الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
على الإنسان أن يستعيذ من فتنة الغنى وفتنة الفقر:
أيها الإخوة الكرام؛ لازلنا في اسم الغني، ومن تطبيقات هذا الاسم المتعلقة بالمؤمن الله عز وجل في حديث قدسي صحيح:
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: قال اللهُ تبارك وتعالَى: أنا أغْنَى الشُّركاءِ عنِ الشِّركِ، مَنْ عمِلَ عملًا أشركَ فيه معِيَ تركتُهُ وشِركَهُ. ))
لذلك: هناك ذنب لا يُغفر وهو الشرك، وهناك ذنب لا يُترك ما كان بينك وبين العباد، وهناك ذنب يُغفر ما كان بينك وبين الله.
أيها الإخوة؛ الله عز وجل غني عن الشرك، إن أشركت بعمل غير الله، الله عز وجل ترك لك هذا العمل ولم يقبله، العمل المشترك لا يقبله، والذي أشرك بعمله غير الله عز وجل الله عز وجل لا يُقبل عليه، العمل المشترك لا يقبله، والمُشرك لا يُقبِل عليه.
أيها الإخوة؛ معنىً آخر، من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام المتعلقة بالغنى والفقر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله من فتنة الغنى، الغنى فتنة، وكان يستعيذ بالله من فتنة الفقر، كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الغنى أن يكون طغياناً.
﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)﴾
أي أن رأى نفسه غنياً، أحياناً الغنى المادي يُبعِد عن الله عز وجل، الغنى المادي يُحاط صاحبه بالكِبر والغطرسة والعُجب، وينسى الله عز وجل.
على الإنسان أن يُسرع بالأعمال الصالحة قبل أن يُصاب بـ:
على كلٍّ من الأحاديث الشريفة التي تقصم الظهر، والأحاديث التي تتسم بالواقعية قول النبي صلى الله عليه وسلم
(( عن أبي هريرة: بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟ ))
بادروا: سارعوا، ((فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟)) أي أولاً: هل يمكن أن يستيقظ الإنسان كل يوم كاليوم السابق إلى ما شاء الله؟ مستحيل، مستحيل، ((بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟)) .
الآن: ((هل تنتظرون إلا فقراً منسياً؟)) الفقر قد يُنسي كل شيء، من هنا قال الله عز وجل:
﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾
وحينما تكفُر الأمة قال الله عز وجل:
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾
النعمتان اللتان يسبغهما الله عز وجل على عباده المؤمنين نعمة الأمن ونعمة الكفاية، والعقابان المؤلمان الذي يخصّ الله بهما من كفر نِعم الله عز وجل مصيبة الخوف ومصيبة الجوع، لذلك: ((بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً؟)) كاد الفقر أن يكون كفراً.
دقق: ((أو غنىً مطغياً؟)) مال، قوة، هناك تعابير يقولها العوام هي الشرك بعينه، يقول لك: الدراهم مراهم، تُحَلّ بها كل المشكلات، أعرف رجلاً، أنا أظنه صالحاً لكنه أخطأ، فقال مرة في مجلس: الدراهم مراهم تُحلّ بها كل المشكلات، فبقي في المنفردة أربعة وستين يوماً، وفي كل يوم تأتيه مئات الخواطر: الدراهم مراهم؟.
أيها الإخوة؛
((ماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً؟ أو غنىً مطغياً؟ أو مرضاً مفسداً؟)) هناك أمراض تدع الحليم حيران، هناك أمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يُطاق، هناك أمراض وبيلة، هناك أمراض عُضالة، لذلك كان عليه الصلاة والسلام من أكثر أدعيته:
(( عن عبد الله بن عمر: اللَّهمَّ إنِّي أسألُك العافيةَ في الدُّنيا والآخرةِ، اللَّهمَّ أسألُك العفوَ والعافيةَ في ديني ودنيايَ وأَهلي ومالي، اللَّهمَّ استر عورتي، وقالَ عثمانُ: عوراتي، وآمِن رَوعاتي، اللَّهمَّ احفظني من بينِ يدىَّ ومن خَلفي وعن يَميني وعَن شِمالي ومن فَوقي، وأعوذُ بعظَمتِك أن اغتالَ من تحتي. ))
من دعاء القنوت المشهور:
(( عن الحسن بن علي بن أبي طالب: اللهمَّ اهدِنا فيمَن هدَيت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولَّنا فيمَن تولَّيت، وباركْ لنا فيما أعطيت، وقِنا شرَّ ما قضيت، إنك تَقضي ولا يُقضى عليكَ، إنه لا يَذِلُّ مَن والَيت، ولا يَعزُّ مَن عاديت، تباركت ربَّنا وتعالَيت. ))
النعم الكبرى التي ينعم بها الإنسان هي نعمة الهدى والصحة والكفاية:
النعم الكبرى كما رتبها الإمام علي كرم الله وجهه نعمة الهدى، وقال العلماء: تمام النعمة الهدى، ونعمة الصحة، ونعمة الكفاية،
(( عن سَلَمَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الخَطْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ-وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ-قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا. ))
[ رواه البخاري في "الأدب المفرد": حسن غريب . ]
((بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً؟)) أحياناً ترتفع الأسعار فجأة، أحياناً أنت وكيل شركة تُسحب منك الوكالة فجأة، أحياناً تقع تحت عجز مالي كبير، أحياناً تنخفض الأسعار فجأة فتخسر كل ما تملك، ((هل تنتظرون إلا فقراً منسياً؟ أو غنىً مطغياً؟)) .
عدّ النبي صلى الله عليه وسلم الغنى المادي أحد أكبر المصائب، ((أو غنىً مطغياً؟ أو مرضاً مفسداً؟ أو هرماً مفنداً؟)) أي تقدمت به السن، رُدّ إلى أرذل العمر، يعيد القصة مئات المرات، يحشر أنفه في أتفه القضايا، ظله ثقيل، يهرب منه من في البيت، يتركونه وحده في الغرفة، لا يحتملون وجوده، يأتي ضيف يتشكى له، الهرم.
من أهمل أوامر الله عز وجل واستعلى واستكبر خسر صلته بالله تعالى:
لذلك أيها الإخوة؛ من عاش تقياً عاش قوياً، إنسان عالم كبير، عاش حياة امتدت إلى السادسة والتسعين، بكامل قوته، ونشاطه، وحواسه الخمس، سُئل: يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها؟ قال: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكِبَر، من عاش تقياً عاش قوياً.
أنا مرة زرت صديقاً لي فالتقيت بوالده، قال لي: أنا عمري ست وتسعون سنة، أجريت البارحة فحوصاً تامة كاملة كلها طبيعية، قال: والله ما عرفت الحرام في حياتي، لا حرام النساء، ولا حرام الأموال، من عاش تقياً عاش قوياً، ((بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً؟ أو غنىً مطغياً؟)) يظن الغني حينما ينحرف، ويهمل أوامر الله عز وجل، ويستعلي، ويتغطرس، يظن أنه في بحبوحة، هو في شقاء كبير، لأنه خَسِر دينه، خَسِر صلته بالله عز وجل، ((أو هرماً مفنداً؟)) البطولة من طال عمره وحسن عمله، البطولة من ابتعد عن الخرف.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)﴾
من عاش تقياً عاش قوياً ومتعه الله بحياته وحواسه وسمعه وبصره:
بالمناسبة هناك حقيقة في الطب العضو الذي لا يعمل يضمر، فالإنسان حينما لا يستخدم فكره لا يصلي، المصلي يتنشط فكره، أول ركعة فاتحة وسورة، ثاني ركعة فاتحة وسورة، ركوع، وقوف، سجود أول، سجود ثانٍ، قعود، وقوف، الركعة الثالثة فاتحة بلا سورة، الظهر أربع ركعات، العصر أربع، الفجر ركعتان، العشاء أربع، المغرب ثلاث، في نشاط دائم، يقرأ القرآن كل يوم، يؤدي الصلوات، يتحدث عن الله عز وجل، العضو الذي لا يعمل يضمر، والإنسان إن لم يطلب العلم، إن لم يصلِّ، إن لم يقرأ القرآن، هذا الدماغ يضمر، يُصاب بالخرف.
﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70)﴾
من عاش تقياً عاش قوياً، متعه الله بحياته، وبحواسه، وبسمعه، وببصره، لذلك: ((هل تنتظرون إلا فقراً منسياً؟ أو غنىً مطغياً؟ أو مرضاً مفسداً؟ أو هرماً مفنداً؟)) تضعف مكانته، تضعف ذاكرته، يعيد القصة، يحشر أنفه في كل شيء يتضجّر من حوله به.
((أو موتاً مجهزاً؟)) الموت مصيبة، الموت إن لم يكن على إيمان، واستقامة، وتوحيد مصيبة كبيرة، نقلة مفاجئة إلى القبر، من بيت فخم إلى قبر صغير، من زوجة وأولاد إلى وحشة القبر.
((أو الدجال؟ فشر غائب يُنتظر)) هناك دجال، وهناك أعور دجال، الدجال يتكلم كلاماً ويفعل عكسه، يقول لك: حرية، ديمقراطية، أي قتل، وسفك دماء، ونهب ثروات، هذا دجال، والأعور يرى مصلحته، ولا يرى مصلحة الآخرين، يرى كرامته، ولا يرى كرامة الآخرين، يرى ثقافته، ولا يرى ثقافة الآخرين، يرى حظوظه، ولا يرى حظوظ الآخرين، هذا موقف من المواقف التي تؤلم الإنسان، يكيل بمكيالين، يكيل بمليون مكيال، هذا الحديث: ((بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟ هل تنتظرون إلا فقراً منسياً؟ أو غنى مطغياً؟ أو مرضاً مفسداً؟ أو هرماً مفنداً؟ أو موتاً مجهزاً؟ أو الدجال؟ فشر غائب ينتظر، أو الساعة؟ والساعة أدهى وأمر)) .
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)﴾
من لوازم الوصف الإلهي للفقراء أن يبحث الإنسان عنهم ويتفقد أحوالهم:
أيها الإخوة؛ سامحوني، الحقيقة المُرّة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، من خاف الله في الدنيا أمِن يوم القيامة، ومن أمِن في الدنيا خاف يوم القيامة.
الآن لمن تجب الصدقة والزكاة؟ الحديث عن الغنى والفقر، والحديث عن تطبيقات اسم الغني على المؤمن، قال تعالى:
﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)﴾
الفقير المؤمن: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ أنيق، ثيابه نظيفة، مُتجمّل، عزيز النفس، لا يسأل، قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)﴾
لماذا سُمِّي محروماً؟ لأنه لا يسأل، هناك إنسان يقتحم عليك، يسألك بإلحاح، يُثقل عليك، يُلِح عليك، تعطيه كي تنجو منه، أما المؤمن الفقير لا يسأل، عفيف، لذلك سُمِّي محروماً، ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ*لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ماذا يقتضي هذا الوصف الإلهي للفقير المؤمن؟ أن تبحث أنت عنه، هو لا يسألك، ولا ترى بعينك أنه فقير، مُتجمِّل، فلذلك من لوازم هذا الوصف الإلهي للفقراء أن تبحث أنت عنهم، وأن تتفقد أحوالهم، ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ .
ليس الغنى عن كثرة العَرَض وإنما الغنى غنى النفس:
أيها الإخوة؛ من تعريفات النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة المانعة:
(( عن أبي هريرة: ليس الغنى عن كثرة العَرَض وإنما الغنى غنى النفس. ))
المؤمن غني، يكبُر قلبه ولا ترى كبره فيتضاءل أمامه كل كبير، وغير المؤمن فقير، ومعه ملايين مملينة، يصغر قلبه ولا ترى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، ((ليس الغنى عن كثرة العَرَض)) الأموال المنقولة، وغير المنقولة، والعملات الصعبة، والأراضي، والبيوت، والمركبات، والشركات، والأسهم، لا، ((ليس الغنى عن كثرة العَرَض وإنما الغنى غنى النفس)) .
الاستغناء عن الناس يُولِّد راحة نفسية لا توصف:
أيها الإخوة؛ كتطبيق لاسم الغني صارخ نقول: كلما استغنيت عن الناس شعرت براحة نفسية، وكلما استغنيت عما في أيدي الناس أحبك الناس.
شيء آخر؛ قال أحدهم: احتج إلى الرجل تكن أسيره، واستغنِ عنه تكن نظيره، وأحسنْ إليه تكن أميره، لذلك من بعض أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: "اللهم لا تجعل حوائجنا إلا إليك، ودلنا بك عليك" المؤمن غني، غني بنفس أبية، بنفس عزيزة، لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلّ نفسه، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، لا ينبغي لمؤمن أن يُذِلّ نفسه، لا تتضعضع أمام غني، ولا أمام قوي، استعن بالله، ولا تعجز، "اللهم لا تجعل حوائجنا إلا إليك، ودلنا بك عليك" .
إخواننا الكرام؛ الإمام الحسن البصري من كبار التابعين، له هيبة كبيرة، له مكانة علِية، سُئِل مرة-دقق-: بمَ نلت هذا المقام؟ فقال: باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي، متى يسقط العلم؟ حينما يحتاج العالم إلى ما في أيدي الأمير، وحينما يزهد الأمير بما عند العالم، انتهى العلم، أما حينما يستغني العالم عما في أيدي الناس، ويحتاج الناس إلى علمه يرتفع العلم، يرتفع العلم ويسقط، يرتفع إذا استغنى العلماء عما في أيدي الأقوياء، واحتاج الناس إلى علمهم، ويسقط العلم، من يدّعي العلم حينما يحتاج من يحمل هذا العلم إلى ما في أيدي الأقوياء، وحينما يزهد الأقوياء بما عند العلماء.
ومن تعريفات الإيمان الرائعة: الإيمان غنىً عن المطامع، غنىً عن المحارم، الطمع أذلّ قلوب الرجال، وأذلّ رقابهم، من الداخل متضعضع، ورقبته خاضعة.
من زهد بما في أيدي الناس أحبه الناس ومن رغب بما عند الله أحبه الله:
أحد الأدباء الكبار له كلمة رائعة، يقول: لي صديق كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظّمه في عيني صِغَر الدنيا في عينيه، فكان خارجاً عن سلطان بطنه، البطن له سلطان، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يُكثر إذا وجد، وكان خارجاً عن سلطان الجهالة، فلا يتكلم بما لا يعلم، ولا يُماري فيما علِم، وكان أكثر دهره صامتاً، فإذا تكلم بذّ القائلين، وكان يُرى ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جدّ الجد فهو الليث عادياً، أي خارج عن سلطان بطنه وعن سلطان فرجه، لذلك:
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: تعِس عبدُ الدينارِ، تعِس عبدُ الدرهمِ، تعس عبدُ الخميصةِ، تعس عبدُ الخميلةِ، تعِس وانتكَس وإذا شيكَ فلا انتقشَ. ))
لذلك قالوا: خذ من الدنيا ما شئت، وخذ بقدرها هماً، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر، وقيل: دخلوا على سيدنا أبي عبيدة الجراح، وكان قائد الجيش الإسلامي في الشام، دخلوا إلى غرفته، فإذا فيها قِدر ماء مغطى برغيف خبز، وعلى الحائط سيفه المُعلّق، ويجلس على جلد غزال، قالوا: ما هذا؟! قال: هو للدنيا وعلى الدنيا كثير، ألا يبلغنا المقيل؟ لذلك القاعدة: ازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس، وارغب بما عند الله يحبك الله.
لا تسألن بُنَيّ آدم حــاجـــــة وسل الذي أبوابه لا تغلـــــقُ
الله يغضب إن تركت سؤاله وبُنَيّ آدم حين يُسأل يغضبُ
مرة أبو جعفر المنصور سأل الإمام الجليل أبا حنيفة النعمان، قال له: يا أبا حنيفة لو تغشيتنا؟ فقال: ولمَ أتغشاكم وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه؟ وهل يتغشاكم إلا ما خافكم على شيء؟!
بطولة الإنسان أن يعيش في برج عاجي أخلاقي:
لذلك هناك موضوع يكثر تداوله، يقول: فلان يعيش ببرج عاجي، هي كلمة ذم الحقيقة، لكن هناك تفصيل لطيف، المؤمن يعيش في برج عاجي أخلاقي، بعيد عن سقطات الناس، وعن وحل البشر، وعن النزاع على حُطام الدنيا، بعيد عن الكذب، بعيد عن النفاق، بعيد عن وحل البشر، هو في برج عاجي أخلاقي، ولكنه ليس في برج عاجي فكري، يعيش هموم الناس، يعيش مشكلاتهم، يعيش متاعبهم، يحمل بعض همومهم، فالبطولة لا أن تعيش في برج عاجي فكري، بل أن تعيش في برج عاجي أخلاقي، يمكن أن نلخص هذا الكلام: إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك.
الملف مدقق