وضع داكن
04-04-2025
Logo
العقيدة الإسلامية - الدرس : 63 - الإيمان بالقضاء والقدر 4- الحكمة من المصائب
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

  أفعال الله في الأرض تدل على حكمته:


أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس الثالث والستين وهو الدرس الأخير من دروس العقيدة.
أولاً: كلنا يعلم أن الله سبحانه وتعالى حكيم، والحكمة من أسمائه الحسنى، ومعنى أنه حكيم أي أن أفعاله كلها حكيمة، إذاً لابد من أن يكون قضاؤه وقدره حكيماً، والحكمة لا تكون إلا في الخير، ليس هناك حكمة في الشر، إذاً هو حكيم وأفعاله حكيمة، والقضاء والقدر من أفعاله، إذاً قضاؤه وقدره حكيم، والحكمة متعلقة بالخير، من هنا يأتي قوله تعالى:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾

[ سورة آل عمران ]

إيتاء المُلك، ونزع المُلك، والإعزاز والإذلال كله خير، لكن -والفكرة هنا دقيقة جداً-ما هو خير في حقيقته قد يبدو لبعض الناس بحسب مقاييسهم الدنيوية، أو بحسب تصوراتهم، قد يبدو لهم أنه شر، والأمثلة على هذه الفكرة أكثر من أن تُحصى، حينما يُفتَح بطن المريض لتُستأصل الزائدة الدودية، منظر فتح البطن وهو مُخَدّر على طاولة العمليات، والدم ينزف منه، والأربطة، هذا العمل يبدو أنه شرّ في حقّ المريض، ولكن الذي يعلمون في نظر الطبيب، ونظر العقلاء هو خير، هذا مثل، وهناك آلاف الأمثلة، مِن هنا يأتي قوله تعالى:

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾

[ سورة البقرة ]

يجب أن نؤمن أيها الإخوة؛ أن الله حكيم، والحكيم أفعاله حكيمة، والقضاء والقدر من أفعاله، إذاً القضاء والقدر محْضُ الحكمة، ومادام القضاء والقدر محض الحكمة إذاً هو في جانب الخير، من هنا يأتي القول: الإيمان بالقدر يُذْهِب الهم والحزن.
 

الشرّ خلق من مخلوقات الله يؤدب به من يستحق من عباده:


ما هو الشر؟ كل شيء يقع على وجه الأرض لابد من أن يكون الله قد أراده، كل شيء يقع على وجه الأرض وفي أي مكان وفي أي زمان في ملكوت الله، لابد من أن يكون الله قد أراده، لأن الأفعال كلها من خلْقِ الله، أين الشر إذاً؟ قال علماء التوحيد: الشر في النفوس فقط.
أي هذا السارق حينما تعلقت مشيئته الحرّة أن يسرق، هذا هو الشر، لكن الله سبحانه وتعالى يسوقه إلى من يستحق السرقة، فهو قد خرج ما في نفسه مِن شر، ولكن هذا الذي يبدو للناس شراً قد وُظِّف لصالح المسروق منه، فالظالم سوط الله ينتقم به، ثم ينتقم منه، شرّ أبداً لا يوجد في الكون، الشر في النفوس، هذا الذي يريد أن يؤذي تعلق إرادته بالأذى من الشر، لكن حينما تَوَجّه شره إلى مخلوق تولّى الله عز وجل توجيه هذا الشر إلى من يستحق الشر ليكون الشر الأول تأديباً للثاني، والدليل:

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)﴾

[ سورة الأنعام ]

قد يُؤدِّب الله الزوجة المقصّرة بزوج ظالم، فهذا الزوج الظالم الشر في نفسه، مِن أين جاءه؟ مِن البُعد عن الله عزّ وجل، لكن هل تجاوز الحدود؟ لا، إنه سُلِّط على امرأة، هذا التسليط عليها في ظاهره شر، ولكن في باطنه خير.

  تفسير النعم الباطنة:


لقد فسر بعض العلماء علماء التوحيد النعم الباطنة يما يبدو للناس من شر، حيث قال الله عزّ وجل:

﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20)﴾

[ سورة لقمان ]

فالنِّعم الظاهرة هي النِّعم التي نراها ونتعرفها جميعاً، وأما النعم الباطنة فهي المصائب، فكم من مصيبة انتهت إلى توبة؟! وكم من ذلّ انتهى إلى طاعة؟! وكم من فقر انتهى إلى أداء الصلاة؟! كل الذي يحصل في الكون محض خير على تفاوت في شكله، إما أن يكون ظاهره خيراً محضاً، وإما أن يكون ظاهره بحسب مقاييس البشر أو بحسب تصوراتهم خيراً محضاً، لو أن رجلاً جاءته الدنيا كما يشتهي من كل جانب، وهو في غفلة شديدة، وفي بُعد شديد، ولو مات على هذا الحال لاستحق جهنم خالداً مُخلّداً، قد يأتيه مرض عضال يجعله ينسحق انسحاقاً، هذا المرض العضال إذا انتهى به إلى توبة نصوح، في ظاهره مرض، ولكنه في باطنه سلسلة ساقته إلى الجنة، قال عليه الصلاة والسلام:

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فِي السَّلاَسِلِ. ))

[ صحيح البخاري ]

والمصائب هي السلاسل، كان سيدنا عمر رضي الله عنه إذا أصابته مصيبة قال: الحمد لله ثلاثاً؛ الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ أُلهمت الصبر عليها، ما من عثرة، ولا اختلاج عِرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفُو الله أكثر، دخل النبي عليه الصلاة والسلام على بعض أصحابه وكان مريضاً، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرحمني؟ فقال النبي الكريم: يا رب ارحمه، فقال الله عز وجل: كيف أرحمه مما أنا به أرحمه؟ وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحبّ أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه، لابد يوم القيامة من أن يكشف الله لنا كل ما ساقه إلينا في الدنيا من محن، ومن أزمات، ومن خوف، ومن نقص في الأموال، ونقص في الثمرات، ونقص في الأولاد، لابد من أن نقول بكل جارحة وبكل خلية: الحمد لله رب العالمين، قال تعالى:

﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)﴾

[ سورة يونس ]

 

من لم تُحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر:


إذاً والشر الوحيد في الوجود هو ما يصدر من المخلوق حينما يخالف أوامر الله عزّ وجل ونواهيه ووصاياه لعباده، الشر في النفوس في الحيز المادي ليس إلا الخير إما ظاهراً وهو ما تعارف الناس على أنه خير، وإما باطناً وهي النعم الباطنة، أي المصائب، هذه المصائب إذا أمكنك أن تُفسرها تفسيراً صحيحاً حُلّت مشكلتك مع الله عزّ وجل،

(( فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاثٍ قَالَ: لا يَمُوتُ أَحَدُكُمْ إِلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ. ))

[ صحيح  مسلم ]

وقد قيل: من لم تُحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر، أي أيها الأخ الكريم؛ يجب أن تعلم علم اليقين أن ما يسوقه الله لعباده في الدنيا من مصائب هي محض خير، يراها الكافر شراً، ولكن المؤمن الذي يعرف الله عزّ وجل يرى ما انطوى فيها من خير، لذلك المؤمن حَسَنُ الظن بالله، فهذه المصائب كما قلنا في الدرس السابق:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)﴾

[ سورة الحديد  ]

قضية مدروسة دراسة عميقة، قال تعالى:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)﴾

[ سورة الحديد  ]

(( وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ. ))

[ أحمد: الهيثمي: مجمع الزوائد: رجاله ثقات  ]

 

الحكمة من المصائب:

 

1- الابتلاء:

الإيمان بالقدر نظام التوحيد، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، يجب أن نعلم علم اليقين أن المصائب التي يسوقها الله لعباده تنطوي على خير كبير، أول أنواع هذا الخير هو الابتلاء، أي هذه المركبة ذات المحرك القوي، هذا المحرك القوي لا تبدو قوته في الطريق المنبسطة، ولا في الطريق الهابطة، لا تبدو قوته إلا في الصعود الشديد، لذلك مهمة الابتلاء فرز الناس، والكشف عن خباياهم، وامتحان نفوسهم، قال تعالى:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾

[  سورة العنكبوت  ]

مستحيل، لابدّ من أن نُمتحن، لابد من أن نُبتلى، وكأن الدنيا كلها إنما خُلِقت من أجل أن نُمتحن، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾

[ سورة الملك ]

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

[  سورة المؤمنين  ]

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)﴾

[ سورة آل عمران ]

أول هدف كبير من أهداف المصائب الابتلاء، أي هذا المؤمن على هذا الدخل الكبير، وعلى هذه المكانة، وعلى هذه الصحة، وعلى هذا البيت المريح، وعلى هذه الزوجة المطيعة، وعلى هؤلاء الأولاد الأبرار، هو مُحب لله عزّ وجل، ما مصير هذه المحبة إذا قلّ دخله؟ أو مرضت زوجته؟ أو فُصِل من عمله؟ أو أُصيب بمرض شديد؟ ما مصيرها؟ لابد من أن تأتي المصيبة لتمتحن صدقك في الطلب، لابد من أن تأتي المصيبة لتكشف عن معدنك، الناس معادن، لابد من أن تأتي المصيبة لتفرزك أمع المؤمنين أنت أم مع غير المؤمنين؟
فأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كلهم يحبونه، وكلهم طامع بمودته، وكلهم متعلق به، وكلهم يرجو النصر من الله، جاءت معركة الخندق، طوّقهم الكُفار، أخلف اليهود عهدهم، انكشفوا من ظهورهم، جاءهم الأعداء من كل حدب وصوب، حتى إن أحدهم قال: أيعدنا صاحبكم أن تُفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته؟

﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)﴾

[ سورة الأحزاب ]

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)﴾

[ سورة الأحزاب ]

وبعض المنافقين الضعاف قالوا:

﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12)﴾

[ سورة الأحزاب ]

فكانت معركة الخندق وسيلة فعّالة ودقيقة لكشف خبايا المؤمنين، امتُحنوا بهذا الضيق الشديد، إلى أن عَلِم الله المؤمنين من غير المؤمنين أرسل الرياح الهوجاء فقلبت قدورهم، واقتلعت خيامهم، ودخلت الريبة فيما بينهم، قال تعالى:

﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25)﴾

[ سورة الأحزاب ]

أما في حُنين فقد بلغ عدد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام عشرات الآلاف، فقالوا في أنفسهم أو بألسنتهم: لن نُغلَب اليوم من قلة، امتحنوا بالضعف، وامتحنوا بالقوة، ويا أيها الإخوة الأكارم؛ أنت مُمتحن قبل الزواج، مُمتحن بعد الزواج، مُمتحن في الصحة، مُمتحن في المرض، مُمتحن في الغنى، مُمتحن في الفقر، مُمتحن وأنت قوي، قد تكون في عمل يدك تطول، وتُمتحن وأنت ضعيف، فلابد من الامتحان، فأحد حِكَم المصائب الابتلاء، أي الكشف عن حقيقة النفس، لا ليعلم الله، فالله عليم، ولكن لتعلم أنت من أنت، لتعلم أنت أيها المؤمن من أنت؟ وليعلم الناس من أنت، لابد من أن يكشف الله  الناس على حقيقتهم، قال تعالى:

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)﴾

[ سورة الأنبياء ]

هذه آية واضحة.
آية ثانية:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)﴾

[ سورة البقرة ]

قد يُصاب الإنسان بمصيبة طفيفة فيسب الدين، وقد تأتي مصيبة تسحق المؤمن سحقاً فيقول: الحمد لله رب العالمين، هذا امتُحن، وهذا امتُحن، هذا امتُحن فكُتب قوله:

﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181)﴾

[ سورة آل عمران ]

وهذا امتُحن فكُتِب قوله، أي إذا ابتُلينا بمصيبة وقلنا: الحمد لله رب العالمين، فقد نجحنا في الامتحان، وبعدئذ يتولى الله عزّ وجل أن يُذهبها عنا، لذلك المؤمن:

(( عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَجِبْتُ لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ لَيْسَ ذَلِكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا. ))

[ صحيح مسلم ]

2- التربية والتأديب:

العلة الثانية للمصائب: التربية والتأديب، فقد تقتضي الحكمة أن يُطهّر هذا المؤمن من هذا المرض النفسي، مرض الكِبر، فيبتلى بمصيبة من نوع التحجيم، يوضع في موقف حرج، يُضطر إلى أن يسأل، إلى أن يرجو، إلى أن يستعطف، هذا التحجيم بسبب الكِبر، مرض استوجب علاجاً، هذه هي التربية.
قد يُضيّق على المُسرِف فيعرف قيمة المال الذي يحتاجه الناس جداً، هو ينفقه بلا حساب، والناس في حاجة ماسّة إليه، يذيق الله هذا المُسرف الضيق المادي، هذا علاج، هذه تربية، هذا تأديب، العلة الأولى الابتلاء، الامتحان، نريد أن نرى قوة محرك هذه المركبة، هي جيدة جداً، نصعد بها في طريق صاعدة، تصمد وتنطلق ولا تقف، عرفنا، مصيبة الابتلاء من أجل أن تعرف قدرة هذا المحرك، لكن المصيبة الثانية مصيبة التربية والتأديب، فلذلك إذا كان هناك تقصير، إذا كان هناك غلط، إذا كان هناك خطأ، إذا كان هناك مخالفة، معصية، تجاوز، عدوان في الأموال، في غير الأموال، يأتي التأديب، فأنت يجب أن تفهم على الله عزّ وجل، هل هذه المصيبة من أجل أن تُمتحن؟ قد تكون مستقيماً استقامة تامة، وأنت على علم يقيني بأنه لا انحراف، ولا خلل، ولا زلل، لِمَ المصيبة؟ من أجل أن تُمتحن، فإن كانت المصيبة قد رافقها خلل وانحراف وتقصير ومعصية فهذه من نوع ثان، هذه من أجل التأديب، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾

[ سورة التوبة ]

صار هناك عُجب، صار هناك كبر، نحن أقوياء، نحن نَعدّ عشرات الآلاف، إذاً جاءت هوازن وقذفت في قلوبهم الرعب، وتفرقوا شذر مذر، ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ إلا النبي عليه الصلاة والسلام:

(( سأل رجل البراء رضي الله عنه فقال: يا أبا عمارة أوليتم يوم حنين؟ قال البراء وأنا أسمع َأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَفِرَّ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب. ))

[ صحيح البخاري ]

كنا إذا حمي الوطيس لذنا برسول الله صلى الله عليه وسلم. 

3- الجزاء المُعجَّل:

أما العلة الثالثة للمصيبة فهي الجزاء المُعجّل، هذه حكمة الله العظيمة، لو أن كل الجزاء في الآخرة، وكل الثواب في الآخرة، لا يوجد شيء في حياتنا يدفعنا إلى الطاعة، ولا يوجد شيء في حياتنا يخيفنا من المعصية، هذا الذي حدثتكم عنه يوم الجمعة في جامع الحاجبية، صاحب أكبر معمل حلويات في قطر عربي مجاور، صادراته اليومية طائرة مُحمّلة ببضاعته، تطير يومياً إلى أقطار مجاورة من دول النفط، ويأتيه دخل فوق الخيال، بلغ به الكِبر أوْجَه، دخل على معمله متفقداً، رأى عاملاً لا يُحسِن عجن العجين، فأخذ هذه القطعة من العجين ووضعها على الأرض وعركها بقدميه وحذائه، وعلّم عامله كيف يُعجن العجين، أصاب قدميه الاثنتين مرض بسيط مرض الموات الغرغرين، وقطعت قدماه، وهو الآن موجود في لندن عند أولاده، هذا جزاء مُعجَّل.
شخص يقود سيارته يمشي بطريق المطار، الدنيا شتاء والبرد شديد، وجد كلباً قابعاً على طرف الزفت، حاجزاً منه حوالي أربعين سنتيمتراً،  يبدو أن الزفت لونه أسود، يمتص الحرارة، فهو أكثر دفئاً من التراب، هذا الكلب يبدو أنه جرو قابع على طرف الطريق، أراد هذا السائق أن يتسلى فانحرف بمركبته وداس يدي هذا الجرو الصغير فقطعهما، وأطلق ضحكة هستيرية، وكأنه فعل شيئاً عظيماً، إنه يُحسِن القيادة، استطاع أن يقطع رجليه فقط دون أن يدهسه، قال لي من شهد هذه الحادثة وكان يركب معه، قال: والله الذي لا إله إلا هو في يوم السبت القادم، مضى سبعة أيام، كان السائق وحده في سيارته، في المكان نفسه أصاب عجلة السيارة بعض العطب، رفع السيارة بالجهاز الرافع، وفكّ هذه البراغي، وسحب العجلة، أصاب الجهاز الرافع الخلل، وقعت السيارة فوق العجلة، والعجلة فوق يديه الاثنتين فقطعتهما، وبقيتا على اللحم، وحينما وصل إلى المستشفى لابد من قطع اليدين، بعد أسبوع، هذا الجزاء المعجل ردع لنا، طبعاً الجزاء المعجل الكامل يوم القيامة، أما ربنا عزّ وجل يُكافئ المحسن تشجيعاً للمحسنين، ويعاقب المسيء ردعاً للمسيئين، ترى المرابي فلّس، والذي يعتدي على أعراض الناس أصابه مرض خبيث، والذي يأكل مالاً حراماً مُحِق ماله، والذي يكذب زُلزِلت مكانته، والخائن مُحتقر بين الناس، هذه العقوبات المُعجلة هدفها ردع المسيئين.
لكن الذي أريد أن أقوله لكم: إياكم أن تظنوا أن الذي لا يأتيه العقاب سينجو، الله عزّ وجل لحكمة يريدها يختار بعض المذنبين في الدنيا، ويُعجل لهم العقاب، وأما الذين بقوا في صحتهم ومكانتهم، وهم غارقون في المعاصي، ما شأنهم؟ قال تعالى:

﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46)﴾

[ سورة يونس ]

لابد من أن ترى مصيرهم يوم القيامة، قال تعالى:

﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57)﴾

[ سورة الصافات ]

لابد من أن ترى مصير المنحرفين يوم القيامة في جهنم، لابد، لأن اسم الله الحق لابد من أن يتحقق يوم القيامة، الآن الحبل مُرخى، قد يسيء المسيء ولا يعاقب لحكمة يريدها الله عزّ وجل، وقد يسيء ويعاقب، لكن أغلب الظن أن الذي يُعاقب فيه خير، عَلِم الله أن بهذا العقاب ربما تاب، وأن الذي لا يُعاقب أغلب الظن أنه ميئوس منه، لقوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

[ سورة الأنعام ]

الكافر تأتيه ضربة واحدة قاصمة، والمؤمن تأتيه آلاف المصائب لترقى به، الكافر لتقصمه، أما المؤمن لترقى به، إذاً العلة الأولى الابتلاء، والعلة الثانية التربية والتأديب، والعلة الثالثة الجزاء المُعجّل في الدنيا، هذا التوجيه يتناسب مع رحمة الله، ومع حكمته، ومع عدالته.
 

موعظة وعبرة:


يا أيها الإخوة الأكارم؛ يجب أن تعلموا علم اليقين أن أفعال الله كلها فيها رحمة، وفيها حكمة، وفيها عدالة، وفيها قدرة، أي لا يوجد فعل عشوائي، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)﴾

[ سورة الأنبياء ]

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27)﴾

[ سورة ص ]

﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾

[ سورة الأنبياء ]

والله الذي لا إله إلا هو سورة الزلزلة لو نعقِلها لحُلّت كل مشكلاتنا، خالق الكون يقول لكم:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾

[ سورة الزلزلة ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40)﴾

[ سورة فصلت ]

عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، لذلك عندما يعقل الإنسان هذه الحقيقة يستقيم حباً بذاته، إن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً.
 

سبب تخلف المسلمين عن مسؤولياتهم هو سوء الفهم للقضاء والقدر:


الموضوع الثاني أن الإنسان مسؤول عن أعماله الإرادية، أي كلما رأيت إنساناً اقترف معصية يقول لك: ترتيبه، هكذا قدّر الله عليّ، هذا إنسان أحمق وغبي إذا كان بحسن نية، أو خبيث وكذّاب إذا كان بسوء نية، أعمالك الاختيارية ما قدّرها عليك أحد، الله سبحانه وتعالى أعطاك مشيئة حرة وامتحنك بها، أما أن تقول: إن الله قدّر عليّ شرب الخمر، أو اقتراف الزنا، أو أكل المال الحرام، لا، جاء لأمير المؤمنين شارب خمر مقيد، قال: أقيموا عليه الحد، قال: إن الله قدّر عليّ ذلك، قال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، أنت مخير، فلذلك الإنسان مسؤول يهمل معالجة ابنه ينتقل المرض من مرض بسيط إلى التهاب سحايا، أخي هذا ترتيبه، لا، هذا تقصير، أمرك الله عزّ وجل بالتداوي، هناك أشياء عندما يقصّر الإنسان فيها لا تقل: هذا قضاء وقدر، قل: هذا جزاء التقصير، وهذا جزاء الإهمال، لا يدرس، أخي الله لم يكتب لي النجاح، من قال لك ذلك؟ الدراسة ضمن دائرة الاختيار، تختار صفقة سيئة جداً، أسعارها مرتفعة تفلس منها، أخي هكذا الله كتب لي، لا ليس صحيحاً، أين فكرك؟ أنت مخيّر، جاء إنسان مصاب بعاهة ولادية، فعلاً هكذا الله كتب له، الشيء الذي لا حيلة لك به هذا الذي يُنسب إلى القضاء والقدر، أما الشيء الذي ضِمن دائرة الاختيار هو من فعل الله لكن أنت محاسب عنه ومسؤول، هذا الذي جعل المسلمون يتخلفون، طبعاً لو أن العدو احتلّ أرضنا، ماذا نقول؟ هكذا كتب الله لنا؟ هل هذا الفهم للقضاء والقدر يرضي الله عزّ وجل؟ قال تعالى:

﴿ فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4)﴾  

[ سورة محمد ]

امتحان لنا، قال تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)﴾

[ سورة الأنفال ]

فلذلك يأخذ بعض الناس على المسلم المحدود الساذج أنه يعزو أخطاءه كلها إلى القضاء والقدر، من حمل ذنبه على الله فقد فَجر، إن الله لا يُطاع استكراهاً، ولا يُعصى بغلبة، فإذا أطاع العباد ربهم لم يحُلْ بينهم وبين طاعتهم، وإن عصوه فليس هو الذي أجبرهم على ذلك، لو أنه أجبرهم على الطاعة لسقط الثواب، لو أنه أجبرهم على المعصية لسقط العقاب، لو أنه تركهم هَمَلاً لكان عجزاً في القدرة، إن أطاعوه فله المنة والفضل، وإن عصوه فعليهم الحُجة البالغة.
 

ما ينبغي أن يكون عليه الفهم للقضاء والقدر:


مثلاً شخص نام على سطح لا سور له فوقع، يموت عاصياً، قيل: من كانت ناقته حرون فلا يصحبنا في الجهاد، يوجد أسباب، الناقة خطيرة، إنسان يركب سيارة لا يوجد بها مكابح؟ أخي قل يا رب، هذا كلام الجهل.
شخص يأكل تفاحة من دون غسيل، يقول له: أخي سمِّ الله وكُلْ، ما هذه السخافة؟ قيل: من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه، ما معنى من أكل التراب؟ أي فاكهة غير مغسولة، أو عليها دواء، قل: باسم الشافي وكُل، هذه سذاجة، هذه ليست إيماناً، الإيمان أن تأخذ بالأسباب، ثم تتوكل على رب الأرباب، فكل شيء يقع ضمن دائرة مسؤوليتك، إنسان وضع مادة سامة للفئران وضعها في متناول الأطفال، فابنه أكل منها ومات، أخي هكذا الله كاتب له، لا، محاسب هذا الأب حساباً عسيراً، طبيب نسي أن يسأل المريض: هل يوجد عندك تحسس ضد الصدمة، أعطاه إبر جاءته الصدمة، انتهى للموت، يقول: منته أجله، ما هذا الكلام؟ يُحاسب هذا الطبيب على أنه قاتل، لأن الإنسان محاسب عن الشيء الذي وُكِّل أمره إلى اختياره، هذا هو الفهم الإسلامي للقضاء والقدر، أما متى تقول: هذا مكتوب عليّ؟ إذا كان الشيء خارجاً عن دائرة الاختيار، إنسان زوجته حامل تناولت حبوباً على كيفها من دون استشارة طبيب فجاء المولود مشوهاً، أخي هكذا نصيبها، هذه هكذا نصيبها، وهكذا الله كاتب لها، وهكذا الله مقدر عليها، وليس لنا حيلة، والأقدار تجري، وترتيب سيدك، ولا دخل لنا، كله كلام هذا في الدين مرفوض، يجب أن تأخذ بالأسباب وإلا فأنت مُقصر، في عملك، في تجارتك، في زراعتك، في صناعتك، في دراستك، في وظيفتك، خذ بالأسباب، والذي يأتي بعد أخذك بالأسباب هو القضاء والقدر الذي ينبغي أن تستسلم له، أي إذا جاءت الأمور على غير ما يجب أن تكون لا ينبغي أن تستسلم، يجب أن تنهض، يجب أن تصحح.
أكثر المسلمين الجاهلين قد تأتي الأمور على غير ما ينبغي أن تأتي فيعزون هذا إلى القضاء والقدر ويجلسون، سيدنا عمر رضي الله عنه سأل أناساً فقراء جداً كسالى، من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله، قم، تحرّك، جالس يريد فقط خيرات الناس،

(( وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ. ))

[ صحيح ابن حبان ]

اعمل للمركبة صيانة وسافر فيها، من دون صيانة أخي توكلنا على الله، من دون صيانة أخي توكلنا على الله، عندك خلل تعمل حادثاً يموت خمسة أشخاص، هذا ليس توكلاً، هذا عين الجهل، لذلك لا ينبغي أن يُستغل القضاء والقدر للتحلل من المسؤوليات والواجبات، كلما رأيت خللاً تقول:هكذا الله يريد، هكذا أراد الله، هكذا ترتيبه، هكذا مشيئته، هذا الشيء الذي وُكِل إليك مُحاسب عنه.
قال لي شخص راكب سيارته بالصحراء بالصيف اضطر أن يغير الزيت بمحطة، هذا المعلم كلف صانعاً صغيراً قال له: غيّر له الزيت، هذا البرغي ما أخذ وضعه التمام، أثناء الطريق تسرب الزيت، المحرك احترق، صاحب السيارة الحر شديد، درجة الحرارة خمسة وستون، نزل تعطل المكيف مات، أنا أعتقد أن هذا صاحب المحطة يُحاسب على أنه قاتل، أخي منته أجله، هذه منته أجله ليس عملك، هذا عمل الله عز وجل، أما هذا مات بسبب تقصيرك، كثير منهم يقول: ركِّب يا بني ركّب، هذا طفل، يشد البرغي نادى عليه صديقه: تعال كُلْ، فلم يشده، قال له: خالصة تعال استلم هذه السيارة، فهذه كلها يُحاسب الإنسان عليها، بالتمديدات، بالكهربائيات مثلاً، تيار عال، أشياء من نوع الكهرباء، من نوع الغاز، هذا كله تقول لي: قضاء وقدر، قضاء وقدر ليس عملك، الله عز وجل يُحاسب على التقصير، هو يوظف تقصيرك لمصلحة الآخرين، لكن أنت ليس لك علاقة بالموضوع الثاني، الله عز وجل يوظف تقصيرك لصالح الآخرين لكنك تُحاسب على هذا التقصير بكل المهن، بكل الحِرف.
أما بعد أن تأخذ بالأسباب الذي يحصل هو القضاء والقدر، ونحن مستسلمون له، أخذته إلى الطبيب، نفذتَ التعليمات بحذافيرها، والشفاء تأخر، هذا قضاء وقدر، لكن أهملت العلاج، المرض تفاقم، أخي هكذا كتب الله له، هذا كلام مرفوض، لم تلقحه ضد الشلل، صار معه شلل، لا، هذا تقصير، وهذا فيه مسؤولية كبيرة، يلقح الابن ضد كل الأمراض وبعدها توكل على الله عز وجل.
آخر حديث شريف في هذا الموضوع،

(( عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَجَبًا لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ. ))

[ صحيح مسلم ]

وبهذا انتهينا من موضوعات العقيدة لننتقل بعدها إلى موضوعات أخرى إن شاء الله تعالى، بلغت دروس العقيدة ثلاثة وستين درساً بعمر النبي عليه الصلاة والسلام.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور