وضع داكن
04-04-2025
Logo
العقيدة الإسلامية - الدرس : 54 - الإيمان باليوم الآخر 10 - من مراحل اليوم الآخر البعث
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 

تتمة مراحل اليوم الآخر:

 

1 ـ البعث:

أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس الرابع والخمسين من دروس العقيدة.
وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الإيمان باليوم الآخر إلى حقائق عن يوم البعث واليوم الآخر، يبدأ اليوم الآخر بالبعث الذي تعود فيه الحياة المادية للمخلوقات الحية التي قرر الله عودة الحياة إليها، استكمالاً لأنظمة الله في الخلق، وليُقيم الله في هذه الحياة الثانية عدله، هذه فكرة مهمة جداً، وليُقيم الله في هذه الحياة الثانية عدله، ويتمم فضله، ويحقق الثمرة الفضلى للابتلاء الذي جُعِل ميدانه في الحياة الأولى الفانية.
فنحن في الحياة الفانية حياة الابتلاء، وفي الحياة الثانية حياة الجزاء، وحياة إقامة العدل، وحياة تتميم الفضل، وفي المعتقدات الإسلامية حقائق كثيرة عن البعث وأحوال اليوم الآخر جاءت في الكتاب المجيد، والسنة المطهّرة.
أي الذي أريده ثانية أن أوضحه أنّ الأمور المتعلقة باليوم الآخر أمور نعرفها من خلال الخبر الصادق، وليس هناك مصدر آخر، لذلك لا نستطيع أن نزيد على النصوص القطعية الثبوت، القطعية الدلالة، هذه النصوص التي وردت في كتاب الله وحدها وفي الأحاديث الصحيحة المتواترة وغير المتواترة، من خلال هذه النصوص نستشف أحوال اليوم الآخر.
 

قضى الله بعلمه المسبق خلق الدنيا والآخرة لحكمة أرادها:


أولاً: الدنيا والآخرة، لقد تمت إرادة الله المرافقة لعلمه وحكمته، أُلح على هذا، إرادة الله إرادة وفق علمه، ووفق حكمته، لا تستطيع ولا في لحظة واحدة أن تنفي عن إرادة الله العلم الذي لا حدود له، والحكمة التي لا حدود لها، فقد تمت إرادة الله عزّ وجل المرافقة لعلمه وحكمته أن يخلُق عالمين، عالماً فانياً وهو عالم الدار الدنيا التي نحن فيه الآن، وهو دار الامتحان، وعالماً آخر خالداً هو عالم الدار الآخرة، وهي دار الجزاء.
وكما تمت إرادته تعالى بأن يضع فضله ورحمته وعدله في مواضعها، فمن أحسن فآمن بالله، وأطاعه، واستقام على شريعته في الدنيا دار الامتحان فقد أعدّ الله له في الدار الآخرة دار الجزاء السعادة الأبدية الخالدة، والنعيم الباذخ المقيم مكافأة منه وفضلاً، ومن أجرم فكفر بالله، وعصى في دار الامتحان، فقد أعتدَ الله له في الدار الآخرة العقوبة والانتقام جزاء منه وعدلاً، والدليل قال تعالى:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)﴾

[ سورة الشورى ]

إذاً تمت إرادة الله أن يكون هناك عالمان، عالم دنيوي فيه امتحان، وعالم أخروي فيه الجزاء والفضل، ففي الدنيا من عرف الله وأطاعه واستقام على أمره وعمل صالحاً استحق النعيم المُقيم، ومن أجرم فكفر وعصى وأساء استحق العذاب الأليم.
 

البعث من الأمور الممكنة عقلاً الذي يستحيل إنكاره:


الآن البعث ممكن عقلاً، وحيث كان البعث إعادة بناء الأجساد بعد فنائها، وإعادة الحياة لها بعد سلبها منها، فإن كل عقل سليم يدرك بداهة أن البدء والإعادة أمران متساويان، فمن يبدأ الخلق ثم يُفنيه قادر على إعادته وبعثه لا محالة، والدليل قال تعالى في سورة الروم:

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)﴾

[ سورة الروم ]

يبدأ الخلق في الدنيا، ثم يعيده في الآخرة، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي كلما فكرت في عظمة الله عزّ وجل رأيت أن إعادة الخلق هينة عليه جل وعلا، ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
قدرة الله جلّ وعلا لا تقف دونها حدود في مجال الأمور الممكنة عقلاً التي لا استحالة فيها، هذه القدرة قادرة على أن تحيي الموتى حياة مادية جسدية وروحية، لتسوقهم إلى العالم الآخر عالم الجزاء وإقامة العدل الإلهي، أَو ليس مَن خلق السماوات والأرض دون أن يجهد بخلقهن بقادر على إحياء الموتى وإعادة الحياة مرة ثانية؟! إنه قادر على كل شيء، إنما أمرُه إذا أراد أن يخلق شيئاً مهما كان دقيقاً أو عظيماً أن يقول له كن فيكون، قوله تعالى:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)﴾

[ سورة الأحقاف ]

إذًا البعث ممكن عقلاً.
 

البعث أمر واقع في وقته المحدد في علم الغيب:


البعث حقيقة لا شك فيها، لقد أخبرنا الله تعالى بأن البعث للدار الآخرة في يوم الجزاء حقيقة مقررة في قضاء الله وقدره، ستوضع موضع التنفيذ إذا جاء أجلها المحدد في علم الله، فالبعث أمرٌ واقع لا محالة، ستعود فيه الحياة إلى الأجساد التي رمّت وبليت، وليس ذلك على الله ببعيد ولا مستغرب على قدرته الذي خلق السماوات والأرض، وخلْقُهن أكبر من خلق الناس، أَو َليس الذي ابتدع خلْقَ الإنسان على غير مثال سابق بقادر على إعادة كل فردٍ من أفراد نوعه بعد موته وفناء جسده؟ بلى إنه لقادر، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)﴾

[ سورة الحج ]

 

وهمٌ يستطرق بعض الأذهان:


هناك وَهْم يقع فيه بعض المتعلمين، هذا الوهم هو أن الحياة الآخرة حياة روحية فقط، حياة روحية وليس فيها حياة مادية، لكن القرآن الكريم، والنص فيه قاطع الثبوت، قاطع الدلالة، يؤكد أن الحياة في اليوم الآخر حياة مادية روحية في وقت معاً، فلما كان مصدر إيماننا بالحياة الثانية بعد الموت النصوص الدينية القاطعة وجب علينا أن نتقيد بدلائل هذه النصوص في نوع هذه الحياة الثانية.
أي الإنسان ليس له حقّ يتصور ويحلل ويفكر في بُعْد عن النصوص، النصوص القرآنية لا تدعُ مجالاً للشك في أن الحياة الآخرة حياة مادية روحية معاً، فقد جاءت النصوص الكثيرة الصريحة القطعية في القرآن والسنة دالة على أن الحياة الثانية حياة روحية وجسدية معاً بحيث لا تدع شُبهة لمرتاب، فمِن المقرر في أصول العقيدة الإسلامية أنّ علمَ الله بما سيكون في مخلوقاته لا يكون إلا وفق مراده، ومراده تعالى مساير لحكمته العظيمة، ومن المقرر أيضاً في أصول العقيدة الإسلامية أن إخبار الله في نصوص دينية قاطعة التي بلغها أنبياءه ورسله لا تكون إلا وفق علمه، وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى بأن الحياة الثانية حياة مادية مشابهة للحياة الأولى، فأيّ مبرر للفِرار من مدلولات أخبار الله القاطعة التي بلّغها إلينا أنبياؤه ورسله السابقون.
 

الأدلة الواردة من الكتاب حول بحث البعث روحاً وجسداً:


إنما بقليل من التأمل لا نجد من المبررات شيئاً إلا مجرد التعنت على الله فيما أخبرنا به، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23)﴾

[ سورة الحج ]

﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71)﴾

[ سورة الزخرف ]

آيات كثيرة لو رجعنا إليها، لو رجعنا إلى مشاهد يوم القيامة في القرآن الكريم، إلى ألوان النعيم في الجنة، إلى ألوان العذاب في النار، وجدنا أن هناك عذاباً مادياً محضاً، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)﴾

[ سورة النساء ]

﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106)﴾

[ سورة المؤمنون ]

أي نصوص قرآنية صريحة واضحة كثيرة قطعية الدلالة تؤكد أن الحياة في الدار الآخرة حياة مادية وروحية في وقت واحد، فمَن يُنكر الجانب المادي منها فقد كفر بآيات الله القاطعة.
 

ينبغي على من يريد الرد على حقائق الغيب أن يكون قائده العلم والدليل لا الهوى:


من وقع في توهمه أنه يريد أن يُنزّه الله تعالى عن أن يجعل حياتنا الثانية الأبدية غير مصاحبة لجسد مادي فبماذا يجيب عن نظام الخلق الأول وهو نظام مادي نعيش في شروطه وظروفه؟ لذلك يجب علينا شرعاً أن نعتقد بهذه الحقيقة من حقائق الحياة الثانية اتباعاً لنصوص الشريعة القاطعة المنتشرة في القرآن الكريم والسنة المطهرة.
أي كلما قرأت آية أو آيات عن نعيم أهل الجنة فينبغي أن تعتقد أن هناك نعيماً مادياً ونعيماً روحياً في وقت واحد، فإذا أنكرت أحدهما فقد أنكرت كتاب الله عزّ وجل، وحيثما قرأت في القرآن الكريم عن ألوان العذاب الذي يذوقه أهل النار فيجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن العذاب في جهنم عذاب مادي بالدرجة الأولى وعذاب نفسي، فإذا أنكرت أحدهما فقد أنكرت بعض آيات القرآن الكريم.
هذه النقطة أردت أن أثيرها، وأن أُلح عليها ليُنتزع من أذهان بعض الناس أن الحياة الآخرة حياة روحية محضة، وأن العذاب عذاب نفسي، بل إن العذاب عذاب مادي ونفسي، والنعيم نعيم مادي ونفسي، والآيات التي توضح وتؤكد ذلك لا تُعدّ ولا تحصى كثيرة جداً. 

2 ـ الحشر:

من الحقائق الثابتة عن اليوم الآخر موضوع الحشر، فالحشر هو الجمع، وبعد البعث إلى الحياة الأخرى يوم القيامة يَتِم حشر الخلائق لموقف الحساب، وقد تظاهرت الآيات القرآنية تثبت حقيقة الحشر، وتعرض طائفة من الصور التي ستكون في ذلك اليوم الرهيب، وذلك لتقريب حقيقة ما سيجري فيه إلى الأذهان.  

صفة أرض المحشر وأهله:


من ذلك تشقق الأرض عن الخلائق يوم القيامة لبعثهم عَقِب النفخة الثانية التي مرت بنا في الدرس الماضي، فيخرجون منها سِراعاً إلى موقف الحشر، قال تعالى:

﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44)﴾

[ سورة ق ]

من ذلك تسوية أرض المحشر فتكون كلها بارزة، لا جبال فيها، ولا وديان، قال تعالى:

﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47)﴾

[ سورة الكهف ]

أي الأرض صفحة مستوية، لا جبل ولا واد ولا تل، ولا شيء من هذا القبيل، ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ وقد جاء من كلام النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم جاء توضيحاً لما جاء في كتاب الله، وردت صورة في حديث النبي عليه الصلاة والسلام،

(( فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ قَالَ سَهْلٌ أَوْ غَيْرُهُ لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لأَحَدٍ. ))

[ متفق عليه  ]

قرصة النقي أي كرغيف الخبز الأبيض المنخول، ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ قَالَ سَهْلٌ أَوْ غَيْرُهُ لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لأَحَدٍ)) ، ((لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لأَحَدٍ)) أي ليس فيها علامة لأحد، أرض منبسطة.
من ذلك أن الحشر يعمّ الإنس، والجن، والملائكة، وكل دواب الأرض، وطيورها، أما حشر الجن والإنس فلأنهم مكلفون، وأما حشر الملائكة فليقوموا بوظائفهم وفق سنة الله في خلقه، وأما دواب الأرض وطيورها فقد جاء في إثبات حشرها قوله تعالى:

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)﴾

[ سورة الأنعام ]

الدواب في الأرض، والطيور في السماء، وقد جاء في كلام النبي عليه الصلاة والسلام ما يدل على الفائدة من حشرها، فمن ذلك القصاص مِن البهائم الظالمة في الدنيا للمظلومة منها،

(( فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ تَنْطَحُهَا. ))

[ صحيح مسلم ]

لو أن شاة قرناء نطحت شاة جلحاء بلا قرون لاقتُصّ من القرناء يوم القيامة، فإذا كان الحساب على هذا المستوى فويل للإنسان الذي يعتدي على حقوق الآخرين، وفي بعض الأحاديث أن الطير الذي اصطاده الصياد للتسلية لا ليأكله يأتي يوم القيامة وله دوي كدوي النحل، يقول: يا ربي سله فيمَ قتلني؟ قد يذهب بك الظن أن الصيد مباح على إطلاقه، لا يا أخي، مباح إذا كنت مسافراً، وانتهى زادك، وخشيت على نفسك الهلاك، لك أن تصطاد، وأن تأكل، فأنت مُكرمٌ على الله عزّ وجل، والصيد مباح، أما أن يُتّخذ الصيد هواية لقتل البهائم، قتل الطيور بلا سبب، مجرد الهواية، هذا في حكم الشرع محرمٌ قطعاً، يا ربي سله لمَ قتلني؟ إذا قتلت طائراً اصطدته لمأكلة هذا مباح، أنت مُكرم على الله وهو قد قدم لك جسده طعاماً، هو خُلِق مسخراً لك، أما أن تُسَخِّر له أدوات الصيد للتسلية والهواية فهذا شيء أقرّ العلماء جميعاً أنه محرم، في بحث الصيد هناك الصيد المحرم والمباح والواجب والمكروه، ومن ذلك تأديتها وظيفة الشهادة على الناس بحسب مشاهدتها في الدنيا، وتسخيرها لتعذيب العُصاة الذين عصوا الله بها في الدينا حينما كانت مذللة لهم، مسخرة لمصالحهم وحاجاتهم، أي هذه الدواب التي خلقها الله لنا لها وظيفة ثانية في الحشر أولاً يُقتصّ منها، وثانياً تؤدي الشهادة، من ركب دابة لمعصية تشهد عليه يوم القيامة، قال تعالى:

﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21)﴾

[ سورة فصلت ]

 الإنسان جلده يشهد عليه، يده تشهد عليه، أعضاؤه تشهد عليه، جوارحه تشهد عليه، البهائم التي عصى الله فيها تشهد عليه، ومن ذلك أن المجرمين يُحشرون يوم القيامة مُكبّين على وجوههم عمياً وبكماً وصماً، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97)﴾

[ سورة الإسراء ]

هذا كله في المحشر، لا زلنا في موضوع الحشر.
من ذلك ما يصيب أهل الموقف من فَزَع عام، يصدر فيه الناس أشتاتاً، قال تعالى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾

[ سورة الزلزلة ]

ومن ذلك ما يصيب الناسَ يوم الحشر من شدة تتفاوت بتفاوت أحوالهم في الدنيا، إلى غير ذلك من صور فيها إكرام للمؤمنين المتقين، وفيها إهانة للمجرمين الظالمين.
ومن ذلك أن الناس يوم القيامة يُحشرون حفاة عراة غُرلاً، والغُرل جمع أغرل، والأغرل الذي لم يُختن، وفي بعض الأحاديث

(( أَنَّ السيدة عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا، قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: الأمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ. ))

[ متفق عليه ]

الأمر أفظع من أن يعنيهم ذلك.
 

صفة هول المحشر:


في بعض الأحاديث التي كنت أرويها في مناسبات أخرى أن السيدة عائشة رضي الله عنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام: أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة؟ لو أن إنساناً له جار، له زميل، له قريب، له ابن، له أب، له أخ، له زميل في العمل، هل إذا رآه يوم الحشر يعرفه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ذكرت النار فبكيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما لك يا عائشة؟ قالت: ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحد أحداً، حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الكتب حتى يقال: هاؤم اقرؤوا كتابيه، حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أو من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حافتاه كلاليب كثيرة وحسك كثير يحبس الله بها من شاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا. ))

[ حديث صحيح إسناده على شرط الشيخين لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة  ]

عند فتح الصحف، وعند نصب الميزان، وعند السير على الصراط، في مثل هذه المواقف الثلاث لا يعرف أحد أحداً إطلاقاً، وفي غير هذه المواقف قد تقع عين الأم على ابنها  -أقرب مِن هذا لا يوجد-تقول: يا ولدي جعلت لك صدري سقاء، وحجري وطاء، وبطني وعاءً، فهل من حسنة يعود عليّ خيرها اليوم؟ أي أتعطيني بعض حسناتك يا ولدي؟ كنت أمك في الدنيا، جعلت لك صدري سقاء، وحجري وطاء، وبطني وعاءً-أي فراش-فهل من حسنة يعود عليّ خيرها اليوم؟ فيقول الابن لأمه: ليتني أستطيع ذلك يا أماه، إنما أشكو مما أنت منه تشكين، هذا من أهوال يوم الحشر.
 

الأدلة الواردة من السنة على يوم الحشر:


(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا، ثُمَّ قرأ: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) وأَوَّلَ من يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَإِنَّ أناساً من أصحابي َيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: أصحابي أصحابي، فَيُقَول: إِنَّهم لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ... إلى قوله الحكيم). )) 

[ صحيح البخاري ]

أنا كما ترون أُحب أن نبقى في القرآن، وكل حقيقة تُليت في القرآن، وفي أحاديث النبي العدنان عليه الصلاة والسلام ما كان منها صحيحاً، ما كان منها متواتراً، ما جاءت بها كتب الصحاح، إذا بقينا في القرآن وهذه الأحاديث الصحاح كان الذي نقوله حقاً وصدقاً، فكل حقيقة وردت يجب أن تدعمها آية أو حديث صحيح، وهذا الموضوع كله موضوع إخباري، لا مجال للتفكر، ولا للتحليل، ولا للزيادة، ولا للتعديل إطلاقاً، إنها حقائق وردت من خلال الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة. 

3 ـ  العرض والسؤال والحساب:

ثم بقي العرض والسؤال، والحساب والميزان، وكتب الأعمال، وشهادة الجوارح، هذه أيضاً من لوازم يوم القيامة، ولا يتم تنجيز المرحلة الأخيرة من العقاب أو الثواب قبل اجتياز مرحلة الحساب، وذلك للفصل بين الخلائق، ولإقامة الحُكم بالعدل، ولتقرير مرتبة الإكرام والفضل تمهيداً لمقتضى الجزاء المقرر بموجب قانون الجزاء الرباني، قال تعالى في سورة الغاشية:

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾

[ سورة الغاشية ]

هناك حساب، ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ ويسبق الحساب عرض فسؤال، قال تعالى مبيناً مرحلة العرض في سورة الكهف:

﴿ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48)﴾

[ سورة الكهف ]

الخلائق كلها عُرِضت على الله عزّ وجل، وقد لبست ثوب عملها، كل إنسان يرتدي يوم القيامة ثوب عمله، وقال تعالى مبيناً السؤال في سورة الحجر:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

[ سورة الحِجر ]

لمَ فعلت كذا؟ لمَ أكلت مال فلان؟ لِمَ احتلت على فلان؟ لِمَ كنت عاقاً لوالديك؟ لِمَ ظلمت زوجتك؟ لِمَ غششت الناس؟ لِمَ قهرتهم؟ العرض، ثم السؤال، ثم الحساب. 

4- الميزان:

لإقامة العدل في الحُكم عند الحساب يوم القيامة ميزانُ حقّ لا يظلم مثقال ذرة، قال تعالى في بيان هذا الميزان في سورة الأنبياء:

﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾

[ سورة الأنبياء ]

الذين يعرفون الخردل يعرفون معنى هذه الآية، ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ لو أنك نظرت نظرةً خلاف ما أمر الله عزّ وجل، هذه النظرة مُسجلة، سوف تُحاسب عليها، لو أن طبيباً يعالج امرأة، ونظر إلى عضو لا تشكو منهَ:

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)﴾

[ سورة غافر ]

العين تخون أحياناً هذا مُسجل، لو أنك قسمت شيئاً بينك وبين أخيك، وأخذت أكثر مما أخذ شيئاً طفيفاً لسُجِّل عليك يوم القيامة، هذه الآية تكفي، والله هذه الآية تقصم الظهور، والذي لا يخاف الله عزّ وجل أحمق وغبي، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ هذه في سورة الأنبياء، الآية السابعة والأربعون.
 

وسائل الإثبات لإدانة المكلف في يوم المحشر:

 

1- شهادة كتب الأعمال مع الموكلين في تسجيلها وهم الملائكة:

الآن العرض ثم السؤال ثم نصب الميزان، الآن الأدلة، الإثبات، أما وسائل الإثبات لإدانة المكلف فهي شهادة كتب الأعمال، الإضبارة، هاتوا إضبارة فلان، كل حركاته، كل سكناته، كل أمواله، بيعه، شراؤه، علاقاته الخاصة والعامة، زواجه، طلاقه، تربيته لأولاده، علاقته بجيرانه، اغتصابه لأموال الآخرين، تطاوله عليهم، أكله لحقوقهم، كل أعمال الإنسان، في آيات أخرى هذا كتاب الأعمال تحدثنا عنه يوم الجمعة، قال تعالى:

﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)﴾

[ سورة الكهف ]

تصور رجلاً عاش سبعاً وستين سنة، كل يوم حوالي عشرين ثلاثين صفحة، دخل إلى البيت تصرف تصرفاً قاسيًا مع زوجته بلا سبب، مسجلة عليه، أكل طعاماً ونسي الطرف الآخر، مسجلة عليه، طُرق الباب، طُلب منه مساعدة، قال لهم: لا يوجد عندي، رفض أن يساعد، مسجلة عليه، جاءت امرأة إلى البيت فنظر إليها، سُجلت، أي كل حركة وكل سكينة مُسجلة، قال له: إذا كان كل يوم يوجد خمسون أو ستون صفحة على سبع وستين سنة هذه صارت مجلدات.
أطلعني أخ منذ يومين قال لي: انظر إلى هذه الصورة صورة سيارته، قال لي: خالفوني وأنا أمشي بسرعة زيادة، الصورة بالألوان مع التاريخ مع السرعة، بين الزاوية السوداء، الإنسان المخالفة مع صورة، أليست هذه سيارتك؟ جهاز الكتروني سجّل السرعة، يمشي تسعين على هذا الشارع، هذه صورتك السيارة والرقم الخاص بها، فهناك آيات أخرى تؤكد أن كتاب الأعمال مرقوم، معنى مرقوم لها معنيان، المعنى الأول: صفحاته مُرَقّمة ومختومة، رجاءً هذه الصفحة انزعها لي، هذه في الدنيا تقع، تنزع صفحة، تضيف صفحة، لا نستطيع أن ننزع صفحة، كله مختوم، كل صفحة مختومة، ثم إن هذا الدفتر مئة وسبعون صفحة، توقيع: الموظف، هل تستطيع أن تنزع صفحة؟ مع الإنسان مع موظف المالية تستطيع أن تنزع صفحة من دفترك المختوم؟ هذا معنى كتاب مَرْقوم، فأول معنى أنه مَرقوم أي له أرقام ثابتة.
المعنى الثاني: من الرَّقْم وهو الوشم، أي كل مخالفة مع صورتها، كل عمل وصورته، صورة ملونة أيضاً، ألم تفعل هذا العمل؟ هذه إدانة، فأكبر دليل يوم القيامة شهادة كُتُب الأعمال التي سُجّلت فيها أعماله وأقواله في الحياة الدنيا، قال عز وجل:

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)﴾

[ سورة الإسراء ]

﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ أنت بالدنيا إذا طلبك رئيسك بالعمل، واتصل بالذاتية أعطونا الإضبارة، آخذ إجازة ومدّع أنك متمارض، وهناك كتاب توبيخ، وهناك نقص في المستودع، أطلعك عليهم واحدًا واحدًا، إذا قرأها على مسامعك فقط بماذا تحسّ؟ في الدنيا، ثم تأتي شهادة الملائكة الكرام الكاتبين الذين قاموا بوظيفة تسجيلها في الدنيا، الكتاب مع الذي سجله، هذه ليست واضحة، اقرأ له هذه، جاء الكاتب، صار الكتاب مع الكاتب، الملائكة، شهادة كتب الأعمال التي سُجلت فيها أعماله وأقواله في الحياة الدنيا وشهادة الملائكة الكرام الكاتبين الذين قاموا بوظيفة تسجيلها في الدنيا. 

2- تسليم المكلفين كتبهم:

يُسلَّم المكلفون كتب أعمالهم يوم القيامة بأيمانهم إذا كانوا من أهل اليمين:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾

[ سورة الحاقة ]

إذاً يُسَلّم المكلفون كُتُب أعمالهم يوم القيامة بأيمانهم إذا كانوا من أهل اليمين في الحياة الدنيا، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو بشمائلهم، ومن وراء ظهورهم إذا كانوا من أهل الشمال في الحياة الدنيا، وهم الذين كفروا وعملوا السيئات، قال تعالى: 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12)﴾

[ سورة الانشقاق ]

يوجد آيتان، الكافر:

﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13)﴾

[ سورة الانشقاق ]

كان في غفلة، بيته فخم، وسيارته، وأموال، وطعام، وعزائم، وسهرات حمراء وخضراء، واعتداء على الأعراض، ظنّ نفسه لا أحد يحاسبه، لا أحد في مستواه، ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ أما المؤمن: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ مثل الطالب جاء إلى البيت، ومعه جلاؤه، وقد نال الدرجة الأولى، يأتي فَرِحاً، بين أن ينقلب إلى أهله مسروراً وبين أنه كان في أهله مسروراً فرق كبير جداً.
وكتاب عمل الإنسان الذي يتسلمه يوم القيامة: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ قلنا عن ذلك.
 

الأدلة إذا اعترف أو أنكر الإنسان أعماله:

 

1- شهادة الإقرار بالنفس:

إذاً أولاً شهادة كتب الأعمال، والملائكة الذين سجلوا هذه الأعمال، هذه الكتب تُسلَّم إلى أصحابها، أهل الإيمان باليمين، قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا ‎لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾

[ سورة الحاقة ]

الآن الأدلة؛ شهادة الإنسان على نفسه بإقراره واعترافه بجرمه، والاعتراف في القضاء سيد الأدلة، إذا إنسان يجب أن نُقيم عليه حد الزنا، الرجم، لابد من أربعة شهود رأوه رأي العين، فإذا جاء الزاني المحصن وأقرّ على نفسه، ليس هناك حاجة للشهود، انتهى، لأن الاعتراف سيد الأدلة، والصلح سيد الأحكام. 

2- شهادة الأعضاء:

الدليل الثاني؛ شهادة الإنسان على نفسه بإقراره واعترافه بجرمه، فإن كذب لسانه خُتِم على فمه، لو فرضنا يريد أن يكذب يُختم على فمه، قال تعالى:

﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)﴾

[ سورة يس ]

لو حاول الإنسان يوم القيامة أن يكذب يُختم على فمه، وتنطق أعضاؤه بجرمه، أما في الدنيا قد يكذب المتهم، فتنطق بإذن الله وقدرته شاهدة عليه، قال تعالى:

﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)﴾

[ سورة النور ]

وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ .

(( وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ فَيُقَالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ. ))

[ صحيح مسلم ]

أي أعضاؤه، جوارحه، جلده، يداه، رجلاه، لسانه، عينه، أذنه، كلها تشهد عليه.
 صار عندنا العرض، والسؤال، والحساب، والميزان، وكُتب الأعمال، وشهادة الملائكة والجوارح، وفي درس قادم إن شاء الله نصل إلى الصراط، ثم إلى الجنة والنار-طبعاً في الموضوعات-وأوصاف أهل الجنة والشفاعة، وثبوت الشفاعة يوم القيامة، وما إلى ذلك من موضوعات.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور