الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
عقدة التشابه بين المسلمين لمفهوم الشفاعة وبين مفهوم اليهود بالنسبة لعقائدهم:
أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس السادس والخمسين من دروس العقيدة.
في الدرس الماضي وصلنا في كتاب العقيدة إلى موضوع الشفاعة، وقد تحدثت كما ورد في هذا الكتاب كتاب العقيدة الإسلامية، وأردت أن أزيد هذا الموضوع توسيعاً وتعميقاً من خلال كتب أخرى، ومن خلال آيات وأحاديث تُغني الموضوع.
فبادئ ذي بدء، إن تعطيل قوانين الجزاء، للجزاء قوانين، يوم الجزاء يوم الدين يوم القيامة، إن تعطيل قوانين الجزاء بالنسبة لأتباع نبي ما أي نبي شيء غير مقبول لقوله تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾
(( وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. ))
لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم.
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَن سلَك طريقًا يطلُبُ فيه عِلمًا سهَّل اللهُ له به طريقًا مِن طُرقِ الجنَّةِ ومَن أبطَأ به عمَلُه لَمْ يُسرِعْ به نسَبُه. ))
[ صحيح ابن حبان أخرجه في صحيحه ]
وفَهِم الشفاعة فهماً سطحياً ساذجاً بمعنى أن الإنسان يفعل ما يشاء من المعاصي، والآثام، والموبقات، هذا الفهم الساذج غير مقبول لدى جميع العلماء قديمهم وحديثهم، بل إن هذه العقيدة بمعنى أن الإنسان لن يُحَاسب على أعماله، ولن يُعمَل بقوانين الجزاء، إن هذه العقيدة عقيدة اليهود، فقال تعالى:
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169)﴾
أي التكاليف غير الصعبة يأخذون بها، أما التكاليف الصعبة فيخالفونها، ويقولون: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123)﴾
والآية التي تأتي مراراً في كتاب الله:
﴿ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)﴾
بيان عقائد اليهود والرد الإلهي على هذا المفهوم الخاطئ:
من عقائد اليهود:
﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)﴾
آية أخرى تصف عقائد اليهود:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)﴾
وفي آية أخرى:
﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)﴾
وقال الله تعالى:
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)﴾
هذه كلها آيات قرآنية ترينا كيف أن اليهود اعتقدوا بسذاجة أنهم لن يدخلوا النار، وإن دخلوها لن تمسهم إلا أياماً معدودات، وسمّى الله هذا غروراً وافتراءً، وسمّى الله هذا كلاماً لا يقف على قدميه، يحتاج إلى برهان، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ثم عقّب الله تعالى فقال: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي المفهوم: الشفاعة حقّ وسوف أتحدث عنها بالتفصيل، ولكن المفهوم العامي مفهوم عامة الناس، مفهوم الجُهلاء، مفهوم ضيقي الأفق، مفهوم الغارقين في المعاصي والآثام، هؤلاء يتعلقون ببعض ما يعتقدون أنه من الشفاعة، وهو أن يفعلوا من المعاصي والآثام ما يستطيعون ويعقِدون الآمال على شفاعةٍ ما أنزل الله بها من سلطان، هذه الحقائق وردت في كتاب الله بشكل أو بآخر في أماكن عدة.
إذاً لن تُعطَّل قوانين الجزاء يوم القيامة، وأن الذي يغتر بأنها تُعطَّل، وأنها لن يُعمل بها فهو مغرور، وقد افترى على الله الكذب.
الشفاعة الحسنة والسيئة والفرق بينهما:
لكن في القرآن الكريم قوله تعالى:
﴿ منْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85)﴾
هذه الآية تعني أن الإنسان إذا أراد أن يجلِب لمسلم خيراً، أو أن يدفع عنه ضُرّاً، ويبتغي بهذا وجه الله، وكان هذا الخير في أمر جائز، ولم يأخذ عليه مالاً، ولم يكن هذا الأمر في حدّ من حدود الله، ولا في حقّ من الحقوق الواجبة، هذه شفاعة حسنة يُؤجر عليها المسلم في الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ " ))
الشفاعة الحسنة هي التي يراعى فيها أداء حقّ لمسلم، أو دفع الشر عنه، أو جلب الخير إليه، وابتغي بها وجه الله، ولم يؤخذ عليها مال، وكانت في أمر جائز، وليست في حدّ من حدود الله، ولا في حقّ من الحقوق الواجبة، هذا تعريف الشفاعة الحسنة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا)) وقد ورد في الأحاديث الشريفة أن امرأة اسمها بريرة جاءت النبي عليه الصلاة والسلام تشكو زوجها وتطلب الفراق منه:
(( عن ابن عباس أن مغيثا كان عبداً فقال: يا رسول الله اشفع لي إليها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بريرة اتقي الله، فإنه زوجك وأبو ولدك، فقالت: يا رسول الله أتأمرني بذلك؟ قال: لا إنما أنا شافع، فكان دموعه تسيل على خده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: ألا تعجب من حب مغيث بريرة وبغضها إياه. ))
وفي رواية: إنما أنا أشفع له.
هذه الشفاعة الحسنة كل من يشفع شفاعة حسنة في الدنيا له نصيب منها، والنصيب لا حدود له، يزداد بزيادة حجم الشفاعة، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كِفل منها، من دلّ إنساناً على معصية، أو من حرم حقاً، أو من أدى إلى ظلم، كل ضرر يحصل بسبب شفاعة سيئة يكن له كِفل منها، وأصل الشفاعة في اللغة من الشفع، وهو الزوج، قال تعالى:
﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3)﴾
لأن الذي يشفع يصير مع المشفوع فيه زوجاً، والشفع في اللغة ضمُّ واحد إلى واحد، أنت إذا شَفِعت إلى فلان ضممت مكانتك ووجاهتك إليه فلعل الخير يصيبه من هذه الشفاعة، وشفاعة الناس فيما بينهم لحوائجهم، فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كِفل، ومِن معاني الشفاعة الحسنة الدعاء للمسلمين، والشفاعة السيئة الدعاء عليهم، ومن دعا لأخيه بظهر الغيب استُجيب له، وقال الملَك: آمين، ولك مثل ذلك، هذه المعاني مستفادة من قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ هذه المعاني مستنبطة من تفسير القرطبي لهذه الآية الكريمة.
الفرق بين مفهوم اليهود لقوانين الجزاء وبين مفهوم الشفاعة في ديننا الإسلامي:
الآن نعود إلى الدرس الذي بدأناه في الأسبوع الماضي، قبل كل شيء إن اليهود -كما قلت لكم-فهموا فهماً ساذجاً وسقيماً فهموا أن قوانين الجزاء لن تُقام عليهم يوم القيامة، وأنهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ .
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ ، ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وقالوا أيضاً: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ* بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ .
أما الشفاعة في ديننا الحنيف فهي داخلة في قوله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116)﴾
فالشفاعة حقّ، وهي في ضمن هذه الآية الكريمة، فلله تعالى أن يقبل دعوة من يشاء من عباده إذا دعاه أن يُنْزِل خيراً على عبد آخر من عباده، أو يدفع عنه ضًرّاً، أو يغفر له من خطيئاته، سواء كان ذلك في الحياة الدنيا من حيّ لحيّ أو من حيّ لميت، أو كان ذلك يوم القيامة، ودعاء الأخ لأخيه نوع من الشفاعة عند الله، فلا مانع من أن يَمنح الله فضله لعبد من عباده إكراماً لشفاعة عبد آخر مُقرب إليه، واضحة كالشمس، أي عبد سأل الله عزّ وجل لأخيه خيراً فالله سبحانه وتعالى قد يستجيب وقد لا يستجيب وفق حكمة بالغة، ووفق شروط سوف تمر معنا، شفاعة حيّ لحيّ وحيّ لميت، والشفاعة يوم القيامة، هذه كلها لها شروط سوف تأتي بالتفصيل.
1 ـ قبول الشفاعة إنما يدخل في باب الفضل الذي يُكْرِم الله به عباده:
القانون الأول للشفاعة محدد في نصوص الشريعة بما يلي: إن قبول الشفاعة إنما يدخل في باب الفضل الذي يُكْرِم الله به عباده:
﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)﴾
مَن مِنَ العباد يستطيع أن يَحُدّ من فضل الله؟ قانون الشفاعة يدخل في باب الفضل الإلهي، الذي هو فضل عظيم وفضل عميم، والشفاعة كما قلنا أن يسأل عبد ربه أن يُنْزِل خيراً على عبد آخر، فالله سبحانه وتعالى يقبل أو لا يقبل لحكمة بالغة، والله سبحانه وتعالى لا حِجر عليه في فضله فهو يختص برحمته من يشاء، هذه القاعدة الأولى.
2 ـ لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به أو جحوده:
أما القاعدة الثانية لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به، أو جحوده، وإنكار ألوهيته وربوبيته سبحانه وتعالى، جميع الآيات في القرآن الكريم التي تنفي الشفاعة إنما تنفي الشفاعة لأن الذين نُفيت في حقهم متلبسون بالكفر، والشرك، وإنكار الربوبية، وإنكار الألوهية، هؤلاء لا تنالهم شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شفاعة من سواه، الآيات التي توضح هذا، ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)﴾
آية ثانية في البقرة:
﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)﴾
آية ثالثة:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)﴾
إذاً لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به، أو جحوده، أو إنكار ألوهيته، أو ربوبيته سبحانه وتعالى:
﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18)﴾
وقوله تعالى:
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾
وقوله تعالى:
﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)﴾
وقوله تعالى:
﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾
إذاً لا تُقبل شفاعة الغفران في المشركين والملحدين والذين أنكروا الألوهية والربوبية، والآيات تؤكد ذلك.
3 ـ الشفاعة في غير الشرك بالله أو جحوده منوط بمشيئة الله تعالى:
القاعدة الثالثة، إن قبول الشفاعة في غير الشرك بالله، أو جحوده منوط بمشيئة الله تعالى، إنْ شاء قَبِلها، وإنْ شاء رَفَضها، قال تعالى:
﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87)﴾
شفاعة غير الشرك منوطة بأمر الله إن شاء قَبِلها وإن شاء لم يقبلها، ومعنى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ أي لا يملك الناس في ذلك اليوم أن تُقبل شفاعة أحد فيهم: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ وذلك بالإيمان به، وبما جاء من عنده، فإنه قد ينال فضلاً من الله عزّ وجل بقبول الشفاعة فيه، والعفو عنه، والله أعلم.
ويقول عليه الصلاة والسلام دققوا في هذا الحديث رواه الشيخان البخاري ومسلم
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا. ))
الذي مات مشركاً لا تناله شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، أما من مات لا يُشرك بالله شيئاً فقد تناله شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام في نص هذا الحديث الذي رواه الشيخان.
4 ـ الشفاعة يوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممن أَذِن له الرحمن ورَضِي له قولاً:
شيء آخر؛ ورابعاً إن الشفاعة يوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممن أَذِن له الرحمن، ورَضِي له قولاً، قال تعالى في سورة طه:
﴿ يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109)﴾
أي يومئذٍ لا تنفع الشفاعة أحداً إلا شفاعة مَن أَذِن له الرحمن بالشفاعة، ورَضِي له قولاً، فإن شفاعته قد تنفع إذا شاء الله استجابتها، والآية الكريمة في سورة النجم:
﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26)﴾
ما ورد في شرح الإمام المناوي حول مفهوم الحديث عن شفاعة النبي لأهل الكبائر:
الشفاعة إذاً كالغفران تدخل في باب فضل الله تعالى إن شاء قَبِلها وإن شاء لم يقبلها، وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة
(( عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي. ))
[ أخرجهما الترمذي وأبو داود بسند صحيح ]
وقد شرح الإمام المناوي هذا الحديث الذي ورد في الجامع الصغير فقال: ثم يشفع الرسول من بعد أن يأذن الله له، وبعد انتهاء مدة العذاب في خروج العاصي من النار، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر بعد دخولهم النار، فيقبل الله شفاعته فيهم، ويُخرجهم منها، وتكون الشفاعة إظهاراً لكرامة الشافع عند الله، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ عِمْرَانَ ابْنِ حُصَيْنٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ. ))
[ أخرجه البخاري في الصحيح ]
أي إذا دخلوا النار، وأمضوا المدة الكافية، واستحقوا بعد ذلك الخروج منها، يأتي هذا الخروج على يد النبي عليه الصلاة والسلام تكريماً له، وإظهاراً لفضله، وقال بعضهم: هذا هو المقام المحمود.
الآن إذا رجعنا إلى نصوص الشريعة نراها تُثبت الشفاعة العامة يوم القيامة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك ضِمن الحدود المأذون بها، كما تثبت الشفاعات الجزئية لغيره صلوات الله عليه، والأحاديث الصحيحة في ثبوت الشفاعة كثيرة، منها ما رواه أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) .
وقد ورد أيضاً في شرح هذا الحديث: ولا يرتضي الله الشفاعة إلا لمن يستحقون العفو على مقتضى العدل الإلهي، وتكون الشفاعة لإظهار كرامة الشافع ومنزلته عند ربه، تنفيذاً للإرادة الإلهية عَقِب دعائه، وطلبه من الله عز وجل، وليس فيها ما يدعو إلى الغرور أو التهاون من ترك إيمان كُلف به العبد حتى تزكو به نفسه، وترك عمل صالح يوصل الإنسان إلى كماله المنشود،
شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لمن أحبّ أهل بيته:
إذاً الأحاديث الصحيحة في ثبوت الشفاعة كثيرة منها هذا الحديث، وهناك أحاديث أخرى، شفاعتي لأمتي من أحبّ أهل بيتي، إنك إذا أحببت النبي عليه الصلاة والسلام، وأحببت أهل بيته الكرام نالتك شفاعته، إن هذا الحب يَصِل بينك وبينه، هذا الحب بينك وبين النبي عليه الصلاة والسلام تأتيك من أنواره، ويأتيك من بركاته، ويأتيك من تجلياته، وهذا المعنى أثبته شفاعتي لأمتي من أحبّ أهل بيتي، و شفاعتي يوم القيامة حقّ، فمن لم يؤمن بها لم يكن من أهلها، وهذا الحديث أيضاً يوجب علينا أن نؤمن بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن وفق هذه الشروط التي ذكرناها.
أقسام الشفاعة:
قسّم العلماء الشفاعة إلى أقسام عدة، الشفاعة العظمى؛ وهي لجميع الخلائق بإراحتهم من هول الموقف، وتعجيل الحساب، ونحو ذلك، وهذا هو المقام المحمود كما قلت قبل قليل، تدعون في الصلاة وتقولون:
(( عن جابر بن عبد الله: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته. ))
[ أخرجه البخاري في الصحيح ]
وارزقنا زيارته وشفاعته، وقول الله عزّ وجل:
﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)﴾
فالشفاعة العظمى هذه لجميع الخلائق بإراحتهم من هول الموقف.
2- الشفاعة لمن استحق بعض العذاب يخرج من النار بموجب العدل الإلهي:
الشفاعة الثانية هي التي تُخرج بعض مَن استحقوا النار مِن النار، بموجب العدل الإلهي، وتكون الشفاعة هذه لإظهار كرامة الشافع، ومنزلته عند ربه، تنفيذاً للإرادة الإلهية عقب دعائه صلى الله عليه وسلم وطلبه من الله، ولا يخلو قبول الشفاعة أو رفضها مِن حكمة يعلمها الله تعالى، وتدخل الشفاعة في قانون فضله، أو قانون عدله.
ملخص مفهوم الشفاعة لمن يستحقها:
إذاً من هذا الموضوع يتضح أن الشفاعة حقّ، وأنه من لم يؤمن بها فليس من أهلها، وأن الشفاعة لا تصيب إلا من مات غير مشرك بالله عزّ وجل، ((لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا)) .
وتَبَيّن أيضاً أن الشفاعة بمعنى مِن معانيها أنك إذا أحببت النبي عليه الصلاة والسلام، وأحببت أهل بيته الكرام، كما ورد: شفاعتي لأمتي من أحبّ أهل بيتي، هذه الشفاعة بمعنى: ونالك من تجلياته وشعرت بسعادة لا توصف.
وأما شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لأهل الكبائر فتعني أن هؤلاء إذا استوجبوا دخول النار ودخلوها يكون إخراجهم منها على يد النبي عليه الصلاة والسلام تبياناً لفضله، وإظهاراً لكرامته على الله عزّ وجل.
الأدلة الواردة في الكتاب حول موضوع الشفاعة:
جمعت لكم بعض الآيات التي تتحدث عن الشفاعة بشكل عام، يقول الله عز وجل:
﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)﴾
﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)﴾
﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101)﴾
﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)﴾
﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)﴾
﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3)﴾
﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18)﴾
﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43)﴾
مواعظ وعبر من الآية التالية:
أي الذي أريده أن نفهم قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)﴾
أن تغركم الحياة الدنيا بمعنى لا تروا الدنيا بحجم فوق حجمها، لا تروها شيئاً ثميناً، لا تبذلوا من أجلها الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، لا ترتكبوا المعاصي من أجلها، لا تدعوا مجالس العلم من أجلها، لا تُقَصِّروا في واجباتكم الأخروية من أجلها، ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الغرور قد يأتي أي الشيطان قد يأتي ويُوهم الإنسان أن الله عزّ وجل لن يحاسبه على أعماله، كما قال اليهود: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ قد يأتي الغرور وهو الشيطان فيطمئن الإنسان اطمئنانًا ساذجاً، قال تعالى:
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)﴾
فالإنسان لا ينبغي أن يغترّ بكلام الشيطان، الشيطان قد يأتي عن أيمان الإنسان، وعن شمائله، عن أيمانه هناك آية قد يُضلِّه عن طريق فهم خاطئ وساذج وقاصر للشفاعة التي ثبتت بنص القرآن الكريم، ونص الأحاديث الشريفة، ولكن لمن مات لا يشرك بالله عزّ وجل.
خطورة حمل الأمانة في عنق الإنسان إذا لم تُنفَّذ:
الله سبحانه وتعالى قال:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73)﴾
أي هذه الأمانة شيء عظيم جداً، بصرف النظر عن معانيها الدقيقة هي شيء عظيم، لأن السماوات والأرض والجبال أشفقن منها، وأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان.
شيء آخر؛ هو أن نهاية الآية تقول: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ بمعنى أن موقف الإنسان من هذه الأمانة قد يضعه في زمرة المؤمنين، أو في زمرة المنافقين، أو في زمرة المشركين، فالأمانة إذاً شيء خطير جداً يزيد عن ان نفهمها أن مبلغاً من المال أو حاجة أُودِعت عندك فأديتها بالتمام والكمال في الوقت المحدد، هي أمر أخطر من ذلك، لأن موقفك من الأمانة يجعلك في زمرة المؤمنين، أو في زمرة المنافقين، أو في زمرة المشركين.
وشيء آخر؛ هو أن هذه الأمانة جاء بعدها قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ أي حينما لا يحملها الإنسان كما أراد الله عزّ وجل يكون ظلوماً جهولاً، متى يكون بحملها ليس ظلوماً وليس جهولاً؟ إذا كان عالماً وعادلاً، أي إذا عرف الإنسان اللهَ عزّ وجل، وعمل صالحاً، من استقامة على أمره وفعلِ للخيرات، إذا كان كذلك ليس ظلوماً ولا جهولاً، عالماً عادلاً.
إذاً هذه الأمانة التي حملها الإنسان مع أن السماوات والأرض والجبال استنكفت عن حملها، وأشفقت منها، هذه الأمانة كما فسرها العلماء هي التكليف، ومعنى التكليف أن الإنسان أودع الله فيه هذا العقل ليهتدي به إلى الله عزّ وجل عن طريق الكون، وبعث الأنبياء والرسل، وأنزل معهم الكتاب ليكون هذا الكتاب منهجاً لنا، ودستوراً، وتشريعاً يضبِط أفعالنا، حتى نسعد في الدنيا والآخرة.
إذاً بعقلك تستطيع أن تؤمن بالله عن طريق الكون، وبالشرع تستطيع أن تكون عبداً لله عز وجل عن طريق الانصياع لأمره انصياعاً تاماً، إذاً العقل والشرع والكون والشهوة التي اودعها الله فيك وحرية الاختيار هذه كلها تضافرت فكوّنت التكليف وهي الأمانة، أي أن الله عزّ وجل وضع نفسك أمانة عندك، فإذا عرّفتها بربها، وإذا طهرتها من الدنس، وإذا زكيتها بالفضائل أسعدتها في الدنيا والآخرة.
ينبغي على المسلم أن يكون واعياً حول مفهومه لبحث الشفاعة:
لذلك: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ الذي أريد من هذا الموضوع موضوع الشفاعة أن يقف الإنسان على الحدود الصحيحة لهذا الموضوع، فلا يكون إيمانه بالشفاعة مدعاة للاغترار بالله عزّ وجل، وترك طاعته، والقعود عن العمل الصالح، وخرق استقامته، تعلقاً بآمال واهية قد يُفاجأ الإنسان أن هذه الآمال كانت متعلقة بشيء غير صحيح، لا ينبغي أن نفهمها فهماً قاصراً ساذجاً يدعو إلى القعود والتواكل وعدم السعي لرضاء الله عز وجل.
الشيء الثاني؛ أن الذي يموت غير مشرك بالله عزّ وجل، هذا تناله شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وهل هذا الشرط سهل؟ هل تظنون أنه من السهل أن يموت الإنسان موحداً غير مشرك؟ قيل: أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إنكم لستم تعبدون صنماً ولا حجراً ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله، هذا هو الشرك الخفي، فمن مات غير مشرك بالله عزّ وجل نالته شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام التي هي حق، ومن لم يؤمن بها لم يكن من أهلها.
الملف مدقق