- الحديث الشريف / ٠1شرح الحديث الشريف
- /
- ٠1الترغيب والترهيب المنذري
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها:
لا زلنا أيها الأخوة، في باب الترغيب في لزوم المساجد والجلوس فيها، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ))
لقول الله عز وجل:
﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾
الذي يعتاد المساجد، يدين الجلوس فيها، يدين ارتيادها، يكثر الجلوس فيها، يألفها.
(( إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان لأن الله عز وجل يقول: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ))
من لوازم الإيمان أن ترتاد المساجد وتكون فيها:
أي من لوازم الإيمان أن ترتاد المساجد، من لوازم الإيمان أن تكون في المساجد كما هو السمك في الماء، هذا هو مكانه الطبيعي، مكانك الطبيعي، مكان ترتاح فيه نفسك، مكان يطمئن فيه قلبك، مكان تألف من فيه، ويألفك من فيه.
(( إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ))
إنسان يصلي في المسجد، يحضر دروس علم في المسجد، لا ينبغي أن نطعن في إيمانه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( فاشهدوا له بالإيمان ))
ما الذي جاء به إلى المسجد ؟ هناك من يألفون الملاهي، يألفون أماكن السوء، يألفون الفحش، الأماكن الرذيلة، يألفون الأماكن العامة حيث فيها الاختلاط.
(( إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان ))
من اتخذ المسجد مكان إقامته أكرمه الله وفرح به:
حديث آخر:
(( ما توطن رجل المساجد للصلاة ))
أي اتخذها وطناً، اتخذها مكان إقامته، أينما فقدته وجدته في المسجد، له أوقات يقضيها في المسجد، يقتطعها من قوته.
(( ما توطن رجل المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله تعالى إليه كما يتبشبش أهل الغائب لغائبهم إذا قدم عليهم ))
أي الله عز وجل يتبشبش له، يرحب به، يفرح به، يكرمه.
(( ما توطن رجل المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله تعالى إليه كما يتبشبش أهل الغائب لغائبهم إذا قدم عليهم ))
شيء جميل جداً أن يشعر الإنسان أن الله يرحب به، أن الله يكرمه، أن الله يفرح بقدومه إلى البيت.
(( إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني وحق على المزور أن يكرم الزائر ))
الأماكن الست التالية إذا كنت فيها ووافتك المنية فأنت في ذمة الله:
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( ستة مجالس المؤمن ضامن على الله تعالى ما كان في شيء منها في مسجد جماعة وعند مريض أو في جنازة أو في بيته أو عند إمام مقسط يعزره ويوقره أو في مشهد جهاد ))
أي في هذه الأماكن الست إذا كنت فيها، ووافتك المنية، فأنت في ذمة الله، والله يضمن لك الجنة، فإذا وافت الإنسان منيته وهو في المسجد هذه شهادة طيبة جداً، وإذا وافته منيته وهو في الحج، في طاعة، فهو في ذمة الله، أي إذا كان:
(( في مسجد جماعة وعند مريض طاعة أو في جنازة طاعة أ في بيته البيت المكان الطبيعي للإنسان مكان عبادته مكان أهله وأولاده مكان معتكفه))
﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً ﴾
الفساد عمّ، والفتن استعرت، والطرقات ملئت بالمعاصي، والآثام، والأسواق تعرض فيها أشياء تغري، فعلى الإنسان أن يعتزل الناس، ويقيم في بيته، بيته مكان عبادته.
(( أو عند إمام مقسط ))
يعاون إنساناً، يقيم الحق، يحق الحق، يبطل الباطل، يرد للمظلوم ظلامته، هذا إمام مقسط، إذاً يعاونه.
(( يعزره ويوقره أو في مشهد جهاد ))
في الجهاد، عند إمام مقسط، لأن قاسط تعني ظالم، ومقسط تعني عادل.
(( في مسجد جماعة وعند مريض أو في جنازة أو في بيته أو عند إمام مقسط ))
أي هذه الأماكن إذا قضى الإنسان بها فهو مغفور له، والله يضمن له الجنة.
عمار بيوت الله هم أهل الله عزوجل:
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
(( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن عمّار بيوت الله هم أهل الله عز وجل ))
مرتبة عالية جداً.
(( إن عمّار بيوت الله هم أهل الله عز وجل ))
(( إن قراء القرآن هم أهل الله وخاصته ))
الإنسان أحياناً يكون له علاقة مع شخص، إذا كان من أهله، أقرب شيء للإنسان أن يكون من أهله، الإنسان عنده آلاف الأصدقاء، أما ابنه فشيء آخر.
(( إن قراء القرآن هم أهل الله وخاصته ))
(( إن عمار بيوت الله هم أهل الله عز وجل ))
المشاؤون إلى المساجد في الظلمات هم أهل الله تعالى:
حديث آخر:
(( من ألف المسجد ألفه الله ))
المؤمن يسعد في المسجد، والحقيقة هناك عوامل كثيرة سنرى بعد قليل ما هي هذه العوامل، يألف أخوانه في المسجد، تنشأ علاقات متينة جداً في المسجد.
أنا أذكر قبل عشر سنوات تقريباً كنا في جامع العفيف، وهناك درس فجر يومي كما هي الحال الآن، هؤلاء الذين في هذا المسجد نشأت بيننا وبينهم علاقة متينة جداً، صلاة الفجر لها طعم خاص غير الصلوات الأخرى، صلاة الفجر وقت الرحمة.
(( ولو علموا ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ))
واسر نحونا في الليل لا تخشَ وحشتنا فالأنس في طيب ذكرنا
* * *
المشاؤون إلى المساجد في الظلمات هؤلاء هم أهل الله عز وجل، فالإنسان إذا مكنه الله عز وجل وقواه أن يصلي الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، والله يضمن له الجنة.
على الإنسان أن يكون مع الجماعة لئلا يصاب بالإنحراف:
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( إنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ فَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ))
إنسان ينزوي لوحده، يشذ في عقيدته، يشذ في سلوكه، يخرج عن إجماع المسلمين، يخرج عن منهج علمائهم، يخرج عن حياة المؤمنين، من يأخذه؟ الشيطان.
(( عليكم بالجماعةِ وإِيَّاكُم والفُرْقَةَ فَإِنَّ الشيطانَ مع الواحد وهو من الاثنين أبعدُ ))
(( فإنما يأكلُ الذِّئبُ من الغنم القاصية ))
هناك أشخاص يتجنبون المساجد، والله أعرف عدداً كبيراً منهم، في النهاية شذّ، قابع في بيته، له أفكاره الخاصة، قناعاته الخاصة، فتاواته الخاصة، شيئاً فشيئاً ينحرف، أما الجماعة لا تسمح للفرد أن يشذ عنها، لذلك:
(( إنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَوَالنَّاحِيَةَ))
الناحية المبتعدة عن المجموع.
(( فَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ))
طريق ضيق منحرف، الانحراف في السلوك أو في العقيدة كأنه في شعبة شاذة.
((وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ))
كن مع الجماعة، كن مع عامة المسلمين، هناك أشخاص يعتمدون على فتاوى شاذة، أو على آراء ضعيفة، أو على آراء منحرفة، أو على آراء لم يجمع عليها المسلمون.
((وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ))
الأشخاص في المسجد كالأوتاد يحب ويقوي بعضهم بعضا:
(( إن للمساجد أوتادا ))
رأيت هذه الأعمدة الكبيرة ؟ أركان المسجد، إن للمساجد أوتاداً، أي الأشخاص في المسجد كالأوتاد، يقول لك: أحد أركان المسجد، وهناك تعبير آخر: أحد أعمدة المسجد، أي هو شخص مهم جداً، دوره أساسي في المسجد، لو أنه غاب مرة واحدة يفتقده الناس.
((إِنَّ لِلْمَسَاجِدِ أَوْتَادًا الْمَلَائِكَةُ جُلَسَاؤُهُمْ إِنْ غَابُوا يَفْتَقِدُونَهُمْ وَإِنْ مَرِضُوا عَادُوهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِي حَاجَةٍ أَعَانُوهُمْ ))
قال بعضهم: "هم في مساجدهم، والله في حوائجهم".
((إِنَّ لِلْمَسَاجِدِ أَوْتَادًا الْمَلَائِكَةُ جُلَسَاؤُهُمْ إِنْ غَابُوا يَفْتَقِدُونَهُمْ وَإِنْ مَرِضُوا عَادُوهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِي حَاجَةٍ أَعَانُوهُمْ ثم قال جليس المسجد على ثلاث خصال أخ مستفاد أو كلمة محكمة أو رحمة منتظرة ))
الذي في المسجد إما أن يستفيد من أخ كريم، والله هناك أخ لا تعدل صداقته ملء السماوات والأرض، هناك علاقات راقية جداً بين المؤمنين، من أين عرفته ؟ من المسجد.
قال لي صديق: كنت في بعثة في بكين، طبعاً يمكن أن أصلي في الفندق، لكني بحثت عن مسجد هذه المدينة، و قد كلفني هذا مبلغ ضخم، و عندما وصلت إلى المسجد، تعرفت على ثلاثة من المصلين، قال لي: هذه الصداقة بقيت أكثر من عشر سنوات ولا تزال، لأنه صلى في المسجد.
الآن تصلي لوحدك في البيت لا تعرف أحداً، أما إذا دخلت إلى بيت من بيوت الله، لعل الله عز وجل ينفعك به، يمكن أن تنتفع منه مادياً، بأن تعمل مع إنسان مشروعاً مشتركاً، أنت وثقت به لأنه من رواد المسجد، وهو وثق بك لأنك من رواد المسجد.
من دخل إلى المسجد أيده الله بالسكينة والراحة:
يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( جليس المسجد على ثلاث خصال أخ مستفاد أو كلمة محكمة أو رحمة منتظرة ))
إما أن يلقي الله على قلبك سكينته، فتشعر بالراحة، راحة حقيقية لا يعرفها إلا من فقدها، إذا سافر الإنسان إلى بلد ليس فيه مسجد، ولا دروس علم، ولا أذان، ولا رحمة، يشعر بالوحشة، وبالغربة، قال:
(( رحمة منتظرة ))
شعور بالطمأنينة، أحياناً الإنسان يكون مثقلاً بالهموم، حينما يدخل بيتاً من بيوت الله ترتاح نفسه، وكأن هذه الهموم أزيحت عن كاهله.
(( أخ مستفاد أو كلمة محكمة أو رحمة منتظرة ))
أخ، أو علم، أو رحمة، أخ في الله شيء ثمين جداً، ورحمة منتظرة من الله عز وجل، أو كلمة حكمة ينتفع بها.
الآن الإنسان يصلي، أو يسمع درساً، إذا صلى اتصل بالله، أو إذا سمع درساً تعلم، وإن التقى بأخ استفاد منه، وقد تكون فائدة أخروية، وقد تكون دنيوية.
الإنسان أحياناً بطريق الإيمان يصادف شخصاً أعلى منه، ينتفع بعلمه، ينتفع بحاله، ينتفع بحكمته، ينتفع بعقله، وقد يتجلى الله عليه بالمسجد، وقد يكسب حكمة تعينه على أمر دينه ودنياه.