الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
طريق الخبر الصادق دليل المسلم على إيمانه باليوم الآخر:
أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس الواحد والخمسين من دروس العقيدة.
وصلنا إلى موضوع وجوب الإيمان باليوم الآخر، تحدثنا في الدرس الماضي عن ضرورة الإيمان باليوم الآخر، وها نحن ننتقل إلى موضوع وجوب الإيمان باليوم الآخر، ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)﴾
كأن الله سبحانه وتعالى وضّح في هذه الآية أركان الإيمان، وكيف أنّ الإيمان باليوم الآخر أحدُ أركان الإيمان الأساسية، فعقيدة الإيمان بالله لا تنفك عن الإيمان باليوم الآخر، لأن مِن مقتضى الإيمان بالله –دققوا-تصديقُه في جميع ما يُخبرنا به، لو سألك سائل: ما الدليل على إيمانك باليوم الآخر؟ تقول: هذا الكون كله دليل على وجود الله، فالإيمان بوجود الله إيمان تحقيقي، بعد أن عرفتَ الله، وعرفتَ أن لهذا الكون خالقاً عظيماً، وأن هذا الخالق العظيم لا يُعقل أن يترك عباده من دون إرشاد، وأنه أنزل على رسله كُتُباً، ليُعرفّهم بحقيقة وجودهم، وحقيقة المهمة التي خُلِقوا من أجلها، وأن الله عزّ وجل أخبرنا بهذه الكتب أن هناك يوماً آخر.
فمِما يقتضي، مما يلزم الإيمان بالله عزّ وجل الإيمان باليوم الآخر، لأن الله عزّ وجل أخبرنا في كتبه بأن هناك يوماً آخر، القضية سلسلة، الإيمان بالله إيمان تحقيقي عن طريق النظر في الكون، وعن طريق الاستدلال العقلي اليقيني، وقد ذكرت لكم من قبل أن مسالك اليقين أربعة مسالك، هناك مسلك اليقيني الحسّي، أنت تشعر، أنت تُحسّ بعينيك أن هذا المصباح متألق، وأن هذا كتاب، وأن هذا كأس، وأن هذه يد، فهناك مسلك اليقين الحسي، وهناك مسلك اليقين الاستدلالي، الأثر يدل على المُؤثر، والنظام يدل على المُنظم، والخلق يدل على الخالق، والوجود يدل على الموجد، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدلان على العليم الخبير؟ هذا مسلك اليقين الاستدلالي.
وهناك الشيء الذي غابت عينه وبقيت آثاره، مسلك اليقين به اليقين الاستدلالي، الشيء الذي ظهرت عينه حسياً مسلك اليقين به اليقين الحسي، الشيء الذي غابت عينه وغابت آثاره مسلك اليقين به اليقين الإخباري، فعالم الأزل، وعالم الأبد، والملائكة، والجن، واليوم الآخر، والجنة، والنار، والبرزخ، ويوم البعث والنشور، هذه الأشياء المُغيّبة عنّا مسلك اليقين بها اليقين الإخباري، الله عز وجل أخبرنا أن هناك يوماً آخر، إيمانك بالله إيمان تحقيقي، يقينك بوجوده يقين استدلالي، لكن يقينك باليوم الآخر يقين إخباري لأن الله عز وجل أخبرنا عن طريق الوحي وفي الكتب المُنزَّلة أن هناك يوماً آخر، فهذا الدليل الأول.
من ضمن ما أخبرنا الله به عن اليوم الآخر ذكر الوعد والوعيد:
وقد أخبرنا باليوم الآخر في وعده ووعيده، وما أعدّ الله في هذا اليوم من نعيم للمؤمنين المتقين، وما أعتد، الوعيد غير الوعيد، الوعد بالخير، الوعد بالثواب، والوعيد بالعقاب، وما أعدّ من الوعد، وما أعدّ الله في هذا اليوم مِن نعيم مقيم، وما أعتد من الوعيد في هذا اليوم من عذاب للمجرمين، ولقد قرر الله سبحانه وتعالى حقيقة الحياة الثانية بعد الموت، وأنها حياة الحساب والجزاء، وإقامة العدل الرباني في الخلائق، الحياة الأولى حياة الابتلاء والحياة الثانية حياة الحساب والجزاء، وإقامة العدل الرباني في الخلائق، وأنها حياة أخرى خالدة، الحياة الدنيا حياة ابتلاء مؤقتة، حياة ابتلاء فانية، والحياة الآخرة حياة جزاء خالدة، حياة ابتلاء فانية وحياة جزاء خالدة، بعد هذه الحياة الأولى الفانية القصيرة المدى التي هي حياة الامتحان والابتلاء المحاطة بظروف الامتحان اللازمة على أتمّ وجه وأدقه، أي طبيعة هذه الحياةِ مصممة بشكل دقيقٍ دقيق على أن تكون حياة ابتلاء، هناك تفاوت في المستوى المعاشي، هذا الغني أيشكر؟ وهذا الفقير أيصبر؟ هناك ابتلاء في قوة الجسد وضَعفه، أهذا الصحيح أيشكر؟ وهذا السقيم أيصبر؟ ربنا عز وجل جعل الحياة الدنيا متفاوتة تفاوتاً كبيراً من أجل أن يكون الابتلاء صحيحاً.
ولقد قرّر الله سبحانه وتعالى حقيقة هذه الحياة الآخرة في اليوم الآخر والدار الآخرة في جميع الأديان السماوية، وأنزلها على جميع رسله عليهم الصلاة والسلام، هذه نقطة مهمة جداً أن اليوم الآخر أحد أركان العقيدة في كل الديانات السماوية، ما من دين سماوي إلا وأحد أركان الإيمان فيه الإيمان باليوم الآخر.
أسلوب القرآن المتنوع في تقريب حقيقة وجوب الإيمان باليوم الآخر إلى الأذهان:
لكن ربنا عزّ وجل في معرِض وجوب الإيمان باليوم الآخر يُنوّع وسائل العرض، فتارة يأمر بالإيمان باليوم الآخر، وتارة ينهى عن الكفر به، وتارة يصرّح بحيث لا يدع شُبُهة في التصريح، وتارة يُرغِّب في الجنة، وتارة يُرهِّب من النار، وتارة يشير ويُلمّح في مقام حثّ المؤمنين على العمل الصالح، وتارة يُمثِّل، قال تعالى:
﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45)﴾
وتارة بالتمثيل والتشبيه لتقريب حقيقة هذه الحياة الثانية إلى الأذهان، وتارة بإقامة البراهين والحجج المنطقية الدامغة في مناقشة منكري البعث، وتارة بوصف ما في هذه الدار الآخرة من نعيم مقيم، وعذاب أليم، وجنة، ونار، وعرض، وحساب، وميزان، وصراط، إلى غير ذلك مِن مَشاهد وصور، لا يخفى على متعهد كتاب الله بالتلاوة أو بالسماع كثرةُ الآيات الكريمة التي تُنَوِّهُ بالبعث من مختلف أطرافه، وبالحياة الآخرة من مختلف ألوانها، فعقيدة الإيمان باليوم الآخر وما في هذا اليوم من حقائق ثابتة عقيدة معلومة مِن الدين بالضرورة.
الترابط المتلازم بين عقيدة الإيمان وبين السلوك:
بينـت لكم من قبل أن هناك مجموعة عقائد يجب أن تُعلَم بالضرورة، ولا يُعفى أي مسلم من مغبة الجهل بها، لا عذر للجاهل، التبحر في بعض العلوم فرض كفاية، لكن هناك بعض الحقائق، بعض المعتقدات الأساسية يجب أن تُعلَم بالضرورة، إذاً حضور مجالس العلم يرقى إلى مستوى الفرض، من أجل أن تعرف العقائد التي لابد من أن تعتقد بها، لأن هذه العقائد أساسية في تحرك الإنسان.
من كانت عقيدته صحيحة كان عمله صحيحاً، ومن كانت عقيدته زائغة كان عمله زائغاً، والدليل ناصع كالشمس، هذا الذي يأكل مالاً حراماً لماذا أكل مالاً حراماً؟ لأنه اعتقد أن الحياة هكذا، خُلِق الإنسان بلا مسؤولية، أما إذا عَلِمَ عِلمَ اليقين أنه سيحاسب عن هذا المال الحرام حساباً عسيراً، إذا اعتقد أن هذا المال ربما تلف وأتلف صاحبه ابتعد عن الحرام، أي هنالك علاقة أساسية وعلاقة خطيرة جداً بين المعتَقَد وبين السلوك، خذا هذا في أمور أخرى، هذا الذي يعتقد اعتقاداً جازماً أن كثرة ملح الطعام يُسبِّب ارتفاع الضغط، وأن ارتفاع الضغط مرض خطير قاتل، إذا بلغ علمه حدّ اليقين في خطورة ملح الطعام يعزف عن الطعام المالح ولو كان من أشهى أنواع الطعام، يقول: لا، مُنِعت عن الملح، قناعته اليقينية من أن ملح الطعام يُسبِّب له متاعب لا حصر لها تمنعه من تناول ملح الطعام، هذا على المستوى الصحي، فإذا كان جاهلاً ولم يعرف خطورة هذه المادة، وأثرها في رفع الضغط، وفي حبس السوائل في الجسم، وفي إرهاق القلب، تناول من الملح بشكل يُرضي ذوقه، يقول لك: هذا الطعام لا يؤكل، أَضِفْ أضف الملح حتى نستسيغ طعامه.
إذاً العقيدة لها علاقة بالسلوك، كلما ارتقى مستوى اليقين كلما سما العمل، إذاً لا يمكن لإنسان أن يستقيم على أمر الله إلا إذا صحت عقيدته، فإذا لم تصح فهو يقترف من الآثام، ويقتنص من الشهوات، وينغمس في الملذات، بحيث يبدو وكأن عقيدته غير سليمة.
لذلك يُعلن المسلم دائماً وفق عقيدته التي متى أخلّ بها كفر، أي إذا الإنسان اعتقد أن هذه الصلاة لا لزوم لها، إنها حركات لا معنى لها، إنها عبء على الإنسان، لابس مرتاح، اخلع حذاءك واخلع ثيابك وتوضأ وصلِّ، أي هذه الصلاة عبء، إذا اعتقدت أنها عبء وأنها لا لزوم لها فهذا كفر، قد يترك المرء الصلاة إنكاراً لحقها فيكفر، وقد يتركها تهاوناً فيفسق، المعتقد شيء مهم جداً، إذا اعتقدت أنه لابد من أكل الربا، هكذا الحياة، هذا المال لا ينبغي أن يبقى مُجمداً، لابد من أن يُستثمَر بربح مضمون، من دون قلق، لابد مِن وضعه واستثماره بفائدة عالية، إذا اعتقد الإنسان هذا مستحلٌّ للربا فقد كفر، أما إذا غُلِب أي بريق الذهب أغراه في أن يستثمر ماله، إذا غُلِب معتقداً حُرمة الربا فهذا فسق، الفرق بين الكفر والفسق فرقٌ بين صحة العقيدة وبين زيغ العقيدة.
عقيدة المؤمن راسخة في إيمانه باليوم الآخر:
إذاً المسلم يعلن دائماً أنه يؤمن باليوم الآخر، ولا يُنكر شيئاً من أحوال الآخرة وحقائقها التي جاء الإخبار عنها بطريق يقيني صادق، فلا ينقص منها شيئاً، أي إذا قرأ الإنسان بكتاب أن الإنسان أصله قرد، وأن هذا الذي جاء في كتاب الله ليس صحيحاً أنّ الإنسان أصله من آدم، وأنه كان في الجنة مع حواء، وأنهما هبطا منها، هذه القصة التي وردت في القرآن الكريم إذا اعتقد أنها غير صحيحة وقع في الكفر، إذاً ما موقفه من هذه النظرية؟ لابد من أنْ يأخذ منها موقفاً واضحاً، يجب أن يدحَضها بالدليل العقلي والنقلي، أي أن يبقى في ذهنه صحة هذه النظرية، وصحة هذه السورة التي وردت فيها قصة سيدنا آدم مستحيل، لابد من أن يأخذ موقفاً عقائدياً صحيحاً، إما أن يؤمن بالله وكتبه وفي مقدمة كتبه القرآن الكريم، وإما أن يُعدّ في عقيدته زائغاً وكافراً.
إذاً فلا ينقُص منها شيئاً، ولا يزيد عليها شيئاً من محض الخيال والتصور، لأنها مِن أمور الغيب التي لا يستطيع العقل أن يعرف عنها أية صورة، هذا الشيء أُلح عليه كثيراً، أمور الغيب، عالم الأزل، وعالم الأبد، عالم الموت، عالم البرزخ، عالم البعث، عالم النشور، عالم الجنة، عالم النار، عالم الملائكة، عالم الجن، هذه الأشياء المُغيبة عنّا، لا سبيل للعقل لمعرفتها عن طريق الاستدلال أبداً، لابد من الاستسلام لِما جاء الإخبار عنها، وهذه عقيدة المؤمن الصحيحة، يجب أن يكون إيمانك بالله إيماناً تحقيقياً، أمّا الذي أخبرك الله عنه فالإيمان به إيمان تصديقي.
أسماء اليوم الآخر كما وردت في الكتاب:
1- أسماء بحسب الظرف الزماني:
الآن لليوم الآخر أسماء كثيرة وردت في كتاب الله، وهناك فروق في دلالاتها، فلقد جاء في القرآن الكريم تسمية اليوم الآخر بعدة أسماء أخذاً مما يجري فيه، ومن أسمائه يوم البعث، لأن فيه البعث إلى الحياة الجسدية بعد الموت، يوم البعث إشارة إلى أن الإنسان يُبْعَث بعد أن يموت.
ويوم الخروج لأن فيه خروج الناس من قبورهم إلى الحياة الأخرى:
﴿ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42)﴾
ويوم القيامة لأن فيه قيام الناس إلى حساب الله سبحانه وتعالى.
ويوم الدين لأن فيه إدانة الخلائق ومجازاتهم على أعمالهم.
ويوم الفصل:
وكل يدَّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
﴿ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)﴾
كل أناس يعتقدون أنهم على حق، وأن غيرهم على الباطل، كل فرقة، وكل جماعة، وكل مذهب، وكل طائفة، وكل فرقة، وكل نِحلة تدّعي أنها على حق وأن ما سواها على الباطل، يأتي يومُ الفصل ليفصل في هذا الموضوع، لأن فيه الفصل بين الناس بالعدل.
ويوم الحشر ويوم الجمع لأن فيه جمع الخلائق، وحشرهم في موقف الحساب.
ويوم الحساب لأن فيه محاسبة الناس على أعمالهم في الدنيا.
ويوم الوعيد لأن فيه تحقيقاً لوعيد الله سبحانه وتعالى:
﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20)﴾
ويوم الحسرة لأن في هذا اليوم يتفطر قلب الكافر حسرةً:
﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾
ويوم الخلود لأن الحياة في هذا اليوم للمُكلّفين في الدنيا حياة أبدية خالدة، الإنسان في الدنيا يخشى تقدّم السن، ومع تقدّم السن يخشى الموت، يخشى أن تمضي به الدنيا، يخشى أن يُغادِرها قبل أن يستمتع فيها، يخاف أن يشيب شعره، يحرص على شبابه الدائم، أما هذا الشعور يوم القيامة غير موجود في الجنة، أي لا يوجد تقدّم في السن، ولا يوجد ضعف في الجسم، ولا يوجد ضعف في البصر، ولا يوجد فقد للذاكرة، ولا يوجد خوف من الموت، ولا يوجد خوف من النهاية:
﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34)﴾
قال: إلى غير ذلك من أسماء ملاحظ فيها التسمية باليوم أخذاً من الظرف الزماني، يوم البعث، ويوم الخروج، ويوم القيامة، ويوم الدين، ويوم الفصل، ويوم الحشر، ويوم الجمع، ويوم الحساب، ويوم الوعيد، ويوم الحسرة، ويوم الخلود، كل هذه الأسماء مُضافة إلى كلمة يوم، أخذاً مِن الظرف الزماني.
2- أسماء بحسب الظرف المكاني:
وقد جاءت أسماء أخرى ملاحظ فيها التسمية بالدار، أخذاً من الظرف المكاني، المستلزم لهذه الحياة الثانية، من هذه الأسماء الدار الآخرة، دار الدنيا والدار الآخرة، لأن هذه الحياة الثانية حياة مادية أيضاً تستلزم مكاناً، وقد أطلق الله على مكانها اسم الدار.
ودار القرار، هنا يستقر الإنسان، الإنسان في الدنيا يغنى ويفتقر، يرتفع وينخفض، يصح ويمرض، لكنه في الآخرة يستقر على حال واحدة، دار القرار لأن فيها استقراراً دائماً بلا فناء.
ودار الخلد، لأن الإقامة فيها إقامة أبدية، لا تحتاج إلى تجديد إقامة، إذا كان الإنسان ببلد، أعماله فيه رائجة جداً، ودخله كبير، لكنه أجنبي عن هذا البلد، أهم شيء بحياته الإقامة، يقول لك: الإقامة جددتها، أعطوني تجديداً، لم يعطوني، تأخروا عليّ، يوجد قلق مستمر، لكنه إذا دخل إلى الجنة فلا يحتاج في الجنة إلى تجديد إقامة، ولا يخشى أن تُلغى إقامته فيها:
﴿ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48)﴾
كما وردت أسماء أخرى لليوم الآخر ملاحظ فيها معان أخرى، في الأسماء الأولى لاحظنا معنى الظرف الزماني، وفي الأسماء الثانية لاحظنا معنى الظرف المكاني، وفي الأسماء الثالثة كالواقعة مثلاً:
﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1)﴾
سُمّيت واقعة أخذاً من تحقُّق وقوعها، أي لابد من أن تقع، قل تعالى:
﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3)﴾
قد يصبح الإنسان في الآخرة في أعلى عليين، وكان في الدنيا مغموراً، وقد يصبح الإنسان في الآخرة في أسفل السافلين، وكان في الدنيا مشهوراً.
الحاقّة، لأنها تَحقّ كل مجادل ومخاصم في دين الله بالباطل، أي تغلبه، أخذاً من قولهم: حاققته فحققته، أي غالبته فغلبته:
﴿ الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4)﴾
الإنسان أحياناً يخاصم، يجادل، يدّعي المنطق، لكنه في يوم القيامة تأتيه الحجة الدامغة على أنّ الذي وَعَدَ الله به حقّ:
﴿ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52)﴾
من أسماء اليوم الآخر الحاقة.
والقارعة أخذاً مما يجري فيها من قرع شديد، والقرع هو الضرب الذي يحصل فيه صوت شديد، وسُمّيت بالقارعة لأنها تقرع القلوب بأهوالها، لو إنسان طُرِق باب الساعة الثانية ليلاً بعنف بالغ، أعتقد أن قلبه ينخلع، يقول: من جاء ليأخذني؟:
﴿ الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3)﴾
والغاشية، ومن أسماء اليوم الآخر الغاشية أخذاً مما يجري فيها من غشيان عام للثقلين، الإنس والجن، يُقال: غَشِيه إذا جلّله وعممه، أحياناً يتلقى الإنسان نبأ سيئاً جداً ينسى كل أموره العادية، يكون عنده قائمة مشكلات يريد حلها، قائمة، يأتيه خبر ينسيه كل ما سواه:
﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5)﴾
لو فرضنا إنساناً نزل في فندق، لم تعجبه الغرفة، يبحث مع صاحب الفندق لينتقل إلى غرفة أجمل، مُطلّة على البحر، وهو كذلك تأتيه مخابرة أن محله قد احترق، مشكلة الغرفة هل تبقى أن الغرفة على الجبل وليست على البحر؟ هل تبقى هذه المشكلة؟ فوراً ينساها، تأتيه مشكلة أخرى.
الطامّة، وأصل الطامة الداهية التي تغلب وتفوق ما سواها من الدواهي، من قولهم طمّ الشيء إذا غمره، وكل ما علا وكَثُر حتى غلب فقد طم، وسُمّيت القيامة بالطامة لما فيها من الشمول والغلبة.
الآزفة:
﴿ أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58)﴾
أي القريبة، وسمّيت بذلك إشعاراً بقربها بالنسبة إلى عمر الدنيا الطويل، وإعلان قربها يتضمن تحقّق وقوعها لزوماً، إلى غير ذلك من أسماء.
أخذنا الأسماء المتعلقة بالظرف الزماني، والأسماء المتعلقة بالظرف المكاني، والأسماء المتعلقة بأوقات يوم القيامة.
وسوف ننتقل في الدرس القادم إن شاء الله تعالى إلى مقدمات اليوم الآخر، أولاً: الساعة، آثارها في الكون، ووقتها، وأماراتها، قيام الساعة قبل يوم القيامة، قرب الساعة وأمارات الساعة، وننتقل بعدها إلى البرزخ، وما فيه من نعيم القبر وعذابه، وبعدئذ إلى سؤال القبر من قبل الملكين، وبعدها النفخة الأولى، والنفخة الثانية، وبعدها بعض الحقائق عن البعث واليوم الآخر.
الملف مدقق