وضع داكن
04-04-2025
Logo
الدرس : 39 - سورة النساء - تفسير الآيتان 84-85 حقيقة الشفاعة
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحَمدُ لِلَّه ربِّ العالمينَ، والصّلاة والسّلام على سيِّدنا محمد الصّادقِ الوَعدِ الأمين، اللهُمَّ لا عِلمَ لنا إلا ما علّمْتَنا، إنّك أنت العليمُ الحكيمُ، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعُنا، وانفعْنَا بما علَّمْتَنا، وزِدْنا عِلْماً، وأرِنَا الحقَّ حقًّا وارْزقْنَا اتِّباعه، وأرِنَا الباطِلَ باطلاً وارزُقْنا اجتِنابَه، واجعَلْنا ممَّن يسْتَمِعونَ القَولَ فيَتَّبِعون أحسنَه، وأَدْخِلْنَا برَحمَتِك في عبادِك الصَّالِحين.

الإنسان هو المخلوق الأول الذي أودعت فيه الشهوات ثم منح العقل وأعطي المنهج: 


 أيها الإخوة الكرام، مع الدرس التاسع والثلاثين من دروس سورة النساء، ومع الآية الرابعة والثمانين، وهي قوله تعالى: 

﴿ فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا(84)﴾

[ سورة النساء ]

 حكمة الله اقتضت أن يكون في الأرض حق وباطل، وخير وشر، وعدوان وسلام، ذلك أن الإنسان وهو المخلوق الأول أُودِعت فيه الشهوات، ثم مُنِح العقل وأُعطي المنهج، فينبغي أن يُتَّبع المنهج، وأن تُمارَس الشهوات وفق منهج الله، فإن لم يكن ذلك كذلك كان عدوان بين البشر، الإنسان في جسمه دوافع إلى الطعام والشراب والجنس، وأشياء كثيرة، وهذه تحتاج إلى أموال، فحينما يتحرك بدوافع من شهوته ومن دون ضابط من منهج أو قيم فلا بد أن يأخذ ما له وما ليس له، فالعدوان بين بني البشر والقتال بينهم أساسه أن تأخذ ما ليس لك، وما يجري في العالم اليوم من حروب هدفها السيطرة على الثروات كي تُوفَّر لشعوب المعتدين حياة عالية جداً، فلو دخلنا في أعماق القتال فإننا نجده ناتجاً من طبيعة الإنسان، فهو مخلوق أول أُودِعت فيه الشهوات، وأُعطِي حرية الاختيار، وأُعطي عقلاً، وأُعطي منهجاً، فتحرك بدافع من شهوته من دون أن يحكّم عقله، ومن دون أن يسير على منهج رباني، فلا بد أن يأخذ ما ليس له، فإن كان قوياً استغل قوته في العدوان على الآخرين، هذا منطق الحروب في العالم اليوم.

القتال شرعه الله تعالى في القرآن لهدفين:


 إذاً القتال شرّعه الله تعالى في القرآن بهدفين: 

﴿ وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(39)﴾

[ سورة الأنفال ]

 حينما يكون المسيطر هو الكافر سوف ينشر فتنة في الأرض كما ترون بأعينكم: ﴿وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ﴾ ينبغي أن يخضع الناس لمنهج الله، السماء فيها دعوة إلى الله، والأرض ينبغي أن تكون مساوية للسماء، لا ينبغي أن تكون أرض بلا سماء ولا سماء بلا أرض، كمال هذا الدين أن يكون لكل أرض سماء، ولكل سماء أرض. 
﴿وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حتى لا تُستَغل المرأة التي شرّفها الله وكرّمها، وجعلها شريك الإنسان في حياته وشِقّه الثاني، لئلّا يُتاجَر بها فتكون بيوت الدعارة، ومواقع الرذيلة، وما ترونه وتسمعونه في العالم اليوم، هذه الفتنة الكبرى.

(( عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:  مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ ))

[ صحيح البخاري عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهمَا ]


المرأة لها دور خطير في الإسلام:


 وإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، حينما أُطلقت اليد للكفار ماذا فعلوا؟ حاربوا بالمرأة، والذي نسمعه من أخبار أنه حينما يُفتَح بلد إسلامي أول شيء يبيحون فيه الأفلام التي لا ترضي الله عز وجل، ينشرونها، ويأمرون بخروج المرأة سافرة، الشيء الذي يلفت النظر أن أعظم إنجاز لهم إذا انتصروا أن يفتتحوا دوراً لتزيين النساء، معنى ذلك أن الكفار يحاربون بالمرأة التي تبيع جسمها مقابل المال، وهذا انحطاط شديد بالمرأة، فالمرأة لها دور خطير في الإسلام، فالمرأة زوجة، وأم، وأخت، وبنت، ليس في الإسلام امرأة معشوقة. 
 ﴿وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ﴾ وهناك مبدأ آخر: 

﴿ وَقَٰتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓاْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ(190)﴾

[ سورة البقرة ]

 فإذا قاتلك الكافر ينبغي أن تقاتله كما يجري في فلسطين ﴿وَقَٰتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ﴾ ﴿وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ﴾ ويوجد كلام دقيق جداً، الله عز وجل قال: 

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾

[ سورة البقرة  ]

 فالذي يُكرِه الناس على كفرٍ يجب أن تقاتله حتى تُحقَّق الآية أنه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ .

القتال في الإسلام لا بدّ منه لردّ العدوان:


 الجهة الطاغية التي تُكرِه الناس على عبادة أشخاص، أو أوثان، أو شهوات ينبغي أن تقاتلها كي تتحقق حرية الإنسان في اختيار الدين الذي يريد، لأنه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ فالقتال في الإسلام لا بد منه لرد العدوان ﴿وَقَٰتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ﴾ وقد قال الله عز وجل: 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(60)﴾

[  سورة الأنفال ]

 جاءت حكمة الاستعداد الحربي: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ .

الفتنة أشد من القتل:


 السلاح المتطور أحياناً له دور كبير في الردع، ربما لا تستخدمه أبداً، ولكنه يؤدي دوره كاملاً دون أن تستخدمه لأنه قوة رادعة، فالآية اليوم: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ هذا أمر موجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكل أمر موجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام موجَّهٌ حُكماً لكل المؤمنين، لكن قاتِل في سبيل الله، وفي سبيل إعلاء كلمة الله، وفي سبيل أن يكون الدين لله، في سبيل أن تُمحَق الفتن التي هي أشد من القتل، كيف تكون الفتنة أشد من القتل؟ لو أن جاهلياً في الجاهلية وأد ابنته، وهي في عمر بسيط، في سنوات معدودة، كان يحفر حفرة في الصحراء ويدفعها فيها، ويُهيل عليها الرمل، وتقول: أبي، أبي! هذه التي وُئِدت إلى أين مصيرها؟ إلى الجنة، لأنها لم تُكلَّف بعد، لكن هذه التي كبرت، وأطلقْتَ لها العِنان، وفجرت، وزنت، وفتنت الشباب، وأغوت الناس، ثم ماتت إلى أين مصيرها؟ إلى جهنم، أيهما كان أشد عليها؛ أن تئِدها أم أن تفتنها؟ 

﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ(191)﴾

[ سورة البقرة ]

 والله عز وجل يقول: ﴿وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ﴾ ماذا يفعل الكافر؟ قال: 

﴿  الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ(11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ(12)﴾

[ سورة الفجر ]

 طغوا بعدوانهم، وأفسدوا بأفلامهم. 

﴿  فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ(13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)﴾

[ سورة الفجر ]


الإنسان مخير:


 القتال شُرِع لتقاتل من يُكرِه الناس على شيء ما أراده الله، لأن هذا عطّل الحرية الدينية، أن تقاتل الذي يقاتلك، وأن تقاتل الذي يشيع في الأرض فساداً وعدواناً، والذي يحول بين الناس وبين أن يخضعوا لدين الله، الآية هنا: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ﴾ أنت لا تستطيع أن تحمل الناس على أن يقاتلوا، لك أن تدعوهم، لك أن تحرّضهم، لكن ليس لك أن تجبرهم، لأن الإنسان مخير. 

﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٌ يَغْلِبُوٓاْ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ(65)﴾

[ سورة الأنفال ]

 لكن المسؤولية تقع عليك وحدك، وكل إنسان مسؤول عن فعله ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ﴾ هذا أصل، الإنسان مسؤول عن فعله فقط، لكن يحرض، ويدعو، ويشجع، هذا شيء مطلوب، أما من حيث المسؤولية لو أن واحداً دعوته فلم يستجب أتُحاسَب عنه؟ لا، لا تُحاسَب عنه. 
﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ﴾ على القتال، إن قاتلت في سبيل الله، وإن قاتل معك المؤمنين بعد أن حرّضتهم ما الذي يكون؟ قال تعالى: ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ﴾

المؤمن واثق من الله عز وجل ومن تأييد الله له لأنه مع القوي:


 الكافر لا تردعه القيم، ولا الأخلاق، ولا المنطق، ولا الذوق، بل هو وحش، يريد أن يأخذ ثروتك، وبلادك، وإمكاناتك، ويجعلك عبداً له ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ﴾ فبأس الذين كفروا، وبطشهم، وجبروتهم، وطغيانهم، وعدوانهم كيف يكون؟ بأن تحاربهم، وتقاتلهم، وأن تحرّض المؤمنين على قتالهم، لكن المؤمن واثق من الله عز وجل، ومن تأييد الله له، لأنه مع القوي قال: ﴿وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ تسمعون في الأخبار أحياناً زلزال سبع درجات لا يبقي شيئاً، إعصار خسائره ثلاثون مليار دولار ﴿وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ أنت مع القوي، والقوي قوته ظاهرة، قبل أيام اجتاح إعصار الأخضر واليابس، زلزال واحد يهدم ما عمّره الإنسان في مئة عام، لثوان معدودة ﴿وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ .

أمرنا الله سبحانه بإعداد القوة المتاحة للعدو لا القوة المكافئة:


 الله بيده أمراض، كيف هُزم نابليون؟ بالطاعون! مرض! الطاعون من جنود الله، كل المصائب من جنود الله، الله عز وجل يطمئنك أنت مع القوي لا تضعف، ولا تيْئَس، ولا تحزن. 

﴿ وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(139)﴾

[ سورة آل عمران ]

 ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ﴾ عسى من ألفاظ الرجاء، عسى الله أن يهديك، إذا قلتها أنت فلعله يهتدي، أما إذا قالها الله فعلى سبيل الوقوع، إذا نُسبت عسى ولعل إلى الله عز وجل فعلى سبيل الحصول. 
﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ بالمناسبة أيها الإخوة، الله عز وجل إن كنت ضعيفاً لا يطالبك بأن تُعِدّ لعدوك القوة المكافئة، هذا فوق طاقتك، إن كنت ضعيفاً ربما كُلِّفت أن تعد للعدو القوة المتاحة، والله جل جلاله بحكمته يرمّم ما نقصك من قوة، فقد تُنصَر بالرعب، وقد تُنصَر بتفتيت قوة العدو، وقد تُنصَر بفتنة تقع بصفوف العدو، أنت عليك أن تُعِدَّ للعدو عدة بقدر ما تستطيع، وعلى الله الباقي، ويجب أن تعلم أنك المنتصر لأن ﴿وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾

في الإسلام قصص لأنها وقعت فعلاً نصدقها أما هي فلا تصدق:


في الإسلام قصص لأنها وقعت فعلاً نصدقها، أما هي فلا تُصدَّق، سيدنا الصديق رضي الله عنه جاءه كتاب من سيدنا خالد بن الوليد، وكان في معركة طاحنة، الروم ثلاثمئة ألف، وهم خمسون ألفاً! طلب منه المدد! بعد حين جاءه صحابي جليل اسمه القعقاع معه كتاب، أعطاه الكتاب، وقال له: أين المدد؟ قال: أنا المدد! واحد! فتح الكتاب، قرأه، فإذا فيه قول سيدنا الصديق: "يا خالد لا تعجب أني بعثت لك بالقعقاع، فو الذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يُهزَم" ، وانتصروا. أين اليوم مليار ومئتا مليون؟ أمرهم ليس بيدهم، ولا يقدمون ولا يؤخرون، ولا أحد يستمع إليهم. واحد! هذه الآية: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ﴾ لكن لك أن تحرض المؤمنين: ﴿وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ﴾ بهذا القتال ﴿أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ﴾
 شيء مما نقرؤه في القرآن نراه أحياناً في الواقع، أناس ضعاف، شاب ضعيف يزلزل كيان أمة قوية مستكبرة جبارة طاغية، شاب ضحّى بحياته، فزلزل كيان الغرب كله. 
استمعت إلى تصريح لضابط كبير في البنتاغون يقول: ماذا نفعل بهذه الطائرات العملاقة، وهذه الصواريخ والأسلحة؟ لم يعد هناك عدو على مستوى دولة، العدو مواطن، إنسان واحد يُقلقهم، اختلف الوضع، حرب بين دول تكاد تنتهي، بقيت بين إنسان مظلوم مقهور يضحي بحياته، وبين قوة جبارة عاتية.

حقيقة الشفاعة:


 أيها الإخوة، آية ثانية يقول الله عز وجل: 

﴿ مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٌ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ مُّقِيتًا(85)﴾

[ سورة النساء  ]

 أي مقتدراً، أحياناً إنسان يتوسط في أمر ما، يترتب على هذه الوساطة دفعُ ضُرٍّ أو جلبُ نفعٍ، هذه حقيقة الشفاعة ابتغاء لوجه الله تعالى، وحمْل المؤمنين على القتال نوع من الشفاعة، أنت تتوسط بين جهتين تقنع الأولى بالثانية، فإذا نجحت بهذه الشفاعة دفعت ضراً، وجلبت خيراً، بدفع الضُّر وجلب الخير لك أجر كبير، قال تعالى: ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةً﴾ في أمر مباح، أو في أمر مطلوب، أو في واجب ديني، أو فريضة دينية ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنۡهَاۖ﴾ أما الشفاعة السيئة فهي بخلاف المنهج ﴿وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٌ مِّنۡهَاۗ﴾ فإذا كنت وسيطاً بين أداء عمل مشروع، أو خدمة إنسانية، أو تأمين رزق لطالب علم، أو تأمين عمل لشاب ناشئ في طاعة الله، أو لحل مشكلة، أو لقضاء دَين، أبواب الشفاعات لا تعد ولا تحصى، فإذا كنت ممن يشفع شفاعة حسنة فلك من هذه الشفاعات حصة كبيرة ونصيب كبير، لأنك كنت السبب، لو شفعت لتزويج شاب بفتاة مؤمنة صالحة، وشاب مؤمن كذلك، أنت قربت بينهما، أو دللت أحدهما على الآخر، وكنت وسيطاً بينهما إلى أن تم هذا الزواج، هذه شفاعة حسنة.

الله عز وجل فتح لنا باب الشفاعة:


 لكن سلوك الناس الآن سلوك سلبي، لا يحبون الخير أبداً، وليسوا مستعدين أن ينطقوا بكلمة في سبيل الله، ولا أن يمشوا خطوة. وقد ورد: من مشى بتزويج رجل بامرأة كان له بكل كلمة قالها، وبكل خطوة خطاها عبادة سنة، قام ليلها وصام نهارها.
 الناس يزهدون في الشفاعات الآن، أنت ممكن أن تكون شفيعاً بزواج، وشفيعاً بشراكة، شاب يتحرق على مبلغ من المال يعمل به، وإنسان آخر يتحرق على استثمار هذا المال، صاحب المال عاجز عن استثماره، وهذا الشاب عاجز عن العمل يحتاج إلى مال، فإذا أقنعت صاحب المال أن يعطي هذا المال لهذا الشاب المؤمن، الشاب حُلَّت مشكلته، وهذا الذي يملك المال حُلَّت مشكلته، وأنت لك أجر. 
﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةً﴾ شفعت في شركة حلَّت مشكلة صاحب المال ومشكلة الشاب العاطل عن العمل، لو شفعت في زواج وأسست أسرة حللت مشكلة أسرة عندها بنت لم تُخطَب حتى الآن، وحللت مشكلة شاب يبحث عن فتاة مؤمنة، وأُنجِب من هذه الأسرة أولاد صالحون، كل الخير بصحيفتك.
 أحياناً إنسان مسجون بخطأ مدني، أقام في بلد زيادة عن الحد فأُودِع في السجن، وعليه مبلغ بسيط، أحياناً ألفين ليرة فقط، لا أحد يبحث عنه، فأنت شفعت لدى من هو مسؤول عن هذا العمل، ودفعت عنه المبلغ، وأطلقوا سراحه، هذه شفاعة، أبواب الخير لا تعد ولا تحصى، كلها تحتاج إلى شفاعة، والإنسان الذي له مكانة في المجتمع، له جاه، له اسم طيب، هذا قد تُحَل به العقد، وقد تحل به مشكلات كبيرة جداً، خصومات بالقضاء عمرها عشر سنوات تُحَل بجلستين من إنسان له كلمة بالمجتمع، فكأن الله فتح لنا باب الشفاعة ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةً﴾ .

أبواب الشفاعة لا تعد ولا تحصى:


 زوجان متخاصمان، الزوج امتلأ كرهاً لزوجته لأنها عنيدة، والزوجة امتلأت كرهاً لزوجها لأنه لم يسأل عنها، والأهل يغذّون ابنتهم ضد زوجها، وأهل الزوج يغذون ابنهم ضد زوجته، الأولاد هم الضحية، فجئت أنت وزرت أحد البيتَين، وأقنعت الطرف الأول بالطرف الآخر، وحسّنت صورة الطرف الآخر، وليّنت قلب الطرف الأول، وعقدت لقاء بينهما، ثم حُلَّت المشكلة، فنَعِم الزوج بزوجته، والزوجة بزوجها، وفرح الأولاد، أنت ماذا فعلت؟ فعلت أعظم عمل! الآن كم خصومة زوجية في البلد؟ بالألوف، وأسمع نصف المتزوجين متحاربين، فإذا دخلت أنت شفيعاً بين خصومة زوجية، أو بين خلاف بين شريكين، أو بين خلاف بين أبوين، بين خلاف بين أب وابنه، بين خلاف بين زوجة وزوجها، أبواب الشفاعة لا تعد ولا تحصى.
 أحياناً بين جار وجاره، حدث عدوان على سطح إحدى البيوت، دخلا في القضاء عشر سنوات، المبالغ المدفوعة للمحامي لا تعد، جاء رجل صالح، وحلّ المشكلة بينهم، وأُسقطت الدعاوى كلها، وانتهى الأمر، فهذا باب من أبواب الخير كبير جداً: ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةً﴾ يقرّب زوجين، أو شريكين، أو جارين، أو أخوين، أو شقيقتين، الخير الذي حصل من هذه الشفاعة لك مثله إلى يوم القيامة، الخير الذي حصل بين هذين اللَّذين تشفّعت بينهما لك مثل الأجر الذي ناله كلٌّ منهما.

شجعنا النبي الكريم بالشفاعة الحسنة في سنته الشريفة وحذرنا من الشفاعة السيئة:


 عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَال: 

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ ))

[ صحيح البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]

((  وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْداً يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعبَّاسٍ:  يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثاً فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ رَاجَعْتِهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي؟ -أي إن امرتني فأمرك مطاع- قَالَ: إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ، قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. ))

[ صحيح البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]

 النبي تدخّل شخصياً في مشكلة زوجية، الحقيقة الحكم الشرعي أنه ما يجوز في الدين أن يُشفَع فيه فهو شفاعة حسنة، وما لا يجوز أن يُشفَع فيه فهو شفاعة سيئة، مثلاً: حدث عدوان جنسي، وأُودع المعتدي في السجن، هذا له في الإسلام عقاب كبير جداً، قد يصل إلى القتل، فأنت بكل طاقتك عند قاضي التحقيق، وعند القاضي، تريد أن تخرجه من السجن، فهذه شفاعة سيئة، لأنك تشفع في حد، وفي معصية، كما أنني أحببكم بالشفاعة يجب أن أخوفكم أشد التخويف من أن تشفع في أمر باطل، في تعطيل حد من حدود الله، ففي قصة أسامة بن زيد حِب رسول الله عندما تشفّع للنبي في شأن المخزومية التي سرقت غضب النبي عليه الصلاة والسلام أشد الغضب.

((  عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشاً أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:  أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وأيم اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا. ))

[ صحيح البخاري عَنْ عَائِشَةَ ]

 فكما أن الله سبحانه وتعالى حبّبنا وشجّعنا بالشفاعة الحسنة حذّرنا من الشفاعة السيئة، لا تشفع في معصية ولا في حد.

على الإنسان أن يشفع لوجه الله ولردّ حقّ المسلم:


 من يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجر، وإن لم يُشفَّع دققوا: ما قال: مَن يُشفَّع شفاعة حسنة، الفرق بين شَفِع وبين شُفّع، شَفع طلب أما شُفِّع قُبِل طلبه، الحديث أو الآية لم تكن تريد من يُشفَّع شفاعة حسنة، لا من يَشفع، شفِع يشفع فعل ثلاثي، أنت لمجرد أن تذهب إلى زيد تقول له: هذا الإنسان عندك مظلوم، وأنا أقترح عليك أن ترفع عنه الظلم، ولك عند الله أجر كبير، وأنا أطلب منك ذلك، رفض! أجرك ثابت ولو رفض! من يشفع لم يقل من يُشفَّع شفاعة حسنة، لمجرد أن تتحرك، وأن تطالب ثبت الأجر حُقِّق الطلب أو لم يُحقَّق، استُجيب لك أو لم يُستَجَب ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنۡهَاۖ﴾ .
 بعض العلماء يقول: الشفاعة الحسنة هي التي رُعِي فيها حق مسلم، ودُفِع بها عنه شر، أو جُلِب إليه خير، وابتُغي بها وجه الله، ولم تُؤخَذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز، لا في حدٍّ من حدود الله، ولا في حق من حقوق البشر، هذه الشفاعة واجبة على كل مسلم كي تراعي بها حق امرئ مسلم، تدفع بها عنه شراً، أو تجلب له فيها نفعاً، تبتغي بها وجه الله، لا تأخذ عليها رشوة، وفي أمر جائز، لا في حد من حدود الله، ولا في حق من حقوق البشر، هذه الشفاعة واجبة عليك، والشفاعة السيئة بخلاف ذلك. 
 أُهدي إلى أحد العلماء هدية لشفاعة شفعها فغضب وردّها، وقال: لو علمت ما في قلبك لمَا تكلمت في حاجتك، تشفع شفاعة من أجل مبلغ، هذا رشوة! ينبغي أن تشفع لوجه الله ولرد حق المسلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: 

(( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.  ))

[ صحيح البخاري عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ]

 الله عز وجل أنعمَ عليك بنعمة فوظفتها في الخير أدامها الله عليك، إن لم توظفها بالخير أُخِذت منك.

قضاء حوائج الناس في الدنيا لها عند الله أجر عظيم في الآخرة:


يقول عليه الصلاة والسلام: 

(( ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه ثم جعل من حوائج الناس إليه، فتبرم، فقد عرّض تلك النعمة للزوال.  ))

[ رواه الطبراني ]

أعطاك مالاً غزيراً، وجعلَ الناس يطرقون بابك، فتبرمت، أعطاك جاهاً عريضاً، وساق إليك الناس فتبرمت: (ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه ثم جعل من حوائج الناس إليه، فتبرم، فقد عرّض تلك النعمة للزوال)
 قصة من التراث: بيت من بيوت دمشق القديمة الكبيرة فيها شجرة ليمون تحمل كميات مخيفة، عجيب أمر هذه الشجرة، ما من إنسان في هذا الحي يطرق هذا البيت لأخذ حبة ليمون إلا ويُلبَّى طلبه، تحمل أربعمئة إلى خمسمئة حبة! وأي إنسان طرق هذا البيت في وقت عصيب، في ليل، مريض يُعطى، هذه الجدة صاحبة البيت الصالحة توفيت، وبقي في البيت كنّتها، طُرِق الباب مرة فرفضت، طرق الباب فرفضت حتى يبست الشجرة وماتت، قصة واقعية، لكنها معبرة.
أعطاك الله جاهاً، ووضعك بمنصب رفيع، وبيدك حل مشاكل المسلمين، وجاءك الناس إلى البيت، وإلى المكتب زُرافات ووحداناً، تبرّمت بهم، وأغلقت بابك دونهم، بالوزارة الثانية لا يظهر اسمك، تُزاح عن هذا المنصب! أما إذا كنت في خدمة الخلق يزداد مكانك قوة: (ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه ثم جعل من حوائج الناس إليه، فتبرم، فقد عرض تلك النعمة للزوال)
 لك صاحب بمركز حساس، وثمة مسلم له عند صاحب هذا المركز مشكلة، وهو مظلوم، لكن هذا المسلم ضعيف، فذهبت أنت إليه فرحّب بك، وأكرمك، وقلت له: هذه قصة فلان قال لك: على العين والرأس، حُلَّت، خرجت أنت. 

(( من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ بِرٍّ أو تيسير عسير أعانه الله على إجازة الصراط يوم القيامة عند دحض الأقدام. ))

[ ابن حبان ]


أحاديث من السنة الشريفة تؤكد أهمية قضاء الحوائج:


 السلوك المعاصر يقول: والله هو صاحبي، لكن لم أعود نفسي أن أبذل له ماء وجهي أبداً، فاعذرني، يكون في القضية إحقاق حق، رَأَب صَدْع، حل مشكلة، إنقاذ أسرة، يقول: لا يمكن أن أطلب منه شيئاً شخصياً، هذه ليست لك، لمسلم، لا يقبل، قال: (من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ بِرٍّ أو تيسير عسيرٍ أعانه الله على إجازة الصراط يوم القيامة عند دحض الأقدام) .
 وفي رواية: 

((  من كان وصلة لأخيه إلى ذي سلطان في مبلغ بر أو إدخال السرور رفعه الله في الدرجات العلى من الجنة. ))

[ ضعيف الترغيب ]

 الآن: 

(( إن من موجبات المغفرة إدخال السرور على أخيك المسلم. ))

[ ضعيف الترغيب ]

 أحياناً يكون إنسان معين بمكان بعيد، وله أهل وأولاد، والذي بأمره النقل صديقك، فذهبت إليه، وكلمته في شأن نقله إلى بلده فنُقِل، صار الأب بين أولاده، أدخلت على هذه الأسرة كل السرور، فلك أجر كبير (إن من موجبات المغفرة إدخال السرور على أخيك المسلم) وفي رواية أخرى: 

(( أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن. ))

[ رواه الطبراني  ]

 أفضل عمل.

الكفالة فيها دفع أما النصيب ففيه قبض:


 أيها الإخوة، بقي شيء في هذا الدرس: ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنۡهَاۖ﴾ النصيب: سهم، حصة ﴿وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٌ مِّنۡهَاۗ﴾ فالكفالة فيها دفع، أما النصيب ففيه قبض، لك نصيب معنا ثلاثون بالمئة، أعطني إياهم، أعطوني المبلغ، أنت كفلت فلاناً فتفضل، فالله عز وجل ذكر الكفالة مع الشفاعة السيئة، عد للمليون قبل أن تكون وسيطاً في منكر، وفي معصية، وفي خلوة، شخص يريد أن يفتح محل تزيين للنساء، رجل فاسق، فاجر، لكنه يريد رخصة، والذي يعمل في الرخص صاحبك، فتوسطت له فأعطاه رخصة، جرى في هذا البيت من المنكرات ما لا يعد ولا يحصى، كلها في صحيفتك، لو توسعنا أكثر: واحد عنده بيت مغلق لا يؤجره، وشخص فاسق فاجر يريد أن يستأجره لشيء لا يرضي الله، وأنت توسطت بأن يؤجره هذا البيت، أُجِّر البيت، وجرت فيه المنكرات، كلها في صحيفتك، فقبل أن تتوسط عد للمليار، ينبغي أن تتوسط لمؤمن ملتزم، ولمؤمن لا يعصي الله عز وجل، والذي شاع الآن البيت يُؤجَّر مفروش الليلة الواحدة بعشرة آلاف! في الشيراتون بخمسة آلاف! يوجد مشكلة هنا، ليست قضية بيت للنوم، لغير النوم، أنا لا علاقة لي، لا، أنت مسؤول، ما يجري في هذا البيت تُحاسَب عنه، هذا المبلغ ليس نظير نوم، بل نظير فاحشة، فأنت مسؤول إذاً.
 والله أيها الإخوة، أنا أقول لكم إلى درجة أن صاحب مكتبة بعض الكتب عنده فيها ضلالات إذا باعها فله وِزر كبير، شيء خطير، مكتبة فيها مجلات فاضحة، وقصص جنسية، وأدب إباحي، وكتب فيها ضلالات، وفساد عقيدة، وكتب فيها إنكار السنة هذه كتب، ما ذنبي أنا؟ لا، كل كتاب تشتريه وتبيعه أنت بهذا وسيط، فيه ضلالات أو إباحية فأنت محاسب عنه، أبلَغ من ذلك الآن شاعت أماكن ومحلات الأقراص المدمجة، تجد رجلاً يصلي في الجامع يبيع الأفلام الإباحية لأنها مطلوبة، يقول: هذا عملي، ويبيعها! هذا تحاسَب عنه، أي شاب فسد بهذا القرص، وأي بيت تصدّع بهذا القرص فأنت مسؤول.

قبل أن تشفع وتسعى لأي شخص احذر لأن ما يفعله في صحيفتك:


 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( شيَّبتني هودٌ، والواقعةُ، والمرسلاتُ، وعمَّ يتَسَاءَلُونَ، وإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ))

[ سنن الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]

 ما الذي شيبه في هود؟ آية واحدة: 

﴿ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْاْ ۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)﴾

[  سورة هود ]

 فقبل أن تشفع، وتبيع طاولات نرد، قبل أن تبيع الناراجيل، قبل أن تنصب خيمة رمضانية، وتفتح مقصف نساء كاسيات عاريات، قبل أن تفتح مطعماً حديثاً، الإضاءة خافتة، من يأتي لهذا المطعم؟ من معه صاحبة يأتي بها، وأنت بالنسبة لك مطعم، لا، ليس مطعماً، فيوجد أشياء لا تعد ولا تحصى. 
﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٌ مِّنۡهَاۗ﴾ والله كل الآثام التي تُرتكَب في الأماكن الموبوءة بصحيفة مالك البناء، وفي صحيفة من استأجره، ومن يعمل فيه! لأن الله لعن الخمرة، وشاربها، وبائعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، ويضاف الآن، والمعلِن عنها (الإعلانات) قال لي أحدهم: عملي بالإعلان، سألته هل تستطيع أن ترد إعلاناً فيه فسق؟ قال: لا، فقلت له: عملك محرَّم، هل يمكن أن تعلنَ عن خمر؟ فيه عرض مغرٍ. 
 هذه الآية دقيقة جداً: ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنۡهَاۖ﴾ أحياناً يقول: ابنتي ضعيفة جداً بالرياضيات، والله يوجد أستاذ جيد ما شاء الله، أنت ماذا فعلت؟ أقمت خلوة بين فتاة وشاب، ما الذي يجري في هذه الخلوة في صحيفتك، فأي شفاعة من إيجار بيوت، وإيجار مطاعم، وإيجار بنوك، من وساطة لوظيفة، أحياناً وساطة لتعيين فتاة في عمل، في العمل كلهم رجال، وهذه فتاة جميلة، وسافرة، ومتبذِّلة، أنت توسطت وعينتها بهذه الوظيفة، كل يوم ترتدي لوناً، أصبحت مصدر فتنة لكل من في هذه الدائرة، أنت السبب! أحضر أمثلة من واقعنا لأن الآية خطيرة جداً، فإياك، ثم إياك، ثم إياك أن تكون وسيطاً في شر، أحياناً تسعى لإنسان بالسفر إلى أماكن بعيدة وكافرة، وهذا الشاب لا يقاوم، نَزعتَه من بين أهله، وأرسلته إلى هناك، فإذا زنى هناك ففي صحيفتك، وإذا ارتكب الفواحش في صحيفتك، وإذا أكل اللحم الحرام في صحيفتك، إذا شرب الخمر في صحيفتك، لأنك أنت سعيت له بهذا السفر بجهدك، أمّنت له إشارة دخول، فقبل أن تسعى بين شيئين عد للمليار، هل في هذا السعي معصية أو بعد عن الله عز وجل؟

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور