الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى القابض:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم القابض.
ورود اسم القابض في السنة النبوية الصحيحة وعدم وروده في القرآن الكريم:
أولاً: لم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم، ولكن ورد في السنة الصحيحة، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عن أنس بن مالك قال النَّاسُ: يا رسولَ اللَّهِ غلا السِّعرُ فسعِّر لَنا؟ قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: إنَّ اللَّهَ هوَ المسعِّرُ القابضُ الباسطُ الرَّازقُ، وإنِّي لأرجو أن ألقَى اللَّهَ وليسَ أحدٌ منكُم يطالبُني بمَظلمةٍ في دمٍ ولا مالٍ. ))
أي حينما يُسَعِّر ولي الأمر تسعيراً يظلم به البائع، أو حينما يبيع التاجر بيعاً فيه غبن فاحش هناك ظلم، مرة البائع يَظلِم، ومرة المشتري يَظلِم، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الله هو المُسَعِّرُ القابضُ الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى اللهَ وليس أحدٌ منكم يُطَالبني بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ ولا مَالٍ)) .
أما في اللغة فالقابض اسم فاعل، الفعل قبضه، يقبِضه، قبضاً، وقبضة، والقبض خلاف البسط، القابض الباسط، وهو في حقنا جمع الكف على الشيء، أي في حق الإنسان، وهو من أوصاف اليد وفعلها، والقبضة ما أخذت بجمع كفك كله، يمكن أن تملأ كفك بالقمح، نسمي كمية القمح التي استوعبتها يدك قبضة، هذه قبضة كفي، أي قدر ما تقبض عليه كفي، ومنه:
﴿ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96)﴾
أي من التراب الذي تأثّر بحافر فرس الرسول،
(( وعند مسلم من حديث إياس بن سلمة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: غَزَونا مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حُنَينًا -أي في حنين-فلَمَّا واجَهنا العَدوَّ تَقدَّمتُ فأعلو ثَنيَّةً، فاستَقبَلَني رَجُلٌ مِنَ العَدوِّ، فأرميه بسَهمٍ، فتَوارى عَنِّي، فما دَرَيتُ ما صَنَعَ، ونَظَرتُ إلى القَومِ فإذا هُم قد طَلَعوا مِن ثَنيَّةٍ أُخرى، فالتَقَوا هُم وصَحابةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فولَّى صَحابةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأرجِعُ مُنهَزِمًا، وعليَّ بُردَتانِ مُتَّزِرًا بإحداهما مُرتَديًا بالأُخرى، فاستَطلَقَ إزاري فجَمَعتُهما جَميعًا، ومَرَرتُ -(على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)- مُنهَزِمًا، وهو على بَغلَتِه الشَّهباءِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لقد رَأى ابنُ الأكوعِ فزَعًا، فلَمَّا غَشُوا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-أي وصلوا إليه-نَزَلَ عَنِ البَغلةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبضةً مِن تُرابٍ مِنَ الأرضِ، ثُمَّ استَقبَلَ به وُجوهَهُم، فقال: شاهَتِ الوُجوهُ، فما خَلَقَ اللهُ منهم إنسانًا إلَّا مَلأ عَينَيه تُرابًا بتلك القَبضةِ، فولَّوا مُدبِرينَ، فهَزَمَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَسَمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غَنائِمَهُم بينَ المُسلِمينَ. ))
لا زلنا في معنى قبض، يقبض، قبضاً، وقبضة، والقبض يأتي بمعنى تأخير اليد، وعدم مدها، قبض يده أي أخّرها، أبعدها،
(( كما ورد عند النسائي من حديث عائشة رضي الله عنها: أن امرأة مدت يدها إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب فقبض يده، فقالت يا رسول الله مددت يدي إليك بكتاب فلم تأخذه؟ فقال: إني لم أدرِ أيد امرأة هي أو رجل. ))
تحريم مصافحة المرأة الأجنبية الشابة في الإسلام:
أيها الإخوة؛ هذا المعنى الدقيق في قبض يد النبي عن أن تمس يده يد امرأة ينقلنا إلى حكم فقهي،

في موسوعة الفقه الإسلامي الكويتية ما نصه: وأما مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية الشابة فقد ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة في الرواية المختارة إلى تحريمها، وقال الحنابلة: وسواء أكانت من وراء حائل كثوب ونحوه أم لا، واستدلّ الفقهاء على تحريم مصافحة المرأة الأجنبية الشابة بحديث عائشة رضي الله عنها قالت والله:
(( عن عائشة رضي الله عنها: كانتِ المُؤْمِناتُ إذا هاجرنَ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يُمتَحَنَّ بقَولِ اللَّهِ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ) إلى آخرِ الآيةِ، قالَت عائشةُ: فمَن أقرَّ بها منَ المُؤْمِناتِ، فقد أقرَّ بالمِحنةِ، فَكانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إذا أقررنَ بذلِكَ مِن قَولِهِنَّ، قالَ لَهُنَّ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: انطلَقنَ، فقد بايعتُكُنَّ لا واللَّهِ ما مسَّتْ يدُ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يدَ امرأةٍ قطُّ، غَيرَ أنَّهُ يبايعُهُنَّ بالكلامِ قالَت عائشةُ: واللَّهِ ما أخذَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ علَى النِّساءِ إلَّا ما أمرَهُ اللَّهُ، ولا مسَّتْ كفُّ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ كفَّ امرأةٍ قطُّ، وَكانَ يقولُ لَهُنَّ إذا أخذَ علَيهنَّ : قد بايعتُكُ كلامًا. ))
أي امرأة أجنبية.
الحقيقة مرة كنت أُلقي محاضرة في أمريكا في ديترويت، وجاءني سؤال من أخت كريمة تسأل عن حكم المصافحة، هي طبيبة تعمل في المستشفى، قلت لها: الملكة إليزابيث لا يصافحها إلا سبعة رجال من رعاياها لعلو مقامها في مجتمعها بحكم القانون البريطاني، والمرأة المسلمة ملكة أيضاً، لا يصافحها إلا سبعة من محارمها لعلو مقامها في مجتمعها بحكم القانون القرآني، فهذا الجواب أعجبها كثيراً وقبِلَته.
سمعت قصة في بلدٍ عربي استقبل وزيرة، فكان الوزير المثيل لها في المطار مع كبار موظفيه، أحد هؤلاء الموظفين لم يصافحها، يبدو أنه ملتزم، متفوق جداً في اختصاصه، لكنه ملتزم، فضلاً عن أنه متفوق ملتزم، فما صافحها، فالوزير المُضيف انزعج جداً منه، وعنّفه، وأعفاه من حضور مأدبة الغداء، هذه الوزيرة الضيفة سألت الوزير المُضيف: هناك موظف كبير عندك لم يصافحني، أين هو؟ قال: والله لعله اعتذر، هو صرفه من انزعاجه، فقالت: أريد أن أراه، أصرت على ذلك، فطلب أن يحضر فحضر، قالت له: لمَ لم تصافحني؟ قال لها: أنا مسلم متمسك بمنهج الله، ونحن في هذا المنهج لا نصافح امرأة أجنبية، فسمعت شرحه، وتأثرت تأثراً بالغاً، وقالت للوزير المُضيف: لو أن المسلمين أمثال هذا الموظف لكنا تحت حكمكم.
الآن عندما يسافر إنسان إلى بلد بعيد، يريد أن يأخذ وكالة، يُمتحن امتحاناً في دينه فإن كان متمسكاً أعطوه الوكالة، لأن الإنسان حينما يتمسك بمبدأ معنى ذلك أن هذا الإنسان ينطلق من قيم.
ما ورد في معاجم اللغة أيضاً عن القابض:
على كلٍّ لا زلنا في اللغة؛ قبضتُ الشيء قبضاً أي أخذته، والقبض قبولك المتاع،

أي رأيت المتاع فاستلمته، ولو لم تحوله إلى مكانه، يقول لك: صار هناك تقابض، والقبض أيضاً تحويلك المتاع إلى حيّزك، أي إلى مستودعك، فالقبض قد يكون بالعين، رأى البضاعة تفحّصها بعينه فقبضها، وقد يكون القبض أن ينقلها إلى مستودعه، وصار الشيء في قبضتي أي في ملكي، وقُبض المريض إذا توفي أو أشرف على الموت،
(( وعند البخاري من حديث أسامة ابن زيد رضي الله عنه أنه قال: أَرسلتْ بنتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إِليه إن ابناً لي قُبض فائتنا. ))
أرادت أنه في حال القبض، على وشك القبض، ومعالجة النزاع، وقال تعالى في وصف المنافقين:
﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67)﴾

أي يبخلون، أي يقبضونها عن النفقة والصدقة فلا يؤتون الزكاة، هذا ما ورد في معاجم اللغة عن القابض.
الله جلّ جلاله هو القابض الذي يمسك الأرزاق عن العباد بلطفه وحكمته:
أما الله جلّ جلاله هو القابض الذي يُمسك الرزق وغيره من الأشياء عن العباد بلطفه وحكمته،

يمسك الأرزاق عن العباد بلطفه وحكمته، ويقبض الأرواح عند الممات بأمره وقدرته، ويُضَيّق الأسباب على قوم، ويوسع على آخرين ابتلاءً وامتحاناً، وقبضه تعالى وإمساكه وصف حقيقي، لا نعلم كيفيته، أي تجد بلاداً تنعم بأمطار غزيرة، والنباتات ينمو، في بلاد أخرى أمطارها قليلة، والنبات يموت.
نؤمن به على ظاهره وحقيقته، لا نمثل، ولا نُكيف، ولا نُعطل، ولا نُحرف، فالإيمان بصفات الله فرع من الإيمان بذاته، والقول في صفاته كالقول في ذاته، لأننا ما رأينا الله تعالى، وما رأينا بذاته مثيلاً، فهو أعلم بكيفية قبضه وبسطه، وإمساكه وأخذه، ولا داع للتأويل الذي انتهجه المتكلمون بكل سبيل، فنؤمن-هذا من العقيدة الصحيحة-فنؤمن بما أخبر الله جلّ جلاله بلا تمثيل ولا تعطيل، وهكذا كان اعتقاد الأمة في جميع الصفات والأفعال، قال تعالى:
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾
(( وقد ورد عند أبي داود من أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ الله تباركَ وتعالى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبضَةٍ قَبضها مِنْ جَميع الأرضِ، فجاءَ بَنو آدَمَ على قدر الأرض، منهم الأحَمرُ، والأبيَضُ، والأسوَدُ، وبين ذلك، والسَّهلُ، والحَزْنُ، والخَبيث، والطَّيِّبُ. ))
دائماً وأبداً بالأسماء الحسنى يوجد أسماء يجب أن تلفظ معاً:
إخواننا الكرام؛ لا ينبغي أن يقول أحدنا: إن الله قابض فقط، لا ينبغي، تصفه بالمنع والبخل، ولكن ينبغي أن تقول: إن الله قابض باسط، معنى ذلك أنك وصفته بالقدرة المطلقة وبالحكمة، لا تقل: ضار، قل: ضار نافع، لا تقل: مُذِل، مُذِل مُعز، لا تقل: مانع، مانع معط، لا تقل: خافض، خافض رافع، أي يخفض ليرفع، يأخذ ليعطي، يبتلي ليجزي، يُذِلّ ليعز، يضر لينفع، هذه الأسماء الأولى أن تذكر مثنى مثنى، قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾
إن أردت أن تعلل، يقبض ليبسط، يضر لينفع، يمنع ليعطي، يُذِلّ ليعز، عندئذٍ أنت سائر في طريق الصواب.
موضوع الرزق من أنواع القبض والبسط:
أيها الإخوة؛ الشيء الثاني في معنى القبض باللغة هو الأخذ والتضييق، والبسط هو التوسيع والنشر، قبض وبسط، هذان الشيئان يَعُمَّان جميع الأشياء، فكل أمر ضيّقه الله عز وجل فقد قبضه، وكل أمر وسَّعه الله عز وجل فقد بسطه، أحياناً تجد رزقاً واسعاً، أحياناً رزقاً قليلاً، أحياناً الأمور مُوَسَّعة، مُريحة، الأمور ضيقة مُتعبة، من أنواع القبض والبسط موضوع الرزق، الله عز وجل:
﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62)﴾
يبسط الرزق ويقبض، أي يُوَسِّع ويُضيّق، يعطي ويمنع.
الأرزاق تضيق وتتسع امتحاناً للعباد وحكمة من الله عز وجل:
أيها الإخوة الكرام؛ ينبغي أن نؤمن وهذا من صلب العقيدة، ولا تنسوا أنه يوجد بالإسلام عقيدة، عبادة، معاملات، آداب، أخطر شيء في الإسلام العقائد، العقيدة إن صحت صحّ العمل، وإن صحّ العمل سلِم الإنسان وسعِد، والعقيدة إن لم تصح ساء العمل، وإن ساء العمل شقِي الإنسان وهلك، لذلك الخطأ في العقيدة لابدّ من أن ينعكس خطأ في السلوك، قبض الإنسان قبض عجز، لكن الله سبحانه وتعالى إذا قبض الأرزاق والأمطار قبض تأديب، والدليل:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)﴾
فإذاً الأرزاق تضيق وتتسع، أولاً: امتحاناً للعباد، وابتلاء، أو حكمة من الله عز وجل، إن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه، وهناك شريحة أخرى وإن من عبادي لا يصلح له إلا الفقر، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه، يوجد إنسان على الدخل المحدود مستقيم، لكن الله يعلم لو أن هذا الإنسان كان دخله غير محدود لتفلت من منهج الله، بالمناسبة في نهاية الأمر حينما يكشف الله للإنسان يوم القيامة ما ساق له من شدائد ينبغي أن يذوب كالشمعة محبة لله عز وجل.
من معاني اسم الله القابض:
1 ـ أن الله عز وجل يقبض الأرواح:
من معاني اسم الله القابض أن الله عز وجل يقبض الأرواح، فإذا قبض روح الإنسان أي أماته، وإذا بسط روحه أي أحياه، وكل إنسان أمامه بوابة خروج هي مرض الموت؛
(( عن جابر ابن عبد الله: إنَّ لكلِّ داءٍ دواءً، فإذا أُصِيب دواءُ الدَّاءِ برَأ بإذنِ اللهِ. ))
من دون استثناء، أو
(( عن عبد الله بن مسعود: ما من داءٍ إلَّا وله دواءٌ [يعني حديث: ما أنزلَ اللهُ داءً إلا أنزلَ لهُ دواءً]. ))
وهذا الحديث إذا سمعه المريض امتلأ قلبه تفاؤلاً بالشفاء، ((ما من داء إلا وله دواء)) وإذا سمع هذا الحديث طبيب يشعر بالتقصير إن لم يكتشف الدواء لداء ما، إذاً هو يحُثّ الطبيب على اكتشاف الدواء، ويملأ قلب المريض ثقة بالشفاء، هذا من الأحاديث الرائعة التي تملأ نفس المريض ثقة بالشفاء، وتدفع الطبيب إلى البحث عن الدواء.
2 ـ أن الله عز وجل يقبض الأرض:
أيضاً من معاني اسم القابض أنه يقبض الأرض، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ .
إخواننا الكرام؛ الأرض تدور حول الشمس في مسار بيضوي، إهليلجي، وهذا الشكل البيضوي المسار المغلق، هذا الشكل له قطران أصغر، وأطول، فإن كانت الأرض في القطر الأطول واتجهت نحو القطر الأصغر المسافة سوف تقِل بينها وبين الشمس، هناك احتمال أن تنجذب إلى الشمس، وإذا انجذبت الأرض إلى الشمس تبخرت في ثانية واحدة، يكون الهلاك، لذلك الله عز وجل قابض وباسط، ترتفع سرعة الأرض، وهي جماد غير عاقل، يرفع الله سرعة الأرض لينشأ من رفع السرعة قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة فتبقى على مسارها.
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41)﴾
بقاء الأرض على مسارها آية من آيات الله الدالة على عظمته:
بقاء الأرض على مسارها آية من آيات الله الدالة على عظمته، لماذا بقيت مع أنها انتقلت من قطر أطول إلى قطر أصغر وقانون الجاذبية متعلق بالكتلة والمسافة؟ المسافة قلّت، الانجذاب يزيد، احتمال انجذاب الأرض إلى الشمس قائم، وإذا انجذبت تبخرت في ثانية واحدة، لأن مركز الشمس تزيد الحرارة فيه عن عشرين مليون درجة،

الآن إذا انتقلت من قطرها الأصغر إلى قطرها الأطول هناك احتمال التفلت من جاذبية الشمس، لأن المسافة إذا زادت ضعُفت الجاذبية، لذلك يقبض الله الأرض أي يخفض سرعتها، لينشأ من خفض سرعتها قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل فتبقى في مكانها،
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ أي بعضهم قال: لو أنها تفلتت، وأردنا أن نعيدها إلى الشمس، قال: نحتاج إلى مليون مليون حبل فولاذي، من الفولاذ المضفور، وهذا أمتن عنصر في الأرض، الحبل قطره خمسة أمتار، والحبل الذي قطره خمسة أمتار يحمل مليوني طن، أي بشكل أو بآخر قوة جذب الشمس للأرض تساوي مليون مليون ضرب مليوني طن، أي مليون مليون اثنا عشر صفراً ضرب مليونين ضرب اثنين بستة أصفار، شيء مذهل، كل هذه القوة الكبيرة الجاذبة للأرض من أجل أن تحرفها ثلاثة ميليمتر كل ثانية حتى ينشأ مسار مغلق تسير عليه الأرض في دورتها حول الشمس، التي تستغرق ثلاثمئة وخمسة وستين يوماً.
معنى هذا الله عز وجل قابض يقبض الأرض فيخفض سرعتها ويبسطها فيزيد سرعتها، من أجل أن تبقى على مسارها من أجل ألا تنجذب إلى الشمس فتتبخر في ثانية واحدة، ومن أجل ألا تتفلت من الشمس فتدخل في الصفر المطلق حيث تنتهي الحياة، يد من تُسَيّر الأرض؟ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ .
إخوتنا الكرام؛ هذه الآيات الدالة على عظمة الله ينبغي أن نتفكر فيها، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾
معنى الآية أنه رفعها بعمد لا ترونها.
3 ـ أن الله عز وجل يقبض الصدقات بيده من عباده المؤمنين:
الآن من معاني القابض الله عز وجل قابض أنه يقبض الصدقات بيده من عباده المؤمنين، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عن أبي هريرة:
(( إن العبد إذا تصدّق من طيِّب تقبّلها الله منه، وأخذها بيمينه فرباها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله، أو في كف الله حتى تكون مثل الجبل، فتصدقوا. ))
))
الإنسان يضع لقمة في فم زوجته يراها يوم القيامة كجبل أُحد، إذاً الله عز وجل قابض يقبض صدقة المؤمن الذي أنفقها من مال حلال بيمينه، والله عز وجل قابض يقبض الأرض ويبسطها، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ .
4 ـ أن الله عز وجل يقبض الرزق تأديباً لا ضعفاً:
الله عز وجل قابض يقبض أرواح البشر، أي يميتهم، أو يبسطها يحييهم، الله عز وجل قابض يقبض الرزق تأديباً لا ضعفاً.
هذه كلها من معاني اسم القابض.
الله عز وجل قابض يربي الناس لسعادتهم وسلامتهم:
الله عز وجل قابض بمعنى مربّ، عفواً، المركبة السيارة لماذا صُنعت؟ صُنعت لتسير، لكن فيها مكابح، المكابح تتناقض مع علة صنعها، هي صنعت من أجل أن تسير، والمكبح يوقفها، لكنه ضروري جداً لسلامتها، فكما أن المكبح مع أنه يتناقض مع علة صُنع السيارة فيحول بينها وبين أن تسير كذلك القابض هو ضمان لسلامة الإنسان لأن الله سبحانه وتعالى يربيه فهو رب العالمين، فالإنسان إذا فهِم المصائب بهذا الفهم يكون فقيهاً وعندئذٍ يرضى، لذلك ربما أعطاك، المركبة انطلقت بأعلى سرعة فتدهورت فمات صاحبها، ربما أعطاك فمنعك، منع منك الحياة، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق