وضع داكن
14-07-2024
Logo
الدرس : 3 - سورة القمر - تفسير الآيات17-32 أهمية القرآن الكريم
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيدنا محمد الصّادق الوعد الأمين.

اللهمّ لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدنا علمًا وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس الثالث من سورة القمر، ومع الآية السابعة عشرة وهي قوله تعالى:

﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (17)﴾

[ سورة القمر  ]


 من نعم الله تعالى على عباده نعمتا الهداية والإيجاد:


الله -عزَّ وجلَّ- قال: 

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ (13)﴾

[ سورة الليل ]

هداية الإنسان بيان الحقيقة، بيان سرّ الوجود، بيان غاية الوجود، بيان المنهج التفصيلي، بيان افعل ولا تفعل، بيان ملامح الطريق إلى الله -عزَّ وجلَّ- هذا على الله (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ) ، وحيثما وردت كلمة (على) مع لفظ الجلالة (الله) تفيد أن الله -سبحانه وتعالى- منَّةً منه وكرماً ألزم نفسه بهداية العباد؛ لذلك قال تعالى:

﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)﴾

[ سورة الأنعام ]

كلمة السماوات والأرض مُصْطَلَحٌ قرآني يعني الكون، والكون يعني: ما سوى الله (ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ) ، الآية الثانية:

﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ (1)﴾

[ سورة الكهف ]

فكما أنَّ الله خَلَق فقد نَوَّر، خَلَقَ وهدى، قال: 

﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ (49) قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ (50)﴾

[ سورة طه ]

فنعمة الهداية لا تقلَّ عن نعمة الإيجاد، ونعمة الإيجاد لا تقلّ عن نعمة الهداية، فلذلك ربّنا -عزَّ وجلّ- يقول: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ) كتابٌ معجزٌ عربيٌّ.


أهمية القرآن الكريم:


1-كتاب بلسان عربي معجز: 

﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّۢ مُّبِينٍ (195)﴾

[ سورة الشعراء ]

فيه الأمر وفيه النهي، فيه الوعد وفيه الوعيد، فيه بيانٌ للباطل وبيانٌ للحق، فيه تاريخ الأمم والمستقبل البعيد، فيه المَثَل والقصَّة، فيه الحقائق المُجَرَّدة (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ) ، قد تأتي بعض آيات كتاب الله بشكلٍ مباشر، قال تعالى:

﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَىٰكُمْ (19)﴾

[ سورة محمد ]

وقد تأتي ممدَّدةً بقصَّةٍ مطولةٍ مغزاها (لا إله إلا الله) ، ما مغزى قصة سيدنا يوسف -عليه السلام-؟ 

﴿ وَقَالَ ٱلَّذِى ٱشْتَرَىٰهُ مِن مِّصْرَ لِٱمْرَأَتِهِۦٓ أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ ۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾

[ سورة يوسف ]

2-كتاب متوافق مع النفس البشرية:

لذلك فربّنا -عزَّ وجلَّ- جعل هذا الكتابَ كتاب هداية، ولأنه كتاب هداية فإنّه يتوافَق مع طبيعة النفس، فمن أمرٍ إلى نهيٍ إلى قصِّةٍ إلى بيان مستقبلٍ، إلى وعدٍ إلى وعيدٍ، إلى بيان موعظةٍ إلى مَثَلٍ، إلى قصَّةٍ، فالله -عزَّ وجلَّ- نوَّع الأساليب في كتابه، أحياناً يستخدم ربّنا -عزَّ وجلَّ- قصص الأقوام السابقة من أجل أن نستنبط العِبَر، ودائماً وأبداً أُؤكِّد لكم أنَّ أية قصةٍ في كتاب الله لا يمكن أن تكون قصَّة بالمعنى الذي يفهمه عامّة الناس، لأن كلام الله -عزَّ وجلّ- أجلَّ وأعظم من أن يكون قصصاً تطّلِع عليها، أو تقرأها، أو تأخذ علماً بها، كتاب الله -عزَّ وجلَّ- أجلَّ وأعظم من ذلك، وما من قصةٍ إلا وهي تعبيرٌ غير مباشرٍ عن حقيقةٍ، فالسعيد من قرأ القرآن الكريم واستنبط منه المواعظ والعِبَر، والسعيد من تجاوز أبطال القصة ووقائعها وحوار أبطالها ووصل إلى مغزاها؛ إلى الهدف الكبير الذي من أجله ذَكَر الله هذه القصَّة، فلذلك ربّنا -عزَّ وجلّ- يقول: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)  

3-كتاب تولى الله -عزّ وجلّ- بذاته حفظه:

هذا كتاب الله تولَّى الله بذاته حفظه، أليس الحديث الشريف -الصحيح طبعاً- تفسيراً لكلام الله؟ السُنة مُبَيّنة، كما أن الله -جلّ جلاله- تولَّى بذاته حفظ كلامه، تولَّى أيضاً حفظ سُنَّة نبيِّه؛ لأنه من لوازم فهمِ كلامه فهمُ أقوال نبيِّه -عليه الصلاة والسلام-، إذاً فالله -عزَّ وجلّ- تولَّى بذاته حفظ كتابه وحفظ سنَّة نبيه، وهذا من قبيل: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ) ، هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو نفسه الذي نَزَل به جبريلُ الأمين على قلب سيدنا محمّد، هذا الشيء معجز؛ كتابٌ مضى على نُزولِه من السماء خمسة عشر قرناً لا يوجد فيه حرف، ولا توجد حركة زيادة، هذا من حِفْظ الله له، تولَّى الله حفظه، قال تعالى:  

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ (12)﴾

[ سورة الحجر  ]

فأنت أمامك كتاب:  

﴿  لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ (42)﴾

[ سورة فصلت ]

أمامك كتابٌ كما نَزَل على رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- هو بين يديك؛ آياته الكونية وآياته التكْوينية، مواعظه وعِبَره، قِصصه وأمثاله، أوامره ونواهيه كل هذا بين يديك، أي: إنسانٌ بين يديه كلام خالقه ولا يسعد به؟‍‍!! ورد في الأثر: (ومن جَمَعَ القرآنَ متّعَه اللهُ بعقلِهِ حتّى يموتَ) ، لا يوجد شيءٌ أصعب في الحياة من أرذل العُمُر، فأرذل العمر ألا يعلم بعد علمٍ شيئًا، أي: الخَرَف، ثم:

﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍۢ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70)﴾

[ سورة النحل ]

(ومن جَمَعَ القرآنَ متّعَه اللهُ بعقلِهِ حتّى يموتَ) ، هل هناك بِشارةٌ أعظم من هذه البِشارة؟! أن تتنعَّم بعَقلِك إلى آخر لحظةٍ في حياتك، ألم يدعُ النّبي -عليه الصلاة والسلام- ويقول: 

(( اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا ... ))

[  أخرجه الترمذي عن عبد الله ابن عمر ]

سبيلك للتمتّع بعقلك وقدراتك وحوّاسِّك الخمس طاعة الله -عزَّ وجلَّ-. 

(( يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ، إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ، واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ. ))

[  أخرجه أحمد والترمذي عن عبد الله ابن عباس ]

4-كتاب ميسَّر:

القرآن ميسَّر ولا سيما في هذا الزمان، طبعات القرآن شيء يحير العقول؛ من جميع القياسات، بأفخر ورق وأجمل خط وأوضح عبارة، تفسير مفرداته وتفسير آياته، التفاسير تملأ كل مكان، القرآن متلو مجوَّد بصوت قرَّاءٍ كبار، يمكن أن تسمعَه مسجَّلاً، أن تقرأه مطبوعاً، أن تقرأ تفسيره، أن تحضر مجلس علم يُفسَّرُ فيه القرآن (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) ؛ لذلك قالوا: "ما أكثر المواعظ وما أقلَّ المتعِظين، وما أكثر العِبَر وما أقلَّ المُعتبِرين" ، والإنسان يندم أشدّ الندم حينما يكتشف بعد فوات الأوان أن كل سعادته بمعرفة كلام الله، وكان كلام الله عنده مهجوراً. 

﴿ وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًا (30)﴾

[ سورة الفرقان ]

أي: بإمكانك أن تستمعَ إلى تفسير كلام الله في المساجد، وبإمكانك أن تقرأَ التفاسير، بإمكانك أن تقرأَ القرآن، وأن تستمعَ إليه، بإمكانك تسألَ عن معانيه.

أيها الإخوة؛ حُرْقَةٌ في القلب إلى أبد الآبدين بسبب أن الإنسان يكتشف بعد فوات الأوان أن كل سعادته بمعرفة منهج ربّه، والقرآن منهج ربّنا -عزَّ وجلَّ-، فهذا بين أيدينا ونحن أحياء. 

(( اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قبلَ هِرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغَكَ قبلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قبلَ مَوْتِكَ. ))

[ أخرجه ابن أبي الدنيا، والحاكم، والبيهقي عن عبد الله بن عباس  ]


العاقل من اتعظ بغيره:


﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ (18)﴾

[ سورة القمر ]

عاد قومٌ جاءهم نبيٌّ كريم فكذَّبوه، ولم يعبؤوا بدعوته ولا برسالته، وعصوا أمره، وكذَبوه تكذيباً قولياً وعملياً، يقول الله -عزَّ وجلَّ-: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ) كيف كان؟ فالإنسان العاقل من اتعظ بغيره، والشقي من يتعظ بنفسه، نحن على مستوى الصحَّة إذا رأيتَ إنساناً أسرف على نفسه في عادةٍ غذائيةٍ سيئةٍ ثم أُصيب بمرض عُضال، ألا ينبغي لك أن تتخذ درساُ بليغاً من هذا الإنسان؟ سرُّ هذه الآيات وتلك القِصص أن الله -سبحانه وتعالى- يبيّن أن هؤلاء فعلوا ما فعلوا فأصابهم سيئات ما عملوا (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ) ، دعك من الأٌقوام السابقة، نحن ألم نسمعْ بما حلَّ في بعض الأقوام؟ في عصورنا هناك الزلازل والفيضانات، والحروب الأهلية. 

﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (112)﴾

[ سورة النحل ]

هذه الآية ألم تتحقَّقْ في هذا العصر؟ كم من قريةٍ (كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍۢ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ) ، الآيات بيننا وبين أيدينا وتحت سمعنا وبصرنا، ويمكن أن نطلعَ عليها، لكن العِبَرة أن تفهمَ هذه الآيات فهماً توحيدياً لا فهماً أساسه الشِرْك (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ) ، فالزلزال حينما يقال لك: إن مدينةً بأكملها أصبحت أثراً بعد عين بعد ثلاث دقائق، فأيّن الأبنية؟ وأيّن الطوابق؟ وأيّن السُكَّان؟ هذا كلّه بين أظهُرنا وتحت سمعنا وبصرنا.


رحمة الله بعباده تكمن بالإنذار قبل العذاب:


(كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ) العذاب دائماً تسبقه النُذُر، فالله -عزَّ وجلَّ- رحمةً بالعباد لا يوقع العذاب إلا بعد الإنذار، ولعلَّ القرآن الكريم هو النذير؛ لأن الإمام القرطبي عندما فسَّر قوله تعالى:

﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (37)﴾

[ سورة فاطر  ]

قال: (النذير: هو القرآن الكريم) ، بيَّن لنا مصير الأقوام التي عَصَت ربها، وبيّن لنا كيف أهلك الأقوام السابقين، بيّن لنا مشاهد من الجنة ومشاهد من النار؛ هذا نذير فأنت معك كتاب فيه وصفٌ لكل شيء، وصفٌ لما كان، ولما هو قائم، ولما سيكون. 

ألا يكفي أن الله -عزَّ وجلَّ- يقول لك في كتابه:  

﴿ مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (97)﴾

[ سورة النحل ]

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَعْمَىٰ (124)﴾

[ سورة طه ]

هذه آية. 

﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

[ سورة الجاثية ]

أليست هذه آية؟ (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ) عذابي شديد وإنذاري واضحٌ بَيِّن، ألا نرى ونسمعَ أن إنسانًا منع زكاةَ ماله فأتلف الله ماله؟، وإنسان اعتدى على أعراض الآخرين فاعتُدي على عرضه، وإنسان أكل أموال الناس بالباطل فدمَّره الله -عزَّ وجلَّ-، وإنسان بغى وطغى ونسي المُبتدى والمُنتهى فوقع في شرّ عمله فأهلكه الله -عزَّ وجلَّ-؟ هناك آلاف القِصص تجري تحت سمعِنا وبصرِنا، فالعِبرة أن تتعظَ فالمؤمن إن نظرَ يعتبر، وإن صمت يفكِّر، وإن نطق يَذْكُر، ويجب أن نعلم علم اليقين أن أثمن شيءٍ نملكه على الإطلاق هو الوقت، أنت وقت، وأنت بضعة أيام وكلَّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول: 

(( إذا قام أحدُكم عن فراشِه ثم رَجَع إليه فلْيَنْفُضْه بصَنِفَةِ إزارِه ثلاثَ مَرَّاتٍ، فإنه لا يَدْرِي ما خَلَفَه عليه بعدَه، وإذا اضْطَجَع فلْيَقُلْ: باسْمِكَ ربي وضعتُ جَنْبِي، وبك أَرْفَعُه، فإن أَمْسَكْتَ نفسي فارْحَمْها، وإن أَرْسَلْتَها فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ به عبادَك الصالحينَ، فإذا استيقظ أحدُكم فلْيَقُلْ: الحمدُ للهِ الذي عافانِى في جَسَدِي، ورَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وأَذِنَ لي بذِكْرِه ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

فيجب أن تعلمَ علم اليقين أنَه إذا استيقظت فقد سمح الله لك أن تعيشَ يوماً جديداً. 


من مشاهد آيات الله الدالة على عظمته عذاب قوم عاد:


﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ (18) إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍۢ مُّسْتَمِرٍّۢ (19)﴾

[ سورة القمر ]

صرصراً أي: هي ريح لها صوتٌ مخيف، أي ريحٌ باردةٌ لها صوتٌ مخيف (فِى يَوْمِ نَحْسٍۢ مُّسْتَمِرٍّ) أي مستمرٌ هذا اليوم إلى أن يهلكَهم، أحياناً تأتي ضربة غير قاضية، أما إذا أردت أن تجهز على هذه الحشرة فإنك تضربها حتّى تموتَ (إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا) ريحاً باردةٌ لها صوتٌ مخيف، إنها مستمرَّةٌ حتّى تستأصلَهم من شأفتهم أو من جذورهم. 

﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍۢ مُّسْتَمِرٍّۢ (19) تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍۢ مُّنقَعِرٍۢ (20)﴾

[ سورة القمر ]

حينما تأتي رياحٌ عاتية فإنها تقلع أشجار النخل من جذورها، ومن منقعرها أي: من أصولها، فالله -عزَّ وجلَّ- صوَّر لنا مشهداً من مشاهد آياته الدالة على عظمته. 

﴿ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍۢ مُّنقَعِرٍۢ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ (21)﴾

[ سورة القمر ]


ضرورة فهم الأمور وتفسيرها فهماً أساسه التوحيد:



(فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ) هذه الآية تتكرَّر، أي: انتبهوا يا عبادي، وأنا أرجو الله -سبحانه وتعالى- أن يوفِّقَني لتوضيح هذه الحقيقة، أي: ما من مصيبةٍ تقع على وجه الأرض إلا وينبغي أن نفهمَها فهماً توحيدياً لا فهماً أساسه الشِرْك، لا تقل: زيد وعبيد والجهة الفلانية والعلاَّنية، قل: قدَّر الله وما شاء فعل لأن. 

﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)﴾

[ سورة الفتح ]

ولأن الله. 

﴿ وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٌ وَفِى ٱلْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ (84)﴾

[ سورة الزخرف ]

لأن الله يقول عن ذاته: 

﴿ قُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ۖ لَهُۥ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِۦ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِۦٓ أَحَدًا (26)﴾

[ سورة الكهف ]

﴿ هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (3)﴾

[ سورة الحديد ]

﴿ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌ (62)﴾

[ سورة الزمر ]

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ (54)﴾

[ سورة الأعراف ]

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِۦ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ (41)﴾

[ سورة الرعد ]

فأنت إذا فسَّرت الأحداث كلِّها تفسيراً أساسه التوحيد تسعد بهذا التفسير، أما إذا فسَّرت الأحداث تفسيراً أساسه الشِرك فإنك تشقى بهذا التفسير؛ لأنه كما ورد عن النّبيّ أنه قال: 

(( ما عثرة قدم ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله عنه أكثر ))

[ أخرجه ابن عساكر، وابن مردويه عن البراء بن عازب  ]

فالإنسان العاقل يجعلُ من هذا الحديث القدسي نبراساً له.

(( ..يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ؛ ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ ))

[ أخرجه مسلم عن أَبِي ذَرٍّ الغفاري  ]

﴿ وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ (30)﴾

[    سورة الشورى ]

﴿  وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰٓ أَهْلَكْنَٰهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا (59)﴾

[ سورة الكهف ]

﴿ ذَٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْ ۖ وَهَلْ نُجَٰزِىٓ إِلَّا ٱلْكَفُورَ (17)﴾

[ سورة سبأ ]

أي: يا عبادي أنا لا أجازي غير الكفور؟ هذا كلام الله، فيجب أن تفسِّر ما يقع تفسيراً توحيدياً لتكون هذه الأحداث متصلة بهذه القِصص (كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ* إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍۢ مُّسْتَمِرٍّۢ* إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍۢ مُّسْتَمِرٍّۢ* تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍۢ مُّنقَعِرٍۢ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ)


أنواع العقاب وكيفية الاتقاء منه:


أحياناً يأتي العقاب جماعياً، وفي أحيان كثيرة يأتي العقاب فردياً، فعلى الإنسان ألاّ يغتر إذا كان الناس في بحبوحة، فقد يأتي العقاب فردياً له بالذَّات، فالعاقل لا يطمئن إلا إلى طاعة الله، ولا ينجيك من الله إلا أن تطيعه. 

(( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ))

[ رواه ابن ماجه عن زيد بن ثابت  ]

( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ) فالإنسان يجب أن يخاف والخوف من خصائص الإنسان.

﴿ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعًا(20) وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعًا(21) إِلَّا ٱلْمُصَلِّينَ(22)﴾

[ سورة المعارج ]

ينبغي لك أن تخاف، فإنك إن خفت من الله -عزَّ وجلَّ- اتقيت الخوف منه بطاعتك، إذ لا ملجأ منه إلا إليه.

﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ(21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ(23)﴾

[  سورة القمر ]


خطورة التكذيب العملي:


كما تحدَّثت في دروسٍ سابقة: التكذيب الخطير هو التكذيب العملي، ألا تجد في سلوك الإنسان ما يدل على أنه مؤمن بالآخرة، فالإنسان عندما يكون راكباً سيارة وسيجتاز حدود بلد آخر، فما دام مؤمناً أن هناك حواجز وتفتيشاً دقيقًا، ويوجد تكليف برسوم جمركية، فتجده يهيئ أغراضه ويرتبها ترتيباً معيناً، حركته في ترتيب الأغراض يعني أن هناك حاجزاً سوف يسأله: فهذه من أين جئت بها؟ وهذه ممنوع أن تدخل فعليها رَسْم، فكل إنسان ما دام مؤمناً أن هناك عند الحاجز سؤالاً فإنه يرتب الأغراض ترتيباً معيناً، أما إذا كان إنسان لم يُبال إطلاقاً، ومعه أشياء كلها ممنوعة فمعنى هذا أن تفكيره معطَّل إذاً (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ) التكذيب العملي والنظري والقولي، نحن بالمناسبة هناك كفرٌ اعتقادي، وهذا الكفر الاعتقادي يُخرِج الإنسان من ملّة الإسلام، وهناك كفرٌ عملي وكفرٌ قولي، وهذا الكفر هو دون الكفر الاعتقادي.  


أهمية التركيز على مضمون الدعوة، واصطفاء الله-عزَّ وجلَّ- لحملة هذه الدعوة:


﴿  فَقَالُوٓاْ أَبَشَرًا مِّنَّا وَٰحِدًا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذًا لَّفِى ضَلَٰلٍۢ وَسُعُرٍ (24)﴾

[ سورة القمر ]

هذه نقطة دقيقة جداً وهي ثابتة على مدى الأزمان، فأحياناً الإنسان لا ينظر إلى فحوى الدعوة بل ينظر إلى الداعي، يقول: فلان صديقي أعرفه حينما كان صغيراً، فلان أين أصبح كذا وكذا؟! إنه يتعامى عن مضمون الدعوة، ويتعامى أن مضمون الدعوة خطير جداً، وهو مضمون مصيري يحدد مصيره في الدنيا والآخرة، فلا يلتفت إلى مضمون الدعوة، ولا إلى الأمر والنهي، ولا إلى الموعظة، ولا إلى القصَّة، ولا إلى العبرة، ولا إلى الآية الكونية، فقط يلتفت إلى هذا الذي يقول، من فلان؟ ومتى صار داعيةً؟ ومتى صار كذا وكذا؟ فالذي يحجبه عن الحقيقة هو أنه ترك الفحوى ونظر إلى المتكلِّم، هذه النظرة الشخصية المبنية على حسد أحياناً أو على شعور بالندّية هذه النظرة تحجبه عن الحقيقة، خذ الحكمة ولا يهمُّك من أي مكانٍ خَرَجَت، العِبرة أن تستفيدَ، فلذلك: (فَقَالُوٓاْ أَبَشَرًا مِّنَّا وَٰحِدًا نَّتَّبِعُهُ) أيُعقَل أنّ أمَّة بأكملها تتبع إنساناً واحداً؟! نعم هذا الإنسان نبيٌّ كريم، اصطفاه الله عليكم جميعاً. 

﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُۥ بَسْطَةً فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ ۖ وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُۥ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ (247)﴾

[ سورة البقرة  ]

هذا النّبي يُعَدُّ قِمَّة المجتمع: 

(( إنَّا -مَعْشَرَ الأنبياءِ- تنامُ أعيُنُنا ولا تنامُ قُلوبُنا ))

[ أخرجه البخاري عن أنس بن مالك ]

النّبيّ الكريم يقظٌ دائماً، متصلٌ بالله دائماً، صفوة الخلق وحبيب الحق، توجد مستويات هناك حجر ماسٍ تقليد بألفين أما الماس الحقيقي بخمسمئة ألف؛ يوجد فرق كبير جداً، فهؤلاء الأنبياء إن الله  -جلَّ جلاله- اصطفاهم على الخلق. 

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ (33)﴾

[ سورة آل عمران ]

صفوة الله من خلقه هؤلاء الأنبياء، قِمَم في العلم وفي الكمال والخُلُق، والفصاحة والبيان، والفطانة والنقاء والِعصمة هم قِمَم، فإذا توهَّم الإنسان أن هذا النبي إنسان وهذا إنسان.. ردَّ الشاعر فقال: 

محمَّدٌ بشرٌ وليس كالبشَرِ      بل هو ياقوتٌ والناسُ كالحجرٍ

فالجوهرة حجر ولكنه حجر كريم، الجوهر فحم ولكن جاءه ضغطٌ شديد وحرارةٌ كبيرة فصار ماساً، وكل إنسان إذا ضُغِطَ عليه وساقه الله إلى أبواب عبوديّته وأبواب رحمته يصبح كالماس.   

الإنسان الذي يصل إلى مرتبة عالية فهذا تحمَّل ضغوطًا لا يتحمَّلها عامَّة الناس، ودفع ثَمَن هذا المقام عند الله باهظاً، ترك الدنيا وزهد فيها وقال: إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي، ووضع المال تحت قدمه ولم يعبأ به، لم تغره الدنيا ولا ما كان منها، فسلعة الله غالية، طلب الجنَّة من غير عملٍ ذنبٌ من الذنوب.

فلو شاهدت عيناك من حســـــــننا       الذي رأوه لمـا وليت عنا لغيرنـا

ولو سمعت أذناك حسن خطابنــــا       خلعـت عنك ثياب العجب وجئتنا

ولــو ذقـت من طعـــم المحبة ذرة       عذرت الـذي أضحى قتيـلاً بحبنا

ولــو لاح مـن أنـوارنـا لــك لائـح       تركـت جمـيـع الكـائـنات وجـئتنا

ولــو نسمـت مـن قربنـا لـك نسمة      لــمُـت غريبـاً واشـتيـاقـــاً لقربنـا

فـمـا حـبنا سهـلٌ وكـل مـن ادَّعـى      ســــــهـولته قلنـا لـه قــد جهـلتنـا

[ علي بن محمّد بن وفا  ]

هناك إنسان خطب فتاة والدها عالِم فقال: كم تريد من المهر يا سيدي؟ قال: أن تحضر مجالس العلم هذا هو المهر، فحضر المجلس ومجلس وراء مجلس انجذب إلى الحق واستغرق في محبَّة الله -عزَّ وجلَّ- ونسي وصالاً، فلمَّا عاتبته وقالت: "أين الوعد؟" قال: "يا وصال كنتِ سبب الاتصال" .

  

الاتصال بالله سبب سعادة الإنسان و طمأنينته:


أحياناً الإنسان يكون سارحاً في الدنيا ضائعاً هائماً على وجهه، مبعثراً مشتَّتاً كئيباً أحياناً، فإذا وصل إلى الله وجد السعادة والطمأنينة والرضا والفوز والتفوّق، فالله -عزَّ وجلَّ- سلعته غالية وهو عزيز، أي بأعمال بسيطة لا تكلِّفك شيئًا، بركعتين، أو بليرتين تدفعهما!! الله أعظم من ذلك.  

﴿ لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ (92)﴾

[ سورة آل عمران ]

﴿ وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ (69)﴾

[ سورة العنكبوت   ]

﴿ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾

[ سورة العنكبوت   ]

فإذا طلب الإنسان مرتبة عالية في الدنيا، حتى الإنسان في هذه الدنيا وبسنين محدودة لكي يجلس ويعاين مريضًا ربع ساعة ويأخذ ألف ليرة، يكون قد درس ثلاثة وثلاثين سنة قبلها، لا يقدر إنسان لم يدرس إطلاقاً أن يفتح عيادة ويستقبل مرضى ويأخذ على كل مريض ألف ليرة لا يقدر، أما ثلاثة وثلاثون سنة دراسة فممكن أن تستقبل مريضاً وتأخذ منه ألفاً خلال خمسة دقائق، ومعنى هذا أنه عنده علم، أنا أضرب مثلاً؛ فإنسان يصل إلى مراتب عُليا في الدين بلا تعب؟ لا يوجد عنده وقت يحضر مجلس علم لأنه مشغول، ولا يوجد عنده وقت ليقرأ القرآن، ليس متفرغًا لأن يطبِّق أحكام الله-عزَّ وجلَّ-، يقول لك: لا تدقق نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، هذا المستوى المتفلِّت المقصِّر، بالطبع هان الله عليهم فهانوا على الله، أو هان أمر الله عليهم فهانوا على الله. 

(كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ* فَقَالُوٓاْ أَبَشَرًا مِّنَّا وَٰحِدًا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذًا لَّفِى ضَلَٰلٍۢ وَسُعُر) دقِّقوا في هذه الفكرة: تركوا فحوى الدعوة والمضمون ونظروا إلى المتكلِّم، أصابتهم الغيرة، وأكل قلوبهم الحسد، ورأوه واحداً منهم، ولعلَّهم أغنى منه، لعلهم أقوى منه فمَنْ فلان؟ فالإنسان أحياناً يُحجب عن سعادة الآخرة ببشرية المتكلِّم، لا تنظر إلى المتكلِّم بل انظر إلى فحوى دعوته، فإن كانت الفحوى خطيرة فتمسَّك بالحقّ.

(فَقَالُوٓاْ أَبَشَرًا مِّنَّا وَٰحِدًا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذًا لَّفِى ضَلَٰلٍۢ وَسُعُر) أي نحن جاهلون وفي ضلال وفي جحيم إذا اتبعنا إنساناً، فلو أن هذا الإنسان هداكم إلى الله وإلى سعادتكم، وحملكم على طاعة الله، ودلَّكم على سرِّ وجودكم، وعلى طريق طمأنينتكم، وعلى طريق التوفيق والتأييد والنصر والحفظ، ودلَّكم على حقيقة ذاتكم، وعرَّفكم بربّكم فيجب أن تقبلوا منه ذلك. 

﴿ أَءُلْقِىَ ٱلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنۢ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25)﴾

[ سورة القمر ]

قال العلماء: (أَشِرٌ) أي: أراد الدنيا بالدين ، أراد بهذه الدعوة أن يجمع الناس حوله وأن يأخذَ من أموالهم (بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ) يكذب على الله ليسود على قومه،ويكذب على الله ليجمع الأموال من قومه، فدائماً الإنسان السيئ يسيء الظنَّ بالآخرين، فإذا كان الإنسان مستواه منخفض جداً، فلا توجد عنده بخبرته السابقة حالة معرفة الله والمُؤَثرة، فالبخيل يتهم الكريم بالجنون، بُنيته وحرصه على المال يجعله ينظر إلى الكريم من هذه الزاوية؛ لذلك يَتهم الكريم بالجنون، والجبان يَتهم الشُجاع بالتهوّر، والأحمق يَتهم الحكيم بالحُمق أحياناً، فالإنسان من خطورة نظرته أنه ينظر إلى الكمال من زاوية نقصه؛ هذا خطرٌ كبير إذا لم يتمكَّن الإنسان أن ينظر إلى الأمور نظرة موضوعية، ولم يتمكَّن أن ينحي ذاته جانباً لينظر إلى الحقيقة المجرَّدة فهذا الإنسان ليس موفَّقاً بحياته.  

 (أَءُلْقِىَ ٱلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنۢ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ) أي: متى كان فلان؟ فإذا قضَى الإنسان عمره في النوم والسهر مع أصدقاء السوء وفي الملاهي، وله صديقٌ درس دراسةً جديَّةً حتّى صار شخصيةً متألِّقةً في الحياة، فهذا الذي يقول: متى صار فلان؟ أين كنت أنت حينما كان يدرس؟! وأين كنت حينما كان يسهر الليل؟! وأينما كنت حينما كان يؤدِّي الامتحانات؟! (أَءُلْقِىَ ٱلذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنۢ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ) أي: أنه يكذب ليغتني أو يكذب ليقوى، أو يكذب ليجمع الناس حوله.


العبرة بخواتيم الأمور و عاقبتها:


يقول الله -عزَّ وجلَّ-:

﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلْأَشِرُ (26)﴾

[ سورة القمر ]

العِبرة بخواتيم الأمور وبالنتائج، العِبرة بعاقبة الأمور وبالنهايات وبعد الممات. 

﴿ قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ (26)﴾

[ سورة يس ]

العِبرة أن الإنسان إذا جاءه ملَك الموت، ورأى مكانه في النار يقول: لم أر خيراً قط، وكل ألوان النعيم التي تنعَّم بها في الدنيا لا يراها إطلاقاً، لا يرى إلا العذاب، أما حينما يأتي مَلَك الموت إلى الإنسان ويُطْلِعُه على مقامه في الجنَّة يقول كذلك: لم أر شرَّاً قط، مرَّة امرأة أحد أصحاب رسول الله كلَّفته بشيءٍ لا يطيقه، أو طلبت منه شيئاً لا يطيق شراءه فقال: "اعلمي يا فلانة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلَّت إحداها على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أُضحّي بكِ من أجلهن أهون من أضحي بهنَّ من أجلكِ" ، فالمؤمن موعود. 

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (17)﴾

[ سورة السجدة ]

(( قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ، ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة  ]

أي أن الإنسان إذا عاش مئة سنة يقول لك: ما شاء الله إنه معمِّر، الجنَّة لا يوجد فيها عمر، فمليون مليون، ومليار مليار، ومليار مليار بليار إلى أبد الآبدين، الأبد شيء صعب على العقل أنْ يتصوَّره، ولا يوجد رقم بالأبد، وأكبر رقم مقداره صفر إذا قسته للأبد، فالحقيقة أن الخسارة الحقيقية هي أن يخسر الإنسان هذه السعادة الأبدية، وأن يخسر الإنسان نفسه التي بين جنبيه. 

﴿ فَٱعْبُدُواْ مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِۦ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ(15)﴾

[ سورة الزمر ]


أخطر حدث في حياة الإنسان مغادرة الدنيا:


(سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلْأَشِرُ) هذه السين فيها تهديد، غداً تعلم من هو الخاسِر، الآن المشكلة أن هناك أشخاصاً كثيرين يتوهَّمون أنهم ناجحون في الحياة، قد يكون قد حصَّل أموالاً طائلة، فاشترى أراضٍ بأسعار بخسة فارتفعت أسعارها مئة ضعف تقريباً، واشترى بيوتاً بالأسعار القليلة وارتفع سعرها، وأسس تجارة ومعملاً فشعر بقوَّته المالية والاقتصادية فشعر بالفوز؛ هذا وهم، فالغنى والفقر بعد العرض على الله، وأخطر حدث في حياته ما أدخله في الحساب أبداً؛ حدث مغادرة الدنيا، هناك إنسان ورث من قريب له –سمعت- سبعين أو ثمانين مليوناً، من وقت موت قريبه وهو يعمل ليلاً ونهاراً في متابعة المعاملات المتعلِّقة بالإرث وحَصْر الإرث، دخل إلى الحمام ليتوضَّأ -ولا أدري لماذا دخل- فوقع ميّتاً ولم يقبض درهماً واحداً من الإرث.

الْمَوْت يَأْتِي بَغْتَة     والقبر صندوق الْعَمَل

كم من زوجٍ جاءه الموت قبل يوم العُرس، وكم من طالب علمٍ لم يستمتع باختصاصه ولا ساعة بعد أن نال الدكتوراه وافته المنيّة، كم من إنسانٍ شيَّد بيتاً بشكلٍ رائع ولم يسكنه، فالذي يضع كل البيض في سلَّةٍ واحدة يخسر، اجعل للدنيا نصيباً وفق منهج الله، وللآخرة نصيباً وفق منهج الله -عزَّ وجلّ-. 

(سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلْأَشِرُ) من هو الذي يكذب على الناس ليأخذ أموالهم؟ هؤلاء الأنبياء منزَّهون وهؤلاء صادقون وأنقياء ونظيفون، أما الكذَّاب الأشر فليس ممن يتعلَّق بهم الدين، فالدِّين أنقى وأجلّ وأعظم من أن يكونَ أتباعه كذَّابين أشرين.


إقامة الحُجّة على قوم عاد:


﴿ إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ (27)﴾

[ سورة القمر ]

طلبوا ناقة تخرج من الجبل، فالله -سبحانه وتعالى- أعطاهم سؤلهم وخرجت الناقةُ من الجبل،

طبعاً شيء غير معقول جبلٌ صخري، فأرسل الله لهم الناقةَ كي يقيم عليهم الحُجَّة

(إِنَّا مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ لَّهُمْ  فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ)

لكنَّ هذه الناقة التي خرجت من الجبل بناءً على طلبهم.

﴿ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌۢ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍۢ مُّحْتَضَرٌ (28)﴾

[ سورة القمر ]

الماء بينهم وبينها يحضرون يوماً فيشربون من ينابيع الماء، وتحضر الناقة يوماً فتشرب اليوم كلّه (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌۢ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍۢ مُّحْتَضَرٌ) ؛ لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- بشَّره الله بأن أمَّته لن تَهلِكَ هلاك استئصال كقوم عادٍ وثمود، بل هلاك ضعف، أما هلاك الاستئصال إذا جاءت المعجزة وكفر الناس بهذه المعجزة استحَّقوا الهلاك، لأن كل شيءٍ انتهى. 


مراحل الدعوة إلى الله:


كلّكم يعلم أنّ الله -سبحانه وتعالى- يبدأ مع الإنسان:

1 ـ الدعوة البيانية:

 الدعوة البيانية: كلام، خطبة جمعة، درس تفسير، نصيحة صادقة، والأولى أن يستجيبَ الإنسان لهذه الدعوة. 

﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)﴾

[ سورة الأنفال ]

2 ـ التأديب التربوي:

فإن لم تجد معه هذه الدعوة البيانية يأتي التأديب التربوي فتأتيه المصائب.. 

3 ـ الإكرام الاستدراجي:

الأولى بالإنسان أن يتضرَّع إلى الله -عزَّ وجلّ-، فإن لم يتضرَّعْ جاءت مرحلة ثالثة وهي الإكرام الاستدراجي..  

﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَٰهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)﴾

[ سورة الأعراف  ]

4 ـ القصم:

الأولى أن يشكرَ، فإن لم يستجبْ وإن لم يتضرَّعْ، وإن لم يشكرْ ما بقي إلا القَصْمُ. 


المشاركة و الدعم و الإقرار للإثم مشاركة في الإثم:


طلبوا معجزة فخرجت الناقة من الجبل فعقروها فاستحقَّوا الهلاك وانتهى الأمر، لذلك: 

﴿ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌۢ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍۢ مُّحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ (29)﴾

[ سورة القمر ]

الذي عقرها (فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ) ، قال: ثَمِلَ حتى آخر قطرة وعقر الناقة. 

﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ (30)﴾

[ سورة القمر ]

العلماء استنبطوا من ذلك: أن الذي يرضى بفعلٍ ما هو شريكٌ مع الفاعل، (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌۢ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ) أي القوم يشربون يوماً من الماء، والناقة تشرب يوماً، (مُّحْتَضَرٌ) يحضرون فيشربون، (فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ) عقرها، الذي عقرها واحد لكنّ الله عاقب الجميع على هذه الجريمة، قالوا: لأنهم راضون بهذا العمل ومتعاطفون معه فهم شركاء في الجريمة؛ لذلك يقول سيدنا عمر: " لو أنَّ أهل بلدةٍ بأكملهم ائتمروا على قتل رجلٍ -طبعاً المنفِّذ واحد- لقتلتهم جميعاً به" لأن المشاركة والدعم والإقرار مشاركة في الإثم.


عقاب الله للكافر بكلمة واحدة كن فيكون:


﴿ فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ(29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ (30) إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ (31)﴾

[ سورة القمر ]

كلمة (وَٰحِدَةً) لها معنى كبير؛ أي هؤلاء مهما كانوا أقوياء تكفيهم صيحةٌ واحدة، كأن تقول: هذه الحشرة الصغيرة لا تحتاج أكثر من ضربة واحدة فتموت، أما الوحش الكاسر فيحتاج إلى جهد كبير؛ لذلك فكلمة واحدة أي لا شأن لهم عند الله، كن فيكون زُلْ فيزول.

(إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ) المحتظر أي صاحب الحظيرة يأتي إلى أرضها بالأغصان اليابسة والأوراق كي تكون مهاداً لبعض الدوابّ، فهذه الأوراق المقطوعة اليابسة وهذه الأغصان القصيرة وهذا القش هذا هشيمٍ المحتظر، فكانوا من التفاهة والضعف وقلَّة الأهميّة كهشيمٍ المحتظر. 

﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَٰحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (32)﴾

[ سورة القمر ]

أيّها الإخوة؛ ذكرت لكم في الدرس السابق أن كل هذه القصص لها مفتاح، ومفتاحها في آخر السورة وهو: 

﴿ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَٰٓئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِى ٱلزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ (45) بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ(46)﴾

[ سورة القمر ]

فما ذكر الله لنا هذه القصص إلا لينبئنا أننا إذا فعلنا مثل أفعالهم استحقِّ علينا الهلاك مثلهم، إذا فعلنا مثل أفعالهم فنحن هالكون مثلهم فانتبهوا، هؤلاء الأقوام فعلوا ذنباً واحداً فدمَّرهم الله -عزَّ وجلّ- فكيف بمجتمعٍ فيه كل المعاصي والآثام؟! لذلك قال تعالى:      

﴿  وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَٰبِ مَسْطُورًا (58)﴾

[ سورة الإسراء ]


والحمد لله رب العالمين.

الملف مدقق

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور