الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من أنكر شيئاً من مُسَلمات الدين فقد كفر:
أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس التاسع والخمسين من دروس العقيدة.
وصلنا في موضوعات العقيدة إلى موضوع دقيق هو موضوع المُكفِّرات، لأن المسلمين فيما بينهم قد يقعون في منزلق خطير، وهو أن الذي يخالفهم يُكَفّرونه، فالتكفير شيء خطير جداً، فمن كَفّر مسلماً فقد كَفَر، لذلك يجب أن نعلم ما حدود الكفر وما حدود الإيمان.
في هذا الفصل حديث عن المُكفِّرات، وقبل الخوض في هذا الموضوع لابد من تقديم قصير.
كنا قد شرحنا سابقاً أن الإسلام هو انقياد كلي للشريعة الإلهية، فالذي ينقاد بجوارحه، وحواسه، وكل حركاته وسكناته، ويؤدي العبادات، ويُطبق المنهج الرباني، هذا يسمى مسلماً، لأنه استسلم لهذا الشرع الحنيف، فإذا خرج عن هذا المنهج يُسمى فاسقاً، لأن فسق بمعنى خرج، أما الإيمان فشيء آخر، الإيمان تصديق أولاً، وإقبال على الله ثانياً، من علامات التصديق أنك تُقْبِل على الله عز وجل، بينما الكفر تكذيب وإدبار، الإيمان تصديق وإقبال والكفر تكذيب وإدبار، فحينما يُنكِر الإنسان أحد العقائد التي يجب أن تُعلَم بالضرورة فقد كفر، إذا أنكرها، لذلك الكفر كما تعلمون نقيض الإيمان، والكفر إذاً هو عدم التصديق ولو بشيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ووصل إلينا بطريق يقيني قاطع، الشيء الذي وصل إلينا بطريق يقيني قاطع هذا إذا أنكرناه فقد كفرنا.
والإمام الرازي في تفسيره الكبير يقول: الكفر عدم تصديق الرسول بشيء مما عُلِم بالضرورة مجيئه به.
أقول هذا الكلام مراراً، هناك مجموعة من العقائد يجب أن تُعلَم بالضرورة، فالاعتقاد بها إيمان، وإنكارها كفران، والكفر هو إنكار عقيدة وصلت إلينا بطريق قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، يقيني، فالإيمان لا يَتِم إلا بالتصديق بجميع ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، لأن جميع أركانه مع فروعها وِحْدة متماسكة تماسكاً تاماً.
العقائد التي يجب أن تُعلَم بالضرورة تصديقها إيمان وإنكارها كُفران:
الإسلام كلّ لا يتجزأ، فيجب أن تؤمن بكل عقائد الإسلام إيماناً تاماً، فلو اختلّ شيء من هذه العقائد ولم تؤمن به بل أنكرته فهذا هو نوع من أنواع الكفر، ما الدليل على ذلك؟ طبعاً يَكفر من ردّ العقائد التي يجب أن تُعلَم بالضرورة، ويَكفُر من ردّ بعضها، والدليل قول الله عزّ وجل مخاطباً اليهود في سورة البقرة:
﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)﴾
إذاً مجموعة العقائد التي يجب أن تُعلَم بالضرورة تصديقها إيمان، وإنكارها كُفران، وإنكار بعضها كفران، فالذي يُنْكِر فرضية الصلوات الخمس، هذا كافر، ليس الذي يترك الصلاة، من ترك الصلاة تهاوناً لا يسمى كافراً، لكنه من أنكر فرضيتها وقال: لِمَ الصلاة؟ ما فائدتها؟ هذه لا جدوى منها، من قال كذلك فقد كفر، أو أنكر شيئاً من القرآن الكريم الثابت بالتواتر، أو اعتقد إباحة الزنا، وقد حرمه الله عزّ وجل، أو اعتقد إباحة الخمرة، وقد حرمها الله عزّ وجل، إذاً كل شيء معلوم من الدين بالضرورة إنكاره كُفر.
هناك موضوع دقيق هو من آمن بشيء فقد كَفَر بنقيضه، والشيئان النقيضان يعنيان أن أحدهما ينْقُض وجود الآخر، فالضوء ينقض الظلمة، والظلمة تنقض الضوء، إثبات الظلمة هذا الإثبات يُنكر وجود الضوء، وإثبات الضوء يُنكر وجود الظلمة، فالضوء والظلمة شيئان متناقضان، والإيمان والكفر شيئان متناقضان، فمن آمن بشيء فهو كافر بنقيضه، ومن كفر بشيء فهو مؤمن بنقيضه، هذه قاعدة مُسَلّم بها، دليلها مِن كتاب الله قول الله عزّ وجل:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾
إذاً الإيمان بالشيء يقتضي الكفر بنقيضه، مثلاً:
(( عن عبد الله بن مسعود: مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَو ساحراً فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ))
[ همام بن الحارث: ابن كثير: إسناده جيد ]
أُنزل على محمد هذا القرآن، وكل هذا القرآن يؤكد أنه لا إله إلا الله، فإذا اعتقدت أن الكاهن يعلم الغيب فهذا كفر، قال الله تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾
فإذا اعتقدت أن الكاهن يعلم الغيب اعتقادك بهذا ينتج عنه كفر يقيني بالله عز وجل، ((مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَو ساحراً فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) إذاً الإيمان بالشيء يقتضي الكفر بنقيضه.
المُكفّرات لها أصول، هذه الأصول مأخوذة من: الإيمان ما وقر في القلب، وأقرّ به اللسان، وصدقه العمل، نحن كبشر عاجزون عن أن نعلم ما في القلوب، ما في القلوب لا يعلمه إلا علّام الغيوب، ونحن البشر نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، والحديث الشريف الشهير حينما عاتب النبي عليه الصلاة والسلام أحد أصحابه الكرام في بعض المعارك حيث قتل رجلاً، وقبل أن يُقتل شهد أنه لا إله إلا الله، قال: يا رسول الله قالها ليتقي القتل، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه: فقال عليه الصلاة والسلام: أَفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لا؟! فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَومَئذٍ. "
لا يعلم ما في القلوب إلا علّام الغيوب، أما البشر فنحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.
ما دام الإيمان شيئًا وقر في القلب، وأقرّ به اللسان، وصدقه العمل فهناك المُكفرات الاعتقادية، وهناك المُكفرات القولية، وهناك المُكفرات العملية، أي هناك اعتقاد يُكفّر صاحبه، وهناك قول يُكفّر صاحبه، وهناك عمل يُكفّر صاحبه، فإنكار الخالق جلّ وعلا كفر ما بعده كفر، وهذا يسمى أيضاً بالإلحاد، إنكار وجود الخالق، إنكار صفات الكمال فيه، قال تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾
من يُنكر رحمته، أو حكمته، أو عدالته، أو لطفه، أو قدرته فقد كفر، من أنكر وجوده فقد كفر، ومن أنكر صفات الكمال فيه فقد كفر، أو من وصفه بما هو مُنَزه عنه فقد كفر، مَن قال إنه غير محيط علماً بكل شيء فقد كفر، من قال إن الله لا يعلم بما سيكون فقد كفر، لأن الله عَلِم ما كان وعَلِم ما يكون وعَلِم ما سيكون وعَلِم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، إذا أنكر المرء وجوده أو أنكر علمه أو أنكر حكمته، لم هذا الزلزال؟ لم هناك مجاعة في الأرض؟ إنك بهذا تُنكر حكمته، من أنكر علمه أو حكمته أو عدالته أو رحمته أو قدرته فقد كفر.
من نفى عنه كمال القدرة، لم ينفِ قدرته، لكنه نفى كمال قدرته، أو كمال علمه، أو كمال عدله فقد كفر، لذلك موضوع العقيدة أخطر موضوع في الدين، يجب أن تعلم علم اليقين ما ينبغي أن تعتقد به.
من أنكر إرسال الأنبياء أو بعث الرسل فقد كفر، من كذبهم فيما نقلوا عن الله عزّ وجل فقد كفر، من أنكر نبياً واحداً منهم فقد كفر، من أنكر رسالة واحد منهم فقد كفر، من أنكر الأمور الغيبية التي نُقِلت لنا عن طريق الكتب السماوية القطعية الثبوت، القطعية الدلالة التي جاءتنا عن طريق التواتر، وتعريف التواتر ما رواه الجمع عن الجمع من العدول الثقاة الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب، فمن أنكر الملائكة فقد كفر، لأن الله عزّ وجل في القرآن الكريم ذكر الملائكة، من أنكر الجِن فقد كفر، من أنكر الكتب السماوية إجمالاً فقد كفر، من أنكر بعض الكتب السماوية فقد كفر.
بعض أنواع المُكفرات الاعتقادية يتعلق بالله عزّ وجل، وبأسمائه الحسنى، وبعض هذه المكفرات يتعلق بالأنبياء، وبعض هذه المكفرات يتعلق بالغيبيات، وبعض هذه المكفرات يتعلق بالأحكام الشرعية، فمن زعم أن الصلاة غير واجبة فقد كفر، من أنكر تحريم المحرمات، وزعم أنها غير مُحرمة، الله عز وجل لم يحرم الخمر، هكذا يقول بعضهم، من أنكر تحريم الزنا، أو أنكر تحريم الربا، أو عقوق الوالدين، أو أكْل أموال الناس بالباطل، أو القتل بغير الحق، من اعتقد أن الزواج لا جدوى منه، السفاح أفضل من الزواج، هذا كافر.
بمعنى أي شيء شرعه الله لنا بالدليل القاطع إنكار الذي أُمرنا به كفر، وتحليل الذي حُرِّم علينا كفر، إذاً هذه المكفرات الاعتقادية، من قال بلسانه: أنا أعتقد كذا وكذا من هذه البنود فهذه مكفرات اعتقادية، فالإباحيون قطعاً كفار، أصحاب الأهواء الشهوانيون الذين يعيشون للذاتهم ولا يبالون كيفما اقتنصوا هذه اللذات، أمن طريق مشروع أم من طريق محرم؟ هؤلاء بالنص الدقيق هم كفار.
أما المكفرات القولية، من استهزأ بالدين، أو استهزأ بعقائده، سُباب الخالق جلّ وعلا، سُباب الرسل الكرام، سُباب الكتب السماوية، سُباب الدين، هذه كلها مُكفّرات قولية، الاعتراض على عدالة الله عزّ وجل، الاعتراض على قضاء الله وقدره، هذا كله من المكفرات القولية، لكن هذه المكفرات القولية لا تكون مكفرات قولية إلا بشرط أن تكون في حالة يؤاخذ فيها الرجل على إقراره، فلو كان مكرهاً، أو لو كان غائباً عن الوعي، فلا يُكفّر بهذه الأقوال، لو كان كافراً أصلياً وقال هذه الأقوال فهو قد عَبّر عن كفره، ومن كان مسلماً وقال مثل هذه الأقوال فقد ارتد عن دينه، على كلّ كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. ))
[ أخرجه ابن ماجه : صحيح ]
بعض أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام عليهم رضوان الله في وضع صعب جداً بين أيدي كفار مكة وهم يعذبونه، أكرَهوه على أن ينطق بكلمة الكفر، فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام، خفف عنه، وقال: لا عليك فإن عادوا فعد، ونزل قوله تعالى:
﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)﴾
المكفرات العملية طبعاً الأعمال تُعبّر عما في القلوب، والأقوال تُعبر عما في القلوب، وإذا عبرت عما في قلبك بلسانك فهذه كلها مكفرات، تمزيق المصحف هذا من المكفرات، إلقاؤه في القاذورات، السجود لصنم، هذا من المكفرات، من أتى فعلاً من هذه الأفعال، وقامت القرائن على أنه غير معذور، ولا مضطر، ولا مُكره، وليس جاهلاً بهذا، طبعاً هذا ينسحب عليه حكم الكفر.
يتضح من هذه المُكفّرات أن الإنسان لا يُكفَّر إلا إذا صرح، أو قال، أو عمل عملاً من لوازم الكفر، أما أن نحكم به ظناً فهذا من الكبائر، تكفير المسلم من الكبائر، مسلم قائم بواجباته، قائم بعباداته، يؤدي ما عليه، لأنه اختلف معك في الرأي في الفروع ولا في الأصول تُكفره؟! هذا من الكبائر، الإمام الذهبي في كتاب الكبائر عدّ تكفير المسلمين من الكبائر، فلذلك الإنسان هذا الموضوع له هدفان، الأول أن يعلم ما المُكفرات الاعتقادية؟ وما المكفرات القولية؟ وما المكفرات العملية؟ من أجل ألا يتورط في اتهام الناس بالكفر، حتى لو اتهمتهم بالكفر في نفسك وقعت في الكبائر، الغيبة في بعض حدودها غيبة القلب، إذا اعتقدت أن هذا الذي أمامك ليس مؤمناً من دون دليل قطعي فهذا كفر، وهو من الكبائر.
صُنِف الكفار على أربعة أصناف، الصنف الأول: الكافرون الضالون، وهم الذين يُنكرون الله بألسنتهم، لأنهم لا يعلمون وجوده في قلوبهم، وقد أشار كتاب الله عزّ وجل إلى هذا النوع في سورة الفاتحة فقال:
﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾
الضالون الذين أنكروا وجود الله بألسنتهم لأنهم ما عرفوه في قلوبهم، قال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19)﴾
الصنف الثاني الكافرون الجاحدون، وهم الذين يُنكرون الله بألسنتهم مع أنهم يعلمون وجوده في قلوبهم، ككفر بعض كفار قريش، كفر بعض اليهود الذين عرفوا أن النبي محمداً عليه الصلاة والسلام هو رسول الله، ومع ذلك أنكروا رسالته، الذي يعرف في قلبه ويُنكر في لسانه هذا كافر جاحد، والذي يُنكر بلسانه ولا يعرف في قلبه فهذا كافر ضال.
أما الصنف الثالث فهم الكافرون المعاندون، وهم الذين يعرفون الله في قلوبهم، ويعترفون به بألسنتهم، قال تعالى:
﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61)﴾
ومع ذلك فهم يعاندون في الإيمان برسله، واتباع شريعته، ويستكبرون عن عبادته، لأسباب كثيرة، منها الحسد والبغي، ومنها الكِبر، ومنها الطمع، ومنها الرغبة في اتباع الشهوات، ونحو ذلك، بعضهم قال:
ولقد علمت بأن دين محـمد من خير أديان البرية دينــاً
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً
لكن يخشى على مكانته، أو يخشى على مصالحه، أو يخشى على شهواته، هؤلاء الكافرون المعاندون.
الصنف الرابع هم الكافرون المنافقون، الذين يتظاهرون بالاعتراف في ألسنتهم، وقلوبهم مُنكرة غير معترفة، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، الإيمان درجات، والكفر دركات، والكفار المنافقون في الدرك الأسفل من النار، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)﴾
الكفار مُخلدون في العذاب، ولقد قرر القرآن الكريم أن الكفار غير المعذورين بكفرهم هم من أهل النار في الدار الآخرة، وأنهم مخلدون في العذاب، وأن الله لا يغفر لهم كفرهم، وإشراكهم به، بخلاف غيرهم من عصاة المؤمنين، فقد تشملهم رحمة الله بالعفو والمغفرة، كرماً منه وفضلاً إذا شاء الله ذلك، قال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116)﴾
وقال الله تعالى في سورة آل عمران:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)﴾
خطورة البحث وأهميته:
هذا الموضوع أردت أن أقرره لكم لخطورته، أولاً: من أجل أن تعرف حدود الإيمان، وكيف أن الإنسان إذا خرج عن هذه الحدود فقد وقع في الكفران، ومن أجل ألا تتورط في كبيرة، ألا وهي تكفير المسلمين المؤمنين الصادقين.
بقي علينا في موضوع العقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، وهو الركن الخامس من أركان الإيمان، سوف نأخذه إن شاء الله تعالى في الدرس القادم بحول الله وقوته.
الملف مدقق