، في إحدى حلقات.
 برنامج اسألوا أهل الذكر، وتحدثت عن زكاة العقل، فأنا أقول أنت لك حظوظ، لك بنية معينة، لك شكل معين، لك قدرات معينة، الآن لك مال معين،لك شكل معين، قد تملك أملاك كبيرة جداً، فالمال حظ،الزكاة حظ، الوسامة حظ، القوة حظ، أي من يأتي ابن ملك قوي، من يأتي ابن إنسان مضطهد ضعيف، في ضعيف وفي قوي، في ذكاء وغباء، في وسامة ودمامة، في قوة وضعف، في غنى وفقر، حظوظ هذه موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة، توزيع جزاء، كلام دقيق جداً، يعني مثلاً لو أن الله امتحن رجلين، امتحن أحدهما بالفقر فنجح، وامتحن الثاني بالغنى فلم ينجح، الفقير تجمل وتعفف وصبر وبقي وفق منهج الله، وذاق ألوان الفقر وذاق أنواع الجوع، ولكنه تحمل وتجمل وتعفف وصبر، لو أن الغني تكبر واستغنى عن الله وأنفق المال على شهواته ونزواته واعتدى على الآخرين، لو أن هذين الرجلين عاشا ثمانين عاماً بالتساوي، الآن انقلبا إلى الأبد الفقير الذي نجح في امتحان الفقر في جنةٍ إلى أبد الآبدين، فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، والغني في جهنم إلى أبد الآبدين، فمن هو الرابح، لذلك الإمام عليٍ كرم الله وجهه له كلمة رائعة الغنى والفقر بعد العرض على الله، لا يمكن أن يكون الغني غنيٌ في الدنيا، لأن قدرته على الاستمتاع محدودة كم رغيف يأكل الغني، على كم سرير ينام، كم رداء يرتدي، كم مركبة يركب، مهم كنت غنياً، القدرة على الاستمتاع محدودة جداً، خذ من الدنيا ما شئت، وخذ بقدرها هماً، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حذفه وهو لا يشعر، لكن الآخرة ليس لها سقف، أعددت لعبادي الصالحين مالا عينٌ رأت، ولا أذنً سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
 من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

 

((ألا يا رب نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا، طاعمة ٍ ناعمةٍ يوم القيامة، ألا يا رب نفس طاعمةٍ ناعمة ٍ في الدنيا، جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة))

 إذاً إن وقعت الواقعة، ليس لوقعتها كاذبة، خافضةٌ رافعة، الذي كان في الدنيا في الدرجة الدنيا من السلم الاجتماعي هو الآن في قيمة المجد، لذلك العبرة في الآخرة، والعاقبة في الآخرة، والمؤمن يسعى للآخرة، إذاً شاءت حكمت الله أن توزع الحظوظ في الدنيا بين البشر بشكل متفاوت، توزيع ابتلاء لكن هناك تعليق لطيف، لكن المجموع ثابت، قد يعطي الغني غنىً فاحشاً وهم يسحقه، وقد يعطي الفقير دخلاً محدوداً وراحة بالٍ تغمره، فالمجموع ثابت، في توازن، موظف في شركة دخله محدود، لكن ينام قرير العين، صاحب الشركة دخله غير محدود، تأتيه أزمات ينس الحليب الذي رضعه من أمه، فإذاً في تساوي، في توازي، إذاً شاءت حكمة الله أن يكون هناك في تفاوت في حب المال، الآن الله امتحن عباده الأغنياء والفقراء، امتحان موحد، أن يعطي الغني من ماله ما يسد حاجة الفقير، الآن في فقير يرسب في امتحان الفقر، يدعي الفقر وهو ليس كذلك، لو جمعت المتسولين لعجبت عجباً لا حدود له، أكثرهم أغنياء لكن التسول عندهم مبدأ كما يقولون من باب الطرفة، أستاذي نحن لا نريد أن نقول أن أكثرهم أغنياء لا نريد أن نستعديهم، لكن نترك أمرهم لله، لكن هناك فعلاً بعض الناس الذين يسألون لا تجب عليهم الزكاة ولا يستحقون شيء،الفقير امتحن بالفقر والغني امتحن بالمال، فإن أمسك المال فقد برء من الشح، والفقير حينما صدق برأ من الكذب، هناك بعض المتسولين سيدي الكريم تنطبق عليهم المواصفات التي تؤهلهم لأن يكونوا موظفين أو عمالاً، لكن لماذا بعض الناس مثلاُ يسألون كثيراً ؟ أنه هل تجب في فلان يطرق الباب ويسأل هل تجب له دفع زكاة، قيل: لو صدق السائل لهلك المسؤول، ينبغي أن تتحقق، لا ينبغي أن تعطي جزافاً، الوقوف على الباب لمدة نصف دقيقة هل هذه المدة كافية للتحقق ؟ لا يجب أن ترده إلى جمعية خيرية، تحقق في أمره، فالله عز وجل شاءت حكمته أن يكون حظ المال موزعاً بشكل مختلف بين الناس، وأمر الأغنياء أن يقدموا جزءاً من مالهم للفقراء، فامتحن الفقير بصدقه وعدم صدقه وامتحن الغني ببخله وشحه، أو بكرمه وعطائه، هذه حكمة الزكاة التي فرضت، بذلك تقوم الحياة على مبدأ الزكاة، من هنا قال الله عز وجل:

 

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 103]

 الزكاة لا تعطى تؤخذ أخذاً لأنه تتعلق بها مصالح الأمة بأكملها، هذه واحدة، يعني الإنفاق يعوض، منفق أنفق عليك، هذا المنفق طمأنه الله في ثماني آيات في القرآن الكريم، طمأنه أنه:

 

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 270]

 كي تطمئن هل أخذت إيصالاً أم لم تأخذ إيصال الله يعلمه، طمأنه مرة ثانية. وما أنفقتم من شيء يوفى إليكم.
 طمأنه بعلم الله بهذا الإنفاق وبالتعويض عليه أضعافاً مضاعفة:

 

(( أنفق بلال ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً ))

 

((عبدي أنفق أُنفق عليك ))

 فإن ابن عوف كان من أغنياء الصحابة، فقال: والله ماذا أفعل إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيأتني الله ألفاً في المساء ؟
 فهذه الزكاة ينبغي أن تكون نظاماً اقتصادياً للمسلمين، وأنا أقول لك بكل صراحة وصدق لو أن أغنياء المسلمين دفعوا زكاة أموالهم لما وجدت فقيراً، ولما وجدت دولة فقيرة بالتأكيد، لكن أنا أقول لك بكل صراحة أن مجموع الأموال المودعة في بلاد الغرب للمسلمين هي بالضبط ثلاثة آلاف مليار، هذه ينبغي أن تكون في بلاد المسلمين.
 نأتي الآن إلى مصارف الزكاة فقد تولى الله بذاته تحديدها قال تعالى: إنما الزكاة للفقراء والمساكين.
 الفقراء والمساكين إذا اجتمعوا تفرقوا، وإذا تفرقوا اجتمعوا، إذا قلت فقيراً أي فقيراً ومسكيناً، وإذا قلت مسكيناً يعني فقيراً ومسكيناً، إذا اجتمعا تفرقا وإذا تفرقا اجتمعا، إذا قلت للفقراء والمساكين، المسكين هو العاجز عن كسب المال كلياً، أما الفقير الذي لا يجد حاجته، له دخل لكن لا يكفيه، ليس الفقير الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن الفقير الذي لا يجد حاجته.
 قال تعالى:

 

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 60]

 الفقير قد تعجبك هيئته قال تعالى:

 

﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 273]

﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾

[ سورة البقرة: الآية 273]

﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾

[ سورة البقرة: الآية 273]

 هذا فقير، أما المسكين مصاب بعاهة، مشلول، مقطوع اليد أحياناً، لا يرى بعينه، فالمسكين هو العاجز عن كسب المال كلياً، أما الفقير من يكون دخله أقل من حاجاته الأساسية فالفقراء والمساكين إذا اجتمعتا هاتان الكلمتان تفرقتا وإن تفرقتا اجتمعتا، أي إذا قال الله للفقراء أي للفقراء والمساكين، النقطة الدقيقة أنه ينبغي أن تعطي الفقير عطاءً يغنيه طوال العام، أو طوال العمر، أما أن يقف الناس أرتالاً طويلة تعطي الواحد مائتي ليرة فقط ماذا يفعل بها ؟ هذا ليس عطاءً، ينبغي أن تعطيه عطاءً تغنيه عن السؤال، أنا أرى أن أفضل أنواع الزكاة ما حوَّل الفقير آخذ الزكاة إلى غني دافع للزكاة، هذا هو القصد، أي مثلاً أن تغنيه طوال العام أن تقدم له حاجاته، لكن مدى العمر أن تعلمه حرفة، أن تهيئ معاهد للتأهيل المهني، أن تشتري له آلة، أن تشتري له أداة يكسب منها الرزق، فلذلك أنا من أنصار أن تقوم مؤسسات تستقطب الفقراء وتهيء لهم فرص عمل كي يصبحوا دافعي زكاة بعد أن كانوا آخذي زكاة.
 هذه دعوة نوجهها عبر الإذاعة أستاذي الكريم إلى الأغنياء بالدرجة الأولى لأنهم هم أصحاب رؤوس الأموال، لكن للأسف أنك تجد بعض الأغنياء يتفلتون من هذا الواجب وهذا الفرض فقبل أنه يحول الحول يسجل قسماً من رأس ماله باسم زوجته، وقسماً آخر باسم ابنته، وآخر باسم ولده وبالتالي يبقى معه الرصيد الذي لا تجب فيه الزكاة، بعد انقضاء الشهر يرجع رأس المال كما كان.
 لكن هذا المحتال على الله غبي جداً، قرأت كلمة أعجبتني أن من يستخدم هذه الحيل الشرعية يتعامل مع الله وكأنه طفل، فالله عز وجل سوف يأخذه أخذ عزيز مقتدر، أي أن الله عز وجل لا تخفى عليه خافية، وهذا الإنسان الذي يحتال على خالق الأكوان، فأنت يمكن أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، وقد تخدع كل الناس لبعض الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت مستحيل، أما أن تخدع الله قال تعالى:

 

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 142]

 أما أن تخدع نفسك قال تعالى:

 

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾

 

[ سورة القيامة ]

 شيء مضحك، فنحن اتفقنا على أن هؤلاء الفقراء والمساكين يأخذون الزكاة لكن بشكل أن يغنيهم لعام أو مدى الحياة، لذلك لا بد من تأسيس مراكز تأهيل مهني أو فرص عمل للفقراء، ما الذي يمنع أن تنشأ مؤسسات نعطي من خلالها الفقير حاجته ؟ قال تعالى:

 

﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 60]

 هم الموظفون الذين يجبون الزكاة وينفقونها في مصارفها، هؤلاء لهم نصيب منها، هؤلاء هم موظفو الخدمات، قال:

 

﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 60]

 أي إنسان من الطرف الآخر، له شر مستطير، قد تعطيه شيئاً من الزكاة تستطيب قلبه، وتحد من شره، وتحيِّده أحياناً، أو أن تضمه إلى جانبك أحياناً، هذه من السياسة الشرعية، هذا معنى المؤلفة قلوبهم، وقد يأخذها من هم أغنياء لكن إذا أخذوا هذا المال انضموا بقوتهم إلى المسلمين، هذا موضوع خلافي بين أنه ينبغي أن يستمر أو أن يقف يحتاج إلى ندوات مستقلة، وقال:

 

﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 60]

 ليس هناك الآن عبودية أفراد، هناك عبودية أمم الآن، العبودية انتهت والله عز وجل تنبأ بانتهائها، قال:

 

﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 196]

 أي يأتي يوم ليس هناك من هو عبد لعبد، أما أنا أقول كتعليق إن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم، لابد من أن تكون خاضعاً لجهة، فإن خضعت لله فأنت حر، ولا يليق للإنسان أن يكون لغير الله لأن الإنسان أحياناً، يرفض أشياء كثيرة، يرفضها احتقاراً لها، إلا إذا رفض الدين يكون قد احتقر نفسه، قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 130]

 وقال تعالى:

 

﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 60]

 من ركبتهم الديون والنبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن الشهيد وقد قدم أثمن ما يملك يغفر له كل شيْ إلا الدّين، لأن حقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة، بينما حقوق الله مبنيةٌ على المسامحة، وفي سبيل الله، هذه لتجهيز الجيوش وإنشاء الطرق التي تؤدي إلى جبهات الحرب، وهناك فتوى معاصرة أن تؤسس مركز دعوي إسلامي في بلد يُغسل دماغه من طرف إعلام آخر فهذه قضية خلافية، إما من يحصر في سبيل الله في إعداد الجيوش والإنفاق على الجنود لينشروا هذا الدين في أرجاء الأرض، وإما حينما يكون هناك جهات دعوة وأنا أقول لكم دائماً أن هناك جهاد النفس والهوى، وهذا رقم واحد المنهزم أمام نفسه لا يمكنه أن يواجه نملة، ثم يأتي الجهاد الدعوة وقد وصفه الله عز وجل في القرآن بأنه جهاد كبير قال:

 

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52)﴾

 

[ سورة الفرقان: الآية 52]

 وهناك الجهاد القتالي، فما دام الجهاد الدعوي متاح، القتالي إذا وُجد اقتحام كما يجري في فلسطين أما في بلاد أخرى إذا كان متاح الجهاد الدعوي، ينبغي أن نسعى له، لأن الهدف الأكبر من كل أنواع الجهاد أن ينتشر الحق، هم قالوا كلمة لطيفة: أنت بالدعوة إلى الله توسع السماء، وأنت بالجهاد القتالي توسع الأرض، والحكمة البالغة أن تكون كل أرض لها سماء، وكل سماء لها أرض، لا أن يكون هناك أرض بلا سماء، أي توسع في الأرض وتوسع في السماء، نوسع المؤمنين في الأرض عن طريق الجهاد ونوسع الدعوة في السماء كي تتسع في كل الاتجاهات تعرفنا الآن على مصارف الذاكرة أستاذنا الكريم، أدركنا الوقت تقريباً لكن في الدقائق القليلة المتبقية بالإضافة إلى هذه المصارف التي ذكرها القرآن الكريم، ما نعيشه الآن من ظروف ن خاصة ما يعيشه أهلنا في الأرض المحتلة، هل هذه الظروف ترجح عامل نقل الزكاة خارج منطقة جمعها؟
 والله أنا أرى أنها ترجح ترجيحاً كبيراً ذلك أن هناك أولويات في الحياة، يعني أنت قد تسكن في بيت ولك دخل يغطي بعض حاجاتك ولك ألبسةً تلبسها أما أخوك المؤمن فليس له بيت يسكنه، فمن أولى أن تهيء، أن تجهز بيت موجود بالأساس، أن تؤمن بيتاً لمن فقد بيته، أنا والله أرى ما دام هناك قنوات آمنة نظيفة تصل إلى أخوتنا ينبغي أن يكون جزء من زكاة المسلمين، موجه إلى إخواننا في الأراضي المحتلة لأنهم فقدوا بيوتهم، فقدوا مقومات حياتهم وهم أخوة لنا في الدين، فهناك أسباب مرجحةٌ جداً في نقل الزكاة من بلد ينعم بشكل أو بآخر براحة تقريباً، إلى بلد قدمت بيوت أهله، وطمرت ينابيعه وآباره واقتلعت أشجاره، وهذا شيء لم يسبق له مثيل في التاريخ، أستاذنا الكريم أدركنا الوقت وبقي سؤال صغير، رب سائل يسأل ما مقدار الزكاة في هذا العام، والله تقريباً خمسون ليرة، هذا الحد الأدنى ولا حد لأكثره، لكن هناك حكمة بالغة جداً من زكاة الفطر، العجيب أن زكاة الفطر تجب على الفقراء أيضاً، تجب على من يملك قوت يومه، أنت قد تأكل مثلاً طبق رخيص جداً، إن كنت تملك هذا الطبق، تجب عليك زكاة الفطر، على من يملك قوت يومه فقط، إذاً كأن الله أراد من زكاة الفطر أن يذوق طعم الإنفاق في العام مرة:

 

((عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ))

 

[ البخاري، مسلم، النسائي، أحمد ]

 ليذوق الفقير طعم الإنفاق في العام مرة، فالخمسون ليرة الحد الأدنى وشيء مؤلم جداً، أن يتوهم الغني أن الزكاة خمسين ليرة، والله قد تجب عليه خمسة آلاف الزكاة، لا حد لأكثره أنا أقول لإنسان يملك طعام يومه فقط، لا يملك من الدنيا شيئاً، أقول له ادفع زكاة الفطر، بالمناسبة يجوز لدافع زكاة الفطر أن يأخذ زكاة الفطر أما أن يتفق اثنان فهذا احتيال على الله، أعطيه ويعطيني، هذا احتيال أما الفقير إذا دفع زكاة فطره، له أن يأخذ زكاة فطر الآخرين، إذاً في المآل أعطى وجاءه من مال لا بأس به، على كلٍ زكاة الفطر مهمتها أن يذوق الفقير طعم الإنفاق في العام مرة، ومهمتها أيضاً أن تغني الفقير عن السؤال، هو طعمةٌ للفقير و طهرة، للصائم، سيكون لنا لقاء آخر إن شاء الله عبر حلقات قادمة عبر برنامج اسألوا أهل الذكر، حول موضوع الزكاة وما هي مصارفها، ومن خلال أيضاً أسئلة الأخوة المستمعين، في نهاية هذه الندوة باسمكم جميعاً أيها الأخوة نشكر فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في كلية دمشق، وخطيب في مساجد دمشق، نشكر الزميل جهاد في التنفيذ، نلتقي في حلقات قادمة إن شاء الله تعالى، لكم الخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إخفاء الصور