الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ارتباط الإيمان بالله مع الإيمان باليوم الآخر:
أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس السابع والخمسين من دروس العقيدة.
الفصل الخامس من باب الإيمان باليوم الآخر، وربما يسأل أحدكم هذا السؤال: لماذا أَطلنا في موضوع الإيمان باليوم الآخر؟ الجواب عن هذا السؤال هو أن الإيمان باليوم الآخر ركن أساسي جداً من أركان الإيمان، لأنك إذا آمنت بالله واليوم الآخر استطعت أن تجيب عن أسئلة كثيرة جداً، كل الأسئلة، كل الاستفهامات، كل الفجوات، كل الحيرة تتلاشى إذا آمنت باليوم الآخر، فإذا أغفلنا الإيمان باليوم الآخر تنشأ الأسئلة، والاستفهامات، وعلامات التعجب، وعلامات الحَيرة على وجوه الناس، فلذلك حينما يؤمن الإنسان باليوم الآخر ينقل اهتماماته كلها إلى الدار الآخرة، فإذا نقلها كلها إلى الدار الآخرة بثّ الله في قلبه طمأنينة لا يعرفها إلا من ذاقها، إذا آمنت بالله واليوم الآخر وقفت عند كل موقف، هل يُرضي الله هذا الموقف؟ عند كل تصرف، عند كل كلمة، عند كل حركة، عند كل سكنة، عند كل مبلغ تقبضه، عند كل مبلغ تنفقه، عند كل نظرة، عند سماع كل كلمة، إذا آمنت باليوم الآخر ضبطت نشاطك كله، ضبطت طاقاتك، ضبطت قُدراتك، ضبطت أموالك، فلذلك في أكثر الآيات التي تذكر أركان الإيمان يأتي الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان بالله، هذا هو السبب في الإطالة في هذا الموضوع.
بادئ ذي بدء، لقد أجمع أهل الملل والشرائع السماوية بحسب أصولها الصحيحة على أن البعث حق، ما معنى البعث حق؟ أي لابد من أن يبعثنا الله عزّ وجل، معنى حق أنه محقق وقوعه لا شك فيه، والبعث كما تعلمون من أول دروس العقيدة أمر جائز الوقوع عقلاً، عندنا واجب الوجود، ومستحيل الوجود، وجائز الوجود، فالبعث جائز الوجود عقلاً، وقد جاءت جميع الأخبار الربانية الصريحة والصحيحة والقاطعة في جميع الأصول الصحيحة للأديان والشرائع السماوية بأن البعث من الأمور المقررة المَقْضِي بها بقضاء الله وقدره، كل الأديان السماوية في أصولها الصحيحة تُقرر أن البعث حق، أي أن الله عزّ وجل لابد من أن يبعث عباده جميعاً ليحاسبوا عن كل ما اقترفوه إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
لذلك البعث ممكن الوقوع عقلاً، والنقول الصحيحة تؤكد وقوعه، كما أن المفكرين الذين أعملوا فكرهم، وحكّموا عقلهم في الأمور يستنبطون بالدليل العقلي-الإيمان باليوم الآخر له دليل نقلي ودليل عقلي-بالدليل العقلي عرفت الله عزّ وجل، وهذا الذي عرفته يُخبرك في كتابه القطعي الثبوت، القطعي الدلالة أنه لابد من يوم يُبعث الناس فيه ليحاسبوا على أعمالهم، أقوى دليل عقلي على الإيمان باليوم الآخر أن في هذه الحياة الدنيا فيها مظلوم وفيها ظالم، فيها فقير وفيها غني، فيها قوي وفيها ضعيف، فيها صحيح وفيها مريض، فيها مُعذَّب وفيها مُرفّه، وأن كثيراً من الناس يأتيهم الموت قبل أن ينالوا حقهم، وبما أن الخالق العظيم لابد من أن يكون عادلاً، ولابد من أن يكون حقاً، أي اسمه الحق، لابد من أن يعطي كل ذي حقّ حقه، لأن الله عز وجل هذا الكون العظيم المُعجز يؤكد أنه كامل، وأن أسماءه حسنى، وأن صفاته فُضلى، وهناك حالات في الدنيا كثيرة جداً أن الإنسان يأتيه الموت ولا ينال حقه، إذاً لابد من حياة آخرة توزع فيها الحظوظ توزيع جزاء، بعد أن وُزِّعت في الدنيا توزيع ابتلاء، معنى الحظوظ كلمة واسعة هذه، المال حظ، الزوجة الصالحة حظ، هناك زوجة صالحة، هناك زوجة مشاكسة، هناك زوجة مريضة، هناك زوجة صحيحة، هناك أولاد أبرار، هناك أولاد عاقون، هناك دخل كبير، هناك دخل قليل، هذه الحظوظ وُزِّعت في الدنيا توزيع ابتلاء ولابد من أن توزع ثانيةً في يوم آخر توزيع جزاء، فالذي نلته في الدنيا إنما نلته لتُمتحن به، وسيأتي يوم تُجازى على عملك، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
1- الفئة التي أنكرت وجود الخالق:
الحقيقة هناك من أنكر البعث، ونعني بالبعث اليوم الآخر، الذين أنكروا البعث فِرق ثلاثة، الفرقة الأولى أنكروا الخالق، ومن باب أولى أنهم يُنكرون مع الخالق اليوم الآخر، ربنا عزّ وجل وصف هؤلاء فقال:
﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)﴾
طبيعة، خلية حيوانية معقدة جداً، نَمَت في الرحم أصبحت إنساناً له شهوات، له مطامح، له لذائذ، يقضيها وتنتهي الحياة، قال تعالى:
﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26)﴾
هذه الفرقة الأولى أنكرت وجود الله عزّ وجل، وأنكرت بالتالي يوم الحساب واليوم الآخر، هذه أنكرت بلا دليل، نظرية ساذجة بدائية تقول: إن الإنسان شكل من أشكال المادة المُعقدة، الإنسان مادة معقدة، كيف أن الخشب مادة، والحديد مادة، النبات مادة أكثر تعقيداً، الحيوان مادة أكثر تعقيداً، الإنسان أرقى أنواع المواد المُعقدة، ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ .
عدم تطبيق غالبية الناس لمنهج دينهم يعرضهم هذا لخطر بعقائدهم:
أيها الإخوة؛ هذه العقيدة عقيدة الملحدين، لكن لا تنسوا أن أناساً كثيرين يحسبون أنهم ينتمون إلى الدين، وهم في الحقيقة في الحياة الدنيا يتصرفون وكأن الحياة الدنيا هي كل شيء، هذه نقطة مهمة جداً، أي قلّما تجد في العالم الإسلامي من يُنكر لك بلسانه أنه لا إله، ولا يوم آخر، ولا شيء، قلّما، ولكن معظم الناس لا أقول معظم المسلمين، لا، حاشا لله، معظم الناس يتصرفون، ويتعاملون، ويأخذون، ويدفعون، وكأن الدنيا هي كل شيء، وليس بعدها شيء، ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ تملك قرشاً فقيمتك قرش، لا تملك قرشاً لا قيمة لك، هكذا يقول الناس، الدنيا هي كل شيء، الدراهم مراهم، هذه كلمات مألوفة لكن لو تعمقنا بها إننا بهذه الكلمات نُنْكِر وجود يوم آخر يُحاسب فيه الناس حساباً دقيقاً، أي هذا الذي يأخذ ما ليس له، لو أنه آمن أن هناك يوماً آخرَ سيُحاسب فيه الإنسان حساباً عسيراً ما فعل هذا، هذا الذي يعتدي على أعراض الناس، هذا الذي يعتدي على أموالهم، هذا الذي يبني مجده على أنقاضهم، هذا الذي يبني غناه على فقرهم، لو عرف أن هناك إلهاً سيوقفه يوم القيامة، ويحاسبه عن كل درهم، قال عز وجل:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾
اعملوا ما شئتم،
(( عن سهل بن سعد أنه جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزى به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، وأعلم أن شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس. ))
[ رواه الطبراني رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ]
إذاً النقطة الدقيقة أن هناك أناساً كثيرين يتصرفون ويتحركون وكأن الحياة الدنيا هي كل شيء، هذا التكذيب عملي، هناك تكذيب اعتقادي وهناك تكذيب عملي، فالتكذيب العملي خطر، خطير جداً، لأنه في النهاية يُحْدِث النتيجة التي يُحدثها الإنكار الاعتقادي، عندنا إنكار اعتقادي أن تقول: أنا لا أؤمن باليوم الآخر، هذا إنكار اعتقادي، وهناك انكار عملي.
2- الفئة التي تعترف بوجود الخالق وتُنكر البعث:
الفرقة الثانية، يعترفون بوجود الخالق، ولكهم يشركون به، وينكرون البعث، قال تعالى يصف حالهم:
﴿ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3)﴾
مستحيل، شيء عجيب أن يخلقنا الله مرة ثانية، أن يبعثنا من جديد.
3- الفئة التي تعترف بوجود الخالق ولكنها تنكر الطبيعة المادية للبعث:
الفرقة الثالثة تعترف بوجود الخالق ووحدانيته، ولكنها تُنْكِر البعث الجسدي، أن الآخرة حالات نفسية، ليس هناك حياة مادية ثابتة، حالات نفسية، دلهم عقلهم، بالمناسبة لا يجوز –دققوا في هذه الكلمات- لا يجوز للعقل أن يُحكّم في الأمور الاعتقادية، العقل ليس من إمكاناته، ولا من اختصاصه أن يُثبت أو أن ينفي شيئاً في العقيدة، ولا أن يثبت ولا أن ينفي شيئاً في العبادات، لأنه قد يَضِل، وقد يغفل، وقد يُعطَّل، وقد يُزوَّر، فالعقيدة تثبت بالنقل من خلال الكتاب والسنة، والعبادات تثبت بالنقل، لكن العقل مفوض أن يفهم العقيدة، وأن يفهم العبادة، وأن يستنبط الأحكام التفصيلية من الأحكام الكلية، مهمة العقل في الدين أن يفهم العقيدة الصحيحة التي وردتنا عن طريق النقل، وأن يفهم العبادات وأحكامها التي وردتنا عن طريق النقل، وأن يستنبط الأحكام التفصيلية من النصوص الكلية التي وردت في آيات الأحكام.
أما أن يُفكّر الإنسان أن يستخدم عقله ليُثبت شيئاً أو أن ينفيه هذا ليس من اختصاص العقل، لذلك هؤلاء بعقولهم القاصرة نفوا أن تكون هناك حياة بعد الموت مادية جسدية.
كيف ردّ البيان الإلهي على منكري البعث؟
1- لفت نظر هؤلاء إلى خلق السماوات والأرض:
ربنا سبحانه وتعالى مع أن هذه الإنكارات الثلاث إنكارات تافهة، لا تقف على قدميها، إنكارات ليست ذات أساس متين، ومع ذلك فالله سبحانه وتعالى جلّ في علاه ناقشهم في القرآن الكريم بأسلوبه الحكيم الرائع، فكشف مصادر أوهامهم، وأظهر فساد تفكيرهم، وردّهم بالحُجة الدامغة، فهؤلاء الوجوديون الماديون الذين ينفون الخالق واليوم الآخر، كيف ردّ الله عليهم؟ أولاً: رد الله عليهم بأن لفت نظرهم إلى خلق السماوات والأرض، أي يُعَدّ الإيمان باليوم الآخر بالنسبة لمنكري وجود الله عزّ وجل شيئاً ثانوياً، ربنا عزّ وجل ترك موضوع الإيمان باليوم الآخر، ولفت نظرهم إلى خلق السماوات والأرض، فإذا أيقنت بأن السماوات والأرض لابد لها من خالق عظيم، عليم، حكيم، رحيم، لطيف، عندئذ إذا أخبرك هذا الخالق العظيم أنه لابد من حياة أخرى عندئذٍ يكون إيمانك باليوم الآخر إيماناً تصديقياً، بعد أن كان إيمانك بالله إيماناً تحقيقياً، وفرق كبير بين الإيمان التحقيقي المبني على الحجة والاستدلال والبرهان والدليل القطعي، وبين الإيمان التصديقي المبني على التسليم لمن آمنت بوجوده.
فالحقيقة الأولى حقيقة وجود الخالق العظيم، الأحد الصمد، الذي:
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)﴾
الحقيقة الثانية، ارتباط وجود الله سبحانه وتعالى بقدرته القادرة، وعلمه المحيط بكل شيء، وصدق وعده ووعيده، وصفة عدله بين خلقه، وحكمته العظيمة التي منها أنه لم يخلق هذا الكون عبثاً:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾
ومتى حصل التسليم بهاتين الحقيقتين، حقيقة وجود الخالق العظيم، وحقيقة أسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، حصل العلم بأخبار الله الثابتة التي بلّغها الرسل المؤيدون بالمعجزات الباهرات، عندئذٍ وصلنا إلى الإيمان باليوم الآخر، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6)﴾
ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية بيننا وبين أحدث مجرة اكتُشفت قبل سنوات، تقدير أولي لعلماء الفلك أن هنالك مليون مليون مجرّة، وفي كل مجرّة مليون مليون نجم، وأن سرعات هذه المجرات تقترب من سرعة الضوء، بحيث إن هذه المجرات بأكملها تدور حول نقط وهمية في الفضاء الخارجي بسرعة تزيد عن مئتين وأربعين ألف كيلو متر بالثانية، هذه المجرات، قال تعالى:
﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)﴾
وهكذا تُبعثون يوم القيامة، ربنا عز وجل لفت نظر هؤلاء الملحدين لا إلى إثبات اليوم الآخر مباشرةً بل لفت النظر إلى خلق السماوات والأرض، هذا الخالق العظيم قادر على أن يخلقكم كما خلق السماوات والأرض، قال تعالى:
﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28)﴾
أسئلة المتوهمين حول موضوع البعث والرد عليهم من القرآن:
التوهم الأول إن القدرة التي خلقت الإنسان تعجز عن إعادته مرة ثانية:
هناك من توهم أن القدرة التي قدرت على ابتداء خلق الإنسان لا تقدر على إعادته كَرَّة ثانية، انظر إلى هذا الوهم السخيف، وهذا التوهم أن إعادة الخلق بعد فنائه أصعب من ابتدائه.
الرد الإلهي على هذا التوهم:
1- إن إعادة الخلق أو تكوينه شيء يسير على الله بل الإعادة أهون:
الله سبحانه وتعالى ردّ على هؤلاء بأكثر من دليل، ردّ عليهم بالدليل الأول وهو أن هناك واقع التساوي بين الإعادة والبدء، بل إن الإعادة أهون، من هؤلاء الذين تكلموا في شأن الإسلام الوليد ين المغيرة، فقال لهم أبي بن خلف: ألا ترون إلى ما يقول محمد: إن الله يبعث الأموات؟ ثم قال: واللات والعزى لأصيرن إليه ولأخاصمنه، وأخذ عظماً بالياً فجعل يفته بيده، ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعدما رم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم يحييه، ويبعثك، ويدخلك جهنم، فأنزل الله تعالى في إقامة الحجة على هؤلاء قوله في سورة يس، قال تعالى:
﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)﴾
إذاً من توهّم أن الإعادة أصعب من البدء ردّ اللهُ عليه بهذه الآية، وبآية ثانية، قال تعالى:
﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67)﴾
ردّ ثان، ردّ ثالث:
﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)﴾
طبعاً بحقّ البشر يصح أن نقول: إن صُنْعَ الشيء مرة ثانية أهون مِن صنعه للمرة الأولى، لكن بحق الله عزّ وجل:
﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)﴾
لذلك فسّر بعضهم هذه الآية الكريمة أنه كلما فكرت في ملكوت السماوات والأرض، وعرفت طرفاً من عظمة الله عزّ وجل، بدا لك أن الإعادة أهونُ مما كنت تعرف من قبل: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
2- لفت نظرهم إلى أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق الإنسان أو بعثه:
الطريق الثاني في الرد على هؤلاء أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلقهم، أو مِن بعثهم، أو مِن إعادة خلقهم:
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)﴾
إذاً في آية وآية وآية وآية، في أربع آيات ردّ الله عز وجل على هؤلاء الذين توهموا إن إعادة الخلق شيء أصعب من بدئه.
التوهم الثاني: إن الخالق قد أصابه الإعياء بعد الخلق:
التوهم الثاني الذي ورد في القرآن الكريم أن بعضهم توهم أن خلق السماوات والأرض وخلق الأحياء قد أصاب الخالق بالإعياء، أي تعب، قال تعالى:
﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43)﴾
الرد الإلهي على هذا التوهم بكل بساطة ووضوح:
ردّ القرآن الكريم على هذا التوهم ببساطة ووضوح فقال: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ لم يتعب، وقال سبحانه:
﴿ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15)﴾
﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)﴾
عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ خلق المجرات أصعب أم خلق القمح؟ أم إنزال الأمطار؟ أم إنبات الأرض؟ هؤلاء المتشائمون الذين يصدقون ما يقولون، أو ما يسمعون، أو ما يقرؤون من أن هناك تفجراً سكانياً في الأرض، وأن كميات الغذاء سوف تنقص، وأن هناك مجاعة عظمى سوف تعاني منها البشرية، وأن الأمور تزداد تعقيداً، هؤلاء ما عرفوا الله، خلقت لك السماوات والأرض، ولم أعي بخلقهن، أفيُعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟! وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطنّ عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، لي عليك فريضة، ولك عليّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك،
(( عن أبي ذر الغفاري عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فِيما رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أنَّهُ قالَ: يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ؛ ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ؛ ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ. وفي روايةٍ: إنِّي حَرَّمْتُ علَى نَفْسِي الظُّلْمَ وعلَى عِبَادِي، فلا تَظَالَمُوا. ))
ذلك لأن عطائي كلام، كن فيكون، وأخذي كلام، زل فيزول.
التوهم الثالث إن الإنسان بعد موته يفنى ولا أثر لجسده في الأرض:
التوهم الثالث، أن من يموت مِن الناس يَضِلّ في الأرض، ينتهي، يفنى، انتهى هؤلاء رواد المركبة الفضائية تشالنجر، الذين احترقوا بعد سبعين ثانية من إطلاق المركبة ما عُثِر لهم على شيء أصبحوا رماداً، هؤلاء الذين يموتون حرقاً، أو غرقاً، أو اختناقاً، أو في الزلازل، أو في الحروب، وتفنى جثثهم، ويصبحون كالرماد، بعضهم يتوهم أن هؤلاء انتهوا، من يبعثهم؟
قال تعالى:
﴿ وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10)﴾
أي دُفنا فيها، وفنيت أجسامنا، وتفتت عظامنا، وأصبحنا تراباً، وانتهى الأمر، قال المعري:
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجسادِ
﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ في آية ثانية:
﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4)﴾
لو أنهم فنيت أجسامهم عندنا كتاب حفيظ، لابد من أن نبعثهم من جديد:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)﴾
بحث علمي له علاقة بالموضوع السابق:
في إثبات إحاطة علمه تعالى بكل صغيرة وكبيرة ردّ على هذا التوهم، قال تعالى:
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)﴾
في مراقبة الله تعالى لهذا الإنسان:
﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾
بحث علمي له علاقة بالموضوع، أثبتت البحوث العلمية الكونيــة وجود سجل كوني كبير، تُسجَّل فيـه الأعمال كلها، والأقوال، والخواطر، والوساوس، فكل حرف نقوله، وكل عملٍ يصدر عنا بكل تفاصيله يُسجَّل في الأثير، هذه الموجات الضوئية التي تخرج من منابعها، أو من الأجسام التي تعكس الضوء، هذه الموجات تسير عبر الفضاء الخارجي بسرعة الضوء، فلو تخيلنا أننا سرنا بمركبة بأسرع من الضوء، والتقطنا هذه الأمواج لرأينا الآن معركة بدر الكبرى، ومعركة أحد، ومعركة الخندق، ومعركة القادسية، ومعركة اليرموك، نظرياً بحسب النظرية النسبية هذا شيء يمكن أن يقع، لكنه في علم البشر نظري، لكنه في علم الخالق عملي.
إذاً كل عملٍ يصدر عنا بكل تفاصيله يُسجَّل في الأثير، ويمكن عرضه في أي وقت من الأوقات، الإنسان الآن تمكن أن يُسجل الصورة مع الصوت، يقول لك: معي شريط، الحفلة سجلناها، إذا كان الإنسان قادراً على تسجيل حفلة بكل تفاصيلها، بكل أصواتها، بكل ألوانها، بكل حركاتها، بكل سكناتها، أليس خالقنا العظيم بقادر على أن نأتي يوم القيامة لنرى أعمالنا كلها مُسَجّلة صوتاً وصورة وحركة على سجل دقيق؟ إذاً ويمكن عرضه في أي وقت من الأوقات متى تهيأت الأجهزة القادرة على كشف ما في هذا السجل الكبير، والتحكم بموجاته، فصور كل كائن من القرون الأولى، وأصوات كل كائن مسجلة تسجيلاً كاملاً منذ أول وجوده حتى آخر وجوده، لحظة بلحظة، لا يضيع منها شيء صغيراً كان أو كبيراً، في النور أو في الظلمات، هذه الأجهزة أثناء الظلام أتصور أيضاً أنها تُسجل، إذا إنسان دخل إلى بيته وكان هناك ظلام دامس، كل حركاته وسكناته مسجلة لذلك قيل: من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله.
التوهم الرابع هو أنه ينبغي عدم التسليم للأشياء التي لا نراها بالحواس:
التوهم الرابع، هو أن الأشياء التي لا يشاهدونها بالحواس ينبغي ألا يُسلِّموا بها، وألا يصدقوها، أي الشيء الذي نراه بحواسنا نصدق بوجوده، لا نراه بحواسنا لا نصدق بوجوده.
الرد العلمي الذي يسلم للبيان الإلهي في الرد على هؤلاء:
مع أن الإنسان في حياته المادية كثيراً ما يُصَدِّق بأشياء لا يراها، تركيب الذرة الكيميائي هذا تركيب استنتاجي، لفترة بسيطة جداً عن طريق المجاهر الإلكترونية شاهدوا تركيب بعض الذرات، لكن قبل هذه المجاهر تركيب الذرة كان استنتاجياً، الكهرباء لا نرى إلا آثارها، أما هي فلا نراها، ومع ذلك نؤمن بوجودها، وجود الضوء، وجود الحركة، وجود الصوت، وجود الحرارة.
روح الإنسان لا نراها، نحكم على إنسان أنه حيّ من حركته، من نطقه، من بيانه، من تفكيره، من تصرفاته، فإذا فقد الروح نحكم على أنه مات، هل رأينا الروح يوم كانت ويوم خرجت؟ لا والله، فالإنسان بحياته مواقف كثيرة، يؤمن بشيء دون أن يراه، يؤمن به استنتاجاً، فهؤلاء الذين لا يؤمنون إلا إذا رأوا، هؤلاء ضعاف العقول:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)﴾
ومع ذلك ربنا سبحانه وتعالى إكراماً لنا، وتبياناً لنا، ضرب لنا أمثلة من التاريخ، فحادثة أهل الكهف، كيف أن الله سبحانه وتعالى ضرب على آذانهم في الكهف سنين عدداً، ثلاثة قرون، ثلاثمئة عام وتسع سنوات على التقويم الهجري، كيف بقي هؤلاء على ما هم عليه ثم بُعِثوا؟ هذه أمثلة، هذه الأمثلة كي نعرف أن الله عزّ وجل قادر على كل شيء، قال تعالى:
﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21)﴾
﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ضربنا هذا مثلاً.
منها قصة العزيز.
﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)﴾
قرية أموات، هذا العزير من بني إسرائيل، ومنها إماتة ألوف من بني إسرائيل حين أُمِروا بالقتال، فخرجوا من ديارهم فارين من مقابلة العدو حَذَر الموت، ثم بعد هذه الإماتة الجماعية أحياهم الله ليعلموا أن الفِرار من القتال لا يحمي من الموت، وليعلموا أن البعث حقّ:
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243)﴾
منها قصة إحياء قتيل بني إسرائيل في سورة البقرة:
﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)﴾
ميت قُتِل بجريمة فأمر الله عز وجل بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة وأن يضربوا هذا الميت ببعض أعضاء البقرة، فلما ضربوه بأعضائها عاد حياً وقال: قتلني ابن أخي، ومنها قصة إحياء الطيور الأربع لسيدنا إبراهيم عليه السلام، لما طلب من الله تعالى أن يُريه كيف يحيي الموتى، ومنها معجزة سيدنا عيسى إذ كان يحيي الموتى بإذن الله، إلى غير ذلك من الأمثلة التاريخية الثابتة.
التوهم الخامس هو أن مراد الخالق في إبداع الحياة لا يتعدى حدودها:
التوهم الخامس، هو أن مراد الخالق في إبداع الحياة لا يتعدى حدود هذه الحياة الأولى، وأن كل حكمته من الخلق تتم فيها، أي ينتهي مراده في هذه الدنيا، وتنتهي حكمته في هذه الدنيا، وأنه لا حياة بعد هذه الدنيا، هذا توهم خامس.
الرد الإلهي على هؤلاء الجاحدين:
رد الله عليهم فقال:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾
هل من الممكن أن ننشئ جامعة تكلفنا ألف مليون، بعد أن تنتهي نفتتحها عاماً دراسياً واحداً ثم نأتي بالجرافات ونهدمها؟ ليس معقولاً، هذه خُلِقت لتبقى، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ قال تعالى:
﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40)﴾
التوهم السادس هو أن هذه الأخبار التي جاء بها الرسل غير صحيحة:
التوهم السادس والأخير:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7)﴾
إن هذه الأخبار غير صحيحة، فالرسل ليسوا قادرين على معرفة ما سيكون، هؤلاء بشر.
الرد الإلهي على هؤلاء المنكرين:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هذا القول استهزاء، قال تعالى:
﴿ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8)﴾
﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي مختلّ، التوهم الخامس أن هذه الأخبار التي جاء بها الرسل ليست صحيحة إنها كاذبة، نوع من التوهم، نوع من الجنون، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ* أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ .
آية ثانية:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21)﴾
أي إنهم ما صدقوا الرسل، هذا الذي قاله الرسل ما صدقوه، قال تعالى:
﴿ وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17)﴾
أخشى أن أكون قد أثقلت عليكم، ستة أوهام توهمها المنكرون للبعث، وقد ردّ الله عليها بطرق عديدة، وبأدلة أكيدة، وبحجج دامغة، وبأسلوب حكيم.
طبعاً هذه التوهمات حاشا لله أن يعتقد بها أحد، لكننا نستأنس حينما يرد الله عزّ وجل على هؤلاء المتوهمين، وعلى هؤلاء الظانين أن الله عزّ وجل لن يبعث عباده ليحاسبهم على أعمالهم.
تكذيب الإنسان بيوم الدين:
بقي موضوع قصير جداً لا يزيد عن صفحتين نُنهي بهما هذا الفصل.
لماذا يكذب الإنسان بيوم الدين؟ إذا طالب غير مستعد للمذاكرة، يميل إلى تكذيب موعد المذاكرة، كل إنسان إذا كان مقصراً، مخطئاً، مسرفاً، مجرماً، كل إنسان له انحرافات في سلوكه هذا أميل إلى أن يُكَذِّب بيوم الدين، والدليل:
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10)﴾
أرجو أن تدققوا في هذه الآيات، قد نقرؤها نحن هكذا، ولكن يوجد فيها معان دقيقة جداً:
﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)﴾
لماذا يكذب بيوم الدين؟ لأنه معتد أثيم يخشى الحساب، يخشى العذاب، يخشى المسؤولية، يخشى التبِعة، إذًا هو يكذّب بهذا اليوم:
﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13)﴾
هذه خرافات، هذه غيبيات، هذا ما وراء الطبيعة، نحن واقعيون، نريد أن نتعامل مع الواقع، هذه تحليقات، هذه أخيلة، هكذا يقولون، قال تعالى:
﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾
أعمالهم السيئة، عدوانهم، انحرافاتهم، سقوطهم، هذه الأعمال السيئة غطت عليهم الحقيقة، كانت كأنها ران على قلوبهم، آية ثانية:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1)﴾
هل تعرفه؟
﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2)﴾
دعَّ اليتيم أي ضربه، في هذه الآية دقة بالغة، أشدّ الأشخاص حاجة إلى العطف هو اليتيم، فإذا تخليت عن مساعدته فأنت مُقصّر، فإذا آذيته كان ذلك أشدّ فظاعة، فربنا عزّ وجل جاء بمثل حاد قال تعالى:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)﴾
﴿فَذَلِكَ﴾ هو نفسه.
﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)﴾
أي هذا الذي يكذب بالدين ألا يعرف أن الله سيحاسبه حساباً عسيراً؟ قال تعالى:
﴿ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23)﴾
الكِبر هو الذي حال بينهم وبين الإيمان بيوم الدين.
سبب آخر؛ الفجور، الانغماس في الشهوات، قال تعالى:
﴿ بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5)﴾
يسأل مستهزئاً، قال تعالى:
﴿ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6)﴾
متى يا أخانا الذي تتكلمون عنه اليوم الآخر؟ أنا لا أقبضها والله، هكذا يقول، لأنه غارق في الفجور، ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ* يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ قال تعالى:
﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)﴾
ليسوا مستقيمين، لو أنهم استقاموا لآمنوا، لأنهم غير مستقيمين كفروا، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77)﴾
هذا الفصل عنوانه: عقائد الناس بالبعث والجزاء يوم القيامة والرد على المنكرين، كيف أن البرهان على يوم القيامة برهان عقلي، وبرهان نقلي، وكيف أن الشرائع السماوية كلها في نصوصها الصحيحة وأصولها الثابتة تؤكد أنه لابد من يوم يُبعث فيه الناس مرة ثانية، ليُلاقوا نتائج أعمالهم، وكيف أن الناس في إنكار البعث ثلاث فرقٍ، فرقة أنكرتْ وجود الله واليوم الآخر، فرقة أنكرتْ اليوم الآخر فقط، وآمنت بالله، وفرقة أنكرت اليوم الآخر بطبيعته المادية.
وكيف أن الله سبحانه وتعالى ردّ على كل المتوهمين، ستة توهمات ردّ الله عليهم في آيات كثيرة.
الملف مدقق