وضع داكن
17-08-2022
Logo
خارجية - ندوات مختلفة - الأردن - عمان - مركز زاد الخير - زوم : 80 - طاعة الله و بر الوالدين
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 

العبادة علة وجودنا في الأرض :


أيها الأخوة الأحباب ؛ أيها المستمعون الأكارم ؛ أيها المشاهدون ؛ قال تعالى :

﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) ﴾

[ سورة الإسراء ]

العبادة علة وجودنا في الأرض ، قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

[ سورة الإسراء ]

العبادة طاعة طوعيّة ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تُفضي إلى سعادة أبدية .
علة وجودنا العبادة ، إذاً : (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ) ، العبادة أنت مخلوق ، حادث ، مُكلَّف ، وُضِعت فيك الشهوات ، كُلفت أن تعبد الله ، وأن تتبع منهجه العظيم ، منهجه القويم ، أن تتبع الصراط المستقيم ، (أَلَّا تَعْبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا) ، يوجد ملمح دقيق أن الواو عند النحاة حرف عطف ، ولكنها عند علماء البلاغة حرف تماثل ، أنت لا تقول : اشتريت مزرعة وملعقة ، اشتريت مزرعة وبيتاً ، مركبة ومزرعة ، فهذه الواو تقتضي في البلاغة التماثل ، قال تعالى : (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ) ، العبادة لله ، حتى الأبوان ، قال تعالى :

﴿ وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ۚ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15) ﴾

[ سورة لقمان ]

العبادة علة وجودنا ، سبب وجودنا ، غاية وجودنا ، (وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، هي طاعة طوعية ، وليست قسرية ، خلقنا وحياتنا بيده ، الموت بيده ، الصحة بيده ، المرض بيده ، القوة بيده ، الضعف بيده ، المال بيده ، الإفقار بيده ، ومع كل ذلك ما قبل أن نعبده إكراهاً فقال تعالى :
 

﴿  لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) ﴾

[ سورة البقرة ]

بل أراد أن تكون المحبة هي أصل العلاقة به ، قال تعالى : 

﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ (54) ﴾

[ سورة المائدة ]

 

الحب نوعان ؛ حبّ في الله وحبّ مع الله :


لذلك قالوا : هناك حب في الله ، وحب مع الله ، الحب في الله عين التوحيد ، أن تحب الله ورسوله والأنبياء جميعاً ، والعلماء الربانيين جميعاً ، والعمل الصالح ، أن تكون باراً بوالديك ، مخلصاً في عملك ، عندك دوائر ثلاثة ؛ أنت دائرة ، وبيتك دائرة ، وعملك دائرة ، فإذا أقمت أمر الله فيما تملك كفاك ما لا تملك .
 

العبادة طاعة طوعية :

 
لذلك قالوا : العبادة طاعة طوعيّة ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تُفضي إلى سعادة أبدية ، والقرآن الكريم كلام الله ، وفضل كلام الله على كلام خلقه ، كفضل الله على خلقه ( وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ ) لا إله إلا الله ، لا نعبد إلا الله ، والعبادة مرة ثانية للتأكيد هي طاعة طوعية ، ليست قسرية ، هي طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبيّة ، فما عبدَ الله من أطاعه ولم يحبه ، كما أنه ما عبدَ الله من أحبه ولم يطعه ، طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، ما معنى يقينية ؟ قال تعالى :

﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ (5) ﴾

[ سورة التكاثر ]

المصداقية في العلم إن كانت ضعيفة جداً : وهم 30% ، أعلى من الوهم شك 50% ، أعلى من الشك ظن 70% ، أعلى من الظن غلبة الظن ، أما القطع 100% .
طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .
 

الفرق بين اللذة والسعادة :


الآن السعادة تذكّرنا باللذة ، اللذة حسيّة ، تحتاج إلى وقت ، وإلى صحة ، وإلى مال ، ولحكمة بالغة بالغة في البدايات لا يوجد وقت ، في البدايات يوجد وقت ويوجد صحة ولكن لا يوجد مال ، في الوسط يوجد مال ويوجد صحة ولا يوجد وقت ، في الخاتمة يوجد وقت ، ويوجد مال ، ولا يوجد صحة ، ما سمح الله لهذه الدنيا أن تُمّد الإنسان بسعادة مستمرة ، متنامية ، مستحيل ، والسبب مستمرة مستحيل بل متناقصة ، هذه اللذة ، أما السعادة فهي أن تنعقد لك مع الله صلة ، أن تنعقد لك مع الله صلة ، والصلة التي تنعقد لك مع الله هي سعادة كبرى : 
     

   فـلو شاهدت عيناك من حسننـــــــا           الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنــا

 ولو سمعت أذناك حسن خطابنــــا           خلعت عنك ثياب العجب وجئتنــــــــا

   ولو ذقت مـن طعم المحبـــــــة ذرة           عذرت الذي أضحى قتيــلاً بحبنـــــــــا

   ولو نسمت من قربنــــا لك نسمــة           لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا

ولو لاحَ من أنوارنا لك لائــــــــــــحٌ           تركتَ جميـع الكائنــــــــات لأجلنــــــــــــا

 فما حبنا سهل وكل من ادعــــــــى           سهولته قلنا له قــــــــــــد جهلتنــــــــــــا

   فأيسر ما في الحب للصب قتـله           وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنــــا

 ***

 

بر الوالدين هي العبادة الأولى في حياة المؤمن :


(وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا) الوالدَان مطلق ، قد يكونان والدَين غير مسلمَين ، المطلق على إطلاقه ، والمُطلق في القرآن لا يُقَيّد ، والمُقيّد لا يُطلَق    (وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا) الآن يوجد ملمح بلاغي دقيق ، الواو عند النحاة حرف عطف ، أما في مجال آخر فهي حرف تماثل في البلاغة ، أنت لا تقول : اشتريت مزرعة وملعقة ، مزرعة وسيارة ، مزرعة وبيتاً ، قال تعالى : (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا) الإحسان مطلق ، والمطلق على إطلاقه ، والمطلق لا يُقيّد ، ولو كان الأبوان ليسا بمسلمَين ، (وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ) مطلق ، لكن الله عز وجل في هذه الواو التي يراها علماء البلاغة واو تماثل رفع بر الوالدين إلى مستوى عبادته (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) أي لا يوجد أقل من كلمة أف ، أف أي تأفف ، العلماء الكبار حملوا على هذه الكلمة أكثر من ثلاثين حالة ، ما برّ أباه من شدّ نظره إليه ، ما برّ أباه من مشى أمامه ، أو جلس قبله ، أو خبط الباب خبطاً غاضباً ، العلماء عدّوا أكثر من ثلاثين حالة تساوي كلمة أفّ ، ما برّ أباه من شدّ نظره إليه ، من مشى قبله ، من جلس قبله ، حالات كثيرة جداً ، أي الله عز وجل أوجدك من العدم ، قال تعالى :

﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَٰنِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًٔا مَّذْكُورًا (1) ﴾

[ سورة الإنسان ]

أوجدك من عدم ، الإنسان لو فتح كتاباً والكتاب مؤلّف في عام قبل ولادته ، أثناء تأليف هذا الكتاب ، في أثناء طبع هذا الكتاب ، من أنت ؟ أنت لا شيء (هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَٰنِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًٔا مَّذْكُورًا) أنت حادث ، الله قديم ، أنت حادث ، قال الله عز وجل : (وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) العبادة كما قلت قبل قليل طاعة طوعيّة ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تُفضي إلى سعادة أبدية .
أي لا يوجد أب فيما أعلم في القارات الخمس إذا مرض ابنه يقول : خفف الله عنه ، أبداً ، أما الابن البار أحياناً إذا الأب كان مريضاً مرضاً عضالاً فيقول في نفسه : خفف الله عنه ، أي قضية الآباء والأبناء شيء دقيق جداً (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ) أي هم صاروا عندك في البيت ، أنت تقول : أنا عند أبي ، حينما كنت صغيراً عند أبي ، شاباً عند أبي ، أما حينما تقدّما في السن (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّۢ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) الكلمة الطيبة صدقة ، يوجد ملاحظة دقيقة جداً ، بر الوالدين هي العبادة الأولى في حياة المؤمن ، والذي لا يُصدّق أن هذه العبادة وحدها يُثاب عليها صاحبها في الدنيا قبل الآخرة ، هذه العبادة الأولى في العبادات ، هي بر الوالدين يُثاب عليها الإنسان في الدنيا قبل الآخرة ، نعم ، لذلك : 

﴿ وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا(24) ﴾

[ سورة الإسراء ]

سأضرب بعض الأمثلة : دخل إنسان لبيته الساعة الواحدة ليلاً ، والدته في البيت قالت له : يا بني أريد هذا الدواء ، هو في الحقيقة أخطأ وقال لها : إن الصيدليات كلها مغلقة ، فسكتت ، ولكنه يعلم علم اليقين أن هناك صيدليات مناوبة ، ومعه سيارة ، فحينما نام ولم يأتها بالدواء لا يرتاح ، لا يرتاح أبداً ، ولكن افتراضاً لو ركب مركبته ودار على هذه الصيدليات الخمسة المناوبة والدواء مفقود ، في الحالة الثانية الدواء لم تأخذه الأم كالحالة الأولى ، ولكن هذا الابن ينام مرتاحاً ، فلذلك الفطرة تتوافق مع الأمر ، كل شيء أمرك الله به فُطرت على محبته ، وكل شيء نُهيت عنه فُطرت على كراهيته ، والآية تقول :

﴿ وَٱعْلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ (7) ﴾

[ سورة الحجرات ]

إذاً الإيمان مُحبب .
مرة ثانية والأمر دقيق جداً فرق كبير بين اللّذة والسعادة ، اللذة حسية ، ماديّة تحتاج إلى وقت وإلى مال وإلى صحة ، وكما قلت قبل قليل دائماً لحكمة بالغة تنقصك واحدة من شروط اللذة ، في البداية يوجد وقت ويوجد صحة ولكن لا يوجد مال ، في الوسط يوجد مال ويوجد صحة ولكن لا يوجد وقت ، في الخاتمة يوجد وقت ويوجد مال ولكن لا يوجد صحة.
 

بر الوالدين العبادة الأولى التي يُكافأ الإنسان عليها في الدنيا قبل الآخرة :


إذاً بر الوالدين أعظم عمل على الإطلاق ، ومرة ثانية هذه الطاعة الرائعة الأصل فيها أن صاحبها يُكافأ عليها في الدنيا قبل الآخرة ، مع أن له في الآخرة مكافأة كبيرة ، أما هذه العبادة بالذات فالمكافأة في الدنيا قبل الآخرة ، نعم ، لذلك الابن البار :

(( عن أبي أُسَيْدٍ - بضمِّ الهمزة وفتح السين - مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله عنه قال : بَيْنا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ جاءه رجل من بني سلمةَ فقال : يا رسول الله ، هل بقي مِن برِّ أبويَّ شيءٌ أبَرُّهما به بعد موتهما ؟ فقال : نعم ، الصلاةُ عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذُ عهدِهما من بعدهما ، وصلةُ الرحم التي لا تُوصَلُ إلا بهما ، وإكرامُ صديقِهما . ))

[ رواه أبو داود ]


فهذا الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما ، العبادة كما قلت قبل قليل : طاعة ، خضوع لمنهج الله ، خضوع للإله العظيم ، لرب السماوات والأرض ، خضوع لخالق السماوات والأرض ، خضوع لرب العالمين ، خضوع للمُسيّر ، ذات كاملة ، أصل الجمال والكمال والنوال ، أسماؤه حسنى ، وصفاته علا :
       

 فـلو شاهدت عيناك من حسننـــــــا           الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنــا

 ولو سمعت أذناك حسن خطابنــــا           خلعت عنك ثياب العجب وجئتنــــــــا

 ولو ذقت مـن طعم المحبـــــــة ذرة           عذرت الذي أضحى قتيــلاً بحبنـــــــــا

 ولو نسمت من قربنــــا لك نسمــة           لمــــت غريباً واشتيـــــــــاقاً لقربنـــــــــــا

***

إذاَ : البر العبادة الأولى التي يُكافأ الإنسان عليها في الدنيا قبل الآخرة ، حتى بعد الموت : (الصلاةُ عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذُ عهدِهما من بعدهما ، وصلةُ الرحم التي لا تُوصَلُ إلا بهما) فهذا الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما .
 

تفضل الله على الإنسان بنعمة الإيجاد والإمداد والهدى والرشاد :


نحن– وهذا شيء مؤلم جداً - اخترعوا لنا عيد الأم ، عيد الأم يوم بالسنة ، أنا أرى أن عيد الأم عند المسلم 365 يوماً بالسنة ، كل يوم ، هذا الذي كان سبب وجودك ، الله تفضل علينا بنعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد ، نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد (هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَٰنِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًٔا مَّذْكُورًا) أوجدك من عدم ، خُلقت للجنة ، والدليل قوله تعالى :

﴿ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)  ﴾

[ سورة هود ]

خلقك لجنة عرضها السماوات والأرض ، فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
قالَ اللَّهُ :

(( أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ . ))

[ صحيح البخاري ]

لكن العالم الغربي إن احتفل يحتفل بعيد الأم يوماً من ثلاثمئة وخمسة وستين يوماً ، أما المسلمون فيحتفلون بالسنة كلها ، ومرة ثانية هذه العبادة بر الوالدين المكافأة في الدنيا قبل الآخرة ، أبداً .
 

التفكر في خلق السماوات والأرض هو أقصر طريق إلى الله :


لكن الآن لدينا شيء دقيق ، هذا المنهج الإلهي العظيم القرآن الكريم حوالي ستمئة صفحة تقريباً ، يدور حول الأمر والنهي ، يوجد أوامر يقتضي أن تأتمر ، ويوجد نواه يقتضي أن تنتهي ، ويوجد قصص تقتضي أن تتعظ ، أنت ماذا تفعل بألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون والإنسان ، قال تعالى :

﴿ وَٱلشَّمْسِ وَضُحَىٰهَا (1) وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا (2) ﴾

[ سورة الشمس ]

آيات كثيرة ، ألف وثلاثمئة آية بالتمام والكمال تتحدث عن الإنسان ، وعن خلق الله عز وجل ، هذا يرشدنا إلى قوله تعالى :

﴿ إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَءَايَٰتٍۢ لِّأُوْلِى ٱلْأَلْبَٰبِ (190) ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ(191) ﴾

[ سورة أل عمران ]

فالتفكر في خلق السماوات والأرض هو أقصر طريق إلى الله ، وأوسع باب ندخل منه على الله ، ماذا نفعل بألف وثلاثمئة آية : (إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ) فالتفكر أقصر طريق إلى الله ، وأوسع باب ندخل منه على الله .
يوجد ومضتان ؛ الأرض تدور حول الشمس دورة في السنة ، والمسار ليس دائرياً بل إهليلجياً أي بيضوياً ، فالأرض تدور حول الشمس بمسار إهليلجي بيضوي ، وهذا المسار كالبيضة له قطران قطر أطول وقطر أصغر ، الآن الشمس في القطر الأطول تمشي إلى القطر الأصغر ، المسافة قلّت بينها وبين الشمس ، وقانون الجاذبية متعلق بالمسافة والكتلة ، فالمسافة قلّت والجاذبية ازدادت ، إذاً لا بد أن تنجذب الأرض إلى الشمس ، وإذا انجذبت تتبخر في وقت قليل ، وتنتهي الحياة ، ما الذي يحدث ؟ الله عز وجل يرفع سرعة الأرض ، لينشأ من رفع السرعة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة ، فتبقى على مسارها :

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) ﴾

[ سورة فاطر ]

الآن تنتقل الأرض من القطر الأصغر للأطول ، المسافة زادت ، الجاذبية ضعفت ، هناك احتمال أن تتفلّت الأرض من جاذبية الشمس وإذا تفلّتت الحرارة 260 تحت الصفر تنتهي الحياة ، تنتهي الحياة إذا انجذبت وتنتهي إذا تفلّتت عندئذ تخفض الأرض سرعتها ، ينشأ من خفض سرعتها قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل ، يد من ؟ علم من ؟ حكمة من ؟ قدرة من ؟ هذا هو الإيمان بالله :

﴿ إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَءَايَٰتٍۢ لِّأُوْلِى ٱلْأَلْبَٰبِ (190) ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ(191) ﴾

[ سورة آل عمران ]

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

إخفاء الصور