الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مراحل الجزاء المُؤجّل بالثواب أو العقاب:
ا- مرحلة ما بعد الموت وقبل البعث:
أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس الثامن والأربعين من دروس العقيدة.
وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع الجزاء المُعجّل، وتحدثنا من الجزاء المُعجّل جزاء الابتلاء والاستدراج والعقاب، وجزاء الابتلاء والتربية، وننتقل اليوم إلى الجزاء المؤجّل، هناك مُعجّل، وهناك مؤّجل، الانحراف، أو المعصية، أو الخطيئة، لها عقاب مُعجّل في الدنيا، كما تحدثنا عنه في الدرس الماضي ولها عقاب مؤجّل في الآخرة، فأما الجزاء المُؤجّل بالثواب والعقاب فيكون على ثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى مرحلة ما بعد الموت وقبل البعث، وهذه المرحلة سمّاها القرآن الكريم: البرزخ، ما بعد الموت إلى ما قبل البعث، هذه المرحلة سمّاها القرآن الكريم البرزخ، ويُسمى النعيم فيها بنعيم القبر، والعذاب فيها بعذاب القبر، البرزخ أو نعيم القبر أو عذاب القبر، وقد ورد في نعيم القبر وعذابه جملة من الأحاديث النبوية، ملخصها أنّ القبر إمّا أنه روضة من رياض الجنة، وإما أنه حفرة من حفر النيران، وسيُفصَّل هذا في درس قادم إن شاء الله.
2- مرحلة ما بعد البعث وقبل مرحلة الفصل النهائي:
أما المرحلة الثانية مرحلة ما بعد البعث وقبل انصراف أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، هذه مرحلة ثانية، ويكون ذلك في يوم الحساب، ويتم فيه الجزاء بالثواب والعقاب على أنواع مختلفة، فمِن الثواب مثلاً الاستظلال بظلّ العرش، وفي الحديث الصحيح
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ، الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ.))
هذا ثواب بعد البعث وقبل دخول الجنة، والشرب من الحوض، مَن شرِب مِن حوض النبي عليه الصلاة والسلام يشرب شربة لا يظمأ بعدها أبداً، وتهوين طول الموقف، هذا الموقف يمرّ كلمح البصر، والمرور على الصراط المستقيم بسرعة، إلى غير ذلك.
ومِن العقاب شِدّة الحر على أهل الذنوب، والكرب والظمأ الشديدان، والتعتعة على الصراط المستقيم، وطول انتظار الحساب، إلى غير ذلك من صنوف العذاب، هذا العذاب بعد البعث وقبل دخول النّار، وذاك النعيم بعد البعث وقبل دخول الجنة.
3- مرحلة دخول المؤمنين الجنة ودخول أهل النارِ النار:
المرحلة الثالثة هي المرحلة الأخيرة التي يتمّ فيها الثواب الأكبر بدخول الجنة، والعقاب الأكبر بدخول النار، ودخول الجنة أبدي لكل من يدخلها، قال عز وجل:
﴿ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48)﴾
ودخول النار أبدي بالنسبة إلى الكافرين، ومؤقّت بالنسبة إلى عصاة المؤمنين، كلّ بحسب ذنوبه وسيئاته.
ويمكن أن نقول: إن الله العلي القدير قد جعل تحقيق الجزاء الأكمل في اليوم الآخر، يوم الخلود، ليستكمل حكمه العظيمة المشتملة على سرِّ الخَلْق والإبداع، ولله في إبداعه أسرار لا يحيط بعلمها إلا هو، واليوم الآخر الذي يتمّ فيه الجزاء المؤجل يكون بعد البعث، وهو اليوم الذي جاء به وجوب الإيمان به ركناً من أركان العقيدة.
يوجد عندنا البرزخ ما بعد البعث إلى قبل دخول الجنة، المرحلة الثالثة يوم دخول الجنة الأبدي، أو دخول النار الأبدي أو المؤقت، هذا الإيمان باليوم الآخر يُعدّ ركناً أساسياً من أركان العقيدة.
حدود المسؤولية بالنسبة للمُكلَّف تجاه خالقه:
1- انتهاء فترة الابتلاء عند موت الشخص المُكلَّف:
الآن لا زلنا في بعض الموضوعات التمهيدية، عنوان الموضوع الجديد: حدود المسؤولية، المسؤولية تجاه الخالق لها حدود، نوضِّح معالمها فيما يلي؛ أولاً: إذا مات المكلَّف انتهت فترة ابتلائه، الابتلاء في الدنيا فقط، فإذا وافت الإنسان منيته انتهت مدة التكليف، انتهى التكليف، انتهى الابتلاء، لذلك جاء في بعض الآيات الكريمة قوله تعالى:
﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)﴾
أي التكليف في الدنيا، الابتلاء في الدنيا، العمل الصالح في الدنيا، التوبة في الدنيا، الإصلاح في الدنيا، أما إذا جاء الموت انتهت مدة التوبة، انتهت مدة التكليف، انتهت مدة الابتلاء، انتهى كل شيء، خُتِم العمل وبقي الجزاء، فالإنسان إذا جاءه الموت، أو ما بعد الموت، أو في القبر، أو ما بعد القبر، أن يتوب، أن يعمل عملاً صالحاً، هذا مستحيل، فمنذ لحظة الموت لا يستطيع أحد أن يجحد الله، أو أن يكفر به، أو أن يعصيه، إذ تنكشف له الحقيقة بالشهود التام، لا يخالطها أدنى توهم، وينتهي عندها موضوع الإيمان بالغيب المطلوب من الناس على لسان الرسل، هذه حقيقة مهمة جداً، الأرض الآن فيها ستة آلاف مليون إنسان، بعضهم يُنكِر وجود الخالق، بعضهم يُنكِر الدين الإسلامي، بعضهم يُنكِر بعض أسماء الله الحسنى، هؤلاء بوذيون، وهؤلاء هندوس، وهؤلاء مسلمون مقصرون، وهؤلاء نصارى، جميع الملل والنحل عند مجيء الموت تنكشف لها الحقيقة التي لا ريب فيها:
﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾
أي أشدّ الناس المعارضين لرسالات الرسل تنكشف له الحقيقة فيؤمن، أما هذه الحقيقة تنكشف بعد فوات الأوان.
2- للابتلاء أو التكليف شروط:
الحكم الثاني هو أنه ما لم تتوافر شروط التكليف لم يتوجب الابتلاء أصلاً، أول حكم: الابتلاء في الدنيا، فإذا جاء الموت انتهت مدة الابتلاء، الحكم الثاني: أنه لا ابتلاء إلا بشروط، فلو أن الإنسان فَقَدَ عقله سقط الابتلاء، إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب، فالطفل غير المميز، والمعتوه، وفاقد الإدراك، غير مكلفين بالشرائع الربانية، لأنهم ليسوا أهلاً لإدراك معنى الألوهية، وفهم أوامر الله ونواهيه، ومسلوبو الإرادة بشكل كلي أو جزئي غير مكلفين أيضاً، إذاً أولاً التكليف في الحياة الدنيا، والتكليف يحتاج إلى بلوغ، وعقل، وحرية، أن يكون بالغاً عاقلاً حراً، ما لم تتوافر شروط البلوغ والعقل والحرية فلا تكليف ولا ابتلاء.
3- إذا وُجِد الشرط وُجِد الابتلاء وإذا فُقِد الشرط فُقِد الابتلاء:
الحكم الثالث أنه متى فُقِدت شروط التكليف بعد وجودها ارتفع حكم الابتلاء حتى تعود الأهلية، إنسان فَقَدَ عقله، في اللحظة التي فَقَد فيها عقله ينتهي تكليفه، فإذا عاد عقله عاد إليه التكليف، هذه قاعدة.
إذاً التكليف في الدنيا، والتكليف يحتاج إلى أهلية منها البلوغ والعقل والحرية، وإذا سُلِب الإنسان بعض هذه الشروط ارتفع التكليف، فإذا أُعيدت إليه عاد التكليف، لذلك يرتفع التكليف عن المجانين، لكن ملاحظة؛ هذا المجنون الذي إذا استفززته يسبّ الدين، لا شيء عليه هو، أما الذي استفزّه عليه كل الإثم، هناك أناس سبحان الله! مولعون باستفزاز المجانين، فإذا استفزوهم انطلقت ألسنتهم في سبّ الدين وسبّ الإله، هؤلاء الذين استفزوهم يتحملون كامل الإثم والمسؤولية، أما المجانين أنفسهم فلا شيء عليهم، لذلك فالتكليف يرتفع عن المجانين منذ بدء جنونهم حتى تعود إليهم عقولهم، كذلك يرتفع التكليف عن مسلوبي الإرادة، لو أن إنساناً مقيدة حريته وتحت ضغط القتل أُمِر أن يفعل شيئاً، ما دام هذا الإنسان مسلوبَ الإرادة فلا شيء عليه،
(( عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه. ))
[ حديث حسن رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما ]
آثار حدود المسؤولية بالنسبة للشخص المُكلَّف:
1- الشخص ليس مسؤولاً إلا إذا كان حراً في إرادته:
الآن حدود هذه المسؤولية، فهمنا أن المسؤولية إنما تكون في الدنيا وتنتهي عند الموت، ولابد من شروط تحقق المسؤولية كالعقل والحرية والبلوغ، وإذا سُلِبت بعض المؤهلات ارتفعت المسؤولية، فإذا عادت عادتِ المسؤولية، الآن حدود المسؤولية.
الأمر الأول: المسؤولية عن الكسب الإرادي البدني، والنفسي، والفكري، كل إنسان له كسب إرادي، إذ الإرادة كما سبق هي محل المسؤولية، لا مسؤولية إلا بالإرادة الحرة، ما دمت مُريداً لأعمالك التي تفعلها بكامل حريتك فأنت مسؤول، إذا رُفعت هذه الإرادة الحرة فأنت غير مسؤول.
الإرادة هي محل المسؤولية، وفاقد الإرادة لا مسؤولية عليه، وبناء على ذلك يكون توجيه الإرادة الجازمة لأمرٍ من الأمور كافياً في ترتيب المسؤولية، سواء تمّ التنفيذ العملي أو لم يتم، أي هذا الإنسان أراد أن يُوقِع الأذى بفلان، ما تمكّن، جاء ظرف حال بينه وبين إيقاع الأذى فيه، محاسبٌ على هذه الإرادة، لأن إرادته الحرة توجهت إلى إيقاع الأذى بفلان، لا يعنينا أن الأذى وقع أو لم يقع، يعنينا أنه كَسبَ هذا الإثم باختياره، إذا لم يتمّ تنفيذ هذه الإرادة الحرة في إيقاع الأذى بفلان، ما نُفِذ هذا الأمر بإرادة ثانية مضادة لها، كانت هذه الإرادة الثانية ناسخة للإرادة الأولى، أراد إنسان أن يوقع الأذى بفلان، ثم فكر فرأى أن في هذا الأذى إغضاباً لله عزّ وجل فامتنع ذاتياً، له أجر، الإرادة الثانية هي التي محت الإرادة الأولى.
شاب في مقتبل العمر ذهب إلى الحج، ولما عاد فتح مكتبة في بعض أحياء دمشق، وكان غير متزوج، وقفت فتاة مستهترة أمام المحل، وأشعرته بأنها توافق معه لو أرادها هكذا، وسارت، أغلق محله وتبِعَها، وفي الطريق تذكّر الحج الذي حجّه، القصة شهيرة، كان هناك حافلات الترام، فلما رأى حافلة قفز إليها وعاد إلى دكانه، هناك إرادة أولى، الأولى كانت متوجهة نحو الزنا، الإرادة الثانية نسخت الإرادة الأولى، في اليوم التالي وقف على دكانه أحد وجهاء الحيّ وسأله برفق: هل أنت متزوج؟ قال له: لا، قال: عندي فتاة تُنَاسبك، فظنّ هذا الشاب أن هذه الفتاة كاسدة، فيها علة كبيرة، بحيث أن أباها يعرِضها على الناس، لكنه أرسل أمه، فإذا الفتاة كما يقولون تجمع بين كمال العقل والدين، عاد هذا الوجيه ثانيةً، قال له: ماذا حصل؟ قال: يا سيدي، هذه لا أليق بها، أنا لا أملك شيئاً، قال: هذا ليس من شأنك، يبدو أن الأب كان ميسور الحال، زوّجه هذه الفتاة، وشاركه في عمله، وعاش هذا الإنسان في بحبوحة، وفي سعادة، لأن الإرادة الثانية نسخت الإرادة الأولى فاستحق هذا العبد الإكرام، لذلك:
(( عن سالم عن أبيه مرفوعاً: ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه. ))
[ رواه أبو نعيم عن ابن عمر مرفوعاً وقال غريب ]
إذا توجّه الإنسان بإرادة سيئة مختارة إلى عمل ما، ثم ندِم على هذه الإرادة، وأراد شيئاً آخر، فإن الإرادة الثانية تمحو الأولى، وينتهي الأمر، وفي بعض الأحاديث يُكتَب له أجر على محوه الإرادة الأولى، أما إذا لم يتم التنفيذ بسبب موانع خارجية، كان يتربص بفلان ليضربه، فلان لم يأت، لم يحقق هدفه، لا لإرادة ثانية ناسخة للأولى، لا، ولكن لأن هناك موانع خارجية، لذلك لو لم يُنفِذ هذه الإرادة فإن الإثم سُجّل عليه، هذا كلام خطير، أين الدليل؟ عوِّد نفسك كل فكرة تحتاج إلى دليل،
(( عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ قَالَ ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ. ))
المقتول توجهت إرادته إلى قتل صاحبه، لكنه لم يستطع، فعَاجَلَهُ صاحبُه بضربة قاضية، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: ((هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)) لذلك يقول عليه الصلاة والسلام
(( عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً.))
ما دام لم يقترب إلى سفك الدم القضية سهلة، التوبة سهلة.
2- الإنسان مسؤول عن عمله السيئ وآثاره:
الأمر الثاني، المسؤولية عن آثار الكسب الإرادي البدني، والنفسي، والفكري، وهي الآثار التي تنجم عن الكسب الإرادي ولو بعد حين، هذه نقطة دقيقة جداً، مثلاً لو أنّ إنساناً صلّح سيارة، وكلّف صانعاً أنّ يُرَكِّب فيها آلة معينة، الصانع صغير ضعيف، لا يملك وعياً كافياً، لم يضبط التركيب، استقلّ صاحب السيارة مع زوجته وأولاده السيارة، صار هناك خلل بسبب عدم إتقان تركيب هذا الجهاز، صار هناك تدهور مات الأشخاص الخمس، النقطة الدقيقة هذا الذي صلّح السيارة لا يُحاسب على إهماله، بل يُحاسب على أنه قاتل لخمسة أشخاص، أي هذا الخطأ ماذا نتج عنه؟
ركّب لوح بلور، ثبَّتَه بمسمار واحد، أتى طفل ضرب النافذة وقع البلور فوقه فقتله، هذا يُحاسب لا على أنه أهمل وضع مسمار، لا، على أنه تسبّب في قتل إنسان، هذه نقطة مهمة جداً سنعيدها مرة ثانية، المسؤولية عن آثار الكسب الإرادي ليست عن الكسب وحده، بل عن آثار الكسب الإرادي البدني، والنفسي، والفكري، ويدل على هذا نصوص كثيرة، وهي قوله صلى الله عليه وسلم:
(( عن جرير بن عبد الله منْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا. ))
أي إذا إنسان غرر فتاة وجعلها تسقط، يوم القيامة قد يعرِض الله عليه مليون فتاة ساقطة من نسل هذه الساقطة، كل هؤلاء بسببه هو، أخطر شيء في الدرس هذه النقطة، لا يُحاسَب الإنسان على كسبه، بل يحاسب على آثار كسبه، قال تعالى:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)﴾
((وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ)) إلى يوم القيامة، فالإنسان يسنّ سنّة سيئة، يعمل ترتيباً يصنع فيه معصية، وهذا الترتيب يصلح تقليداً مِن بعده يسير الناس عليه، هذا شيء خطر جداً، اخترع نُوبل البارود، كم إنسان قُتل في العالم بسبب هذا البارود؟ كم إنسان قُتِل بريء عن طريق البارود؟ لذلك ندِم بعدما اخترعه، جمع كل ثروته، ووضعها في خدمة من يُقدِّم للإنسانية بحثاً علمياً، أو أدبياً، أو فنياً، يحقق السلام بين بني البشر، وهذه الجائزة تُعطى سنوياً لثلاثة أشخاص: لرجل علم، ورجل أدب، ورجل فن، اسمها جائزة نوبل للسلام، مهما دفع الذين يموتون كل يوم عن طريق المتفجرات وهم بريئون أعداد كبيرة جداً لا تُعدّ ولا تحصى، لذلك:
((وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ)) إلى يوم القيامة، و
(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ جميع الآثار المُترتبة على هذه الأعمال مُحاسب عليها الإنسان،
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ، صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ. ))
هذه بالمقابل إذا كان العمل السيئ يُحاسب الإنسان على آثاره إلى يوم القيامة.
3- الإنسان مأجور على عمله الطيب وآثاره:
هذه بالمقابل إذا كان العمل السيئ يُحاسب الإنسان على آثاره إلى يوم القيامة، بالمقابل العمل الطيب يُكافأ على آثاره إلى يوم القيامة، أنت قد تكون وأنت في حياتك بذلت جهداً لهداية إنسان واحد، هذا الإنسان عندما تزوج بحث عن امرأة مؤمنة، أنجب أولاداً، ربّاهم تربية عالية، علّمهم، كانوا من بعده دُعاة إلى الله عزّ وجل، هؤلاء دَعوا الناس، قد يأتي يوم القيامة فيريه الله عزّ وجل أن مليون إنسان سَعِد في الدنيا والآخرة بسبب أنه هدى هذا الإنسان الأول، لذلك قال تعالى:
﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)﴾
الغُرم بالغُنم، كما أن العمل السيئ تُكتب آثاره إلى يوم القيامة كذلك العمل الطيب تُكتب آثاره إلى يوم القيامة، ساهم إنسان في بناء مسجد، ساهم ومضى خمسون سنة ووافته المنية، هذا المسجد إلى يوم القيامة كل صلاة عُقِدت فيه، كل حلقة ذكر، كل مجلس علم، أي خير ظهر من المسجد في صحيفة الذي ساهم ببنائه إلى يوم القيامة، لذلك الإنسان المؤمن يوم القيامة يعرق عرق الخجل، له طبعاً عمل طيب لكنه لم يكن يتوقع أن هذا العمل بهذا الحجم الكبير، كل هذا لي؟ نعم، لأنك أنت الذي بدأت، أنت الذي سننت هذه السنة الطيبة، فكل من عمل بها في صحيفتك إلى يوم القيامة، فإذا تمكّن الإنسان أن يربي ولداً تربية عالية جداً، يكون صالحاً للناس، ينفع الناس، أو تمكّن أن يترك صدقة جارية، أو تمكّن أن يترك علماً يُنتفع به، الإمام الغزالي توفي رحمه الله تعالى، ترك الإحياء، اسأل لي: بالعالم الإسلامي من المغرب إلى الباكستان، ومن تركيا إلى اليمن، كم إنسان انتفع بالإحياء؟ ونحن والله الذي لا إله إلا هو درس الأحد من سنتين أو ثلاث في صحيفة الإمام الغزالي، لأن هذا كتابه، نقرأ من كتابه ونستفيد، فإذا إنسان ترك كتاب حق، فيه دعوة إلى الله، هذا له أجره وأجر من عمل به، إذا كنت تستطيع أن تترك ولداً صالحاً، أو تترك علماً أو صدقة جارية، ((إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ، صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ)) أي مسجد، سبيل، إنسان أنشأ مستشفى مثلاً، مستشفى تُخَفف الآلام عن الناس، أنشأ مسجداً، أنشأ معهداً، أنشأ مدرسة، أنشأ معهداً شرعياً، عمل عملاً صالحاً، ساهم بتزويج الشباب مثلاً، عمِل مشروعاً خيرياً، كم مشكلة ألغاها في حياتنا؟ لذلك هذا الموضوع دقيق جداً، أي اجهد أن يكون لك عمل يستمر بعد الموت، والله الذي لا إله إلا هو فكأنك لم تمت.
سيدنا الصدّيق رضي الله عنه يُعدّ المؤسس الثاني للدولة الإسلامية، لو لم يقف موقفاً حازماً وصُلباً من المرتدين لانتهى الإسلام، فبقاء الإسلام في هذه الأماكن في صحيفته، وكلنا جميعاً في صحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكرم الله عزّ وجل أنه يعطيك الأجر، ومثل هذا الأجر لمَن كان السبب، ومثل هذا الأجر للوسيط، الحجم نفسه، العوام يقولون كلمات لها معنى أحياناً: من خلّف ما مات، إذا إنسان ترك ولداً صالحاً، أنا مرة حضرت عزاء عالم جليل، أولاده الأربع علماء، خطباء، والله بكيت، ما مات، كأنه ما مات، ترك أولاداً تعلموا العلم الشرعي ودعوا إلى الله من بعده، فإذا الإنسان أكرمه الله بولد صالح ينفع الناس من بعده فهذه ثروة طائلة، الله مكّنه يفتح مشروعاً خيرياً، جمعية إسعاف فقراء، جامعاً مثلاً، مستشفى، معهداً شرعياً، أي شيء يستمر من بعد وفاته، إما ولد صالح، أو علم، ألّف كتاباً مهماً جداً الناس استفادوا منه، لا يوجد كتاب الآن نستفيد منه إلا بصحيفة مؤلفه، التأليف عمل عظيم، تحتاج إلى كتاب بموضوع معين، هناك إنسان ألّف هذا الكتاب، يلقى الله بهذا العمل، إذاً الأمر الأول أن الإنسان ليس مسؤولاً إلا إذا كان حراً في إرادته، والشيء الثاني المسؤولية تتجاوز العمل إلى آثاره إن كانت خيرة أو كانت شريرة.
1- الكسب اﻹيجابي في فعل الطاعات:
الآن يوجد عندنا الكسب الإيجابي، وهو أن يقوم الإنسان المُكلَّف بإرادته بعمل إيجابي، يقوم بعمل، سواء أكان بدنياً، أو نفسياً، أو فكرياً، كل ذلك إما أن يكون في باب الطاعات والفضائل، وإما أن يكون في باب المعاصي والرذائل، الأمثلة؛ الصلاة عمل إيجابي، قام صلى، الزكاة، دفع، الحج، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، خدمة الوالدين، صلة الأرحام، تعليم العلوم الدينية، نشر الشريعة الربانية، إصلاح المجتمع بوسائل التربية العملية المختلفة، الآن العمل الإيجابي النوع الثاني السيئ؛ القتل، السرقة، الزنا، شرب الخمر، لعب الميسر، الغيبة المحرمة، النميمة، هذه أعمال إيجابية إما خيرة أو شريرة، هذه الأعمال البدنية.
أما النفسية كشغل القلب والنفس بالحبّ في الله، والبغض في الله، السرور بعزة المسلمين، الانقباض لخذلانهم، الشوق لمناجاة الله عزّ وجل، والقيام بطاعته، الرضا عن الله في قضائه وقدره، النوع الثاني؛ شُغل النفس في معصية الله، محبة أهل الكفر، موادة من حادّ الله ورسوله، السرور بانتصار أهل الكفر، الحسد، الحقد، عداوة أهل الحق، هذه كلها أعمال إيجابية نفسية، الأولى بدنية؛ الصلاة بدنية، الصلاة والصوم والحج، بالمقابل السرقة والزنا والقتل وشرب الخمر، أعمال بدنية مادية فيها عمل إيجابي.
النفسية كما ذكرنا، الفكرية التدبر في آيات الله وآلائه، البحث عن دلائل وجوده جلّ وعلا، وكمال صفاته في آثاره، ابتكار ما فيه خدمة المسلمين وتقويم سلوكهم، التخطيط الفكري لفعل الخير ودفع الشر، هذا في باب الطاعات الفكرية.
2- الكسب السلبي في فعل المعاصي وترك الطاعات:
أما المعاصي الفكرية إعمال الفكر في ابتكار ما فيه الأذى لخلق الله عز وجل، الذين صنعوا القنابل الجرثومية، والأسلحة الكيماوية حتى يفتكوا بالناس، وهم علماء كبار في مخابرهم، هذه كلها معاص فكرية، يوجد عندنا معاص بدنية كالزنا وشرب الخمر والقتل، يوجد عندنا معاص نفسية كالفرح بانتصار الكفار، الفرح بتراجع الدين، الانقباض حينما يعلو الحق، هذه معاص نفسية، والمعاصي الفكرية أن تُعْمِل فكرك في اختراع شيء يؤذي العباد، يؤذي الخلق، يضرّ بهم، هذا كلها كسب إيجابي في الطاعات أو في المعاصي، بدنية ونفسية وفكرية، وهناك كسب سلبي أيضاً في الطاعات والمعاصي، وبدني وفكري ونفسي.
الأمثلة، كأن يترك المُكلَّف بإرادته المحرمات، هذا كسب، ترك الزنا، ترك الخمر، ترك الاختلاط، هذا كسب سلبي له عليه أجر، دُعِي إلى حفلة فيها معصية فامتنع، دُعِي إلى رحلة مشبوهة فيها اختلاط امتنع، كأن يترك المكلف بإرادته المحرمات، والمكروهات البدنية والنفسية والفكرية كترك السرقة والزنا والقتل، وكترك الحسد والحقد، وكمجانبة التفكر فيما لا خير فيه، أو تَعلُّم ما جاء النهي عن تعلُّمه، ما تعلم السحر مثلاً، وهذا في باب الطاعات، يقابل ذلك في باب المعاصي ترك الواجبات والمندوبات البدنية والنفسية والفكرية، ترك الصلاة، ترك الزكاة، ترك الأمر بالمعروف، إهمال تعلُّم ما ينبغي تعلُّمه، عدم محبة الله ورسوله، عدم الرضا عن القضاء والقدر، عدم التسليم لأحكام الله وشرائعه، وأمثال ذلك مما فيه معصية.
صار عندنا كسب إيجابي في الطاعات وفي المعاصي، في الطاعات البدنية والنفسية والفكرية، وفي المعاصي البدنية والنفسية والفكرية، وعندنا كسب سلبي، ترك، ترك الصلاة كسب سلبي، ترك الأمر بالمعروف، بقي علينا موضوع أخير هو الخاتمة.
الأدلة من الكتاب والسنة على موضوع حدود المسؤولية:
حدود المسؤولية بصورها المختلفة تدخل بوجه عام في مفهوم قوله تعالى في سورة الزلزلة:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾
هذه السورة جامعة مانعة، كل هذا الدرس مُلخص في هذه السورة، لذلك جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله عظني وأوجز؟ قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ قال: قد كفيت! فقال عليه الصلاة والسلام: فقُه الرجل، انتهى الأمر، نحن نتعلم تفسير سور بكاملها، نسمع تفسير نصف القرآن ولا يوجد انضباط، هذا الأعرابي استمع إلى سورة واحدة قال: قد كفيت، هذه تكفي، وأقول لكم والله هناك آيات تكفي:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾
ألا تكفي هذه؟ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ .
الأحكام التي تنبثق عن حدود المسؤولية:
1- الإنسان مسؤول عن آثار أعماله:
هناك مجموعة أحكام تأتي على شكل خاتمة لهذا الموضوع التمهيدي للإيمان باليوم الآخر، لما يأتي بعد الموضوع الأساسي وهو الإيمان باليوم الآخر، هذا كله تمهيد.
الحكم الأول: إذا مات ابن آدم انقطع عمله لانتهاء زمن ابتلائه، لا يوجد عمل، إذا مات الإنسان انقطع عمله، ولكن تبقى آثار عمله، فما ينجم عن عمله الذي باشره وهو حيّ من خير ولو بعد موته إلا تجدد له الأجر الذي يُضاف إلى صحيفة عمله، وما ينجم من عمله الذي باشره بنفسه وهو حيّ من شرّ ولو بعد موته إلا تجدد له إثم يُضاف إلى صحيفة عمله، إنسان اخترع شيئاً يُفسد العلاقة بين الزوجين، إذا شخص من بعده طوّر هذا الاختراع، فهذا التطوير في صحيفة الأول الذي باشره بنفسه، هذا من آثار اختراعه الأول، الدليل النصي قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ، صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ)) .
و: ((من سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ)) .
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: مِنْ دَمِهَا لأنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ أَوَّلا. ))
ابن آدم الأول، الحكم الثاني؛ أول حكم إذاً أخطر شيء أنك محاسب على آثار أعمالك، إنسان مثلاً عنده بنت، جاءه خاطب، شكل، غنى، سأل عنه قالوا: آدمي، زوّجها له، إذا بهذا الشاب منحرف السلوك، وكلمة آدمي ليس لها معنى، أخي والله آدمي لا معنى لها، سافر بزوجته إلى بلاد الكفر، أنا أعرف رجلاً عنده فتاة ديّنة صالحة، جاءه خاطب مقيم في أمريكا، وافق بسذاجة، ذهبت محجبة وعادت بلا أكمام، مسؤول، كيف اخترت لها هذا الزوج؟ هل سألت عنه ملياً؟ هل عرفت أخلاقه؟ هل عرفت دينه؟ هذه أول نقطة، كل أعمالنا محاسبون عن آثارها، لو فرضنا هذا الزوج هو وزوجته انحرفا، وضلّا سواء السبيل، وفعلا من المعاصي ما يشاءان، كل هذا في صحيفة الأب الذي وافق على زواج ابنته من هذا الشاب، لذلك لا تنتهي مسؤولية الأب إلا إذا أحسن اختيار الشاب،
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ. ))
أقام إنسان في بلاد الكفر، وجد أن المعيشة سهلة جداً، فيلا بثلاثين ألفاً لثلاثين سنة تقسيطاً مع مسبح، ما هذا الكلام؟ نعم والله، والأسعار رخيصة جداً، وثمن السيارة النوع الفخم خمسة آلاف، صفيحة البنزين رخيصة جداً، ذهب إلى هناك أقام، بناته كبرن، دخل إلى البيت فوجد مع ابنته شاباً، وابنته تسبح على الشاطئ، هكذا العادة هناك، طبيعي جداً، ما نجحت معه، لو كان البيت هناك رخيصاً لم يفِ معه هذا بالغرض إذا ابنته نشأت على معصية، ولها أصدقاء، إذا سقطت في وحل الزنا، البلاد خضراء كلها، لا يوجد سنتمتر بني كله أخضر، نريد أن يكون القبر أخضر أيضاً، لذلك هذه الأعمال كلها في صحيفة الأب، يوم القيامة تقف البنت تقول: يا رب لا أدخل النار حتى أُدخل أبي قبلي، لأنه هو الذي زوجني، هو الذي أسكننا بهذه المنطقة، هكذا العادات والتقاليد، إباحية مطلقة، انحراف أخلاقي، الزنا على قارعة الطريق، فالإنسان إذا كان في بلده، تُقام شعائر الله، يحضر مجالس العلم، يوجد بقية حياء، يوجد بقية تديّن، هناك شيء اسمه "عيب" في بلده، هذه بلدة مباركة.
2 ـ كل إنسان مسؤول عن كسبه فلا يتحمل أوزار الآخرين إلا إذا كان له تسبُّب فيها:
الحكم الثاني أن كل إنسان مسؤول عن كسبه فلا يتحمل أوزار الآخرين إلا إذا كان له تسبُّب فيها، عندنا آية كريمة:
﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)﴾
﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)﴾
﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)﴾
﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)﴾
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)﴾
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)﴾
مبدأ هائل جداً، ومُريح، الزوج سيئ، والزوجة صالحة، لا يوجد علاقة بينهما، قال تعالى:
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)﴾
﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)﴾
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قَالَ : (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا-اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. ))
أبوها، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم.
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَن سلَك طريقًا يطلُبُ فيه عِلمًا سهَّل اللهُ له به طريقًا مِن طُرقِ الجنَّةِ ومَن أبطَأ به عمَلُه لَمْ يُسرِعْ به نسَبُه . ))
[ صحيح ابن حبان أخرجه في صحيحه ]
الأب صالح، الابن سيئ، كل واحد يحاسب على عمله، الزوج صالح الزوجة سيئة، قال لنا أخ: إنسان تزوج من امرأة فاضلة، ابنة عالم، ذات دِين، لكن الشاب يريدها غير ذلك، يريد أن تسايره في اختلاطه، ورحلاته، وندواته، وسهراته، يريد أن تبرز لأصدقائه في سهرة مختلطة، طبعاً هذه رفضت بإصرار، فلما كان رفضها مع إصرار، أشارت عليه أمه أن يضايقها، لأن مهرها المتأخر مئة ألف، ضايقها إلى أن طلبت المخالعة من دون شيء، في هذه الفترة كان الأب غير راضٍ على هذا التصرف، الأب مزعوج أن الحق عليكم، هذا ظلم، الأم والابن على خط واحد، بعد ذلك طلبت المخالعة وخُلعت منه بلا شيء، طلبت النجاة بجلدها منه، لكنه ضايقها مضايقة شديدة، إهمال، وضرب، وشتم، وما شاكل ذلك، تزوج امرأة ثانية، له بيت في بعض المصايف، عاد بسيارته، كان يركب في محل القيادة، وإلى جانبه زوجته، وخلفه أمه، وخلف زوجته أبوه في المقعد الخلفي، صار حادث، مات هو وأمه، ونجت الزوجة وأبوه، ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ الأب لم يكن راضياً عن هذا التصرف، أما الأم فهي المحرضة، قصة طويلة لكن هذا ملخصها، كلما نجا يقول لها: نجونا من هذه السيارة كما نجونا من مهر فلامة، آخر الطريق عمل حادثاً، أي مات حتف أنفه هو وأمه، قال تعالى:
﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)﴾
المُحرضة على ظُلم هذه الفتاة لقيت حتفها، أما الذي كان يُنْكر ذلك نجاه الله عز وجل، فكل إنسان مُحاسب عن عمله، ولا يتحمل أوزار الآخرين، إلا إذا كان له سبب فيها، كالإغواء، والإضلال، أو إهمال واجب النصيحة والإرشاد، هذا كله يتضح من هذه الآيات، لذلك قال عليه الصلاة والسلام للأقربين من عشيرته: اعملوا لأنفسكم لا أُغني عنكم من الله شيئاً، وقال يا فاطمة بنت محمد اعملي لنفسك ((لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)) .
الملف مدقق