الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الكون دليل على وجود خالق يستحيل عليه أن يخلق الناس من دون يوم للحساب:
أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس الخمسين من دروس العقيدة.
الموضوع اليوم الإيمان باليوم الآخر، وكنّا قد مهّدنا لهذا الموضوع في دروس عديدة، الذي يبدو أن لهذا الكون خالقاً عظيماً، من أسمائه العلم والقدرة والعدل والحكمة، وأنه مُنزّه عن كل نقص، لأن من أسمائه العلم والقدرة والعدل والحكمة، وأنه منزه عن كل نقص، إذاً يستحيل في حقه أن يخلق الكون عبثاً.
يستحيل على إنسانٍ عاقل يبني بناء ضخماً، يستغرق عشرات السنين، ثم يُكسى، ثم يُفرش، ثم يُجهّز بكل ما يحتاجه ساكنه، وبعد أن ينتهي يهدمه، هذا العمل يستحيل على عاقل أن يعمله، كذلك خلقُ السماوات والأرض، هذا الكون المعجز، حياة الإنسان، خُلِق الإنسان في أحسن تقويم، يعيش سنوات عديدة ويموت وانتهى الأمر؟! قد يكون هذا الإنسان معتدياً، قد يكون مظلوماً، قد يكون ظالماً، قد يكون قوياً، قد يكون ضعيفاً، فإذا خُلِق الإنسان في أحسن تقويم، وانتهت حياته على أتفه سبب، وانتهى كل شيء، فهذا نوعٌ من العبث، لذلك ربنا عزّ وجل يستحيل في حقه أن يخلُق الكون عبثاً، وأن يخلُق الإنسان سدى، قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾
لذلك التأمـل في خلـق السماوات والأرض يُستنبط منه أنّ لخالق الكون أسماء حسنى، وصفات فضلى، هذه الأسماء الحسنى وهذه الصفات الفضلى لا يمكن أن تدع مجالاً للاعتقاد أن هذا الكون خُلِق عبثاً، وأنّ هذا الإنسان سيُتْرَك سدى، إذاً مِن لوازم التأمل في خلق السماوات والأرض الإيمان بأن لهذا الكون العظيم خالقاً، وأنّ بعد هذه الحياة يوماً يُجازى فيه الإنسان على عمله، هذا يتضح في سورة في القرآن الكريم هي سورة النبأ، فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6)﴾
النبأ العظيم يوم الجزاء، يوم القيامة، يوم الحساب، يوم الدين، يوم الدينونة، يوم الثواب، يوم العقاب، يوم الجنة، يوم النار، هذا هو ﴿النَّبَأ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ عند الموت ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ عند البعث والنشور.
علاقة الآيات الكونية في سورة النبأ بيوم القيامة:
الآن سيأتي الدليل على النبأ العظيم، سيأتي الدليل على يوم الدين، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14)﴾
ثلاثة وخمسون ميليمتر نزلت في ساعتين البارحة، معدل الأمطار السنوية في دمشق مئتا ميليمتر، ربع أمطار السنة نزلت في ساعتين، هذه البارحة غير اليوم، قال تعالى:
﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17)﴾
ما علاقة هذه الآيات الكونية بيوم الفصل؟ بيوم الدين؟ هذا الكون لم يُخلق عبثاً، والإنسان لن يُترك سدى، لابد من أن يُحاسَب، لابد من أن يُجازى، لابد من أن يدفع الثمن، أما أن يموت الإنسان وانتهى الأمر؟ أن تنتهي حياته بالموت؟ هذا لا يُحَقق كمال الحكمة الإلهية، ولا كمال العدل الإلهي، لابد من تحقيق كمال الحكمة، وكمال العدل في يوم آخر، إنه يوم الدين.
الشيء الثاني؛ هو أن أركان الإيمان معلومة لديكم، الإيمان بالله، وباليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، لكن إذا أردنا أن نرتب أركان الإيمان عدا الإيمان بالله من حيث الأهميةُ، يأتي الإيمان باليوم الآخر في الدرجة التي تلي الإيمان بالله، أن تؤمن بالله وباليوم الآخر، لأنه من لوازم الإيمان بالله الإيمانُ باليوم الآخر، والإيمان بالله يعني الإيمان بأسمائه، الإيمان بعدله، الإيمان بحكمته، الإيمان بعلمه، الإيمان بقدرته، فالإيمان بهذه الأسماء يقتضي كمال الحكمة، وكمال العدل لا يُحققان إلا في يوم آخر، هذا عاش ثلاثين عاماً، وهذا مات صغيراً، وهذا عمّر ثمانين عاماً، وهذا وُلِد غنياً مِن أبٍ غني ثري، وهذا وُلِد فقيراً، وهذا عاش مريضاً، وهذا عاش صحيحاً، وهذا عاش في بحبوحة، وهذا عاش في ضيق، هناك تفاوت كبير، تفاوت منقطع النظير، لابد من تحقيق العدل الإلهي، لابد من تحقيق كمال العدل الإلهي، ولابد من تحقيق كمال الحكمة الإلهية، إنها في اليوم الآخر.
السلسلة الفكرية المنطقية التي تقودنا إلى اليوم الآخر:
1- الكون هو الدليل الأول لقيادة الإنسان إلى الإيمان بربه:
الآن سنورد السلسلة المنطقية الفكرية التي تقودنا إلى الإيمان باليوم الآخر.
أولاً: دراسة الكون والحياة والإنسان، تهدي إلى الإيمان بالخالق العظيم، القادر العليم، العدل الحكيم، طبعاً أسماء الله عزّ وجل كثيرة، يعنينا في هذا المجلس أو في هذا الدرس يعنينا منها أربعة أسماء، العلم، والقدرة، والعدل، والحكمة، فالتأمل في الكون والحياة والإنسان تهدي إلى الإيمان بالخالق العظيم، القادر العليم، العدل الحكيم، هذه أول مقدمة.
2- الكون دليل على تدبير خالق حكيم يستحيل عليه العبث فيه:
المقدمة الثانية أنه لابد من غاية مِنَ الخلق، لا يوجد إنسان عاقل يقوم بعمل بلا غاية، لا يوجد إنسان يتحرك حركة بلا غاية، يسافر بلا غاية، يتكلم بلا غاية، يزور فلاناً بلا غاية، أن يكون للعمل غاية مِن لوازم العقلاء، فالإنسان العاقل كل أعماله مُعَللة بغاية، الله سبحانه وتعالى خالقُ الكون أيُعقل أن يخلق الكون بلا غاية؟ ما معنى بلا غاية؟ أي عبثاً، قال تعالى:
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)﴾
إذاً إذا تأملت في خلق السماوات والأرض وجدت أن للسماوات والأرض خالقاً عظيماً، عليماً، قديراً، عدلاً، حكيماً، من لوازم العدل والحكمة والعلم والقدرة أن يكون لأفعاله غاية، غاية نبيلة، لذلك لما ربنا عزّ وجل قال:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85)﴾
كيف عرفنا معنى بالحق؟ من آيتين أخريين، قال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27)﴾
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38)﴾
ما دام الحق مناقضاً للعب، وما دام الحق مناقضاً للباطل، إذاً الحق هو الشيء الثابت الهادف، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي يوجد هدف، باللعب أي بلا هدف، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي شيء ثابت، بالباطل أي شيء زائل، إذاً من خلال التأمل في خلق السماوات والأرض ومن خلال استنباط أن خالق السماوات والأرض عليم قدير عدل حكيم نستنبط أن من لوازم العدل والحكمة والعلم والقدرة أن يكون لخلق السماوات والأرض غاية سامية نبيلة، قال تعالى:
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
3- للخالق من خلقه غاية نبيلة:
شيء آخر المقدمة الثالثة أن للخالق من خلقه غاية نبيلة.
4- الإنسان مخير في أي طريق يسير:
المقدمة الرابعة أن الإنسان مخير، بإمكانه أن يفعل الخيرات، وبإمكانه أن يفعل السيئات، بإمكانه أن يتّبِع الهوى، وبإمكانه أن يتّبِع العقل، بإمكانه أن يستقيم على أمر الله، وبإمكانه أن ينحرف عن أمر الله، بإمكانه أن يكون خير البرية، وبإمكانه أن يكون شرّ البرية، بإمكانه أن يفوق الملائكة المقربين، وبإمكانه أن يهوي إلى أسفل سافلين، هذا كله بإمكانه، إذاً هو مخيّر، ومعنى مخيّر أي مُمتَحن، مُبتلى، ومن لوازم الامتحان والابتلاء الجزاء.
لا ابتلاء بلا جزاء، ولا جزاء بلا ابتلاء، مادمت مبتلى إذاً هناك جزاء، الطالب بإمكانه أن يدرس أو ألا يدرس إذاً يوجد امتحان، وفي الامتحان يُكرم هذا الطالب أو يُهان، من لوازم التخيير الجزاء، إذاً الامتحان يستلزم الجزاء، من لوازم الابتلاء الجزاء، من لوازم التخيير الحساب، النتيجة: الكون عظيم يدل على خالق عليم قدير عدل حكيم، والكون له غاية نبيلة، والإنسان مبتلى، ومن لوازم الابتلاء الجزاء.
النتيجة أننا إذا فكرنا في الحياة الدنيا وجدنا أن كمال العدل وكمال الحكمة لم تتحققا في الحياة الدنيا، إذاً لابد من حياة آخرة تتحقق فيهما العدالة المطلقة والحكمة المطلقة، إنها الحياة الآخرة، إنه اليوم الآخر، فطبيعة هذه الحياة رُتبت لتنتهي إلى حياة أبدية، تخطيط الله عزّ وجل، تصميمه، هندسة الكون تقتضي أن يكون في الكون حياة دنيا، دار ابتلاء، وحياة أخرى، دار جزاء، طبيعة الخلق تقتضي أن تكون الحياة الدنيا دار تكليف، والحياة الآخرة دار تشريف، طبيعة الحياة الدنيا تقتضي أن يكون هناك حياة آخرة تُكمِّلها ويتحقق فيها كمال العدل والحكمة.
الأدلة من الكتاب بشأن الموضوع السابق:
الآن إلى الأدلة النقلية القرآنية حول هذا الموضوع، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ* فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ تعالى الله تنّزه الله عن أنْ يخلق الخلق عبثاً بلا غاية، هذا النص يؤكد أنه لو أن الله عزّ وجل خلق الخلق دون أن يُحاسبهم، خَلْقهم عبثاً، فهذا يتنافى مع حكمته، ومع عدالته، ومع علمه، ومع قدرته، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ* فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ تعالى الله أن يخلق الخلق عبثًا ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ومعنى الملك الحق أي أن هذا الكون خُلِق ليبقى، وأن الإنسان خُلق ليبقى، وما الموت إلا حالة طارئة تعتريه لينتقل من دار إلى دار، ومن مجال إلى مجال، نص آخر على قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ولما كان احتمال العبث احتمالاً مرفوضاً عقلياً، كان لابد من وجود حياة أخرى تظهر فيها تطبيقات الغاية من الحياة الأولى، وهذه الحياة لابد أن تكون مقررة في برنامج المقادير الإلهية، إنّ الله هو الملك الحق لا إله إلا هو.
الآن دليل آخر، يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾
وقال سبحانه:
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾
في الدنيا قد يستوون، قد يكون المجرم الكافر المُعْرِض في بحبوحة وغنىً ويسر، وقد يكون المؤمن في ضيق وعَنَت وفقر، ما دام الله عزّ وجل قال: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ ، ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ لابد من أن يكون هناك فرق كبير بينهما، فمن ظروف الحياة اليومية التي نعيشها هذه الحياة تسمح للمُعْرِضين أن يعيشوا فيها عيشاً رغيداً ناعماً، يصيبون فيه المال، والجاه، واللذّات، فإذا سمحت الحياة للمُعرض أن يعيش حياة رغيدة هانئةً فيها المال الوفير، وفيها الملذات والمباهج، والشأن والقوة، إذا سمحت الحياة لهؤلاء أن يعيشوا، والآية تقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ إذاً لابد من يوم آخر تتحقق فيه هذه الآية:
﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62)﴾
﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60)﴾
معنى هذا لابدّ من يوم يمتاز فيه المجرمون عن المؤمنين، والمعرضون عن المقبلين، إذاً الدنيا التي تسوّي في المظهر بين المسلم وبين المعرض، هذه الدنيا لابد من يوم آخر يتبعها لا يستوي في هذا اليوم الآخر المجرم مع المسلم، ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ*مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ في الدنيا قد تسمح الدنيا للفاجر أن يقوى على المؤمن، قد تسمح الدنيا للمُعرض أن يرتفع عن المؤمن، لكن في الآخرة كل هذا لا يكون:
﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111)﴾
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ .
في آية أخرى:
﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34)﴾
لا يعقل أن تنتهي حياة الإنسان في الدنيا، واحد منحرف، واحد مقصر، واحد عاص، واحد مستقيم، كلهم يموتون جميعاً ويسوّي الموت بينهم ولا حياة بعد الحياة الدنيا؟ هذا يتناقض مع العدالة الإلهية ومع الحكمة الربانية.
دليل ثالث قوله تعالى:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾
أيعقل أن يكون الذين اجترحوا السيئات أن يُعَاملوا كما يعامل الذين آمنوا وعملوا الصالحات؟ ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ قال تعالى:
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)﴾
بلى الله قادر، أي هذه الآيات تؤكد أن طبيعة الحياة الدنيا تقتضي أن يكون بعد الموت حياة أخرى، يتحقق فيها العدل الإلهي المطلق، والحكمة الإلهية المطلقة، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4)﴾
﴿ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)﴾
يعيده لتجزى، يعيد الخلق ليجازي كلاً بعمله.
شيء آخر؛ الله عز وجل:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾
الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110)﴾
أسماؤه كلها حسنى، من مقتضيات أسمائه الحسنى أن يثيب الصالح وأن يعاقب الطالح، من لوازم أسمائه الحسنى أن يُكْرِم المستقيم وأن يعاقب المنحرف، الدنيا لا تكفي، الدنيا فيها تفاوت كبير، لابد من حياة أخرى تتحقق فيها أسماء الله الحسنى.
لا يمكن أن يسعد المجتمع الإنساني إلا إذا آمن أفراده باليوم الآخر:
الفكرة الأخيرة، هو أن الإيمان باليوم الآخر مبدأ ضروري لسعادة الجماعة الإنسانية، هذه أخطر فكرة في الدرس، لا يمكن لمجتمع إنساني أن يسعد إلا إذا آمن أفراده باليوم الآخر، لماذا؟ لأن الإنسان، المجتمع لا يسعد إلا إذا انضبط أفراده.
الآن الذي يبيعك حاجة، يبيعك زيتًا، ما الذي يضمن أن هذا الزيت ليس مغشوشاً؟ أنت لا تملك الإمكانية التي تكشف بها الغش، هذا الذي يعطيك هذه السلعة ما الذي يضمن أنه ليس فيها عيب؟ إذا خاف البائع من الخالق، وخاف اليوم الآخر، وخاف يوم الدين، سيستقيم معك في البيع والشراء، أما من دون إيمان باليوم الآخر، مهما وضعنا من ضوابط هذه الضوابط يتفلت الإنسان منها، الذي يضع هذه الضوابط إنسان، والذي يتفلت منها إنسان، والعملية منافسة بين الأذكى، قد يضع الضوابط إنسان ذكي، ويأتي إنسان أذكى منه فيخرق هذه الضوابط، أي كل شيء وُضع من وضع البشر أَمكن خرقه، وأمكن الاحتيال عليه، وأمكن التلاعب به، عملياً لا تصلح الحياة إلا أن يؤمن أفراده باليوم الآخر، تعامل مع طبيب، مع محام، مع بائع، مع مهندس، مع صاحب مصلحة، مع صناعي، ما الذي يضمن لك؟ أنا حدثني أخ قال لي: يمكن إضافة مواد ضارة بالصحة للمواد الغذائية من أجل أن يرتفع سعرها، ما الذي يضمن أن هذا الذي يصنع الغذاء سيضيف مواد حافظة بكميات زائدة عن الكميات القانونية؟ من أجل ضمان عدم فساد هذه المعلبات مسموح بالألف واحد يضعون بالألف ثلاثة، هذه كلها مواد مسرطنة، إذاً كيف تستقيم حياتنا؟ هذا الذي يصنع الغذاء، الذي يُعلِّب الغذاء، إذا لم يخش الله عزّ وجل، وأن الله سيحاسبه عن كل من تأذّى بهذا الغذاء لن تستقيم حياتنا.
ضوابط البشر مهما دقت لا تكفي، لأن الإنسان علمه محدود، ضوابط البشر مقيدة بالمراقبة، ويستحيل أن توجد مراقباً على كل إنسان، وقد يتواطآن، فتحتاج لمراقب ثالث عليهما، وقد يتفقوا تحتاج إلى مراقب رابع، القضية مستحيلة، مستحيل أن تضبط الأمور إلا أن تُعمّق إيمان الناس باليوم الآخر، يعرف الإنسان أن كل شيء محاسب عليه، سيقف بين يدي الله عز وجل ليحاسبه عن كل عمل اقترفه، المجتمع البشري لا يمكن أن يسعد إلا إذا آمن أفراده باليوم الآخر.
أحياناً تتلقى استشارة غير صحيحة هدفها ابتزاز المال، استشر شخصاً، تكون الاستشارة غير هادفة، غير ناصحة، استشارة يوجد لها غاية، طبعاً الأمثلة لا تُعدّ ولا تحصى، كيفما تحرك، إذا الشخص الذي تتعامل معه ليس مؤمناً بالله، ولا باليوم الآخر، مخيف، قد يحتال عليك، قد يبتز مالك، قد يغشك في صحتك، قد يغشك في طاولة، هذا شيء قد يُحَل، أما قد يغشك في صحتك، قد يقترح عليك عملية جراحية لا جدوى منها.
في المجتمعات الغربية صار هناك طبيب ليُقيّم نُصْح الطبيب، بالمجتمعات المتقدمة مادياً صار المحامي يخشى الموكل أن يتفق المحامي مع خصمه، ويأخذ مبلغاً أكبر، الآن تخشى أن يقال لك حلل كذا وكذا، وكل هذه التحاليل لا جدوى منها، لأنه لا يوجد إيمان باليوم الآخر، لا أحد يخشى، عملية كسب مال بشكل غير مشروع، هذا الذي يشكو منه المجتمع، ابن آدم خفني وخَفْ نفسك وخفْ من لا يخافني، أي مجتمع لا يصلح أفراده ولا يسعد المجتمع إلا إذا انضبطوا، وليس هناك من ضابط للأفراد إلا أن يؤمنوا أن الله عز وجل سيُحاسبهم على كل كبيرة وصغيرة.
في الدرس القادم إن شاء الله تعالى أخ من إخواننا كان يحضر معنا له عمل بلفّ المحركات، هو حدثني الحديث قال لي: يأتيني محرك، اتفق مع صاحبه على ألف وخمسمئة لألفه له، أفتح أجد فيه طاقاً مقطوعاً، ألحمه بالكاوي بخمس دقائق، يأتي ثاني يوم أو حسب الاتفاق بعد أسبوع إن شاء جاهز؟ تعال يا بني شغله، اسمح لنا بألف وخمسمئة، قال: يكلفني عمل ثوان، قال لي: بعد أن عرفت الله عز وجل، الاتفاق ألف وخمسمئة يأتي بعد أسبوع أقول له: الكلفة عشر ليرات، ما معنى عشر ليرات؟ يقول له: لم يكن فيه شيء، فككناه فإذا لم يكن فيه شيء، كان هناك طاق مقطوع لحمته، انظر إلى هذه الحادثة الصارخة، هكذا فعل قبل أن يعرف الله واليوم الآخر، وهكذا فعل بعد أن عرف الله واليوم الآخر، وعلى هذا فقس في كل نواحي حياتنا.
حدثني أخ كان يحضر معنا قال لي: إنسان أحضر لي سيارة فيها علبة السرعة تحتاج إلى تصليح، فككناها وجد فيها مسنناً مكسوراً، يوجد بالسوق مسنن ثمنه ثلاثون ليرة، ذهبت لأشتري هذا المسنن، الصانع عندي وهو ينظف علبة السرعة وقعت منه شيء انكسر وليس موجوداً منه في السوق، حاسب نفسه، أنا هذا الخطأ مني، لو أنا ضابط الموظفين الذين عندي القطعة المكسورة الذي جاء من أجلها ثمنها ثلاثون ليرة، أما التي كسرت بسبب الموظف فغير موجود منها، فاشترى له بواط من عنده ثمنه خمسمئة وخمسون وما بلغ الزبون، قال له: خمسون ليرة فقط، هذا الانضباط.
قال لي: أينما يصلحون السيارات أول عملية يذهبون إلى خزان الوقود يفرغونه من أجل غسيل المحرك، يستعمل ربعه والباقي لسيارته، أما المؤمن فلا يأخذ كأساً ليست له، لا يقدر، هناك إله يراقبه، هذه أمثلة صارخة من حياتنا، كل مصلحة، لا يوجد إنسان له مصلحة وهو مؤمن إلا يخشى الله عز وجل، يخاف يكون هناك خطأ، هناك غش، هناك عيب ما أصلحه له، أما إذا لم يكن فيه إيمان، العملية ابتزاز الأموال بغير حساب، وأعتقد كل مصلحة، وكل حرفة، وكل عمل، حتى الموظف، حتى المهن الراقية، طبيب مثلاً، محام، مهندس، حتى المهن العادية، حتى المهن ذات الكفاءة العالية كلها تحتاج إلى إيمان بالله حتى تستقيم بمعاملتك، إذاً هذه الفكرة الثانية أن المجتمعات البشرية لا تسعد إلا إذا آمن أفرادها بالله واليوم الآخر.
الملف مدقق