وضع داكن
14-07-2024
Logo
الدرس : 1 - سورة الطلاق - تفسير الآية 1 الطلاق أخطر قرار يتخذه الإنسان
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 

السورة التالية تتحدث عن أمر الله عز وجل:


أيها الأخوة الكرام؛ مع الدرس الأول من سورة الطلاق:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1)﴾

[ سورة الطلاق ]

 أيها الأخوة؛ الدين عقائد وعبادات، معرفة بالله، ومعرفة بأمره، فهذه السورة تتحدث عن أمر الله عزَّ وجل، هناك سورٍ كثيرة وآياتٍ كثيرة تتحدث عن الله، عن عظمته، عن خلقه، عن قوته، عن غِناه، عن رحمته، وهذه السورة تتحدث عن أمره، فأنت بالكون تعرفه، وبأمره تعبده، كيف تعبده إن لم تعرف أمره؟ والقرآن الكريم في الأعم الأغلب مكيّ ومدني، فالمكي يُعرفنا بالله، والمدني يُعرفنا بأمره.
 

الإنسان هو المخلوق الأول رتبة والمكلف والمكرم:


الإنسان كما تعلمون كائنٌ مخيَّر، مكلَّف، أول:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)﴾

[ سورة الإسراء ]

مكرَّم، أما أنه مكلف:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

[ سورة الذاريات ]

أما وأنه هو المخلوق الأول:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)﴾

[ سورة الأحزاب  ]

كُلِّفَ أن يزكي نفسه، وأن يؤهِّلها لجنة ربه إلى أبد الآبدين.
 

لوازم التكليف:


هو في الدنيا من لوازم التكليف أن الله منحه الكون، وسخره له :

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)﴾

[ سورة الجاثية ]

ومن لوازم التكليف أنه أودع فيه الشهوات :

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾

[ سورة آل عمران ]

ومن لوازم التكليف أنه منحه حرية الاختيار :

﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)﴾

[ سورة الكهف ]

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)﴾

[ سورة الإنسان ]

﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)﴾

[ سورة فصلت ]

من لوازم التكليف أن الله سخَّر للإنسان الكون، وأودع فيه الشهوات ليرقى بها، ومنحه حرية الاختيار، ووهبه العقل ليكون أداةً لمعرفة الله، ثم إن الله سبحانه وتعالى أنزل عليه الشرع، أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم هذا القرآن، وهو الشرع الحكيم، إذاً: لأن الله خلقنا لجنةٍ عرضها السماوات والأرض، ولأننا بالكون نعرفه وبالشرع نعبده، ولأنه أودع فينا الشهوات، لنرقى بها شاكرين وصابرين إلى رب الأرض والسماوات كانت هذه السورة.
 

الشهوات الكبرى ثلاث شهوات:


الشهوات الكبرى ثلاث؛ إنك تشتهي الطعام من أجل أن تبقى حياً، من أجل بقاء الفرد، وقد تشتهي المرأة من أجل أن يبقى الجنس، الجنس البشري، وقد تشتهي العلو في الأرض من أجل بقاء الذِّكر، ثلاثة دوافع أساسيَّة؛ دافع الطعام، ودافع الجنس، ودافع العلو في الأرض، دافع الطعام آياتٌ كثيرةٌ جداً وأحاديث كثيرةٌ جداً بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام من خلال فهمه لكتاب الله كيف نكسب الرزق، كيف يكون الطعام طيِّباً:

((  تُلِيَتْ هذهِ الآيةُ عِندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} [البقرة: 168]، فقام سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ, فقال: يا رسولَ اللهِ, ادعُ اللهَ أنْ يجعَلَني مُستَجابَ الدَّعوةِ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (يا سعدُ، أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُستَجابَ الدَّعوةِ، والَّذي نفْسُ مُحمَّدٍ بيدِهِ, إنَّ العبدَ لَيَقذِفُ اللُّقمةَ الحرامَ في جَوفِهِ ما يُتقبَّلُ منه عملٌ أربعينَ يومًا, وأيُّما عبدٍ نَبَتَ لحمُهُ مِن سُحْت ٍفالنَّارُ أَوْلى به) . ))

[ الطبراني في المعجم الأوسط عن عبد الله بن عباس، خلاصة حكم المحدث: إسناده فيه نظر ]

 كيف يكون الكسب الحلال؟ كيف يكون الكسب المشروع؟
ومن خلال آيات النساء، كيف تتزوج، كيف تطلق، كيف تُعامِل بالمعروف، كيف تغض البصر، تفاصيل كثيرة جداً في علاقة الإنسان بالمال، وفي علاقة الإنسان بالمرأة، وفي علاقة الإنسان بالآخرين، حرَّم الغيبة، وحرَّم النميمة، وحرّم السخرية، وحرّم المحاكاة، وأمرك أن تلبِّي الدعوة، وأن تعود المريض، وأن تُعين الضعيف، فأحكام متعلقة بكسب المال، وأحكام متعلقة بالمرأة- أحكام الطلاق-وأحكام متعلقة بحسن علاقتك مع من حولك.
 

لكرامة النبي على الله لم يخاطبه باسمه بل خاطبه بمقام النبوة أو مقام الرسالة:


درس اليوم متعلق بأحكام تعبدية في موضوع المرأة، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ وكما تعلمون النبي عليه الصلاة والسلام سيد الخلق، وحبيب الحق، وله عند الله شأنٌ كبير، لذلك ما خاطبه باسمه إطلاقاً في القرآن الكريم، مع أنه خاطب غيره من الأنبياء قال:

﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)﴾

[ سورة مريم ]

﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)﴾

[ سورة الأعراف ]

﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)﴾

[ سورة المائدة ]

لكن الله سبحانه وتعالى لم يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام إلا بصيغتين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ، و:

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)﴾

[  سورة المائدة ]

فلكرامة النبي عليه الصلاة والسلام على الله، ولأنه سيد الخلق، وحبيب الحق يخاطبه بمقام النبوة، أو مقام الرسالة.
 

شرائع الزواج:


﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ أي إذا أراد أصحابك وأتباعك، إذا أراد المؤمنون بك، إذا أراد المسلمون إلى يوم القيامة أن يطلِّقوا النساء فليفعلوا كذا، الخطاب موجهٌ للنبي لأنه هو المبلِّغ، وهو سيد الخلق، وهو أرحم بنا من أنفسنا: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ .
الزواج في الإسلام له شرائِعُ دقيقة، أولاً: الله جلَّ جلاله قال:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾

[ سورة الروم ]

فالمرأة جعلها الله سكناً للزوج، لأنه يُكمّل فيها نقصه، والزوج جعله الله سكناً للمرأة، لأنها تُكمّل فيه نقصها، الرجل له خصائص عقليةٌ وجسمية، واجتماعية ونفسية هي كمالٌ فيه، وكمالٌ في مهمته التي أُنيطت به، والمرأة لها خصائص جسمية وعقلية، ونفسية واجتماعية، هي كمالٌ فيها، لعل جانب العاطفة يرجح عند المرأة، ولعل جانب العقل يرجح عند الرجل، فالرجل يُكَمِّل بزوجته نقصه فيسكن إليها، يجد في دفء عاطفتها الشيء الكثير، وهي تجد في عقله وبُعْد نظره وحزمه وقوَّته الشيء الكثير، لذلك ومن آياته الدالة على عظمته:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)﴾

[ سورة فصلت ]

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)﴾

[ سورة الروم ]

 

المودة والرحمة كلمتان دقيقتان:


﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ المودة هذا السلوك المحبَّب الذي يشفُّ عن الحب العميق، أما الرحمة فهذا السلوك الأخلاقي، لو أن الإنسان انقطعت مصلحته من زوجته، إذا ذهب الود تبقى الرحمة، ولو أن امرأةً انقطعت أسباب مصلحتها من زوجها لكبرٍ أصابه، أو لفقرٍ طارئٍ ألمّ به، ماذا يبقى؟ الرحمة، فكلمة المودة والرحمة كلمتان دقيقتان: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ .

(( عن عائشة أم المؤمنين:  نعم إنما النِّساءُ شقائقُ الرِّجالِ. ))

[ صحيح أبي داود: السلسلة الصحيحة : خلاصة حكم المحدث : صحيح ]

تعرف الله كما تعرف، وتحبه كما تحب، وترضيه كما تُرضيه، وتتقرب إليه كما تتقرب أنت إليه، وترقى عند الله كما أنت ترقى عنده، ولا فرق إطلاقاً بين المرأة والرجل في شؤون الإسلام والإيمان والدين، بل إنها مكلفةٌ بالإيمان كما هو مكلف، ومكلفةٌ بأركان الإسلام كما هو مكلف، مكلفةٌ بالإيمان، ومكلفةٌ بالإسلام، ومسؤولةٌ عن كل تصرفاتها.

  استقلال المرأة في شأن دينها عن زوجها:


أريد أن أضع بين أيديكم هذه الحقيقة: المرأة مستقلةٌ في شأن دينها عن زوجها، ولا تُقْبل حُجَّتها يوم القيامة أن هذا الذي فعلته يرضي زوجي، أو أمرني به زوجي، لأن الله جعل مثلاً صارخاً، جعل امرأة فرعون صِدِّيَقَة النساء، زوجة أكفر كُفَّار الأرض، ولم يستطع أن يثنيها عن دينها:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)﴾

[ سورة التحريم  ]

فأية امرأةٍ تقول إلى يوم القيامة: أنا أفعل هذه المعصية تنفيذاً لأمر زوجي، هكذا يريد، في رقبته إن شاء الله، هذا كلامٌ غير مسموع؟

(( عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ))

[ أحمد: إسناده صحيح ]

والمؤمن يقول كلمة (لا) بملء فمه، لأنه كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ، وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ:

(( كَتَبَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِلَى مُعَاوِيَةَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْونَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ. ))

[ الترمذي : حسن  ]

إذاً المرأة صنو الرجل، والنساء شقائق الرجال، والمرأة مساويةٌ للرجل تماماً في التكليف، والتشريف، والمسؤولية.
 

للمرأة خصائص عقلية وجسمية ونفسية واجتماعية تختلف عن الرجل:


لكن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)﴾

[ سورة آل عمران ]

لها خصائص عقلية وجسمية، ونفسية واجتماعية، هي كمالٌ فيها، وله خصائص جسمية وعقلية، ونفسية واجتماعية هي كمالٌ فيه، فما زاد من عاطفتها، وقَلَّ من بُعْد إدراكها، وحزم تصرفاتها كمالٌ فيها، وما زاد من عقله، وبُعد إدراكه، واهتمامه بالقضايا الكبرى، وما نقص من عاطفته وأحاسيسه كمالٌ فيه.

(( جاءت امرأةٌ تشكو إلى رسول الله، قد سمعها الله من فوق سبع سماوات، فعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ، إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ، وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَلَ شَبَابِي، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي، وَانْقَطَعَ وَلَدِي، ظَاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ، فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرَائِيلُ بِهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ. ))

[ صحيح ابن ماجه ]

لي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا، أنا أربيهم، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، هو يكسب لهم رزقهم، هناك أدوار رسمها الله عزَّ وجل للرجال والنساء، فإذا تشبَّهت المرأة بالرجل، أو تشبه الرجل بالمرأة فقد فسدت الحياة .
 

العلاقة بين الزوجين هي أقدس علاقةٍ على الإطلاق:


الآن هذه العلاقة بين الزوجين هي أقدس علاقةٍ على الإطلاق، قال تعالى:

﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)﴾

[ سورة النساء ]

الميثاق الغليظ الخطير المُقَدَّس هو عقد الزواج، أقدس عقدٍ تُبرمه في حياتك هو عقد زواجك مع امرأةٍ، جعلتها شريكة حياتك، ينبغي أن نسير عليه، ليس في الإسلام سفاحٌ إطلاقاً، ليس فيه إلا زواج، الله جلَّ جلاله يقول:

﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)﴾

[ سورة النور ]

أي ينبغي أن يكون الطيِّبون للطيبات، أي يا عبادي احرصوا على أن يكون الطيبون للطيبات، هذا أمرٌ تكليفي، وليس أمراً تكوينياً، أي ينبغي، أي احرصوا، أي اجعلوا همَّكم أن يكون الطيبون للطيبات، وهذه مسؤولية الأب والأم، ومسؤولية الفتاة، ومسؤولية أبيها وأمها، الأب والأم للزوج، والأب والأم للزوجة مسؤوليتهم جميعاً أن يكون الطيبون للطيبات، لأن هذه شراكةٌ عميقةٌ جداً، وهي دائمةٌ مدى الحياة، فإن لم يكن هناك توافق عقلي، وثقافي، واجتماعي، وخُلُقي، وديني أصبحت الحياة جحيماً لا يطاق، لذلك الأصل أن الإنسان يتزوج ليبقى مع زوجته إلى نهاية الحياة، هذا هو الأصل.
 

الطلاق بالنسبة للحياة الزوجية صَمَّام الأمان:


لو حصل خطأ في اختيار الزوج، أو لو حصل خطأ في اختيار الزوجة، أو لو حصل تباين في الطباع، أو تناقض في المصالح، أو لو حصل شيء أدَّى إلى فساد العلاقة بينهما، حينما تستحيل هذه العلاقة فتكون جحيماً لا يطاق شُرِعَ الطلاق، هذا الإناء، هذا الوعاء البخاري المحكم الإغلاق، هذا الوعاء له متنفَّس، فإذا ارتفع الضغط إلى درجة كاد الوعاء أن ينفجر هناك صمام أمام، هذا الصمام يسيخ، ويخرج البخار، ونتلافى انفجار هذا الوعاء، الطلاق بالنسبة للحياة الزوجية صَمَّام الأمان، هو أهون الشرَّين، لو أن الزوج بقي مع زوجته في جحيمٍ لا يطاق، هو في وادٍ، وهي في واد، هو في طريق، وهي في طريق، لا يحبها ولا تحبه، كلّ منهما عدو للآخر، نقول: هذا الزواج انحلاله أفضل من استمراره، لذلك يُعَدُّ الطلاق صمام الأمان، أكاد أقول: أنت في دائرة لو أنها كانت محكمة الإغلاق لشعرت بالضيق، مفتوحة هناك متنفس، لكنك لو أردت أن تخرج من هذا المتنفس لرأيته مغلقاً ثانيةً، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( عن عبد الله بن عمر: أبغَضُ الحلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ. ))

[ أبو داود وابن ماجه : أبو حاتم الرازي: بلوغ المرام: خلاصة حكم المحدث : الراجح أنه مرسل  ]

ولكن إذا كان ضرورةً لابدَّ منها، قلت لكم: لماذا نطلِّق؟ لأن الله عزَّ وجل أمرنا أن نجمع بين الطيبين والطيبات: ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ فلو أن الأب لجهله طمِع بمال خاطب ابنته، فزوجه إياها ثم اكتشف أن المال لا يُسعد ابنته، بل إن المال كان وبالاً عليه وعليها، والحياة أصبحت لا تُطاق، والطريق مسدود، فلابد من الطلاق، حينما يسيء الإنسان اختيار زوج ابنته، أو حينما تسيء الفتاة اختيار زوجها، توافق أو لا توافق، يكون الطلاق هو صمام الأمان، هذا شرع الله عزَّ وجل، هذا الشرع ليس لواحدٍ لا يفكر بالطلاق، هذا الشرع يتَّسع لعامة المسلمين، هناك حالات كثيرة جداً، الحياة مستحيلةٌ بين هذين الزوجين، والشر الناتج عن استمرارها أكبر بكثير من انحلال هذه العلاقة، لذلك شرع الله الطلاق، لكن كما قلت: صمام أمان لوعاءٍ بخاري، لولا هذا الصمام لكان هناك الانفجار.
 

أخطر مؤسسة في الشرع هي الأسرة:


لذلك في بعض الأديان التي لا تجيز الطلاق تجد أن للزوج عشرات العشيقات، هو في بيت، وهي في بيت، ولا يلتقيان، فلما سُمِحَ بالطلاق تقدم في يومٍ واحد أكثر من مليون طلب لفك العلاقة الزوجية غير الناجحة بين الأزواج، هذا الإسلام نظام الله عزَّ وجل، شرع الله، شرع فيه الطلاق ليكون صمام أمان لهذه المؤسسة، أخطر مؤسسة في المجتمع هي الأسرة، لأن الأسرة هي الخلية، ومن هذه الخلايا يتكون المجتمع، فإذا كانت سليمةً سلم المجتمع، وإن كانت منهارةً انهار المجتمع، لذلك المجتمعات الراقية متماسكة، لأن أسرها متماسكة، والمجتمعات المنهارة أُلْغِيَتْ فيها الأسرة، لذلك أحد رؤساء الجمهوريات في أمريكا الحالي الذي انتخب مرتين، يقول: إن أربعة أخطار تهدد مجتمعنا، أحد هذه الأخطار: تفكك الأسرة، وانحلال الأخلاق، والمخدرات، والجريمة.
انحلال الأسرة أو تفككها شيءٌ خطيرٌ جداً يصيب المجتمع بالشلل، لذلك لا تعجب إن رأيت سورةً بأكملها عن الطلاق، إن رأيت أطول سورةٍ في القرآن الكريم جُلُّها في موضوع الطلاق، لأن الإنسان -كما قلت لكم-أودعت فيه الشهوات، حب المال منظمٌ بأحكام كسبه، وإنفاقه، وتملُّكه، وحب النساء منظمٌ بأحكام الخطبة والزواج، والنكاح والطلاق، والرغبة الثالثة العلو في الأرض، هذه الرغبة منظمة أيضاً بأحكام الغيبة والنميمة، والتواضع والإحسان، والعدل والإنصاف، وما شاكل ذلك.
 

خطّ الدرس اليوم في العبادات التعاملية:


إذاً خطّ الدرس اليوم ليس في العقائد، بل في العبادات، وليس في العبادات الشعائرية، بل في العبادات التعاملية، وأخصّ هذه العبادات كيف تعامل زوجتك؟ طبعاً كيف تختارها هذا موضوع آخر، كيف تختارها؟

(( عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لِعِزِّهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا ذُلًّا ، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِمَالِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا فَقْرًا ، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا دَنَاءَةً ، وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يَتَزَوَّجْهَا إِلَّا لِيَغُضَّ بَصَرَهُ أَوْ لِيُحْصِنَ فَرْجَهُ ، أَوْ يَصِلَ رَحِمَهُ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا ، وَبَارَكَ لَهَا فِيهِ. ))

[ روى الطبراني في الأوسط : ضعيف ]

من تزوج المرأة لجمالها فقط أذله الله، ومن تزوجها لمالها أفقرها الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً، فعليك بذات الدين تربت يداك.

(( عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ؟ قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ))

[ صحيح الترمذي ]

و من ترك التزويج مخافة العالة فليس منا، وما شكا أحدٌ إلى النبي ضيق ذات يده إلا قال له: اذهب فتزوج، لأن الذي يُزمع الزواج مرزوقٌ من قِبل الله عزَّ وجل، وما من حديثٍ تقشعر له الأبدان كقول النبي عليه الصلاة والسلام في الجامع الصغير بعد أن قال عليه الصلاة والسلام حق المسلم على المسلم، وحق الأب على ابنه، وحق الابن على أبيه، وحق الزوج على زوجته، وحق الزوجة على زوجها، وحق الجار على جاره، إلى آخره، قال: حق المسلم على الله أن يعينه إذا طلب العفاف:

(( عن أبي هريرة: ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ، الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ. ))

[ صحيح الترمذي ]

 

من طلب العفاف أعانه الله عز وجل على ذلك:


اسمعوا أيها الشباب: حقّ المسلم على الله، أنشأ الله لك حقاً عليه، أنك إذا أردت العفاف، أردت ألا تقع في الفاحشة، أردت شرع الله وسنة نبيه، حق الله، حق العباد على الله أو حق المسلم على الله أن يعينه إذا طلب العفاف.
الآن لابدَّ من الطلاق، كيف نطلق؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ هذا كله تقديم لأحكام الطلاق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قد ينشأ بين الزوجين اختلاف وجهات نظر حاد، قد يكون الزوج في وادٍ والزوجة في وادٍ، قد تستحيل الحياة بين الزوجين، قد تجد المرأة أنها لو طُلِّقَتْ لسعدت، وقد يجد الزوج أنه لو طَلَّقَ زوجته لسعد بفراقها.
شخص قال-هكذا يروى-: إن رجلاً له زوجة سيِّئة جداً، فقيل له: طلقها، كان ورعاً إلى درجة أنه قال: والله لا أطلقها فأغش بها المسلمين، قد تستحيل الحياة بين الزوجين.
 

لا يجوز أن تطلق المرأة في حيض لأسبابٍ نفسية:


 قال الله عزَّ وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي هناك أحكام للطلاق. 
الآن أقف وقفة متأنية قبل أن أتابع هذه الأحكام، الإنسان أحياناً يتخذ قرارًا مبنيًّاً على حقائق، والحقائق ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، لكن في الأعم الأغلب يتخذ الإنسان قراراً مبنيًّاً على شعور، والشعور متقلِّب، الشعور متبدِّل، الشعور متناقص، أو أن الشعور متنامٍ، الحال يتبدل، سُمِّي الحال حالاً لأنه يحول، لا يثبت، لو أن إنساناً طلّق امرأته لا بناء على قناعةٍ ثابتة، أو حسابٍ دقيق، أو حقائق ساطعة، بل بناء على ساعة غضبٍ شديد، أو على موجة كراهيةٍ طارئة، كيف يعلمنا ربنا جلَّ جلاله أن هذا القرار غير صحيح؟ هذا القرار متسرِّع، هذه شريكة حياتك، هذه أم أولادك، هذه إن تركتها ضاع الأولاد، لذلك علَّمنا أنك إذا أردت أن تُطلّق فطلق في حالين، إياك أن تطلق في حيض، فالطلاق في الحيض عند بعض العلماء لا يقع، وعند بعضهم يقع، ولكنه طلاقٌ بِدْعيّ مخالفٌ للسنة، وإذا طلقت فطلقها في طُهْرٍ لم تلامسها فيه، لم تقاربها فيه، فكلمة: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ هذه اللام تعني فيه:

﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)﴾

[ سورة الحشر ]

أي في أول الحشر، هذه اللام تعني في اللغة (في)، أي: يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم النساء فطلقوهن في عدتهن، أي مستقبلات عِدَّتَهُن، أي لا يجوز أن تُطلّق المرأة في حيض لأسبابٍ نفسية، لعلك كرهتها في هذه الفترة بالذات، ولا يجوز أن تطلقها في طهرٍ لامستها فيه، أو اتصلت بها فيه، فلأن هذا الطهر صار مظنة حمل، فإما أن ننتظر إلى أن تحيض مرةً ثانية فتطول العدة، لذلك: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي في وقتٍ تستقبل فيه عِدَّتَهُن، هذا هو أول معنى.
 

الإنسان يطلق امرأته في طهرٍ لم يمسها فيه وتبقى في بيته ولها أن تتزيَّن:


﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي يوجد عدة، الإنسان يطلق امرأته في طهرٍ لم يمسها فيه، وتبقى في بيته، ولها أن تتزيَّن، ولها أن تبدو أمامه بأجمل زينة، وتأكل معه، وتفعل كل شيء، إلا أنه لا يقاربها، فإذا كان القرار مبنيًّاً على ساعة كراهية، على كراهية طارئة، قرار غير مدروس، غير معقول، الشعور من خصائصه التناقص، فاليوم كنتَ في غضبٍ كالمِرجل، إذا كانت الحرارة مئة ثاني يوم الحرارة تقدر بتسعين، ثمانين، سبعين، على عشرة أيام صارت الحرارة صفرًا، صار هادئاً، فلو أنه طلَّقها طلاقاً مبتوتاً فيه، لو أنه طلّقها ثلاث تطليقات مرةً واحدة، طلقها طلاقاً بدعياً مخالفاً للسنة، عندئذٍ لا سبيل له لإرجاعها، أما إذا طلّقها وفق منهج الله، طلّقها في طهرٍ لم يقاربها فيه، وبقيت في بيته ثلاثة قروء، أي ثلاثة أطهار، المرأة يمر عليها وقتٌ هي طاهرةٌ من الحيض، ووقتٌ هي حائضة، الطهر يسمى قُرءاً، والحيض يسمى قُرءاً، هنا القرء هو الطهر.
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ تنتظر أول طهر، قد تكون مدته اثنتين وعشرين ليلةً، على كلٍّ، أول طهر، ثم حاضت، ثم طَهُرَتْ، ثاني طهر، ثم حاضت، ثم طهرت، الثالث، أكبر قضية بين الزوجين إن لم تكن عميقة تتلاشى بعد أيام، فكأن الله سبحانه وتعالى أراد لهذا الطلاق المتسرع، غير المبني على حقيقة، غير المبني على دراسة، بساعة غضب، بساعة كراهية، لسبب طارئ أراد أن ينتهي هذا الطلاق إلى رجعة، لذلك إذا طلَّق الزوج زوجته في طهرٍ لم يقاربها فيه له أن يراجعها بكلمةٍ ينطق به فمه، أو بلمسةٍ في يده، انتهى الأمر، عادت إليه كما كانت، ولا شيء عليه، ولا شيء عليها، لا مهر، ولا عقد، ولا شيء من هذا القبيل.
 

من طلق زوجته ولم يعدها قبل انقضاء العدة ملكت نفسها وبإمكانه ثانيةً أن يعقد عليها:


لو أن العدة مضت، مضت الأطهار الثلاث، ولم يراجعها ملكت نفسها، لكن بإمكانه أن يعود خاطباً من جديد، أن يعقد عليها عقداً، وتعود إليه زوجةً، وكأن شيئاً لم يكن، ولكن حسبت طلقة، أي استنفذ فرصة من فرص الطلاق .
لو أنه طلقها مرةً ثانية نعود إلى الترتيب السابق، تبقى في بيته، وتتزين له، ويأكل معها، وتأكل معه، ولا شيءٍ يمنع بينهما إلا اللقاء الزوجي، فإن كان هذا الموضوع صغيراً تلاشى، وتلاشى حتى انتهى إلى المراجعة، يراجعها قولاً أو عملاً، وانتهى الأمر، فإن لم يراجعها، ومضت هذه الأطهار الثلاث ملكت نفسها، وبإمكانه ثانيةً أن يعقد عليها عقداً ثانياً، من دون أن يحتاج إلى شيء، وتعود زوجته كما كانت، الله جلَّ جلاله يقول:

﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)﴾

[ سورة البقرة ]

أول مرة ثلاثة قروء، والمرة الثانية ثلاثة قروء، فإذا طلَّقها ثالثةً في طهرٍ لم يجامعها فيه ملكت نفسها، وبانت عنه بينونةً كبرى، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً طبيعياً عادياً على التأبيد، فإذا طلقها الزوج الثاني طلاقاً طبيعياً له أن يتزوجها مرةً ثالثة.
 

التشريع الإلهي للطلاق:


أيها الإخوة؛ إن كانت العلة بها الزوج الثاني سيطلقها، عندها تدرك أن العلَّة منها لا منه، لعلها ترجع إليه خاضعةً طائعة، وإن كانت العلَّة منه، الزوج الثاني لن يطلقها خسرها نهائياً، هذا هو التشريع الإلهي، تصور إنسانًا لمشكلة واحدة انتظر تقريباً ستة أشهر، ستة أشهر وهي في بيته، ومتزينة، وبإمكانه أن يقترب منها، وما اقترب، معنى ذلك أن ثمة مشكلة كبيرة جداً، إذا طلَّق الإنسان امرأةً وهي في بيته، وبإمكانها أن تتزين له، وهو في حاجةٍ إليها، ولم يقترب منها في كل هذه الفترة، في ستة أشهر، معنى ذلك أن هذا القرار مبني على دراسة، على حقائق، لا على مشاعر، المشكلة أن هذا القرار أساسه حقائق أم مشاعر؟ بالحقائق يستمر الزواج، يطلق، ويستمر، أول قرء، والثاني، والثالث، وطلاق ثان، وأول قرء، والثاني، والثالث، وطلاق ثالث، وبينونة كُبرى، أبداً، لو أنها تزَّوجت، والزوج طلقها، ولم تكن في نفسه لا يتزوجها، هذا هو النظام الإلهي، هذا هو التشريع.
لو طُبِّق هذا التشريع، صدقوني أيها الإخوة أن بين كل مئة حالة طلاق لا تنعقد حالة واحدة، أما من أول كلمة بالطلاق بالثلاث، يقول لها: كلما حللك شيخ يحرمك عشرة، ما هذا؟ أيرتكب أحدكم أحموقته، ويقول: يا بن عباس، يا بن عباس، هذه أحموقة، هذه أم أولادك، هذه شريكة حياتك، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( عن أبي هريرة: لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ. ))

[ صحيح مسلم ]

وأنت لست كاملاً إن توهَّمت أنها ليست كاملة، وأنت لست كاملاً، طرق أحدهم باب سيدنا عمر ليشكو إليه زوجته، فسمع صياحاً في بيت عمر فولَّى هارباً، فلما طُرِقَ الباب، وفتح سيدنا عمر لم يجد أحداً، ثم رأى إنسانًا يعدو، قال له: يا أخا العرب تعال، ما الذي أقدمك؟ قال له: جئتك أشكو مما أنت منه تشكو، قال له: يا أخا العرب، إنها أم أولادنا، تطهو لنا الطعام، تغسل لنا الثياب، لنترَفَّقْ بها، إذاً الله جلَّ جلاله لا يحبُّ الطلاق، هو أبغض الحلال إلى الله.
 

الطلاق أخطر قرار يتخذه الإنسان:


المقدمة أن هذا القرار الخطير، هذا أخطر قرار، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( عن أبي هريرة: إنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِن ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لكَ علَى طَرِيقَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بهَا اسْتَمْتَعْتَ بهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا، كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا. ))

[ صحيح مسلم ]

وفي رواية:

(( سمرة بن جندب:  إنَّ المرأةَ خُلِقَتْ من ضِلَعٍ، فإن أقمتَها كسرتَها، فدارِها تعِشْ بها . ))

[ صحيح الترغيب ]

الحياة لا تحتمل هذه المشاحنة، فلذلك هذه طريقة الإسلام في الطلاق، أول قرء، ثاني قرء، ثالث قرء، طلقة واحدة، أول قرء، ثاني قرء، ثالث قرء، طلقة ثانية، الطلقة الثالثة بينونة كبرى، فإن تزوَّجت زواجاً طبيعياً على التأبيد، ثم طُلِّقَت لك الحق أن تُرْجِعها، لذلك تكاد تكون تسعون بالمئة من حالات الطلاق بين المسلمين طلاقًا بِدعيًّاً غير شرعي، ولو طبق المسلمون هذا النظام، وهذا المنهج الدقيق لما انتهى طلاقٌ إلى فراق أبداً، لالتأمت البيوت، وعاد الأزواج إلى سابق عهدهم، ولكن الشيطان أحياناً ينفُخ في الزوج فيطلق امرأته في ساعة غضب فيهدم بيده بنيانه.
 

على الإنسان أن يبحث ملياً عن زوجةٍ صالحة لئلا يحتاج إلى تطليقها:


أيها الإخوة الكرام؛ أما ما ورد في السنَّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر، قال عليه الصلاة والسلام: ((إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق)) .
وعن علي كرم الله وجهه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: 

(( تزوجوا ولا تطلقوا. ))

[ كشف الخفاء عن علي بن أبي طالب، إسناده ضعيف ]

 فكيف نوفِّق بين هذا الحديث الذي رواه سيدنا علي رضي الله عنه وبين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ ؟ القرآن أباح الطلاق، قال عليه الصلاة والسلام: ((تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتزُّ منه العرش)) بعض العلماء فسر هذا الحديث ووفقه مع القرآن الكريم، أي ابحث ملياً عن زوجةٍ صالحة، تزوج امرأةً بعد بحثٍ طويل لئلا تحتاج إلى تطليقها، تزوج امرأةً لا تحتاج إلى تطليقها، هذا معنى الحديث، أي ابتعد عن أسباب الطلاق، لو كان الزواج متسرعاً فقد تحتاج إلى أن تطلق، لو كان الزواج مبنيًّاً على مصلحة لا على رغبة صادقة فقد تحتاج إلى أن تطلق، لو أن الزواج مبني على طمع فقد تحتاج إلى أن تطلق، لو كان الزواج مبنيًّاً على حب للدنيا من أجل أن ترقى عند أبيها، ولم تجد هذا قد تحقق تُطلق، فأيُّ زواجٍ لا يكون صافياً خالصاً لله عزَّ وجل قد تحتاج إلى أن تطلق، قال عليه الصلاة والسلام: ((تزوجوا ولا تطلقوا)) أي لا تتزوج امرأةً يمكن أن تحتاج إلى تطليقها، أي ابحث ملياً، ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ أمر تكليفي مرة ثانية، لو فهمناه أمراً تكوينياً سنجد عندنا إشكالاً كبيرًا، ألا تجد إنساناً صالحاً عنده زوجة سيئة؟ ألا تجد امرأةً وليّةً عندها زوج سيئ؟ ممكن، الآية ليست حكماً، ولكنها تكليف، أي ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات، فلذلك: ((تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز منه العرش)).
 

الله عزَّ وجل لا يحب الذوَّاقين ولا الذوَّاقات:


قال عليه الصلاة والسلام أيضاً: 

(( لا تطلِّقوا النساء إلا من ريبة. ))

[ الجامع الصغير عن أبي موسى الأشعري ]

شككت في إخلاصها لك، شعرت أنها تخونك، عندها تُطلق:

(( لا تُطَلِّقُوا النساءَ إلا من رِيبةٍ ، فإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ ولا الذَّوَّاقاتِ ))

[ الجامع الصغير عن أبي موسى الأشعري ]

لا تشكو من أخلاقها، ولا من حسن إدارة بيتها، ولا من تربية أولادها، يقول لك: كبرت عليّ، فإن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات، ((لا تطلقوا النساء إلا من ريبة، فإن الله عزَّ وجل لا يحب الذواقين ولا الذواقات)) هذه شريكة العمر، وليست متعةً آنيةً.
أما الحديث الذي ينبغي أن يكون واضحاً عندكم فهو: 

(( عن أنس بن مالك: ما حلف بالطلاق مؤمن ولا استحلف به إلا منافق. ))

[ أخرجه ابن عساكر: ضعيف الجامع: حكم المحدث: ضعيف ]

وتقريباً إذا سئل العالم ألف سؤال، تسعمئة سؤال عن الطلاق، طلق بجهل، لأتفه الأسباب، طلاق مزاجي، طلاق عشوائي، طلاق مبني على ساعة غضب، بلا دراسة، بلا دقة، بعد أن يطلِّق الآن عليه أن يتسكَّع على أبواب المُفتين، مفت يجيز له أن يراجعها، مفتٍ آخر يمنعه أن يراجعها، مفتٍ يطرده، مفتٍ يستقبله، مفتٍ يتساهل، مفتٍ يتشدد، أنت كنت في غنى عن كل هذا، والأصح من ذلك أن الطلاق بيدك وأنت السيِّد، وأنت المُقَرر، فإذا قلت لها: إن ذهبت إلى بيت أختك فأنت طالق، أصبح بيدها الطلاق، انتزعت منك هذه السلطة، وبدأت تهددك: سأذهب، أصبح الأمر بيدها، كان أمرها بيدك فأصبح أمرك بيدها، فلذلك: ((ما حلف بالطلاق مؤمن ولا استحلف به إلا منافق)) .
((لا تطلقوا النساء إلا من ريبة)) أي في أمر يمسّ سمعة الأسرة، في أمر يمسّ تربية الأولاد، لأن هذه المرأة التي توفي زوجها وهي شابة، لأنه: 

(( عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أول من يفتح له باب الجنة، إلا أنه تأتي امرأة تبادرني، فأقول لها: مالك؟ من أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لي. ))

[  قال الشيخ حسين أسد: إسناده جيد في مسند أبي يعلى ]

 

أقدس عملٍ على الإطلاق تربية الأولاد:


المؤمن والمؤمنة لو كان هناك مشكلة بين الزوجين من أجل الأولاد يجب أن يضع الزوج حظوظه من الدنيا تحت قدمه، ويجب أن تضع الزوجة حظوظها من الدنيا تحت قدمها من أجل تربية الأولاد، لأن أقدس عملٍ على الإطلاق تربية الأولاد، فالطلاق ماذا يؤدي؟ إلى تشتت الأولاد، وإلى تشردهم.
 أنا أعرف رجلاً طلّق امرأته، ثم اكتشف أن ابنته الصغيرة التي أودعها في بيت جدها سقطت في الرذيلة، ما شعور هذا الأب وقد خسر ابنته وابنه الثاني هرب ولا يعلم أين هو؟ فالإنسان حينما يتزوج، لو نشأ خلاف بين الزوجين فيجب أن يضع حظوظ نفسه تحت قدمه رعايةً لأولاده، لأن هذه التي في البيت هي أمهم، مهما كانت سيئة هي أمهم، وهي أفضل ألف مرة من امرأةٍ غريبة تقسو عليهم. 
إذا قال الرجل لمملوكه: أنت حرّ إن شاء الله، فهو حر، ولا استثناء، وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالقٌ إن شاء الله، فله استثناؤه، ولا طلاق عليه، لأن الطلاق لا يحبه الله، والعتاق يحبه الله عزَّ وجل. 
 

الطلاق على أربعة أوجه:


شيءٌ آخر، ورد في كتب السيرة: الطلاق على أربعة أوجه، وجهان حلالان، ووجهان حرامان، فأما الحلال أن يطلقها طاهراً عن غير جماع، وأن يطلقها حاملاً مستبيناً حملها، وأما الطلاق الحرام فأن يطلقها وهي حائض، أو أن يطلقها حين يجامعها، لا تدري أشتمل الرحم على ولدٍ أم لا.
وقال بعض العلماء: من طلّق في طهرٍ لم يجامع فيه نفذ طلاقه، وأصاب السنة، وإن طلَّقها حائضاً نفذ طلاقه، وأخطأ السنة، أما سعيد بن المسَيِّب فيقول: لا يقع الطلاق في الحيض، لأنه خلاف السنة.

(( وعَنْ سَالِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. ))

[ متفق عليه  ]

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي طلقوهن في طهرٍ لم تجامعهُن فيه.
﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ الأمر موجَّه للأزواج حتى يعرف متى تنتهي العدة، متى يدفع النفقة، متى يمسك، متى يخرج، إلى آخره.
وفي درسٍ قادم إن شاء الله نتابع هذا الموضوع .

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور