- الحديث الشريف / ٠1شرح الحديث الشريف
- /
- ٠1الترغيب والترهيب المنذري
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
لا يليق بالإنسان إلا أن يطلب العلم:
فصل في الرحلة في طلب العلم ؛ فعن صفوان بن عسال قال:
(( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد متكئ على بُرد له أحمر فقلت له: يا رسول الله إني جئت أطلب العلم، فقال عليه الصلاة والسلام: مرحباً بطالب العلم، إن طالب العلم لتحفه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضاً حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب ))
أولاً أيها الأخوة، الإنسان ميزه الله عز وجل على كل مخلوقاته بأن أودع فيه قوة إدراكية، فإذا لم يهتم بها أو عطلها من تلقاء نفسه وباختياره هبط بمستوى لا يليق به، لا يليق بالإنسان إلا أن يطلب العلم.
العلم جسر ينقل الإنسان من شاطئ الجهل والشقاء إلى شاطئ المعرفة والسعادة:
النقطة الثانية: أن الإنسان مجبول على خصائص واحدة:
﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾
أي حرصك على وجودك، وعلى استمرار وجودك، وعلى كمال وجودك عند البشر سواء، بماذا يتفاوت البشر ؟ بالمعرفة، فالذي عرف ينطلق من خلال معرفته، لذلك والإنسان في النار يذوق ألوان العذاب ويقول:
﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾
الفرق بين إنسان يُعذب بالنار، ويتنعم بالجنان، فرق العلم فقط، لذلك لا يوجد طريق إلى السلامة والسعادة إلا والعلم أول مرحلة فيه.
بالمناسبة: العلم وسيلة وليس غاية، العلم جسر ينقلك من شاطئ الجهل والشقاء إلى شاطئ المعرفة والسعادة.
لذلك الإنسان إذا تباهى بالعلم واتخذه حرفة ليستعلي به على الناس، ليجادل به العلماء، ليماري به السفهاء، كان وبالاً عليه، لأنه في الأساس وسيلة وليس غاية، الغاية أن تسمو إلى الله، الغاية أن تزكو النفس.
العلم وسيلة وليس غاية و العلم بالله علم نافع ومسعد في الدنيا والآخرة:
لذلك لا يوجد عمل بحياتك أشرف، ولا أخطر، ولا أجل، وليس هناك من عمل يليق بك أكثر من أن تطلب العلم، أي علم هذا ؟ النبي عليه الصلاة والسلام دعا فقال:
(( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع ودعاء لا يسمع ويقول في آخر ذلك اللهم إني أعوذ بك من هؤلاء الأربع ))
دخل النبي عليه الصلاة والسلام إلى مسجد فرأى رجلاً تحلق الناس حوله سأل سؤال العارف قال: من هذا ؟ قالوا: هذا نسابة، قال: وما نسابة ؟ قال: يعرف أنساب العرب، قال عليه الصلاة والسلام: ذلك علم لا ينفع من تعلمه ولا يضر من جهل به.
العمر محدود، والمهمة خطيرة، يجب أن تختار من بين الكتب الكتاب المقرر، يجب أن تنفق الوقت القليل في العلم الغزير، والعلم كما أقول لكم سابقاً: هناك علم ممتع، وعلم ممتع نافع، وعلم ممتع نافع مسعد، الآن أي علم ممتع على الإطلاق، أما هناك علم غير عملي لا يدر عليك مالاً، مثلاً إنسان اختص بتاريخ الإغريق، لا يوجد أي وظيفة في البلد تحتاج إلى هذا الاختصاص، أما إذا الإنسان اختص بعضو من أعضاء الإنسان الحساسة القلب مثلاً، أو كان معه اختصاص نادر يمكن أن يأتيه باليوم عشرة آلاف، باليوم الواحد يكون دخله قريباً من المئة ألف، هذا صار علماً نافعاً، أما ليس مسعداً، لا يسعدك إلا إن عرفت الله.
فالعلم بالله علم، ونافع، ومسعد في الدنيا والآخرة، أي علم مهما كان خطيراً ينتهي عند الموت، ألم تقرأ بعض النعوات ؟ قد يكون عالماً كبيراً في أمور الدنيا، بالفيزياء، بالكيمياء، بالرياضيات، بالفلك، خبير وحيد متفوق، حينما يأتيه ملك الموت انتهى علمه، أما الذي عرف الله في دنياه يقطف كل الثمار بعد الموت، يقطفها جميعاً.
من طلب العلم تكفل الله له برزقه:
فلذلك أيها الأخوة، النبي الكريم يقول:
(( مرحباً بطالب العلم إن طالب العلم لتحفه الملائكة بأجنحتها ))
أقول لكم هذه الكلمة:
(( مَن شَغَلَهُ قراءةُ القرآن عن مسألتي أعطيتُهُ أفضلَ مَا أُعْطِي السائلين ))
من طلب العلم تكفل الله له برزقه، بمعنى أن الوقت الذي تنفقه في طلب العلم هذا وقت مبارك فيه، الله عز وجل يبارك لك ببقية وقتك.
كيف أنك إذا أنفقت زكاة مالك حفظ الله لك بقية مالك، وبارك لك في بقية مالك، إذاً هناك حفظ وبركة، لا يوجد تلف مال.
(( ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة ))
مصادرات، حرائق، تلف، دمار، إتلاف المال سببه حبس الزكاة.
هناك شيء آخر: الإنسان إذا أدى زكاة ماله حفظ الله ماله، وبارك له فيه، مال قليل يفعل شيئاً كثيراً، هذه البركة، شيء قليل ينتج عنه شيء كثير، يقاس إنفاق الوقت في طلب العلم على إنفاق المال، فمن أنفق بعض وقته الثمين في طلب العلم، حفظ الله له بقية وقته وبارك له فيه، تجد إنجازه غير معقول، ينجز في وقت قليل الشيء الكثير، لأنه طلب العلم، ومن طلب العلم تكفل الله له برزقه.
رتبة العلم أعلى الرتب:
لذلك رتبة العلم أعلى الرتب، دائماً العالم له أعلى مرتبة في أي مكان بالعالم، الآن الدول العظمى التي تنفرد في قيادة العالم اليوم، كيف يتخذ القرار في أعلى مستوياتها ؟ برأي الخبراء، لا يوجد إنسان بمنصب خطير إلا وحوله خبراء وعلماء، حوله مستشارون يقدمون له الحقيقة، فالعالم في الحقيقة هو الذي يحكم العالم، إذاً هذا في الدنيا أما إذا أردنا أن نصل إلى الله لا بدّ من العلم.
أحد علماء دمشق حدثني، له والد توفي قبل عامين أو ثلاثة ـ رحمه الله ـ يقول له يا بني حينما كان صغيراً: والله لو علمت أن كيس القمامة يوصلك إلى الله لجعلتك زبالاً ولكنني أعلم علم اليقين أن العلم وحده يوصلك إلى الله، العلم وحده، لا يوجد غيره، أي طريق آخر طريق غير شرعي، لأن النبي يقول:
(( إنما العلم بالتعلم ))
فأنت حينما تتعلم تعرف من أنت، تعرف أنك المخلوق الأول، تعرف أنك المخلوق المكرم، تعلم أنك المخلوق المكلف، ما التكليف ؟ طاعة الله.
على الإنسان أن يطلب العلم بالله حتى يطيعه والعلم بمنهجه حتى ينفذ طاعته:
الآن من مظاهر الجهل في العالم الإسلامي أن هذا الدين العظيم الذي هو سبب رقينا جميعاً انكمش وصار صوماً، وصلاة، وحجاً، وزكاة فقط، وتؤدى هذه العبادات والمعاملات بشكل غير إسلامي، البيوت غير إسلامية، والتجارة غير إسلامية، والاحتفالات غير إسلامية، والتعازي غير إسلامية، كل حركة الإنسان غير إسلامية، أما يصلي، يصوم، ويحج، ويزكي، أما المنهج عبارة عن مئة ألف بند، مليون بند، كل حركة، وكل سكنة بحياتك لها حكم شرعي، فالإنسان عندما يطلب العلم يطلب العلم من الله أولاً، والعلم بمنهج الله ثانياً، يطلب العلم بالله حتى يطيعه، ومنهجه حتى ينفذ طاعته.
فلذلك أيها الأخوة، الإنسان عندما يتوهم أنه أضاع من وقته وقتاً ثميناً لأنه حضر مجلس علم يكون في حضيض الجهل، لأنك عندما تحضر مجلس علم، تعرف من أنت ؟ ولماذا أنت هنا ؟ وماذا كنت من قبل أن تأتي إلى هنا ؟ وماذا بعد أن تنتهي الحياة ؟ كيف تتزوج ؟ كيف تتاجر ؟ في أي بيت تسكن ؟ كيف تربي أولادك ؟ هذا كله يحتاج إلى علم.
أنا أذكر السلف الصالح قبل خمسين سنة أو أكثر، لا يوجد تاجر في الشام إلا وله مجلس علم من العصر إلى المغرب، أو من المغرب إلى العشاء، مجلس علم يومي والعشاء يكون في بيته، لا يوجد إنسان يتحرك من دون علم.
العلم سلاح الإنسان و حارسه:
النقطة الدقيقة أنك لست إنساناً سكونياً، أنت كائن متحرك، ما معنى متحرك ؟ أي يوجد فيك شهوات، وهناك شهوات قوية جداً، هناك شهوة الطعام والشراب، وشهوة النساء، وشهوة العلو في الأرض، والشهوات موجودة في كل إنسان، هذه تجعلك كائناً متحركاً، فإن لم يكن هناك مقود فالهلاك حتمي، حركة الإنسان نحو أن يقضي شهوة البطن أو شهوة الفرج من دون منهج بالسجن، الآن أي شخص يرتكب جريمة من أجل المال يُحكم بالإعدام، يزني من أجل أن يقضي شهوته يُفضح وينتهي، فكل إنسان يتحرك بلا منهج يتحرك نحو هلاكه، فالعلم هو السلاح، والعلم هو الحارس.
قال: يا بني العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال، المؤمن بالعلم يتوقى كل المعاصي، إذاً يسلم، يهديهم سبل السلام، الآن على مستوى قوانين دولة ؛ المواطن الذي يلتزم بالقوانين كلها مواطن حر، طليق، محترم، في أي مجتمع، والإنسان عندما يخالف القوانين التي وضعها إنسان يفقد حريته، يفقد مكانته أحياناً، فأنت مع إنسان إذا طبقت الأنظمة والقوانين تشعر بحرية وطلاقة.
المؤمن يقتطع من وقته الثمين وقتاً لمعرفة الله وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
إذاً قال تعالى:
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾
ببطء، مع أن النبي الكريم كان يمشي بسرعة، كان إذا مشى كأنه ينحط من صبب، سيدنا عمر كانت تقول عنه السيدة عائشة: " رحم الله عمراً ما رأيت أزهد منه، كان إذا سار أسرع، وإذا أطعم أشبع، وإذا ضرب أوجع، وإذا قال أسمع ".
فبحسب السنة والسيرة الصحابة الكرام والنبي على رأسهم كانوا إذا ساروا أسرعوا، والآية عكس ذلك
﴿ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ﴾
معنى
﴿ هَوْناً ﴾
أي لا يسمحوا لمشكلات الحياة أن تستهلكهم، يقف، يتأمل، هناك شخص كأنه يعمل بلا تفكر، عمل، عمل، عمل، يأتي ملك الموت فجأة فيندم أشد الندم، وهناك إنسان يفكر إلى أين ؟ ماذا أفعل اليوم ؟ يعمل توازناً، يقتطع من وقته الثمين وقتاً لمعرفة الله، يقتطع من وقته الثمين وقتاً لتربية أولاده، يقتطع من وقته الثمين وقتاً لحضور مجالس العلم، يقتطع من وقته الثمين وقتاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقتطع من وقته الثمين وقتاً لتلاوة القرآن، يقتطع، أي يمشي هوناً، أحياناً الإنسان بساعة غفلة تستهلكه الحياة، يصبح كماً مهملاً، رقماً لا معنى له.
والله قال لي إنسان: يا أستاذ من ثلاثين سنة لا أعرف غير معملي وبيتي، والله يعمل عملاً أنا أخجل أن أقول لكم، كالدابة، ليعطي أهله الأموال الطائلة كي يلبسوا، و يتفلتوا، ويذهبوا إلى أي مكان يشاؤون وهو يعمل لا يفكر أنا أعمل لمن ؟ من أجل أن يرتكبوا المعاصي والآثام ؟ لا يعرف شيئاً اسمه راحة، قال لي: يومياً عنده نظام، بمحله وقت، بمعمله وقت، ببيته وقت، لا يملك وقتاً إطلاقاً ليتحرك حركة لحضور مجلس علم، أبداً، حتى يؤمن لأهله هذا الدخل الكبير، هذا ما مشى هوناً الحياة استهلكته، أحياناً الإنسان يعجب بعمله، يتفوق فيه لدرجة أنه عبد عمله، جعل عمله إلهاً، ونسي صلواته، ودينه، وآخرته، وأعماله الصالحة، الإنسان يجب أن يكون دقيقاً لا ينزلق، لا يصبح كماً مهملاً، أو يصبح غلطة إنسان، الخلاص في العلم، لا العلم بذاته العلم كوسيلة، هنا النقطة دقيقة الخلاص في العلم كوسيلة لا كغاية، كغاية أصبح انحرافاً ثانياً.
وعامل بعلمه لم يعملن معذب من قبل عبد الوثن
***
مَن سَلَكَ طريقا يَطلُبُ فيه علماً سَلَكَ الله بِهِ طريقا من طُرُقِ الجنَّة:
إذاً: عن صفوان بن عسال قال:
(( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد متكئ على برد له أحمر فقلت له يا رسول الله إني جئت أطلب العلم فقال عليه الصلاة والسلام مرحباً بطالب العلم إن طالب العلم لتحفه الملائكة بأجنحتها ثم يركب بعضهم بعضاً حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب ))
وهناك حديث آخر يدعم هذا الحديث:
(( مَن سَلَكَ طريقا يَطلُبُ فيه علماً سَلَكَ الله بِهِ طريقا من طُرُقِ الجنَّة ))
إذا الإنسان خرج من بيته، وارتدى ثيابه، وذهب إلى بيت من بيوت الله ليطلب العلم، هذا الطريق ينتهي به إلى الجنة، أوله من بيته، وأول محطة في المسجد، وآخر محطة في الجنة، بيته، المسجد، الجنة.
(( مَن سَلَكَ طريقاً يَطلُبُ فيه علماً سَلَكَ الله بِهِ طريقا من طُرُقِ الجنَّة ))
لأنه سيتعلم، وأنت لا تستهين بالعلم، الإنسان يحب نفسه، يحب ذاته، وحريص على سلامته، فعندما يعرف أين سعادته يسلك هذا الطريق، أنت فقط تعلم، تتراكم المعلومات والحقائق، أنا أقول لكم: كميزان في الكفة الأولى يوجد الشهوات، و في الكفة الثانية المعلومات، كلما تراكمت المعلومات غلبت الشهوات، افرض الشهوة خمسة كيلو، والمعلومات خمسة غرامات، قرأ كتاباً، قرأ صفحة قرآن، فكلما علمه تراكم، تراكم، أصبح يرافق شهواته، لذلك الإنسان حينما يطلب العلم يقوى على نفسه، والصحابة الكرام كانوا قدوة لنا.