وضع داكن
04-04-2025
Logo
العقيدة الإسلامية - الدرس : 55 - الإيمان باليوم الآخر 11- الصراط والجزاء
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 

تتمة مراحل الإيمان باليوم الآخر:

 

1- الصراط والحكمة منه:

أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس الخامس والخمسين من دروس العقيدة.
تحدثنا في الدرس الماضي عن العرض والسؤال، والحساب والميزان، وكتب الأعمال، وشهادة الجوارح، واليوم إلى الصراط المستقيم.
بعد موقف الحساب مرور على الصراط، وهو طريق على متن جهنم، يسلكه الناس، فالمؤمنون أهل الجنة يجتازونه إلى جنة الخلد بسرعات تتفاوت على مقدار تفاوت الإيمان والأعمال الصالحة، وأهل النار تجذبهم كلاليب جهنم فيسقطون فيها.
هذه الفكرة مبسطة لكن الحكمة أن أهل الجنة مما يزيد سعادتهم في الجنة أن يروا العذاب الأليم الذي كانوا سيقعون فيه، لو لم يسلكوا سبيل الحق في الدنيا، لو أن إنساناً في الدنيا دُعي إلى معصية فأبى، ثم رأى مصير الذي لبى هذه المعصية، يزيد سعادتَه أن يرى مغبة الأعمال السيئة، أي حكمة الصراط المستقيم أن أهل الجنة يعرفون مقدار عذاب أهل النار فيما لو لم يسلكوا سبيل الجنة في الدنيا، مما يزيد سعادة الإنسان في الآخرة أن يعرف أن الذين تنكبوا الصراط المستقيم في الدنيا سوف يُعذبون عذاباً أليماً، لذلك حينما تقرأ في الفاتحة قوله تعالى:

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾

[ سورة الفاتحة  ]

دائماً يجب أن تلحظ وأنت في الدنيا في كل حركة، في كل سكنة، في كل تصرف، في كل سلوك، في كل نشاط، أن تلحظ الصراط المستقيم الذي نهجه الله لنا:

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾

[ سورة الأنعام ]

إنسان ضاقت به الدنيا ما الصراط المستقيم؟ أن يصبر، وأن يتجمّل، إنسان جاءه المال ما الصراط المستقيم؟ أن ينفقه على كل محتاج ومسكين، وأن يشكر الله رب العالمين، ففي كل موقف هناك طريق سنّه النبي عليه الصلاة والسلام، المؤمن يسير على خط مستقيم، يسير على منهج حكيم، يسير على سنة نبوية، النبي عليه الصلاة والسلام كان فيها قدوة، فالصراط إذاً حكمة المرور فوق جهنم أن يرى المؤمن مقدار العذاب الذي يتحمله العصاة في الدنيا، عندئذ يزيد شعور المؤمن بالفوز. 

2- الجزاء:

أما الجنة والنار، أما المرحلة الأخيرة التي يتم فيها الثواب الأكبر والعقاب الأكبر فقد جعل الله لها دارين: داراً للنعيم، اسمها الجنة، وداراً للعذاب، اسمها النار، وقد أخبرنا الله جلّ وعلا بأن الجنة في الآخرة هي مأوى المؤمنين والمسلمين، وأنها مراتب ودرجات:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)﴾

[ سورة الأنعام ]

في الجنة درجات بعدد المؤمنين، كل منا له درجة.

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾

[  سورة القمر ]

وأنها مراتب ودرجات تتناسب مع مستوى الإيمان، والمعرفة، والخشية، والعمل الصالح، الذي قدمه مستحقها في الحياة الدنيا، كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى بأن النار في الآخرة هي مأوى الكافرين والمستكبرين عن طاعته وعبادته، وأنها منازل ودركات، لا تقولوا: درجات، الدرجات في الجنة، والدركات في النار، وأنها دركات تتناسب مع مستوى الإجرام والمعصية، والله سبحانه وتعالى يخبرنا أيضاً بأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وقد أشار القرآن الكريم، وأخبر الرسول الكريم بأن المؤمنين العصاة إن لم يشملهم عفو الله فإنهم يدخلون النار لتعذيبهم فيها على مقدار معاصيهم، هناك مؤمن له معصية، له مخالفة، هذا المؤمن إن لم يشمله عفو الله عز وجل لابد من أن يدخل النار ليُعذّب فيها على مقدار معصيته، ثم يُخرَجون منها إلى الجنة بفضل الإيمان بالله الذي كان في قلوبهم، قال تعالى مبيناً عذاب النار ونعيم الجنة في سورة هود:

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107)﴾

[ سورة هود ]

أي إلا الذين سبقت لهم معرفة بالله، واستقامة على أمره، سبق لهم عمل صالح ثم صدرت منهم مخالفات، هم يدخلون النار ليُعذبوا جزاء مخالفاتهم ومعاصيهم ثم يُخرَجون منها إلى الجنة نظير إيمانهم وعملهم الصالح، هؤلاء الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً الله سبحانه وتعالى أعلم بهم، إن لم يشملهم عفوه يذوقون النار حِقباً من الزمن، وبعدها يدخلون الجنة، يا ترى مليون سنة، مليونين، خمسة ملايين، حقب، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ هذه ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ تعني أن من أهل النار من يخرج منها إلى الجنة بفضل إيمانه السابق، وعمله الطيب، لذلك قيل: ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مُخَلّط، المُخلّط هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وعامة المسلمين مُخلِّطون، مؤمن مؤمن، مسلم مسلم، مستقيم مئة بالمئة، يقول لك: الله يعفو عنا، الله يتغمدنا برحمته، نحن عبيد إحسان، لسنا عبيد امتحان، اللهُ عزّ وجل يتولانا، هذا كلام لطيف، لكن الدليل أنه ليس مستقيماً، نفسه غالبته، قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: عظني وأوجز يا رسول الله؟ قال: قل: آمنت بالله ثم استقم، قال له: أريد أخفّ منها، قال له: إذاً فاستعد للبلاء، مؤمن يصلي لكن له مخالفات، لابأس، الآية تقول: هناك من يدخل النار ليُعذب فيها بقدر معاصيه وبعدها يخرج منها إلى الجنة، قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)﴾

[ سورة هود ]

 

جهنم يستحقها أهلُها بمحض العدل بينما الجنة يستحقها أهلُها بمحض الفضل:


هنا سؤال كبير، ما معنى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ هذه الآية فسرتها بتفصيل شديد حينما فسرت بفضل الله تعالى سورة هود قديماً، هذه الآية تعني أن أهل الجنة استحقوا الجنة بفضل الله عزّ وجل، وأنهم في الجنة لا بحكم عملهم في الدنيا فقط، بل برحمة الله عزّ وجل، أي مشيئة الله لا تُحَد، لكن الله عزّ وجل أخبرنا في آيات أخرى أنهم ليسوا منها بمُخرجين، هذا مبدأ ثابت، من دخل الجنة فلن يخرج منها، وليس معنى هذا أنه استحقها بعمله، ولن يخرج منها ما دام عمله طيباً، لا، استحقها برحمة الله، وقد فصلتُ في هذا أيضاً في درس سابق، جهنم يستحقها أهلُها بمحض العدل، بينما الجنة يستحقها أهلُها بمحض الفضل.
 

أدلة أهل العلم على أن المؤمن العاصي لا يخلُد في النار:


وفي الاستدلال القرآني على خروج عصاة المؤمنين من النار استدلّ أهل العلم بقوله تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7)﴾

[ سورة الزلزلة ]

قالوا: والإيمان خير، فلابد أن يلاقي الأجر عليه، الإيمان خير: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ رجل آمن، صلى، وارتكب معصية، المعصية يُعذَّب وفقها في النار، لكن الإيمان بالله لابد مِن أن يناله خيره في الآخرة، فلابد أن يلاقي الأجر عليه، ويجب أن يكون ذلك بعد تطهيره بالعذاب، لأنه إذا أُثيب على إيمانه قبل دخول النار فلا يكون ذلك إلا بدخول الجنة، لكنه إذا دخل الجنة امتنع أن يخرج منها، لقوله تعالى:

﴿ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48)﴾

[ سورة الحجر ]

لذلك إنسان إذا عمل عملاً صالحاً، وآخر سيئاً، يُعذب أولاً، ثم يدخل إلى الجنة، فيبقى فيها إلى أبد الآبدين، لأن المبدأ الأساسي: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ ويشهد لهذا الاستدلال القرآني أحاديث كثيرة تبين خروج العصاة المؤمنين من عذاب النار،

(( فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلا يَدْخُلُ النَّارَ رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ. ))

[ صحيح الترمذي ]

  

الجنة والنار وما جاء في وصفهما:


في القرآن الكريم والسنّة المطهرة جملة من أوصاف الجنة والنار يطول الحديث عنها، ولا تخفى على مُتتبع كتاب الله بالتلاوة، وهي في جملتها تُثبت-دققوا في هذه الكلمات-  أن في الجنة أنواعاً لا تُحصى من النعيم المادي والروحاني، وأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأن عرضها كعرض السماوات والأرض، أعدت للمتقين، وأن فيها الفردوس الأعلى، المعد لأكرم الخلق عند الله، إلى غير ذلك من أمور كثيرة.
المعلومات كلها معلومات مِن اليقين الإخباري، الذي أخبرنا الله عنه، نؤمن به وكفى، وأن في النار أنواعاً رهيبة من العذاب المادي، العذاب المادي عذاب النار، قال عز وجل:

﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104)﴾

[ سورة المؤمنون ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)﴾

[  سورة النساء ]

وأن في النار انواعاً رهيبة من العذاب المادي والروحاني، وأنها دركات ووديان، بعضها أشدّ عذاباً من بعض، وأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، إلى غير ذلك من أمور نعوذ بالله أن نكون من أهلها.

  أنواع الشفاعة في الدنيا:

 

1- شفاعة حيّ لحيّ:

ثم هناك موضوع دقيق هو موضوع الشفاعة التي وردت فيها بعض الآيات، وبعض الأحاديث الصحيحة، ويدخل ضمن قاعدة:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)﴾

[ سورة النساء ]

يدخل في هذه الآية باب الشفاعة، فلله تعالى أن يقبل دعوة من يشاء من عباده إذا دعاه، أن يُنزل خيراً على عبد آخر من عبيده، أو أن يدفع عنه ضراً، أو أن يغفر له من خطيئاته، سواء أكان ذلك في الحياة الدنيا من الحيّ للحي، أو من الحي للميت، أو كان ذلك يوم القيامة، ودعاء الأخ لأخيه نوعٌ من الشفاعة فيه عند الله، فلا مانع من أن يمنح الله فضله لعبدٍ من عباده إكراماً لشفاعة يوجهها عبد آخر مقربٌ عنده، أشرح لكم ذلك، ربنا سبحانه وتعال كمبدأ عام ممكن يقبل دعاء إنسان في حق إنسان، أسرع الدعاء إجابة دعاء أخ بظهر الغيب، أي الله عز وجل في الدنيا إذا الإنسان دعا ربه عز وجل أن يُنَجي أخاه من شر فالله سبحانه وتعالى قد يقبل هذا الدعاء، أو أن يَخُصه برحمة، فالله سبحانه وتعالى يقبل هذا الدعاء، فدعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب لا يُرَد، هذا الدعاء في الدنيا من أخ لأخيه أحد أنواع الشفاعة، فالشفاعة في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا من حيّ لحي، أو من حيّ لميت، وفي الآخرة بين المؤمنين. 

2- شفاعة الحيّ للميت:

أحياناً الله عز وجل يُكرِّم إنساناً، أي يسمح له، يقبل بدعائه شفاعته لإنسان.
 

أنواع الشفاعة في الآخرة:

 

1- المشرك لا يدخل في موضوع شفاعة النبي بينما المُوحد يدخل فيها: 

أما المشكلة أن شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لا يستحقها إلا من مات لا يشرك بالله، هذه النقطة المهمة لأن هناك آيات تنفي الشفاعة، وهناك آيات تُثبتها، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾

[ سورة الزمر ]

الإنسان إذا مات مشركاً لأن الله عز وجل يقول: 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)﴾

[ سورة النساء ]

الآية واضحة، الذي يموت مشركاً لا يستحق شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، والذي يموت مُوَحّداً يستحقق شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، صار الشفاعة هناك عمل، أنت قمت بعمل، مات الإنسان وهو مؤمن مُوَحّد لم يمت مشركاً، إذاً لأنه مات موحداً استحق أن يشفع النبي له أيضاً وفق شروط سوف تأتي بالتفصيل. 

3- شفاعة المؤمن للمؤمن وأعظمها بركة شفاعة رسول الله عليه الصلاة والسلام:

هناك معنى آخر للشفاعة أنك إذا لازمت أخاً مؤمناً قد تستفيد من علمه، قد تستفيد من خُلُقه، قد تستفيد من أحواله، قد تستفيد من إقباله، قد تستفيد من ورعه، قد تتعلم منه، قد تتخلق بأخلاقه، قد ترقى به، قد تنجو من عذاب النار بدلالاته، بدعوته، فهذا نوع من أنواع الشفاعة في الدنيا.
أي إذا شخص لازم مجلس علم، واستمع إلى الحق، وطبقه في البيت، كلما سمع توجيهاً قرآنياً طبَقه، كلما سمع نهياً عن معصية ابتعد عنها، دُعِي إلى إتقان الصلاة فأتقنها، دُعِي إلى العمل الصالح فعمل الصالحات، دُعِي إلى ذكر الله فذكر الله كثيراً، هذا الذي لازمته شفع لك في الدنيا، فشخص جالس عالماً، جالس تاجراً، علّمه أصول التجارة، أصول البيع، كيف يُسجّل الحسابات، كيف يتسوق البضاعة، كيف يكون لطيفاً مع الزبائن، طبقت هذه الإرشادات صرت تاجراً كبيراً، معنى هذا أن هذا التاجر الأول شَفِع لهذا التاجر الثاني، هذا معنى لطيف جداً ودقيق، أي أنت في الدنيا إذا جالست أهل الحق شفعوا لك، بمعنى أنهم نهضوا بك بعلمهم، وأحوالهم، وأخلاقهم، ودلالتهم، وإقبالهم، هذا المعنى الإيجابي للشفاعة، المؤمن يشفع للمؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام في حياته شفع لكل أصحابه، بمعنى أنه علمهم، وهذبهم، وأرشدهم، وسما بهم، وأسعدهم، وأكرمهم، هذا المعنى واسع جداً للشفاعة، أي كل إنسان مدعو أن يلازم أهل الحق، قال تعالى:

﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85)﴾

[ سورة النساء ]

إذا أنت صاحبك أخ، صاحبك صديق، صاحبك جار، دللته على الله، دعوته للتفكر في آلاء الله، دعوته لحضور مجالس العلم، دعوته للعمل الصالح، دعوته لغض بصره، دعوته لإقامة الإسلام في بيته، دعوته للإحسان إلى الخلق، فطبق دعوتك واستجاب لك فسعد بهذه الدعوة، أي أنت شفعت له: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ كل أعمال أخيك في الدنيا التي فعلها استجابة لك في صحيفتك، هذا المعنى الإيجابي الواسع معنى يدفعنا جميعاً إلى الدعوة إلى الله، أي أنت كما قال بعضهم: لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله ولا يدلك على الله مقاله، هذه شفاعة.
هذا المؤمن بدعوته الطيبة واستجابتك له شَفِع لك، فكل أعمالك في صحيفته، هذا في الدنيا كما قلنا شفاعة حيّ لحي، الآن شفاعة حيّ لميت، إنسان ربّى ابناً صالحاً، هذا الابن بعد موت أبيه دعا إلى الله، أحسن للناس، صار خيرُه عميماً، كل هذه الخيرات في صحيفة الأب، فكأن هذا الابن شفع لهذا الأب، بمعنى أنّ الأب ربّى هذا الابن ومات، أعمال هذا الابن الطيبة في صحيفة الذي ربّاه، إذاً إنسان مشى في جنازة، فاتعظ بها أشد الموعظة، واستقام من فوره على أمر الله، استقامته بسبب هذا الميت، فكأن هذا الذي سار في الجنازة شَفِع لهذا الميت، هذه شفاعة حيّ لميت، قرأت القرآن على روح فلان فتأثرت بهذه الآية، واستفدت منها، وطبقتها، وسعدت بها، مَن السبب؟ الميت، شفاعة حيّ لميت.
خطر في بالي مثل يوضح الفكرة، لو فرضنا أن أباً أراد أن يعطي ابنه مبلغاً من المال، الأب كله حكمة وعلم، أراد أن يعطي ابنه مبلغ ألف ليرة لسبب ما استحقاقاً فجعل هذا المبلغ عن طريق الأم تمتيناً للعلاقة بينها وبين ابنها، واضح المثل؟ هؤلاء استحقوا الجنة لأنهم ماتوا غير مشركين بالله، فربنا سبحانه وتعالى يجعل هذا العطاء عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، هذا معنى آخر من معاني الشفاعة.
إذاً الشيء الدقيق أن الله سبحانه وتعالى يقبل دعوة من يشاء من عباده إذا دعاه، أن يُنْزل خيراً على عبد آخر من عبيده، أو أن يدفع عنه ضُراً، أو أن يغفر له من خطيئاته، سواء كان ذلك في الحياة الدنيا من حيّ لحيّ أو من حيّ لميت، أو كان ذلك يوم القيامة، ودعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب نوعٌ من الشفاعة عند الله، فلا مانع من أن يمنح الله فضله لعبدٍ من عباده إكراماً لشفاعة يُوَجهها عبد آخر مقربٌ عنده.
 

الشفاعة السيئة:


إذاً من حيّ لحيّ في الدنيا، أي إذا لازمت المؤمن يشفع لك: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ يتحمل، صار عندنا شفاعة سلبية، شخص دلّ الثاني على طريق الانحراف، دلّ الثاني على كسب المال الحرام، أقنع الثاني بقبول مال غير مشروع، أقنع الثاني ببعض المباهج المحرمة، بعض الملذات المحرمة فأفسده، فسقط في هاوية المعاصي، هذه شفاعة لكن من نوع آخر، الأول يتحمل كل الوزر الذي فعله الثاني، إذاً الآية الدقيقة: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ كل هذا يتم بإذن الله لقوله تعالى: 

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾

[ سورة البقرة ]

الشفع الزوج، لا يستطيع إنسان أن يصيب خيره إنساناً آخر إلا بإذن الله، ولا يستطيع إنسان آخر أن يصيب شره إنساناً آخر إلا بإذن الله، فالشفاعة:

﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26)﴾

[ سورة النجم ]

 

شروط الشفاعة:

 

1- الشفاعة تدخل في باب فضل الله:

أما في الآخرة تكريماً لهذا النبي العظيم يجعل بعض العطاءات عن طريقه للمؤمنين.
شيء آخر في الشفاعة، إنّ قبول الشفاعة إنما يدخل في باب الفضل الذي يُكْرِم الله به عباده، والله سبحانه وتعالى لا حِجر عليه في فضله:

﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)﴾

[ سورة البقرة ]

دخل رجل مِن الأعراب على النبي الكريم عليه أتمّ الصلاة والتسليم، يبدو أنه عمل عملاً ليس لائقاً، فأصحاب النبي الكريم أحدّوا إليه النظر فخاف، وسعه النبي عليه الصلاة والسلام أي أكرمه ففرح، وقال:

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: قَمَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم في صلاةٍ وقُمْنا معه، فَقَالَ أْرَابِيٌّ وهو في الصَّلاةِ: اللَّهُم ارْحَمْني ومُحمَّدًا، ولا تَرْحَمْ معنا أحَدًا. فَلَمَّا سَلَمَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم قَالَ لِلأَعْرَابِيِّ: لقَدْ حَجَّرْتَ واسِعًا، يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ. ))

[ صحيح البخاري ]

رحمة الله واسعة، فالشفاعة تدخل في باب الفضل. 

2- لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به:

الآن كل آية في القرآن تنفي الشفاعة، قال تعالى:

﴿ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)﴾

[ سورة المدثر ]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)﴾

[ سورة البقرة ]

مثل هذه الآيات التي تنفي الشفاعة معنى ذلك أن فلاناً الذي رُفِضت أو رُفِض أن يُشفع له مشرك، مات مشركاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فالقاعدة الثانية، لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به، أو جحوده، وإنكار ألوهيته وربوبيته سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ إذا نُفِيت الشفاعة فلأن الذين رُفِضت الشفاعة فيهم ماتوا مشركين بالله عزّ وجل، جاحدين لفضله، كافرين به، هؤلاء لا تنالهم شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام.
في بعض الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة ينظر فيرى بعضاّ من أمته يساقون إلى النار،

(( فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي! فَقِيلَ: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، قَالَ: فَأَقُولُ: بُعْدًا بُعْدًا أَوْ قَالَ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي. ))

[ صحيح مسند أحمد ]

هؤلاء الذين ماتوا مشركين بالله، هؤلاء لا تنالهم شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام وفي حديث آخر: 

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قَالَ: (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا -اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. ))

[ رواه البخاري ومسلم  ]

لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم.

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَن سلَك طريقًا يطلُبُ فيه عِلمًا سهَّل اللهُ له به طريقًا مِن طُرقِ الجنَّةِ ومَن أبطَأ به عمَلُه لَمْ يُسرِعْ به نسَبُه . ))

[  صحيح ابن حبان أخرجه في صحيحه ]

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾

[ سورة الزمر ]

صار عندنا قانون،  حينما تُرفض أو تُنفى الشفاعة فلأن الذي رُفضت في حقّه مشرك، فإذا قُبِلت الشفاعة فلأن الذي قُبِلت في حقه مات موحداً، مات غيرَ مشرك، فأمر الشفاعة في ذلك أي شفاعة الغفران عن الشرك به لا مطمحَ فيه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وقد أعلن الله عن عدم قبول الشفاعة إذا كانت من هذا القبيل في عدة آيات، منها قوله تعالى:

﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18)﴾

[ سورة غافر ]

واضحة مثل الشمس.

 3- قبول الشفاعة في غير الشرك بالله أمر منوط بمشيئة الله:

الشيء الثالث في الشفاعة، أما قبول الشفاعة في غير الشرك بالله أو جحوده فهو منوط بمشيئة الله تعالى، إنْ شاء قَبِلَها، وإنْ شاء رَفَضَها، قال تعالى:

﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾

[ سورة المائدة ]

هؤلاء الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً هؤلاء متروكون لرحمة الله، إما أن يقبل فيهم الشفاعة، أو لا يقبل لحكمة بالغة هو يفعلها، قال تعالى:

﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87)﴾

[ سورة مريم ]

هؤلاء الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً وماتوا مؤمنين موحّدين، هؤلاء متروكون لأمر الله، والشفاعة كما قلنا قبل قليل محضُ فضل: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ أي لا يملك الناس في ذلك اليوم أن تُقبل شفاعة أحد فيهم، إلا من اتّخذ منهم عند الرحمن عهداً، وذلك بالإيمان به، وبما جاء مِن عنده، فإنه قد يناله فضل من الله بقبول الشفاعة فيه، والعفو عنه، والله أعلم. 

 4- لا تُقبل الشفاعة إلا ممن أَذِن له الرحمن:

رابعاً: والشفاعة يوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممّن أذِن له الرحمن، ورضي له قولاً، قال تعالى:

﴿ يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109)﴾

[ سورة طه  ]

أي يومئذ لا تنفع الشفاعة أحداً إلا شفاعة من أَذِن له الرحمن بالشفاعة، ورَضِي له قولاً، فإن شفاعته قد تنفع إذا شاء استجاب، هناك إنسان يستحق الشفاعة، وهناك إنسان تُقبَل شفاعته، يوجد شيئان، أولاً: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ هؤلاء الذين تُطلب الشفاعة لهم يجب أن يتخذوا في الدنيا عند الرحمن عهداً، بمعرفتهم بالله، واستقامتهم على أمره، وطاعتهم له، وتوحيدهم إياه، وشكرانهم على نعمه: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ هؤلاء الذين تُقبل الشفاعة فيهم أما الذين تقبل شفاعتهم هم فيجب أن يأذن لهم الرحمن وأن يرضى لهم قولاً، عندك المُشَفَّع به والمُشَفِّع: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ إذاً فالشفاعة كالغفران تدخل في باب الفضل إن شاء قَبِلها وإن شاء لم يقبلها. 
 

ملخص بحث الشفاعة:


صار الموضوع في مجمله أنّ الشفاعة بمعناها العام تعني أن تستفيد من إنسان، إن لازمت مؤمناً، صاحبته، استمعت إلى أقواله، طبقت دِلالته، عملت بتوجيهاته، استفدت من أخلاقه، سَمَوْت بدعوته، معنى ذلك أنه شَفِع لك في الدنيا، أيْ أعطاك كل خبراته، وكل أحواله، وكل علمه، وسلكك بالطريق، فكل إنسان سلك إنساناً بطريق الإيمان شَفِع له بالدنيا، هذه شفاعة حيّ لحيّ في الدنيا، وأعظم شفاعة شفاعةُ النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان بين أظهر الناس، تعلّموا من أخلاقه، من أحواله، من إقباله، من ورعه، من حلمه، من عفوه، من كرمه، شفاعة حيّ لحيّ أن تسلُك معه فتتعلم منه وتسمو بأخلاقك وفق دعوته.
وشفاعة حيّ لميت أن تعمل عملاً صالحاً كان هو السبب فيه، فقد شَفِع هذا الحي لذاك الميت.
أما في الآخرة معنى الشفاعة أن الله عزّ وجل يعطي عباده عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام إكراماً لنبيه عليه الصلاة والسلام، هذه المعاني المُجملة، ثم إنّ الشفاعة لها قوانين، أول قانون: إنما تدخل في باب الفضل، والثاني: لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك بالله، والثالث: قبول الشفاعة في غير الشرك بالله مَنُوط بمشيئة الله سبحانه وتعالى، إن شاء قَبِلها، وإن شاء رفضها، رابعاً: الشفاعة يـوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممن ﴿أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ والآيات حول هذا الموضوع كثيرة، والأحاديث كثيرة، نرجو الله تعالى أن يوفقنا إلـى معالجة الموضوع بشكل موسع في وقت آخر.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور