وضع داكن
25-04-2024
Logo
الدرس : 23 - سورة النور - تفسير الآيات 62 – 64 الإيمان درجات
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث والعشرين، والأخير من دروس سورة النور، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿  إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(62)﴾

[ سورة النور ]


الفائدة بالحصر بـ ( إنما ):


 الحقيقة حينما تأتي كلمة ﴿إِنَّمَا﴾ وبعدها ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ تعني تلك الكلمة أنها تصف كمال الإيمان، أيْ المؤمن الحق، والمؤمن الكامل، فكمال الإيمان يقتضي كذا وكذا، والإيمان درجات.


الإيمان درجات:


 وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((  الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لا إِلَهَ إِّلا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ. ))

[ البخاري، مسلم، واللفظ له ]

 نهاية العلم التوحيد، وهذا الذي يميط الأذى عن الطريق خوفاً من أن تزل قدم مسلم، أو قدم إنسان كائن من كان، وهو عبد من عباد الله، هذا العمل ينطلق من إيمان، ولكن هل يعني ذلك أن هذا الذي أماط الأذى عن الطريق صار مؤمناً كاملاً؟ لا، من هنا جاءت آيات القرآن الكريم:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا(136)﴾

[ سورة النساء ]

 ومن هنا جاءت آيات القرآن الكريم: 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ(102)﴾

[ سورة آل عمران ]

 إذاً: فالإنسان على مستوى من الإيمان لا ينبغي أن يرضى به، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 

((  جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا ؟ قَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ  ))

[ أحمد ]

 يجب أن تسعى لترفع مستوى إيمانك، وكلما ظننت أن هذا المستوى الذي أنت فيه جيد فهناك أجود، وكلما ظننت أنك وصلت إلى الهدف فأنت في غلط كبير، فالإيمان له بداية، ولكن ليس له نهاية، وما دام الإيمان معرفة الله عز وجل، وربنا سبحانه وتعالى لا نهاية لكماله إذاً: لا نهاية للإيمان.

 كلمة: ﴿إِنَّمَا﴾ تفيدنا أنه على المؤمن أن يرفع مستوى إيمانه دائماً، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ) 


ما الذي يرفع مستوى الإيمان ؟


1- العلم والعمل:

 والسؤال الآن: ما الذي يرفع مستوى الإيمان؟ الحقيقة هو العلم والعمل، ولذلك عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمِ:

(( إِذَا أَتَى عَلَيَّ يَوْمٌ لَمْ أَزْدَدْ فِيهِ خَيْرًا يُقَرِّبُنِي إِلَى رَبِّي، فَلاَ بُورِكَ لِي فِي طُلُوعِ شَمْسِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. ))

[ رواه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف ]

 "يظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل" ، من هنا تأتي ضرورة حضور مجالس العلم، وقد يقول عامة الناس: ألا يكفيك حضور هذه المجالس؟ أما زلت بحاجة إلى علم؟ من قال لك: إن العلم ينتهي عند حد،

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) ﴾

[ سورة الإسراء ]

﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾

[ سورة البقرة ]

 فالعلم ليس له نهاية، وكلما تعلمت أكثر ارتفع مستوى إيمانك، فالذي يرفع مستوى الإيمان هوالعلم، علم بكتاب الله، وعلم بسنة رسول الله، وعلم بشريعة الله، وعلم بأسماء الله الحسنى، وعلم بصفاته الفضلى، وعلم بحقيقة النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا الذي يقنع بمستوى من الإيمان لا يحيد عنه، ولا يرجو غيره، هو ضعيف الهمة، لا يمكن أن يصل إلى ما يريد، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ يعني هؤلاء المؤمنون الصادقون هذه صفاتهم، فكأن الله سبحانه وتعالى بالمعنى الضمني يقول للمؤمنين: أنتم كذلك، وإن كنتم كذلك فاسعوا إلى مرتبة أخرى، وإن كنتم لستم كذلك فاسعوا إلى أن تكونوا كذلك. 


إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ


  ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ آمنوا بالله خالقاً، وآمنوا بالله مربياً، وآمنوا بالله مسيراً، ولن يصاب الإنسان بأزمة نفسية إلا بنقص في إيمانه، فإذا آمنت أن الله هو الخالق، وأن الله هو المربي يربي جسدك، ويربي نفسك، يربي جسدك بما يسوق لك من مواد، ويربي نفسك بما يسوق لك من أحداث، فهو رب العالمين، إذا آمنت بالله خالقاً، وآمنت بالله مربياً، وآمنت بالله مسيراً، وآمنت برسوله، فالنبي عليه الصلاة والسلام في سلوكه اليومي كان مشرّعاً، وقراءة سيرة رسول الله، والوقوف عند أحداث السيرة ليس شيئاً من الترف العلمي، إنما هو شيء مصيري، وأساسي.

 ففي الموقف الفلاني فعل النبي ذلك، وأنت يجب أن تفعل ذلك، لأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، وفي الموقف الفلاني فعل النبي ذلك، وفي زواجه كان زوجاً ناجحاً، وفي علاقته مع إخوانه كان أخاً وفياً، وفي علاقته مع من هم دونه كان أباً رحيماً، وفي علاقته مع المؤمنين كان صادقاً، فإذا درست سيرة النبي عليه الصلاة والسلام فلأنها سيرته تشريع، ولأن مواقفه قدوة يجب أن تقتدي بها.


ما معنى الأمر الجامع في قوله: وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ ؟


 ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ ما هو الأمر الجامع؟ أمر يعود نفعه على المسلمين، أو أمر يعود شره على المسلمين، أيْ أمر خطير، فالجهاد أمر خطير، والتعاون على البر والتقوى أمر خطير، ففي هذه الآية آداب رفيعة في علاقة المسلمين فيما بينهم، وفيمن يدلهم على الله عز وجل، فإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، فهذا الذي يذهب إذا كان مع النبي عليه الصلاة والسلام على أمر خطير، على أمر يمس المسلمين في حياتهم الدنيوية أو الأخروية، على أمر يعود نفعه على المسلمين، أو يعود شره على المسلمين.


وجوب استئذان النبي:


 كيف ينطلق هذا الإنسان من دون أن يستأذن النبي عليه الصلاة والسلام؟ إنه ليس مؤمناً بالمستوى الذي أراده الله عز وجل، فإذا كنت مؤمناً كاملاً فعليك أن تستأذن النبي عليه الصلاة والسلام، فيمكن أن تنسحب هذه الآداب على كل مجتمع صغير مسلم، مثلاً على مستوى الأسرة، أيعقل أن ينطلق الابن إلى حيث يشاء من دون أن يستأذن أباه، أيعقل أن ينطلق الأخ الكريم، وهو في مجموعة في مكان دون أن يستأذن أميرهم، هذا الإذن يعني ارتباط الفرد المسلم بأميره في الدنيا، أو أميره في الدين، فلابد من الإذن، أساساً القوانين الوضعية تطالب الموظف إذا أراد أن يسافر أن يستأذن جهته الرسمية، فلعل في هذا السفر خللاً في عمله، ولعل في هذا السفر خطراً على مستقبله، ولعل في هذا السفر إضعافاً للمسلمين، فهذا الاستئذان علامة رقي، وعلامة نظام، والمؤمنون يسودهم نظام دقيق، فالفوضى لا يُقرها الإسلام، وليست من الإسلام في شيء، ولو أنكم درستم سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما في غزواته لرأيتم العجب العجاب، ولرأيتم كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام ينظم الصفوف، وكيف كان يضع على كل مجموعة أميراً، وكيف كان يتصل بالأمراء، وكيف كان ينقل الأوامر، وكيف كان يستقبل المعلومات، هذا شيء من سمات الإسلام.

 والفوضى ليست من الإسلام في شيء، فهناك أمير دنيوي، وهناك أمير في الدين، وعلى كلٍّ إذا كنت عضواً في جماعة بدءاً من الأسرة، وانتهاءً عضواً أو فرداً في أمة فلابد من علاقة تنظيمية بينك وبين أمير هذه الجماعة، وهذه العلاقة التنظيمية في عهد النبي عليه الصلاة والسلام جاءت على الشكل التالي، وفيما بعد النبي عليه الصلاة والسلام لابد من الذي ينوب عن النبي في إمارة الدنيا، أو في إمارة الآخرة أن تنسحب عليه هذه الآداب.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ وكمثل بسيط؛ في مجموعة مؤمنة كهذه المجموعة، لو أن أخاً كريماً نوى أن يسافر، وأعلم أخاه الذي يدله على الله عز وجل أنه مسافر، فإذا غاب الأسابيع المتتالية لا يشعر هذا الذي يدله على الله أن فلاناً تغيب، وأن فلاناً لا يحضر، أين هو يا ترى؟ علم أنه في العمرة، أو هو في سفر ضروري، فهذا الإعلام جزء من آداب الجماعة، الإعلام أو الاستئذان، ولو أن المستوى هبط إلى مستوى الإعلام فهذا التزام بآداب الجماعة، وارتباط في مجموعة، ولعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا بانضباطنا بهذه الآداب جميعاً. 


لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ


  ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فكلمة مؤمن كلمة واسعة جداً، قد تتسع، وتتسع حتى تشمل كل إنسان أقرّ بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، وقد تضيق، وتضيق حتى يصبح المؤمنون قلة، فينبغي أن نعلم نحن في أي مستوى يكون إيماننا، هل هو بالمستوى الذي يرضي الله عز وجل؟ أم في المستوى الذي لا يرضيه؟ وليس كل من ادّعى الإيمان يكون مؤمناً، والقضية ليست على مزاجك، ولكن القضية منضبطة بمصطلحات، أو بتعريفات، أو بصفات دقيقة للمؤمنين، وآيات أخرى تؤكد ذلك:

﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(14)﴾

[ سورة الحجرات ]

2 – الانقياد لأوامر الله ورسوله:

 فالإسلام مستوى، والإيمان مستوى، فالإسلام بمجرد أن تنقاد لأوامر الله عز وجل؛ صغيرها وكبيرها فأنت مسلم، ولكن الإيمان تصديق لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وإقبال على الله عز وجل، فإذا أُلغي الإقبال تراجع الإيمان، والإيمان مجموعة حقائق يجب أن تؤمن بها، فإذا آمنت بها، ولم تكن أنت في مستواها فما الذي يحصل؟ يتسرب السأم، والملل إلى النفوس، ولن تقطف ثمار الإيمان إلا إذا كنت في مستوى الإيمان، ولذلك قلت قبل قليل: الإيمان يتجدد، فما الذي يرفع مستوى الإيمان؟ العلم، ومتابعة دروسه، ومتابعة قراءة كتاب الله، وتدبّره، فهذا مما يرفع مستوى الإيمان بشكل مستمر. 

3 – العمل الصالح:

 وشيء آخر يرفع مستوى الإيمان؛ إنه العمل الصالح، لقول الله عز وجل: 

﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ(10)﴾

[ سورة فاطر ]

 فالإنسان يحاسب نفسه حساباً دقيقاً، فأنا ماذا فعلت اليوم من عمل صالح يصلح للعرض على الله؟ ولا تنسوا أن أبواب العمل الصالح لا تعد ولا تحصى، وكلكم يعلم أن تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأن تميط الأذى عن الطريق هو لك صدقة، وأن تفرغ دلوك في دلو المستسقي هو لك صدقة، وأن ترشد الرجل الضال في أرض الضلال هو لك صدقة، وإنكم إن لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم.

(( إنكم لا تسعون الناس بأموالكم وَلْيَسَعُهُمْ منكم بَسْطُ الوجه وحسن الخلق. ))

[ رواه الحاكم ]

 فالعمل الصالح يرفع مستوى إيمانك لماذا؟ لأنه يرفع مستوى إقبالك، فإذا عاهدت نفسك ألا يمضي عليك يوم إلا وتزداد فيه علماً، أو عملاً فعندئذ يرقى مستوى إيمانك إلى المستوى الذي يسمح الله لك به دخول الجنة، فالإيمان مثلاً كما قال عليه الصلاة والسلام: 

(( الإيمانُ عفيفٌ عنِ المحارمِ، عفيفٌ عنِ المطامعِ ))

[ السيوطي بسند ضعيف ]

 هذا الإيمان، فهذا الذي يطمع فيما ليس له، أو يطمع فيما نهى الله عنه يطمع فيما ليس له، (عفيفٌ عنِ المطامعِ) ،  يطمع فيما نهى الله عنه (عفيفٌ عنِ المحارمِ) ، فهذا الذي لا يجد في نفسه عفة عما حرمه الله أو عن شيء ليس له فهذا إيمانه ضعيف جداً ويحتاج إلى تجديد، وهكذا قال الحسن البصري رحمه الله: "إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني إنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العلم"

 فإذا كان العمل غير مصدق للقلب فالإيمان يحتاج إلى تجديد، والإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام يسعد صاحبه فإن لم تكن سعيداً بهذا الإيمان فالإيمان أخذ طابعاً شكلياً أو أخذ طابعاً أجوف، أيعقل أن تشقى والله معك، لا يحزن قارئ القرآن، وكما قال عليه الصلاة والسلام:  

(( من قرأ القرآنَ ثم رأى أنَّ أحدًا أُوتِيَ أفضلَ مما أُوتِيَ فقد استصغرَ ما عظَّمَه اللهُ تعالَى . ))

[ العراقي بسند ضعيف ]

 هذا لا يكون، فالقضية مصيرية، وخطيرة، فعلى الإنسان ألا يجامل نفسه، بل يتهم نفسه دائماً، فإذا جاملها يبرك معها، وإذا كان يوم الدين يرى نفسه مسبوقاً، وحينما يرى نفسه مسبوقاً، يتألم ألماً لا حدود له، كن سابقاً، ولا تكن مسبوقاً، ثم يقول الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام:


فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ


  ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فالنبي معه صلاحية إعطاء الإذن، وأنت حينما تستأذن، وتأخذ إذناً بالخروج أو بالمغادرة عندئذ أنت في المستوى المطلوب، أما هذا الذي يدير ظهره ولا يلوي على شيء، ولا يستأذن أميره، ويفعل ما يشاء من دون استشارة، ومن دون مشاورة، من دون استئذان، ومن دون إعلام، وهو الحد الأدنى، فهذا لا ينتمي إلى المؤمنين الانتماء الذي يرضي الله عز وجل. ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ يروى أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه استأذن النبي مرة فقال له: "اذهب فأنت لست بمنافق" وكأن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يسمع الآخرين أن هؤلاء الذين يتسللون ويهربون من ساعات الشدة ليسوا بمؤمنين إنهم منافقون.

﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾


من إسقاطات هذه الآية


 قبل أن ننتقل من هذه الآية، هذه الآيات وإن كانت للنبي عليه الصلاة والسلام، ولكن يمكن أن يتأدب بها المؤمنون مع أمرائهم الذين يدلونهم على الله عز وجل، أو أمرائهم الذين يتولون شؤونهم الدنيوية، وهكذا قال بعض العلماء.

 ولو فرضنا أراد النبي عليه الصلاة والسلام أمراً، وأنت إذا غبت عنهم، غبت عن هذا الأمر، وأخفق هذا الأمر، ولم يتحقق فقد ساهمت في إيذاء المسلمين، وأحياناً غياب المؤمن يسبب إحراجاً كبيراً، ولو كُلِّف إنسان بعمل، ولم يقم به على الوجه المطلوب فهذا انتماؤه للدين ضعيف، وفي كل مكان يوجد جماعة مؤمنة، وفي كل مسجد خدمات لابد أن تؤدَّى، وحاجات لابد أن تُقضى، فإذا كُلف إنسان بعمل في خدمة هذا المسجد فعدم تأدية هذه الخدمة، وعدم اهتمامه بها هذا دليل ضعف إيمانه، أما حينما يُكلَّف بعمل، ويقوم به على الوجه الأكمل فهذا من علامات قوة إيمانه، إذا كنت في مجموعة فلابد من الاستئذان، ولابد من التشاور، لابد من الاستشارة، لابد من الإعلام على الحد الأدنى، ويقول الله سبحانه وتعالى:

﴿  لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(63)﴾

[ سورة النور ]


موقف المنافقين من الأدب مع النبي عليه الصلاة والسلام:


 فهؤلاء الذين يقفون على باب النبي عليه الصلاة والسلام، ويصرخون بأعلى صوتهم: يا أبا القاسم اخرج إلينا، فالله سبحانه وتعالى أدّبهم وقال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(4)﴾

[ سورة الحجرات ]

 والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينبغي أن يُخاطب كواحد منا، إذ له مقام كبير، فربنا سبحانه وتعالى خاطب الأنبياء بأسمائهم جميعا قال:

﴿ يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا(12) ﴾

[ سورة مريم ]

 قال:

﴿ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ(144)﴾

[ سورة الأعراف ]

 قال:

﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)﴾

[ سورة المائدة ]

 فربنا سبحانه وتعالى خاطب بعض الأنبياء بأسمائهم، ولكنه لم يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام أبداً باسمه، قال:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(1)﴾

[ سورة الأحزاب ]

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67)﴾

[ سورة المائدة ]

 فإذا كان الله سبحانه وتعالى خالق السماوات والأرض عرف للنبي مقامه أينبغي للمسلم أن يخاطب النبي في حياته أو بعد وفاته، ويقول: قال محمد بن عبد الله، قل: صلى الله عليه وسلم، لأنه:

﴿ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ(32) ﴾

[ سورة الحج ]

 فلا ينبغي أن يُنادى النبي كما يُنادى رجل عادي، هذا مما يجرح نفسه الشريفة.

﴿ ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۗ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ(23)﴾

[ سورة الشورى ]

 قال: "يا بني نحن إلى أدبك أحوج منا إلى علمك" ، والإنسان عندما يكون أديباً مع الذي يدله على الله عز وجل، فهذا الأدب يسبب هذا التعاطف، وهذه المودة، وهذا العطاء فالإنسان يعيش بالقيم أكثر مما يعيش بالطعام والشراب، كما قال سيدنا عيسى عليه، وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان) فكلما رفع الإنسان مستوى كلامه مع أمه وأبيه، ومع من يربيه، ومع دليله إلى الله عز وجل، ومع نبيه عليه الصلاة والسلام، ارتقى إلى الله عز وجل بأدبه، والإنسان يرتقي بأدبه أضعاف ما يرتقي بعلمه.


موقف المنافقين من الأدب مع النبي عليه الصلاة والسلام:


﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾

 فالمنافقون في الأزمات الحادة، وفي أثناء الغزوات كانوا يتسللون ويهربون إلى بيوتهم، ولاسيما في غزوة الخندق التي بلغت فيها القلوب الحناجر، وابتلي المؤمنون، وزلزلوا زلزالاً شديداً، فالمنافقون تسللوا لواذاً، أيْ لاذوا بحائط، وتسللوا من خلفه، لاذوا بشجرة، وتسللوا من خلفها، أيْ هربوا إلى بيوتهم، وقالوا: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ قد يعلم الله سبحانه وتعالى، ويرى هؤلاء الذين يتسللون، ويبتعدون، ويؤثرون حظوظ أنفسهم على طاعة ربهم، والإنسان حينما يتعامل مع الله سبحانه وتعالى يحل جميع مشكلاته، فإذا تسللت هارباً فالله سبحانه وتعالى يعلم، إذا بقيت ثابتاً الله سبحانه وتعالى يعلم، إذا قدمت مالك الله سبحانه وتعالى يعلم.

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾


مخالفة الرسول مصيرها إلى فتنة وعذاب:


 ولقد سمعت قصة أن شاباً متزوجاً حسب أمواله ليدفع عنها الزكاة، فبلغت الزكاة مبلغاً معيناً، وله زوجة بعيدة عن أجواء الإيمان أقنعته بأن يمتنع عن دفع الزكاة، وما هي إلا أيام، وله سيارة فأصابها حادث، فقال: والله الذي لا إله إلا هو دفعت أجرة تصليح السيارة مقدار الزكاة بالتمام والكمال.

 ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ فالإنسان عندما يُخالف أمر الله عز وجل أو يخالف أمر رسول الله لماذا؟ لأنه معصوم، ولأنه من عند الله، وما ينطق عن الهوى، فإذا خالف أمر النبي عليه الصلاة والسلام، أو إذا خالف سنة النبي عليه الصلاة والسلام بعد وفاته فكأنما خالف أمره في حياته، وإذا خالف أمر النبي فكأنما خالف أمر الله عز وجل، لقوله عز وجل.

﴿ مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)﴾

[ سورة الحشر ]

 فربنا عز وجل يحذرنا: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ مشكلة كبيرة، وربنا عز وجل عنده أدوية لمعالجة الأمراض النفسية لا تعد ولا تحصى، فهناك مصائب، وهناك أمراض، وهناك هموم، وهناك أحزان، فإذا كان رب العزة يقول: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أمر الله عز وجل، أو أمر النبي في حياته، أو سنته بعد مماته، فلو سألت عالماً، وقال لك: افعل كذا، وكذا لأن النبي هكذا قال، هذا ليس توجيه العالم، إنما هو توجيه النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا خالفت توجيه هذا العالم المأخوذ من توجيه النبي فقد خالفت شرع الله عز وجل.

 والإنسان في حركته اليومية، في زواجه، وفي تجارته، وفي بيعه، وشرائه يقع في شبهات، اسأل: مفتاح العلم السؤال.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)﴾

[ سورة النحل ]

 فاسأل به خبيراً، فحينما تسأل تستوضح، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 

(( ما خاب من استخار ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد ))

[ رواه الطبراني بسند ضعيف ]

اسأل أهل العلم حول كل شبهة تعترض سبيلك ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ حينما يخالف الإنسان أمر النبي عليه الصلاة والسلام في حياته، أو سنته الصحيحة بعد مماته، أو يخالف آية قرآنية، يجب أن ينتظر العقاب، لقول الله عز وجل: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وحينما يطمئن الإنسان على معصيته فهو في غباء ما بعده غباء، لأن الله سبحانه وتعالى لا يغفل عنه، وسيدنا عمر رضي الله عنه قال عجبت لثلاثة: <<عجبت لمؤمّل والموت يطلبه، وعجبت لغافل وليس بمغفول عنه، وعجبت لضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط الله عنه أم راضٍ>> .

 ثم يقول الله عز وجل في ختام هذه السورة: 

﴿  أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(64)﴾

[ سورة النور ]


لله ما في السماوات والأرض ملكًا وتصرفًا ومصيرًا:


﴿لِلَّهِ﴾ هذه اللام لام الملكية، يعني ما في السماوات والأرض لله، لأنه خلقها، ولأنه يملكها، ولأنه يملك التصرف بها، ولأن مصيرها إليه، أنت في الدنيا قد لا تملك هذا البيت، وقد تملكه، ولا تنتفع به، وقد تملكه، وتنتفع به، وقد تُنظَّم أرضه فيُؤخَذ منك، فليس لك مصيره، والإنسان في الدنيا ملكيته محدودة، يملك الرقبة، ولا يملك المنفعة، وقد يملك المنفعة، ولا يملك الرقبة، وقد يملك الرقبة والمنفعة، ولا يملك المصير، قال العلماء في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هو يملكها، ويتصرف بها، وإليه مصيرها، فأنت علاقتك في النهاية مع الله عز وجل في كل صغيرة وكبيرة، فإذا عاملت الله وحده سعدت بهذه المعاملة، "اعمل لوجه واحدٍ يكفِك الوجوه كلها" فذاكرتك، وعقلك، وأهلك، وأولادك، وحرفتك، وزبائنك، ودكانك، وأيّ شيء تعتز به هو ملك لله عز وجل، لقول الله عز وجل:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾

[ سورة آل عمران ]


 وفي بعض الآثار القدسية:


((  أنا ملك الملوك، ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، وادعُوا لهم بالصلاح، فإن صلاحهم بصلاحكم.  ))

[ رواه الطبراني وهو ضعيف ]

 فهذه الآية: ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ كل شيء يُملَّك الله مالكه أبداً، فإذا تعاملت معه وحده سعدت بالدنيا والآخرة، وإذا تعاملت مع شركاء ليس لهم من الأمر شيء.

﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ۖ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)﴾

[ سورة الكهف ]

 تعامل مع الإنسان، أرضِ هذا الإنسان على حساب طاعة الله عز وجل يسخط عنك هذا الإنسان، ويسخط الله معه، أرضِ الله عز وجل بسخط الناس يرضَ الله عنك، ويرضِ الناس، لا إله إلا الله هذا التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.

﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ السماوات والأرض كلمة قرآنية يعبر بها عن الكون، فالكون كله سماوات وأرض ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ .

 وهناك آية أخرى:

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى(6) ﴾

[ سورة طه ]

 كله لله سبحانه وتعالى؛ ملكاً، وتصرفاً، ومصيراً، فما دام الشيء له، فماذا ينتج عن هذا الإيمان؟ 


إحاطةُ الله بكل شيءٍ علمًا:


﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ فأنت تحت سمعه وبصره، أنت صفحة منبسطة أمامه، مكشوف، يعلم سرك ونجواك، ويعلم ما تعلن، وما تُسر، يعلم ما تعلن، وما تخفي، ويعلم نيَّاتك البعيدة، ويعلم وساوسك، ويعلم هواجسك، ويعلم صراعاتك، وكل شيء يخطر في بالك فهو في علم الله عز وجل، ولذلك الإنسان يستحي، وفي إنجيل سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام:

عبدي طهرت منظر الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة

 فالإنسان بيته منظر الخَلق، وثيابه منظر الخَلق، ومركبته منظر الخَلق، يقول لك أريد أن أطليها، ويمكن أن يدهن مدخل البيت، ويمكن أن يغير المفروشات، ويقول لك: أريد أشياء أحدث. 

ورد في إنجيل سيدنا عيسى عليه السلام: "عبدي طهرت منظر الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة"

ما هو منظر الله سبحانه وتعالى؟ هو القلب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((  إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ  ))

[ صحيح مسلم ]

 فالقلب منظر الرب، ومن هنا قال سيدنا عمر رضي الله عنه: "فتعاهد قلبك".

﴿  يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89)﴾

[ سورة الشعراء ]

 فهناك غل، وحقد، وغش، وخداع، وتكبر، واستعلاء، وأنانية، وأثَرة، وحب للذات، وهناك مسامحة، وعفو، وغيرية، وتواضع، وخوف من الله، فهذا القلب منظر الرب، والإنسان عليه أن يهتم بقلبه، لأنك إذا اهتممت بالظاهر ولم تهتم بالباطن فعملك لا يقدم، ولا يؤخر.

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23) ﴾

[ سورة الفرقان ]

 وقد مر بنا من قبل حينما وصف الله أعمال الكفار الصالحة بأنها:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39) ﴾

[ سورة النور ]

﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ فأنت على أي شيء، عندما عقدت هذا الزواج هل تنوي أن تطلقها بعد أن تنتهي الدراسة.

﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ وحينما عقدت هذه الشراكة هل تنوي أن تجعل شريكك خارج الشركة حينما يقوى مركزك، وتأخذ منه هذه المصلحة، فهذه النيَّات السيئة يعلمها الله عز وجل والله رب النيَّات، ولذلك أخلص النية فإن الناقد بصير. قال العلماء: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي قد علم. 


معنى: قَدْ يَعْلَمُ: أيْ قد علِم:


  قد علم، لكن يعلم فعل مضارع والمضارع يفيد التجدد والاستمرار، أيْ كلما خطر في بالك شيء يعلمه، فإذا غيرت موقفك يعلمه، وإذا انتقلت من نية طيبة إلى نية سيئة فإنَّه يعلمها، ومن نية سيئة إلى طيبة يعلمها، نويت الطلاق فيعلمه، وألغيت الطلاق فيعلمه، ونويت إنهاء هذه الشركة فيعلمه، ونويت الاستمرار بها فيعلم ذلك ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ العلم مستمر. 


إثبات البعث والحساب:


﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ أيْ:

﴿  اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا(14) ﴾

[ سورة الإسراء ]

 وأحياناً إذا قبضوا على مجرم يأمرونه أن يمثل الجريمة، فلو نظرت إلى وجه مجرم يمثل الجريمة ترى له وجهاً مغبراً، مكفهِرّاً، مسوداً، كظيماً، ويوم القيامة حينما يقف الإنسان بين يدي الله عز وجل، ويعرض له أعماله؛ لماذا فعلت هكذا؟ ولماذا غششت الناس؟ ولماذا بنيت مجدك على أنقاضهم؟ ولماذا بنيت مالك على فقرهم؟ ولماذا آذيتهم، ولماذا فعلت بهم ما فعلت؟

﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهذه الآيات التي انتهت بها هذه السورة فيها تهديد، أيْ قد يعلم ما أنتم عليه.

 فهذا تهديد، وفيها بشارة ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ إن كنت على الحق فاطمئن، فالله سبحانه وتعالى يعلم من أنت، ويعلم ما أنت عليه، وإذا كنت على غير الحق فهذا تهديد، وهذه آية مبطنّة فيها تهديد، وفيها بشارة، من صلُحَت سريرته ففيها بشارة، ومن ساءت سريرته ففيها إنذار وتهديد ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .


كلمة قصيرة عن مناسبة الإسراء والمعراج: 


الآية الأخيرة من سورة النور انتهت، ومع انتهاء هذه السورة أمضينا فيها ثلاثةً وعشرين درساً، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بها جميعاً، وأن تُترجم هذه السورة إلى سلوك وإلى آداب نعيشها، فإذا تُرجمت إلى سلوك، وإلى آداب نعيشها أقبلنا على الله عز وجل بوجه أبيض، وسعدنا بهذا الإقبال.

 موضوع الإسراء والمعراج موضوع دقيق، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام مر في حياته بمراحل متنوعة، وبعض هذه المراحل فيه حزن، وفيه تكذيب، وفيه وحشة، وفيه عدوان، وفيه كفر بدعوته، والنبي عليه الصلاة والسلام على الرغم من كل المصائب والمحن التي مر بها كان ثابت الجأش، كان ثابت القلب، كان محباً لله عز وجل، فماذا يعلمنا الإسراء والمعراج؟ يعلمنا الثبات على المبدأ.

 فالنبي الكريم ماتت زوجته خديجة مؤنسته في الداخل، ومات عمه أبو طالب، وذهب إلى الطائف، وتتالت المحن في العام العاشر للهجرة، بعضها مع بعض، ومع ذلك ما زاد على أن قال:

((  اللهم إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، ولكن عافيتك أوسع لي))

[ رواه الطبراني وفي سنده ضعف ]

 الشيء المهم أن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فكل مؤمن ربما سلّكه الله سبحانه وتعالى في الطريق نفسه الذي سلكه النبي عليه الصلاة والسلام، وخط المؤمن البياني قد يهبط، وقد يهبط، وقد يصل إلى النهاية الصغرى، ثم يصعد، ويصعد، والمهم أن تبقى ثابت المبدأ، وما من قولة قالها النبي عليه الصلاة والسلام تعبر عن ثباته على مبدئه كقوله صلى الله عليه وسلم: 

((  والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه. ))

[ أخرجه ابن إسحاق في المغازي وفي سنده ضعف ]

 فيجب على المؤمن أن يوطن نفسه ليكون محباً لله، طائعاً له، مُخبِتاً إليه في كل الأحوال، في السراء والضراء، في الضيق والبحبوحة، في إقبال الدنيا وإدبارها، في الصحة والمرض، في الخوف والأمن، لأن النبي عليه الصلاة والسلام مر بمواقف عديدة جداً، لكن جاء الإسراء والمعراج، وكان مسحاً لجراح الماضي، وتطميناً لقلب النبي، وإراءة لملكوت السماوات والأرض، وعرف النبي أنه سيد ولد آدم، وأنه سيد الأنبياء والمرسلين، وأن الله رفعه إلى سدرة المنتهى حيث لا مقام بعده، وأن هذا كله ناله بمقام العبودية لله عز وجل، إذ يقول سبحانه: 

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1) ﴾

[ سورة الإسراء ]

 وكلما كنت عبداً لله كلما ارتفعت في نظر الله عز وجل، وكلما كنت عبداً لله كلما حققت الهدف من وجودك، والعبودية الخالصة انصياع لأوامر الله كلية، ورضاء بقضائه وقدره، واستسلام له، وميل إليه، ومحبة له.

والحمد لله رب العالمين.

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور