وضع داكن
13-09-2026
Logo
العقيدة والإعجاز - مقومات التكليف - الدرس : 16 - الشهوة -2- تحكم الشهوة بالإنسان - خصائص الماء
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 

الشهوة مقوِّم للتكليف:


أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس السادس عشر من دروس العقيدة والإعجاز، وفي الدرس الماضي بدأنا موضوع الشهوة، والشهوة إحدى مقومات التكليف، هناك تساؤل عند معظم الناس أنه لولا الشهوات لما وقع الناس في المعاصي والآثام، وقد يأتون ببعض الشواهد أن النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ   عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ. طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّع».))

[ صحيح البخاري ]

فالإنسان عبدٌ للدينار، وعبدٌ للدرهم، وقد يكون عبداً لبطنه، وقد يكون عبداً لفرجه، وقد يكون عبداً للخميصة، لثيابه.
الحقيقة هذا الحديث يشير إلى فئة من الناس عبدت شهوتها من دون الله، وقد أكد الله هذا المعنى فقال:

﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43)﴾

[ سورة الفرقان ]

وكما تعلمون أن العبادة نوعان؛ هناك عبيد، وهناك عباد، العبيد جمع عبد القهر، والعباد جمع عبد الشكر، فالإنسان الذي عرف الله بمبادرة منه، وأحبه، وأطاعه، وأقبل عليه، والتزم بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، هذا عبد الشكر، جمعه عباد.

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)﴾

[ سورة الفرقان ]

بينما الذي ركِب رأسه، وتحكمت به شهوته، وعبد شهواته من دون الله هذا عبد القهر هو عبد لله لأنه مقهور، لأنه في قبضة الله، ففي أية ثانية ينتهي عند الله، فهذا العبد عبد القهر جمعه عبيد.

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾

[ سورة فصلت ]

 

الشهوة حيادية:


كما قلت في درس سابق الشهوة حيادية، لأنك مخير يمكن أن تكون الشهوة سلماً ترقى بها إلى أعلى عليين، ويمكن أن تكون الشهوة نفسها دركات يهوي بها الإنسان إلى أسفل سافلين، هي هي حيادية، ولا أدلّ على ذلك من هذا المثل الذي أستخدمه كثيراً، الوقود السائل في المركبة إن وُضِع في المستودعات المحكَمة، وسال في الأنابيب المُحكَمة، وانفجر في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب ولَّدَ حركة نافعة، السائل هو هو، إذا صُبّ على المركبة أعطيت شرارة أحرقت المركبة ومَن فيها، فكما أن هذا الوقود السائل قوة محركة نافعة رائعة هو قوة مدمرة ماحقة، هكذا الشهوة، اعتقد اعتقاداً يقينياً أن الشهوات حيادية، سلَّمٌ ترقى بها إلى أعلى عليين، ودركات يهوي بها الإنسان أحياناً إلى أسفل سافلين.
وضربت مثلاً، إنسان يتزوج امرأة صالحة تسرّه إن نظر إليها، تطيعه إن أمرها، تحفظه إذا غاب عنها، ينجب منها أولاداً أبراراً، وبنات مؤمنات يتزوجن شباباً مؤمنين، تجد أسرة رائعة، أي أحفاد وأحفاد الأحفاد أناس صالحون، تربيتهم عالية، عناصر طيبة في المجتمع، رأس هذه الأسرة له مكانة مرموقة جداً، أي أصل هذا المشروع علاقة جنسية، أليس كذلك؟ والإنسان أحياناً يفتح ملهى ليلياً، يمارَس المعاصي والآثام، يسمح لرواد هذا الملهى أن يقعوا في الزنا والحرام، وما إلى ذلك، تجد هذا المكان بؤرة فساد، والأصل علاقة جنسية، فالشهوات حيادية، يمكن بالشهوة أن ترقى إلى أعلى عليين، وبالشهوة يمكن أن يهوي الإنسان إلى أسفل سافلين، الشهوة هي هيَ.
 

الحظوظ الدنيوية حيادية:


لأن الشهوات حيادية، لأن الحظوظ حيادية، الذكاء حيادي، قد تكون ذكياً تستخدم هذا الذكاء في نشر الحق، وقد تكون ذكياً تستخدم هذا الذكاء في إفساد البشر، وفي جمع الأموال الطائلة من طريق غير مشروع.
الآن الوسامة قد تكون حقاً، لأن الإنسان إذا كان وسيماً أعانته وسامته على تحقيق أهدافه في الحياة، وقد تكون هذه الوسامة سبباً لوقوع هذا الشاب في آلاف المعاصي والآثام.
طلاقة اللسان، جميع الحظوظ حيادية، جميع الشهوات حيادية، جميع الأعطيات الإلهية حيادية، أعطاك مالاً، إما أن يُنفق في طاعة الله ترقى به إلى أعلى عليين، أو أن يُنفق المال في إفساد الناس، وفي ممارسة شهوات لا ترضي الله.
الوجاهة، قد تكون في منصب رفيع تستخدم هذا المنصب لإحقاق الحق، وإبطال الباطل، ترقى بهذا المنصب إلى أعلى عليين، وقد تستخدم هذا المنصب لتجميع أموال طائلة بطريق غير مشروع فتهوي إلى أسفل سافلين، الحظوظ، والشهوات، والأعطيات الإلهية كلها حيادية، لأنك مخيَّر، لأنك مخيَّر كل شيء حيادي، ترقى به أو تهوي به، لذلك قرأ بعضهم هذه الآية هي قوله تعالى:

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾

[ سورة الفجر ]

جاء الجواب الإلهي الرادع:

﴿ كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17)﴾

[ سورة الفجر ]

ليس كذلك، ليس عطائي إكراماً، ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء، وحرماني دواء، سؤال أطرحه كثيراً: المال نعمة؟ نعم، ولا، الفقر نعمة؟ نعم، ولا، كيف؟ المال نعمة إذا كان كسبه مشروعاً، وأُنفِق في طريق مشروع، واللهِ زرت شخصاً والد صديقي في العيد قبل سنوات، قال لي: أنا عمري ست وتسعون سنة، وقد أجريت البارحة فحوصاً كاملة، والنتائج كلها طبيعية، في السادسة والتسعين، قال لي: والله لا أعرف الحرام، لا حرام النساء ولا حرام المال، من عاش تقياً عاش قوياً.
 

طاعة الله تجلب الأمن والسعادة والطمأنينة:


أيها الإخوة؛ الدنيا جميلة في طاعة الله، الدنيا مسعدة في طاعة الله، هذا الذي يطيع الله عز وجل أعطاه حقًّا عليه،

(( عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. ))

[ متفق عليه ]

أنت أيها المؤمن؛ يا من تحضر هذا الدرس، ويا من يسمع هذا الدرس، إذا أطعت الله فيما أمرك أنشأ الله لك حقاً عليه ألا يعذبك.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

[ سورة فصلت ]

والله أيها الإخوة؛ أنا لا أصدق أن يجتمع في قلب المؤمن خوف، أو قلق، أو إحباط، أو سوداوية، الله عز وجل طمأنك بالقرآن الكريم قال لك: إنني أدافع عنك، إذا كان الله في عليائه يدافع عنك. 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)﴾

[  سورة الحج  ]

يؤتيك الحكمة:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)﴾

[ سورة البقرة  ]

يؤتيك الرضا، أنت راضٍ عن الله، يؤتيك الأمن، أغلى نعمة على الإطلاق:

﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾

[ سورة قريش ]

يؤتيك السعادة، يؤتيك السكينة، فلذلك أيها الإخوة؛ الشهوات حيادية، بالعكس لولا الشهوات لا ترقَى إلى رب الأرض والسماوات، لولا الشهوات لما كانت جنة، تصور كل شيء مباح، بمَ تتقرب إلى الله؟ إذا كان هناك محرمات، بغض البصر تتقرب إلى الله، بترك دخل مشبوه تتقرب إلى الله، بضبط اللسان تتقرب إلى الله، الغيبة محرمة، والنميمة كذلك، والإيقاع بين الناس، والكِبر، والزهو، يوجد أربعون خمسون معصية للسان، إذا اجتنبت كل هذه المعاصي، ضبطت سمعك، ضبطت بصرك، ضبطت لسانك، ضبطت حركتك، ضبطت يديك، ترقى إلى الله، فلذلك أؤكد لكم أنه لولا الشهوات ما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات، لولا الشهوات لما كانت جنات، هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار. 

﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35)﴾

[ سورة الرعد ]

بسبب:

﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾

[ سورة الحاقة ]

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾

[ سورة الحاقة ]

 

في الإسلام تنظيم للشهوة وليس فيه حرمان:


أيها الإخوة؛ أنا أخاطب الشباب، أنت في بداية حياتك، إياك أن تعتقد، أو أن تتوهم أن هناك في الإسلام حرماناً، بالإسلام لا يوجد حرمان، بل يوجد تنظيم، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفة تسري خلالها، أي الشعور بالحرمان لا أصل له في الدين، لأن هذا الدين دين الفطرة، أيّة شهوة أودعها الله فيك جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، حتى شهوة العلو في الأرض موجودة في كل إنسان، لها أسماء متعددة، يسميها علماء النفس: تأكيد الذات، يسميها بعضهم: الشعور بالتفوق، يسميها بعضهم الآخر: السيطرة، هذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان يمكن عن طريق طلب العلم والعمل الصالح أن تُروَّى، وأن تكون في موضع تكريم لك، ألم يقل الله عز وجل:

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

[ سورة الشرح ]

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾  

[ سورة الشرح ]

لا يوجد إنسان يطلب العلم إلا وله مكانة عند الله عز وجل، نحن في العمرة يأتي إلى هذا المسجد ملايين مملينة كل عام، يقولون: يا سيدي يا رسول الله أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغُمة، وجاهدت في الله حقّ الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد، لأنه عرف الله، وحمل لواء الدعوة.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)﴾

[ سورة الأحزاب ]

ثم تقف أمام الصديق تقول له: يا صاحب رسول الله، يا من قال النبي في حقك: ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر، ما ساءني قط.
تقف أمام قبر سيدنا عمر، يا أيها الفاروق، لو كان نبي بعدي لكان عمر، هؤلاء الذين صدّقوا، وآمنوا، واستقاموا، وأقبلوا، وأحسنوا رفع الله ذكرهم، والذين عارضوا وكذبوا أين هم؟ في مزبلة التاريخ، أبو جهل، هل يقول أحد: سيدنا أبو جهل!!؟ مستحيل، مستحيل.
أيها الإخوة الكرام؛ الشهوة هي هي، ترقى بها أو تهوي بها، هي حيادية، وأنت مخير، أو لأنك مخير هي حيادية، أية شهوة أودعها الله فيك ترقى بها إلى أعلى عليين.
 

الشهوة حركتها واسعة والشرع أعطاها حيزا ًمحدوداً:


لكن هناك شيء آخر، ما من شهوة أودعت فيك إلا لها قناة نظيفة تسري خلالها، اطمئن، لذلك مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، هناك منهج، أنت مع منهج، الآن الفكرة الدقيقة جداً هذه الشهوة حيادية، لكن الحركة فيها مئة وثمانون درجة بالضبط أنت على طريق عن اليمين وادٍ سحيق، عن اليسار وادٍ سحيق، تركب مركبة، والمقود بيدك، لكن المقود فيه حركة واسعة تسعون درجة وتسعون، التسعون الأولى على الوادي، والتسعون الثانية على الوادي، هلاك محقق، معنى هذا المقود يتحرك مئة وثمانين درجة، تسعون نحو اليمين، وتسعون نحو اليسار، والطريق عرضه ستون متراً، يتحمل تحريك المقود زاوية من على اليمين ثلاثين، وعلى اليسار ثلاثين، ثلاثون بثلاثين،  فالستون مسموح بها، الستون تبقى على الطريق، إذا حرفتَ المقود ضمن الستين درجة تبقى على الطريق، إذا تجاوزت هذا الرقم يكون صاحب هذه المركبة في الوادي، وقد انتهت حياته، معناها الشهوة حركتها واسعة، والمنهج أعطاك حيزاً محدوداً، الدين كله، فلسفة الدين كلها أن تأتي حركتك في هذه الدرجات الستين فقط، المال ممكن سرقة، ممكن اغتصاب، ممكن احتيال، ممكن تزوير، ممكن مكر، ممكن كذب، ممكن غش، ممكن، ممكن، هناك مليون ممكن، وهناك كسب مشروع أساسة الصدق والأمانة والإتقان، فما دام المقود يتحرك ستين درجة أنت على الطريق سالم، غانم سالم، فإذا الحركة تجاوزت هذه الدرجات الستين في الوادي، ما هو الدين؟ هو ضبط، الدين هو الضبط، أن تضبط حركتك بدوافع شهواتك وفق منهج الله، وفق الحيز الذي سمح الله لك به، هذا هو الدين، هذه هي الاستقامة، هذا هو العمل الصالح، أن تأتي الحركة وفق منهج الله، أو أن تبقى حركة المقود في الستين درجة، بالستين تبقى على الطريق، أكثر إلى الوادي، يمنة أو يسرة، لذلك قال تعالى:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾

[ سورة آل عمران ]

الله زينها، هي الجنة كلها لمن ضبط شهواته، يقولون: حضارة المسلمين أساسها ضبط الذات، وحضارة الغربيين أساسها السيطرة على الطبيعة، ضبط الطبيعة، أي ممكن حقل بترول بقعر بحر الشمال؟ كيف حُفرت هذه الأبيار في قعر البحر؟ وكيف لم يدخل الماء المالح إليها؟ وكيف حُصِّنت؟ كيف وضِعت الأنابيب؟ كيف صُبّ الإسمنت بوسط الماء؟ شيء مذهل، استخرجوا النفط من قعر الشمال، وصلوا إلى القمر، وصلوا إلى المريخ، وصلوا إلى المشتري، نقلوا الصورة في العالم كله، نقلوا الصوت، العالم الآن قرية، هناك إنجازات علمية مذهلة، فالغرب سيطر على الطبيعة، أي أصبح العالم سطح مكتب، بقطعة صغيرة تخاطب العالم كله، أنا كنت في عرفات، طُلب مني حديث على الفضائية السورية، ألقيت حديثاً على الخمس قارات، أمامي قطعة تكلمت بها هذا الكلام عُمم على خمس قارات، شيء لا يصدق، هناك إنجاز مذهل.
 

ضبطُ الشهوة ثمنُ الجَنة:


فأيها الإخوة الكرام؛ ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، أما ضبط إيقاع الحركة وفق ستين درجة بالضبط، جاءت الآية الكريمة:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

[ سورة النازعات ]

ثمن الجنة هو الضبط، ثمن الجنة أن تُوقع الحركة وفق الحيز الذي سمح الله به، لك أن تأكل من طعام حلال، أي أشتُري بمال حلال، أي هذا المال الحلال اُكتسب وفق الصدق والجهد الحقيقي، لا وفق الكذب والاحتيال، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، لك أن تتزوج امرأة تروق لك بالحلال، لا تخجل بهذا، شيء شرعي، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام أشار فقال:

(( عن أبي ذر: وفي بُضْعِ أحدِكم صدقةٌ قالوا: أَيَأْتِي أحدُنا شهوتَه يا رسولَ اللهِ ويكونُ له فيها أجرٌ؟ قال: أليس أن وضعها في حرامٍ كان عليه وِزْرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في حلالٍ كان له أَجْرٌ.))

[ صحيح مسلم ]

شيء غير معقول! ((قالوا: أَيَأْتِي أحدُنا شهوتَه يا رسولَ اللهِ ويكونُ له فيها أجرٌ؟ قال: أليس أن وضعها في حرامٍ كان عليه وِزْرٌ؟)) إذاً هنا في أجر، من هنا يرقى المؤمن بالشهوة مرتين؛ يرقى مرة شاكراً، ويرقى مرة صابراً، مثل المنشار يعمل طالعاً ونازلاً، شاكراً، وصابراً، أنت تمشي بالطريق، مرت امرأة متبذلة متفلتة فغضضت بصرك عنها وقلت: 

﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)﴾

[ سورة المائدة ]

ارتقيت، دخلت بيتك نظرت إلى امرأتك، مِن حقك أن تنظر إليها، شكرت الله على أن الله أكرمك بزوجة، ترقى إلى الله شاكراً، تركت مالاً حراماً ترقى إلى الله صابراً، عملتَ عملاً مشروعاً، وكسبتَ مالاً حلالاً، واشتريتَ به طعاماً وشراباً وثياباً ترقى إلى الله شاكراً، أبداً، ترقى بها مرتين، ترقى بها صابراً، ترقى بها شاكراً.
مرة ثانية: لولا الشهوات لما وصل الإنسان إلى رب الأرض والسماوات، لولا الشهوات لما كانت جنات.
 

على كل إنسان أن يضع بينه وبين المحرمات هامش أمان:


الآن يوجد عنا فكرة فرعية، الزنا محرم، الله عز وجل قال لك: 

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)﴾

[ سورة الإسراء ]

الحكمة الإلهية ما قال: لا تزنِ، قال: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ﴾ أي اجعل بينك وبين هذه المعصية الكبيرة هامش أمان، هامش الأمان تماماً أوضح مثل يكون هناك تيار كهربائي ثمانية آلاف فولت، وزير الكهرباء يضع لوحة: ممنوع الاقتراب من التيار، لأنه يوجد للتيار ثمانية أمتار، مَن دخل في حرم التيار أصبح فحمة سوداء، فلابد من ترك مسافة بينك وبين التيار، قوة جذبه كبيرة جداً، هناك شهوات قوة جذبها كبيرة، فالله منع الخلوة، منع صحبة الأراذل، منع إطلاق البصر، منع مقدمات الزنا، فمن ابتعد عن مقدمات الزنا كرّمه الله، وحماه من الزنا،

(( عن عقبة بن عامر: من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. ))

[ متفق عليه ]

(( عن النعمان بن بشير: وإن لكل ملك حمىً، ألا وإن حمى اللَّه محارمه. ))

[ متفق عليه ]

أي لابد من أن تدع بينك وبين المحرمات هامش أمان، تصور الشهوات المحرمة كنهر عميق مخيف له شاطئ مائل زلق، له شاطئ مستوٍ جاف، النهر هنا، بطولتك كمؤمن أن تمشي هنا، شاطئ مستو جاف متمكّن، أما هذا الشاطئ زلق ومائل، احتمال السقوط كبير جداً، من هنا لسيدنا عيسى قول عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال: الشريف هو الذي يهرب من أسباب الخطيئة. ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ .

﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)﴾

[ سورة البقرة ]

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)﴾

[ سورة الأنعام ]

الإيمان كله أن تعرف مقام الله، والإيمان كله أن تخاف مقام الله.

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)﴾

[ سورة الرحمن ]

جنة في الدنيا، وجنة في الآخرة، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ جنة في الدنيا، وجنة في الآخرة، والله أحد العلماء يقول: مساكين أهل الدنيا جاؤوا إلى الدنيا وخرجوا منها ولم يذوقوا أطيب ما فيها، أطيب ما فيها القرب من الله عز وجل، هناك دليل:

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)﴾

[ سورة الروم ]

الله عز وجل أثبت لهم علماً بظاهرها، يقول عالِم آخر: بستاني في صدري، ماذا يفعل أعدائي بي؟ إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، ماذا يفعل أعدائي بي؟
 

الفرق بين المؤمن وغير المؤمن كبير جداً:


بصراحة الفرق بين المؤمن وغير المؤمن ليس فرقاً بين إنسانين، الأول يصلي والثاني لا يصلي، لا، أعمق بكثير، بين إنسان متوازن، سعيد، متفائل، آمن، موفَّق، محفوظ، منصور، متقدم، متطور، وبين إنسان خامل، يائس، قلِق، حذِر، كئيب، معه إحباط، الفرق كبير جداً، أنا أتمنى أن نوقن يقيناً قطعياً أن الفرق ليس شكلياً، هناك فرق شكلي أحياناً، يكون طالب جسمُه غير وسيم، لكن الأول، والثاني أطول، الفرق فقط بالطول، هذا فرق بسيط جداً، الفرق بين المؤمن وغير المؤمن فرق كبير جداً، فرق بالبنية، فرق بالنوع، فرق بالحالة النفسية، الفرق بالثقة بالله، الفرق بالتوازن، الفرق بالسعادة، هناك معنى دقيق، الله عز وجل لما قال: 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا ‎لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾

[ سورة الحاقة ]

السؤال هنا: ما لم تؤمن بالله العظيم لن تستقيم على أمره، إبليس آمن بالله، لكن ما عظّمه:

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)﴾

[ سورة ص  ]

﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)﴾

[  سورة الأعراف  ]

﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)﴾

[ سورة الأعراف ]

فالبطولة أن تؤمن بالله العظيم، فالأمر ينصب على تعظيم الله عز وجل، فلذلك الإنسان إذا لم يؤمن بالله العظيم لمَ يستحق النار؟ يوجد سؤال، سؤال عميق جداً، يستحق الإنسان النار إن لم يؤمن بالله العظيم لأنه عندئذٍ لا يطيعه، وكل إنسان ما آمن بالله لابد من أن يعتدي على الآخرين، أوضح مثلٍ، الذي أراد التفلت في شهواته، فهذه فتاة لا تحل له، يمكن أن تكون أمًّا، تكون زوجة صالحة، أمًّا راقية جداً، لما أفسدها انحرفت فانحرفت فشقيت في الدنيا والآخرة، هو سبب شقائها، معنى ذلك:

﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)﴾

[ سورة المؤمنون ]

لو كان ما آمنت بالله العظيم، وبقيت مستقيماً لا يوجد مشكلة، لكن إذا ما آمن الإنسان بالله العظيم في الأعم الأغلب سوف ينحرف، وانحرافه يعني عدوان، أن يأخذ ما ليس له، فهذا ملمح دقيق في الآية، أن الإنسان إن لم يؤمن بالله العظيم لابد من أن ينحرف عن منهج الله القويم.
 

الإنسان مخيَّر في أعماله:


الآن كل ما يُقال إن الشيطان أغوانا، الشيطان أفسدنا، الشيطان وسوس لنا، الآية الصارخة الحاسمة القاطعة هي هذه الآية:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)﴾

[ سورة إبراهيم ]

لا يوجد إنسان يضل إنساناً، لكن بالظاهر يوجد إنسان يضل إنساناً عنده رغبة بالانحراف، ممكن، أما في الأصل إنسان يضل إنساناً، كل إنسان مخير.
الآية الثانية:

﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)﴾

[ سورة الحجر ]

أيها الإخوة الكرام؛ هذه الشهوات سبب رقينا إلى الله، هذه الشهوات سبب دخول الجنة، هذه الشهوات سلم نرقى به، هذه الشهوات حيادية، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، إذاً لولا الشهوات لما ارتقينا إلى الجنة، هي نعمة أم نقمة؟ هي نعمة، هناك شعراء لا ينطلقون من كتاب ولا من سنة، قال أحدُهم:

خَلَقْتَ الجمال لنا نعمةً                  وقلت لنا يا عبادِ اتقونْ

[ أبو نواس ]

* * *

هذا كلام شعراء.

﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224)﴾

[ سورة الشعراء ]

 

موازنة سريعة بين صنفين:


الآن موازنة سريعة:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

[ سورة القصص ]

إنسان انضبط، غضّ بصره، ضبط لسانه، ضبط أذنه، ضبط دخله، ضبط إنفاقه، أوقع حركته بستين درجة، بقي على الطريق، مات على هذا الحال، هذا إنسان عند الله مُكرَّم، قال: ﴿أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ بينهما بون شاسع ﴿أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ فلذلك هذه الشهوات تحقق للإنسان لذائذ فقط، واللذائذ آنية، ومتناقصة، وتعقبها كآبة، أما الإيمان يحقق سعادة، اللذائذ حسية، تأتيك من الخارج وآنية، ومتناقصة، تتبعها كآبة.
أيها الإخوة؛ إذاً حينما يتعرف الإنسان إلى الله عز وجل يُوقع حركته انطلاقاً من شهواته وفق الحيز الذي سمح الله به عندئذٍ يسلم.
 

العمل الصالح له أثرٌ مستقبلي:


بالمناسبة يوجد بالإنسان سلامة وسعادة، بالاستقامة على أمر الله يسلم، لكن بالعمل الصالح يسعد، والفرق كبير بين السلامة والسعادة، أما الإنسان لو انكبّ على الشهوات وحدها، يقول بعض الفلاسفة: إذا اتُّخذت اللذة مبدأ انقلبت إلى ألم، الذين يحرصون على شهواتهم دون غيرها، ولا يلتفتون لشيء آخر هؤلاء أشقى الناس، إنّ أشقى الناس في الدنيا أرغبهم فيها، أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها، الإنسان له هدف كبير، له هدف نبيل، هدف عظيم أن يعرف الله، أن يقدم عملاً صالحاً طيباً لأمته، هذا الهدف، وهذا العمل يَسْمُوَان به، يحس حاله إنساناً مقدساً، إنساناً عند الله مقرباً، أما إذا التفت لشهواته الشهوات ليس لها أثر مستقبلي، إذا غرق الإنسان في الملذات، وفي الطعام الطيب، وفي النزهات، هذه اللذائذ كلها لا تصنع له مكانة، ولا قيمة، ولا مستقبلاً.
ملأ أحدُهم حوض الحمام بماء فاتر، جلس فيه، سُرّ به، هل تعلم شيئًا؟ هل يصبح طبيبا؟ هل يصبح تاجراً كبيراً؟ الاستمتاع بالحياة ليس له أثر مستقبلي، أما العمل الطيب له أثر مستقبلي، فإذا عاش الإنسان لشهوته يشقى بها، إن أشقى الناس في الدنيا أرغبهم فيها، أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها، لذلك ورد في بعض الأحاديث

(( عَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ. ))

[ أخرجه أحمد: حسن ]

التنعم وحده يُفضي بالإنسان إلى الشقاء، نعيم، نعيم، لذلك أعلى نسب انتحار في العالم، هناك دول دخلها فلكي، أكاد أقول: مشكلة الإنسان الآن أنه إنسان بلا هدف، الله عز وجل قال:

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)﴾

[ سورة الملك ]

 

حدِّدْ هدَفك في الحياة:


الذي أتمناه على إخوتنا الكرام؛ حدِّدْ هدفك، واجعل هذا الهدف الله، إلهي أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، لو اخترت هدفاً آخر أقلّ من إمكاناتك بعد بلوغه تشقى، تحس بالفراغ، بالملل، بالسأم، لو اخترت أيّ هدف أرضي ما دام بعيداً عنك لعلك تحلم به، فإذا وصلت إليه، وأحطت به، واستوعبته انتهى تأثيره، بدأ الشقاء، فلذلك من اختار الله عز وجل اختار الحق الأبدي الأزلي. 
 

من الإعجاز العلمي في القرآن الماء:

 

1 – الماء أصل الحياة:

الآن ننتقل إلى موضوع في الإعجاز العلمي، الحقيقة هناك موضوعات ثلاث، قد يعجب أحدكم أن الحياة على وجه الأرض متعلقة بها، لولاها لما كانت حياة على وجه الأرض، هذا الموضوع هو الماء.

﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)﴾

[ سورة الأنبياء ]  

2 – من خصائص الماء التمدد والانكماش:

ليس الماء وحده، خصيصة فيه، خصيصة واحدة فيه، يتميز بها، وينفرد بها من بين كل عناصر الكون، هذه الخصيصة أن الماء شأنه كشأن أي عنصر، بالتسخين يتمدد، بالتبريد ينكمش، أيّ عنصر حتى الحجر، حتى المعادن كلها، حتى الغاز، حتى السوائل كلها، أي عنصر في الأرض تسخنه يتمدد، تبرده ينكمش، الأصل في ذلك أن الحرارة تُسَرِّع حركة الذرات، وإن تسرعت حركة الذرات تباعدت، فانقلب الجسم من صلب إلى لزج، إلى سائل، إلى غاز، الغاز ذرات الحركة فيه كثيرة جداً ومتباعدة، فالغاز ليس له حجم ثابت، ولا شكل ثابت، أما السائل له حجم ثابت، أما الشكل غير ثابت، أما الصلب له شكل وحجم ثابت، الشكل والحجم ثابت بالجماد، الشكل متبدل، الحجم ثابت بالسوائل، الشكل والحجم متبدل بالغازات.
تنتقل المادة من حالة صلابة إلى سيولة إلى حالة غازية بحسب التسخين، الآن بالعكس إذا كان الشيء سائلاً برّدناه يجمد كالثلج، إذا شيء غازي بردناه يصير سائلاً، إسطوانات الغاز تجد فيها سيولة، هي غاز عندما بردناها، والتبريد يساوي الضغط، والتسخين يساوي رفع الضغط، فكل عنصر بالأرض بالتسخين ورفع الضغط يتمدد، وكل عنصر في الأرض بالتبريد وبالضغط ينكمش، إلا الماء، الماء له استثناء في درجة واحدة، درجة زائد أربع، أنت تأتي بوعاء ماء فيه ماء بالدرجة أربعين، خفضته للخامسة والثلاثين، طبيعي، للثلاثين، للخامسة والعشرين، عشرين، خمس عشرة، عشر، خمس، أربع، تنشأ آلية معاكسة يتمدد، فهذا الماء لأنه يتمدد في درجة زائد أربع هناك حياة في الأرض، لو انكمش زادت كثافته، ما الكثافة؟ نسبة الوزن للحجم، الآن البسمار كثافته عالية يغوص، أما الفلين لا يغوص، كلّ شيء كثافته أقلّ من الماء يطفو، وكل شيء كثافته أكبر يغوص.
فلو أن الماء إذا تجمد انكمش فزادت كثافته يغوص، بعض الحقب تتجمد جميع البحار من قعرها إلى سطحها، فإذا تجمدت انعدم التبخر، إذا انعدم التبخر انعدمت الأمطار، انعدمت الأمطار مات النبات، يبس النبات، مات الحيوان، مات الإنسان، كل حياتنا وحياة النباتات والحيوانات وجميع الكائنات أساسها أن هذا الماء في درجة زائد أربع تنعكس آليته من الانكماش إلى التمدد.
بالمناسبة الماء إذا تمدد ليس هناك قوة في الأرض تقف أمامه، الآن تُقتلع الصخور عن طريق تجميد الماء، يُحفر صخر، أربعة ثقوب، يوضع فيها ماء، ويُبرَّد، تقتلع الصخرة مكعبة من الرخام من أصل الجبل بهذه الطريقة، أي أشد أنواع الخلائط المعدنية في محرك سيارة إذا كان هناك تجمد ماء ينفجر المحرك، يتصدع. 

3 – الماء من النِّعم الربانية الكبرى:

لذلك أيها الإخوة؛ هذا الماء من نعم الله العظمى، أولاً: شفاف، ثانياً: لا طعم له، لو كان له طعم معين، جميع الأطعمة، وأنواع الطبخ، والمشروبات بهذه الطعمة، تخرج من جلدك، ليس له طعم، ولا رائحة، ولا لون، لو كان لونه زهرياً كل شيء صار زهرياً، لا لون، ولا طعم، ولا رائحة، يتبخر بدرجة أربع عشرة، شديد النفوذ، مهما تكن المسامات ضيقة يدخل منها، شدة النفوذ، تبخر بدرجة متدنية، غليان بدرجة معتدلة، بالمئة يغلي الماء، أي هناك خصائص أنا أعتبر الماء أحد الآيات الكبرى الدالة على عظمة الله عز وجل، لولا الماء لما كانت حياة، ولولا أنه يتمدد في الدرجة زائد أربع لما كانت حياة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ والإنسان فيه سبعون بالمئة من وزنه ماء. 

4 – سبعون بالمئة من جسم الإنسان ماء:

كملاحظة طريفة، لو ضغطنا الإنسان بمكبس ينزل منه سبعون بالمئة من وزنه ماء، والباقي تصنع لوحَ صابون من دهنه، وبسمار حديد، وعود ثقاب، مجموع ثمنه المادي لا يزيد على عشرين ليرة سورية، سبعون بالمئة ماء، والمواد الأخرى سعرها منخفض جداً، أقسم الله بعمر النبي فقال:

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾

[ سورة الحجر ]

 

المؤمن إذا عرف الله هو أكبر من أكبر مشكلة في حياته:


الإنسان له قلب يكبر، ولا ترى كِبَره، يتعاظم على كل عظيم، ويصغر ولا ترى صِغَره، يتضاءل أمام كل حقير.
اسمعوا هذه الكلمة الأخيرة، المؤمن إذا عرف الله هو أكبر من أكبر مشكلة في حياته، فإذا ما عرف الله هو أصغر من أصغر مشكلة في حياته، إن عرفت الله أنت أكبر من أكبر مشكلة، وإن لم تعرفه أنت أصغر من أصغر مشكلة. 

فليتك تحلــو والحيـــــاة مريــــــــرة            وليتك ترضى والأنام غــضاب

ولـيت الذي بيني وبينك عامــــــــر            وبيني وبين الـــعالمين خـراب

إذا صح منك الوصل فالكل هين             وكل الذي فوق التراب تـــراب

[ أبو فراس الحمداني ]

* * *


الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور