وضع داكن
06-07-2022
Logo
مختلفة - سوريا - الدرس : 68- كليات الدين
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
بسم الله الرحمن الرحيم  ، الحمد لله رب العالمين  ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ؛ اللهم لا عِلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا عِلماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 

معرفة الله سرّ وجودنا :


لا بدَّ من مقدمات ؛ الطاولة التي أمامي جماد ؛ طول ، عرض ، ارتفاع ، وزن ، حجم ، أما النبات فيزيد عليه بالنمو ، أما الحيوان فيزيد عليهما بالحركة ، أما الإنسان المخلوق الأول والمُكلَّف والمُشرَّف والمُفضَّل والمُحاسب والمُعاقب إذا أخطأ ، أما الإنسان فهو المخلوق الأول عند الله ، لأنه في عالم الأزل قَبِل حمل الأمانة ، فلمّا قَبِل حمل الأمانة كان عند الله المخلوق الأول ، الله أعطاه عقلاً ، أعطاه شهوة ، أعطاه حرية اختيار ، أعطاه وسائل للتأكد من منهج الله العظيم ، فهو المخلوق الأول والمُكرَّم والمُكلَّف والمُفضَّل والمُحاسب والمُعاقب ، هذا الدين ملايين الموضوعات ، ملايين العلماء ، الكتب ، المؤسسات ، لكن هل يُضغط هذا الدين العظيم بكلِّيات ؟ دين عظيم ! كم كتاب ؟ كم مؤلف ؟ كم عالم ؟ كم داعية ؟ كم خطيب ؟ كم مؤسسة إسلامية ؟ كم معهد شرعي بالعالم من رسول الله إلى الآن ؟ هل هذا الكم الكبير من الشخصيات والمُؤلفات والمؤسسات تُضغط في كليات ؟ نعم ، أول كلِّية الكلِّية العَقدية ، المنطلق النظري الأيديولوجيا ، الجانب العَقدي الفكري ، هذا الجانب يحتاج إلى طلب علم ، إن صحت العقيدة صحَّ العمل ، وإن فسدت العقيدة فسد العمل ، فلا بُدَّ من طلب العلم ، طالب العلم يُؤثر الآخرة على الدنيا والله لا أبالغ فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يُؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً ، العالِم عرف الله ، عرف جلاله ، عرف أسماءه الحسنى ، صفاته العُلا ، عرف أنه الذات الكاملة ، أنه أصل الجمال والكمال والنوال ، الله عز وجل أنزل كتابه ، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، لذلك المؤمن يبحث عن الحقيقة ، ما سرّ وجودي ؟ أما الذي غَفَل عن هذه الحقيقة اهتمَّ بالطعام والشراب والنساء أحياناً بالحلال أو بالحرام ، إذا اهتمَّ بهذين الهدفين ونسيَّ سرَّ وجوده وغاية وجوده وقع في خسارةٍ كبيرة :

﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) ﴾

[ سورة الزمر ]

يوم القيامة يوجد أبد ما هو الأبد ؟ الإنسان يعيش عشرين ، ثلاثين ، أربعين ، ستين ، ثمانين أحياناً ، أحد شيوخ الأزهر عاش مئة وثلاثين سنة بعدها يوجد موت ، أما الآخرة فهي إلى أبد الآبدين :

(( أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ صحيح البخاري ]

 

 المنهج الإسلامي منهج تفصيلي :


أنت حينما تبحث عن الحقيقة تصل إليها عن طريق عالمٍ رباني ، أو عن طريق التأمل إن استطعت ، على كُلٍّ حينما تعرف الحقيقة تنضبط ، يوجد في حياتك حلال ويوجد حرام ، يجوز أو لا يجوز ، يوجد فرض إلزامي مئة بالمئة ، ويوجد واجب ، يوجد سنة مؤكدة وسنة غير مؤكدة إلى آخره ، فأنت إذا تعرفت إلى الله معك منهج ، هذا المنهج تتحرك وفقه ، الطعام والشراب فوق المنهج ، يوجد طعام حرام ، الخنزير حرام ، الخمر حرام ، أحياناً الطعام حلال لكن أشتُريَّ بمالٍ حرام ، أحياناً أشتُريَّ بأسلوبٍ غير صحيح ، فلا بُدَّ من أن تعرف منهج الله بالتفاصيل ، أن تعرف منهج الله ثم أن تتحرك وفق منهج الله في كسب مالك ، في إنفاق مالك ، في اختيار زوجتك إن شاء الله حينما تكبرون ، في تربية أولادك ، تربية بناتك ، في اختيار حرفتك ، في اختيار من تتعلق به ، فهذا الإسلام يبدأ من أخص خصوصيات الإنسان وينتهي بالعلاقات الدولية منهج تفصيلي ، أما نحن في توهُّم خطير أنَّ الصلاة والصوم والحج والزكاة هي الإسلام ، هذه عباداتٌ شعائرية ولا تُقطف ثمارها ولا تصحُ إلا إذا صحت العبادة التعاملية ، العبادة التعاملية آلاف البنود ؛ كسب مالك ، إنفاق مالك ، اختيار زوجتك ، تربية أولادك ، خروج بناتك ، اختيار حرفتك ، التعامل مع أبناء هذه الحرفة ، مع الزبائن ، مع الطلاب أحياناً ، أي بنود لا تنتهي ، وهذا المنهج تفصيلي ، أنت كائن عبد لله ، والعبد يُطيع سيده بالتفاصيل الدقيقة جداً ، أما أن نعيش بلا سبب ، بلا هدف ، بلا غاية ، بلا منهج ، بلا ضوابط ، فالمسلم يتحرك وفق الضوابط الشرعية ، يوجد عنده حرام مستحيل أن يفكر فيه ، وعنده حلال ، عنده واجب ، وعنده سنّة مؤكدة ، غير مؤكدة ، عنده مستحب إلى آخره ، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعِلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعِلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعِلم ، والعِلم لا يُعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كُلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظلُّ المرء عالماً ما طلب العِلم ، فإذا ظنَّ أنه قد عَلّم فقد جهل ، طالب العِلم يُؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً .
 

كليات الدين :


هذا الجانب العقدي التفكُّري ، المنطلق النظري ، الأيديولوجيا إن صحَّ التعبير ، هذا يحتاج إلى طلب عِلم ، يحتاج إلى تحصيل ، يحتاج إلى فهم ، يحتاج إلى حفظ ، الآن الحركة أتحرك لآكل ، أتحرك لأسحب ثمن الطعام ، وصف الله النبيين بأنهم كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ، أي هم مُفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام ، ومفتقرون إلى ثمن الطعام ، كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ، فأنت أولاً : العقيدة ، الحكمة ، التصور ، التصرف ، الآن الحركة ؛ كسب المال الحلال والحرام يحرمك من السعادة ، العلاقة التي أُودعت فينا الغريزية تمارس وفق منهج الله بالزواج فقط ، لا يوجد امرأة في حياة المسلم إلا زوجة ، طبعاً يوجد والدته ، وخالته ، وعمته ، وأخته ، هؤلاء أقارب ، أما كعلاقة مع امرأة غير زوجته فلا يوجد عنده ، غير واردة إطلاقاً ، بينما في معظم بلاد العالم هناك زوجة ، وهناك خليلة ، يوجد عشيقة ، نحن على منهج رباني ، منهج من عند خالق الأكوان ، فأنت بالحركة الآن  الحركة كسب المال ، يوجد كسب مال حلال ، وكسب مال حرام ، وكسب مال فيه شُبهة ، فيه إشكال ، فلا بُدَّ من أن تختار حرفةً ترقى بك إلى الله ، دخلها حلال ، الممارسة حلال ، التفاصيل حلال ، الحلال تحلو به النفس والحرام يُحرم من السعادة .
إذاً جانب عقدي وهو الأول ، ثم جانب حركي ، الحركي يوجد حركة سلبية ، الاستقامة سلبية ، أنا ما أكلت مالاً حراماً ، أنا ما كذبت ، أنا ما غششت ، أنا ما افتريت ، أنا ما فعلت ، إلى آخره هذه السلبية ، الإيجابية عملت عملاً صالحاً ، بل إنَّ علَّة وجودي في الدنيا العمل الصالح ، سُميَّ العمل صالحاً لأنه يصلح للعرض على الله ، ومتى يصلح ؟ إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله وصواباً ما وافق السُنَّة ، لكن دقق الإيمان بالله سهل ، الإيمان باليوم الآخر سهل ، لكن العمل الصالح متكرر ، لا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله معرفةً ، لا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله قرباً ، العمل الصالح يصلح للعرض على الله ، ومتى يصلح ؟ إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السُنَّة .
الحركة الثانية سلبية ؛ استقامة ايجابية عمل صالح ، سميَّ صالحاً لأنه يصلح للعرض على الله ، ومتى يصلح ؟ إذا كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتُغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السُنَّة ، أيديولوجيا فهم حركة ثمرة .
 

ثمرات إتقان الصلاة :


الآن :

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾

[ سورة طه  ]

إنك إن صليت الصلوات الخمس صلاةً مُتقنةً ، تقرأ السورة تُفكّر في معانيها ، تركع وتسّجد ، الصلوات الخمس هم الفريضة التعبدية الأولى إن صحّت صحَّ العمل ، وإن فسدت فسدَّ العمل ، الصلاة عماد الدين ، وعصام اليقين ، وسيدة القُربات ، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات ، صلاة مُتقنة .
إذاً أول شيء في العقيدة الحركة ، الثمرة الصلاة لكن الآية تقول :

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) ﴾

[ سورة البقرة  ]

إنكم إن صليتم ذكرتموني ولكنكم إن ذكرتموني ذكرتكم ، ما معنى ذكرتكم ؟ منحتكم التوفيق في الحياة ، توفَّق في زواجك ، توفَّق في حرفتك ، توفَّق في علاقاتك ، توفَّق في برٍّ أمك وأبيك ، توفَّق في علاقتك مع الجيران ، مع الأقوياء ، مع الضعفاء ، أعظم عطاء إلهي التوفيق :

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) ﴾

لا يتحقق شيء مُفيد مُهم كبير في الدنيا إلا بتوفيق الله .
 يوجد هدف ثان ؛ الحفظ ، الله يحفظ لك صحتك ، يحفظ لك أهلك ، أولادك إن كبرت وتزوجت ، يحفظ لك من حولك ، يحفظ لك فهمك ، يحفظ لك عقلك أحياناً ، الإنسان يفقد عقله صار بمستشفى المجانين :

﴿ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) ﴾

[ سورة يوسف ]

الشيء الثالث المهم ؛ السكينة ، السكينة تسعد بها ولو فقدتَ كلَّ شيء ، وتشقى بِفقدها ولو ملكتَ كلَّ شيء ، السكينة ذاقها النبي في الغار ، وذاقها إبراهيم في النار ، وذاقها يونس في بطن الحوت ،  السكينة تسعد بها ولو فقدتَ كلَّ شيء ، وتشقى بِفقدها ولو ملكتَ كلَّ شيء ، صار يوجد التوفيق والحفظ والسكينة .
 

التوحيد فحوى دعوة الأنبياء جميعاً :


الله عز وجل لخصّ فحوى دعوة الأنبياء جميعاً فقال :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) ﴾

[ سورة الأنبياء ]

كأن هذه الآية جمعت أصول الحياة كلها ، أي فحوى دعوة الأنبياء جميعاً الذين ذكروا في القرآن والذين لم يذكرهم :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) ﴾

[ سورة الأنبياء  ]

نهاية العِلم التوحيد ، ألا ترى مع الله أحداً ، ونهاية العمل العبادة ، العبادة طاعةٌ طوعية ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية أساسها معرفةٌ يقينية تُفضي إلى سعادةٍ أبدية .
 

الشباب أمل الأمة ومستقبلها :


أدعو لكم من أعماق قلبي أن يحفظ لكم إيمانكم أيها الشباب ، والشباب أمل الأمة ، ومستقبل الأمة ، وقوة الأمة ، والشباب في السيارة - كتمثيل - كالمحرك في السيارة قوة اندفاع، والشيوخ العلماء الربانيون المِقود ، يُحسنون التوجيه ، والشباب يتقنون الحركة ، وأما الطريق المُعبَّد فهو شريعة الله في الأرض ، فهذا إذا توافر للشاب فهمٌ دقيق ، وعقلٌ دقيق صريح ، وحركة مُنضبطة ، وعمل صالح ، وإقبال على الله ، حقق الهدف من وجوده ، وإذا حقق الهدف من وجوده بقيّ له الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
أدعو الله من أعماق قلبي أن يحفظ لكم مرة ثانية إيمانكم ، وأهلكم ، ومن يلوذُ بكم ، وصحتكم ، ومالكم ، وبلادكم ، وأنا مسرور جداً بكم ، أنا عملي بالتعليم أغلى شيء بحياتي الطلاب ، طالب العِلم هذا طالب العِلم يٌحبه الله ورسوله ، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعِلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعِلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعِلم ، إلا أنَّ العِلم لا يعُطيك بعضه إلا إذا أعطيته كُلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يُعطك شيئاً ، ويظلُّ المرء عالماً ما طلب العِلم ، فإذا ظنَّ أنه قد عَلِم فقد جهل ، طالب العِلم يُؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، بينما الجاهل يُؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
أشكر لكم دعوتكم اللطيفة وأنتم كأبنائي والله ، هذه العلاقة بين المُعلِّم والمتعلم أقدس علاقة في الحياة الدنيا . 
طالب العِلم له مكانة عند الله كبيرة جداً ، والشباب كما قلت : أمل الأمة ، مستقبل الأمة ، قوة الأمة ، المحرك في السيارة ، والأمل متعلق الآن بالشباب ، والشباب أي المستقبل،  والشباب أي قوة الأمة ، والشباب أي الجهة الفاعلة والمُحرّكة للأمة .

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

إخفاء الصور