الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الله سبحانه وتعالى بصير يشاهد الأشياء كلها ظاهرها وباطنها:
أيها الإخوة الأكارم؛ لا زلنا في اسم البصير، والله سبحانه وتعالى بصير يشاهد ويرى، حتى لا يعزب عنه ما تحت الثرى، وإبصاره منزه عن أن يكون بحدقة أو أجفان، مقدس عن أن يرجع إلى انطباع الصور والألوان، هو المبصر لجميع المبصرات، ويشاهد الأشياء كلها ظاهرها وباطنها من دون جارحة ولا أداة، ولا تغيُّر في الذات، الآية الكريمة:
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(46)﴾
هذه الآية يجب أن يتمثلها كل مؤمن ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ الأمر بيدي يا عبدي، أنا معك، آية أخرى:
﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾
آية ثالثة:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾
أيها الإخوة؛ هذه آيات واضحة جلية، معانيها قطعية لأن الله يرى ويسمع، وقد روى البخاري في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جبريل سأل النبي عليه الصلاة والسلام:
(( عن أبي هريرة وأبي ذر الغفاري كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بازراً للناس، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما الإيمان ؟ قال: أن تُؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورُسُلِهِ، وتؤمنَ بالبعث الآخر، قال: يا رسول الله ما الإسلام ؟ قال: الإسلام أن تعبُدَ الله، لا تُشْركُ به شيئاً، وتُقيمَ الصلاةَ المكتوبة، وتؤدي الزّكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لم تره فإنَّه يراك، قال: يا رسولَ الله، مَتَى السَّاعَةُ ؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلَمَ من السَّائل، ولكن سأُحَدِّثُكَ عَنْ أشْراطها: إذا ولَدت الأمةُ ربَّتها. ))
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى؟ أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا؟
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً؟ إلينا وتنظر ما به جاء وعدنــــا؟
شهوة المال وشهوة المرأة من أقوى الشهوات التي أودعها الله في الإنسان:
أيها الإخوة؛
(( عن أبي سعيد الخدري: إنَّ الدُّنيا خَضِرةٌ حُلْوةٌ ، وإنَّ اللهَ مُستَخلِفُكم فيها، فناظرٌ كيفَ تعملونَ، ألا فاتَّقوا الدُّنيا، واتَّقوا النِّساءَ، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء. ))
الآن ترقص، كلها مباهج، نساء كاسيات عاريات، أماكن جميلة، بيوت فخمة، مركبات فارهة، سفر، ركوب طائرات، فنادق خمس نجوم، ((إِن الدنيا حُلْوةٌ خَضِرَة، وإن الله مُستَخْلِفُكم فيها، فناظرٌ كيف تعملون؟)) أي لا سمح الله ولا قدر الإنسان يتزوج أم يزني؟ يكسب المال الحلال أم المال الحرام؟ يصدق أم يكذب؟ يرحم أم يقسو؟ يُنصف أم يظلِم؟ ((وإن الله مُستَخْلِفُكم فيها، فناظرٌ كيف تعملون؟ فاتَّقُوا الدنيا)) لأنها تضر، وتغر، وتمر، ((فاتَّقُوا الدنيا)) الغرور أن تراها بحجم أكبر من حجمها، أن تراها كل شيء، أن ترى المال كل شيء، أن ترى المرأة كل شيء، أن ترى المنصب كل شيء، ((فاتَّقُوا الدنيا، واتَّقوا النساء)) يوجد سببان كبيران لهلاك الإنسان، المال والنساء، وتسعة أعشار الأحكام الشرعية في ضبط كسب المال وإنفاقه، وفي ضبط علاقتك بالنساء، لأن شهوة المال وشهوة المرأة من أقوى الشهوات التي أودعها الله في الإنسان.
الشهوة حيادية ترقى بالإنسان أو تهوي به:
هناك مرة قلت: إن عالماً كبيراً من علماء القرآن زرته مرة، قال لي: أنا عندي ثمانية وثلاثون حفيداً، ثلاثة عشر طبيباً منهم، رجل صالح، حافظ لكتاب الله، عالم بكتاب الله، قلت: يا رب ما الذي سبّب هذا الحشد الكبير من الأحفاد والأطباء والعلماء؟ علاقة جنسية أساسها، أليس كذلك؟ وبيوت الدعارة فيها علاقة جنسية، انظر الشهوة نفسها ترقى بك إلى أعلى عليين، وتهوي بالإنسان إلى أسفل سافلين، سُلَّم ترقى بها أو دركات تهوي بها، الشهوة حيادية كالوقود السائل في المركبة، إن وُضِع في المستودعات المحكمة، وسال في الأنابيب المحكمة، وانفجر في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب ولّد حركة نافعة، أقلتك أنت وأهلك إلى مكان جميل، يوجد انفجارات بالسيارة، البنزين نفسه صبّه على المركبة، أعطها شرارة تُحرِق المركبة ومن فيها، هذه الشهوة، قوة انفجارية، إما أن توظّف في الخير، يكون لك أحفاد، وأصهار، وبنات، يؤثرون محبتك على كل شيء، وأولاد، وسمعة طيبة، وأسرة راقية، وتربية عالية، وحبّ، وود، ووئام، ومعاونة، ونجدة، وإغاثة، أو يُلقى الإنسان في الطريق في نهاية المطاف.
لا يوجد حلّ وسط، الشهوة قوة دافعة، أو قوة مدمرة، حيادية، وأنت مخير، بالإسلام لا يوجد حرمان، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، أبداً، قال:
((فناظرٌ كيف تعملون)) تغض بصرك عمن لا تحِل لك، وتقول: إني أخاف الله رب العالمين أم تطلق البصر في امرأة لا تحل لك؟
((فاتَّقُوا الدنيا، واتَّقوا النساء، فإنَّ أولَ فِتْنَةِ بني إسرائيل كانت في النساء)) (( عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ قال: ما تركت بعدي فتنة هي أضرّ على الرجال من النساء. ))
خطر الغزو الثقافي على الإسلام والمسلمين:
العالم الغربي كانوا يجبروننا بالقوة المسلحة على أن نفعل ما يريدون، هذا الطريق صعب، مُكْلِف، الآن يجبروننا بالقوة الناعمة-المرأة-على أن نريد ما يريدون.
الآن يوجد غزو ثقافي أيها الإخوة؛ في معظم بيوتات المسلمين ملهى ليلي دون أن يشعر، هذا الجنس يصرف عن الله، وعن الدار الآخرة، وعن القرآن، وعن السنة، وعن العمل الصالح، أكبر غزو ثقافي الآن، أوحى الله إلى نبي من الأنبياء قل لقومك: ما بالكم تسترون ذنوبكم عن خلقي وتظهرونها لي؟ إن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم كافرون، وإن كنتم ترون أني أراكم فلمَ جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ كلام دقيق.
أما تستحي منا ويكفيك ما جــرى؟ أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا؟
من عرف أن الله بصير زيّن باطنه بالمراقبة وظاهره بالمحاسبة:
إذا عرف الإنسان أن الله بصير زيّن باطنه بالمراقبة، وزيّن ظاهره بالمحاسبة، الله معك، أي الإنسان لو قيل له: أنت مراقب، يا لطيف! يضبط كلماته بشكل مذهل، يضبط حركته، بمعنى أي شبهة يبتعد عنها إذا قيل له: أنت مراقب من إنسان، أو خطك مراقب مثلاً، أو حركتك مراقبة، أو حسابك مراقب، فإذا كان الله هو الرقيب.
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾
إن الله يراكم، إن تكلمتم يسمعكم، وإن تحركتم يراكم، وإن أضمرتم شيئاً في أنفسكم يعلمه الله، أحد العلماء قال: من قارب معصية وهو يعلم أن الله يراه فما أجرأه على الله! وما أخسره! وإن ظنّ أن الله لا يعلم فما أكفره! وما أجهله!
كل إنسان يعصي الله مدموغ بالكفر والجهل:
مرة الإمام الغزالي رحمه الله تعالى خاطب نفسه، قال: يا نفس، لو أن طبيباً منعك من أكلة تحبينها، الآن يوجد أكلات تؤذي مرضى القلب لا يأكلها، يحبها كثيراً لكن لا يأكلها، لو أن طبيباً منعك من أكلة تحبينها لا شك أنك تمتنعين، يكون آخذاً بيتاً رابع طابق، خامس طابق، تَعِب فيه كثيراً، يصير معه مشكلة بقلبه يبيع البيت فوراً في اليوم الثاني، هكذا قال الطبيب، هذا البيت العالي لا يناسبك، فوراً يبيعه، لو أن طبيباً منعك من أكلة تحبينها لا شك أنك تمتنعين، دقق الآن، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟ الله منعك عن أشياء، لماذا استجبت لمنع الطبيب ولم تستجيب لمنع الله عز وجل؟ أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟ إذاً ما أكفرك! كلام الإمام الغزالي، فما أكفرك! أيكون وعيد الطبيب أشدّ عندك من وعيد الله؟
أي الطبيب بالنهاية يقول لهم: والله مات، ما اعتنى بصحته، جاءته أزمة قلبية مات، أي أقصى ما عند الطبيب مات، أما عند الله يوجد جهنم إلى أبد الآبدين، أيكون وعيد الطبيب أشدّ عندك من وعيد الله؟ إذاً ما أجهلك! هذا حوار ذاتي مع نفسه، يا نفس لو أن طبيباً منعك من أكلة تحبينها لا شك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟ إذاً ما أكفرك! أيكون وعيد الطبيب أشدّ عندك من وعيد الله؟ إذاً ما أجهلك! كل إنسان يعصي الله مدموغ بالكفر والجهل.
أيها الإخوة؛ في ضوء هذا الفهم الدقيق لمعنى البصير نقول: أي عمل له ظاهر وله باطن، شخص عنده تقريباً مئتا دنم أرض، أرض مشاع، جاء من يهمس في أذنه أنك إذا تبرعت بخمسة دنمات لبناء مسجد تضطر البلدية أن تُنظِّم هذه الأرض، وأن تُقسِّمها إلى محاضر، وبهذا يرتفع ثمنها أضعافاً مضاعفة، راقت له الفكرة، هو لا يصلي إطلاقاً، تبرع بخمسة دنمات أرض، وفعلاً الأرض نُظِّمت، وأصبحت محاضر، وارتفع سعرها أضعافاً مضاعفة، كل البشر يثنون عليه، ما شاء الله محسن كريم! من يعرف الحقيقة؟ لا تخفى عليه خافية، لذلك:
(( عَنْ عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». ))
يوجد أعمال ظاهرة رائعة وراءها نيات خبيثة، وهناك أعمال ظاهرها سيئ، إنسان يضرب يتيماً، شخص سأل النبي صحابي جليل، قال له:
(( إنَّ رجُلاً جاءَ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: إنَّ في حَجْرِي يتيمًا أَفَأَضْرِبُهُ؟ قال: ما كُنْتَ ضارِبًا فيهِ ولدَكَ، قالَ: أَفَآكلُ يعني منْ مالِهِ؟ قالَ: بالمعروفِ غيرَ مُتَأَثِّلٍ مالًا ولا راقٍ مالَكَ بمالِهِ. ))
[ الحسن العرني: البيهقي: السنن الصغير للبيهقي: خلاصة حكم المحدث :مرسل ]
لو كان هذا ابنك ورأيت معه مئة ليرة، هو أخذها من جيب رفيقه، تبقى ساكتاً؟ تؤدبه، ((ما كُنْتَ ضارِبًا فيهِ ولدَكَ)) إنسان يضرب يتيماً، أي عمل صعب، كبير، وإنسان تبرع بأرض لمسجد، ((إِنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إِلى الله ورسوله، فهجرته إِلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إِلى دنيا يُصِيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إِلى ما هاجر إِليه)) يوجد إنسان أحبّ امرأة حباً جماً اسمها أم قيس، فاشترطت عليه كي توافق على الزواج منه أن يهاجر إلى المدينة فهاجر، سمّاه الناس: مهاجر أم قيس، هذا مهاجر أم قيس، يقول لك: أسلَم، قلت له: هو ما أسلَم، أحبّ امرأة مسلمة فقط، أحبّ امرأة مسلمة فأسلم.
الله وحده بصير بحجم عمل كل إنسان:
إذاً كل عمل له ظاهر، وله باطن، له خلفية، له نية، له ملابسات، له ظروف، الله وحده بصير بحجم عملك، بمقدار تضحيتك، بمقدار الصراع النفسي الذي سبق هذا العمل، بصير بكل أبعاده، بكل استحقاقاته، بكل خلفياته، بكل أهدافه، بصير ببواعثه، لذلك المؤمن يسعد كثيراً لأنه الله بصير، يعلم نياتنا، يعلم سلامة صدورنا، يعلم حبنا للخير، يعلم أن هذا الخطأ لا نقصده، يعلم أن هذا الوضع الحرج الذي وقعنا فيه لا نريده، يعلم أن هذه الكلمة التي قلناها لم نكن نقصد مدلولها، لذلك أنت أيها المؤمن حينما تعلم أن الله يعلم، يعلم حقيقة كل شيء، هذا يسعدك أيما سعادة، لا تملك إلا أن تقول: الحمد لله على وجود الله، الله يعلم.
من صحت رؤيته صحّ عمله وسعد ومن فسدت رؤيته فسد عمله وشقي:
أيها الإخوة؛ الآن كل عمل وراءه رؤية، الإنسان لا يشتري حاجة إلا إذا رأى أنها أثمن من سعرها، فلسفة الشراء، إيديولوجية الشراء، والإنسان لا يبيع حاجة إلا إذا ظنّ أن ثمنها أغلى منها، لا الشاري يشتري، ولا البائع يبيع، إلا إذا شعر أنه رابح بهذا العمل، الآن وإن صحت رؤيتك صحّ عملك، الذي يسرق لماذا سرق؟ رأى أن السرقة كسب سريع بجهد قليل، ولم ينتبه للعقاب، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، والذي زنا يرى أن هذا الزنا مغنم كبير، فرصة، إن صحت رؤيتك صحّ عملك، سيدنا يوسف دعته امرأة العزيز فقال: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين فصار سيدنا يوسف، يوجد مئة مليون شاب يقع في مثل هذا الظرف فيراه مغنماً، المشكلة الرؤية ماذا رأيت؟ هناك إنسان يأخذ رشوة يتوهم أنه هو أذكى الناس، جمع مبلغاً كبيراً بجُهد يسير، المؤمن يقول: معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين.
البطولة بالرؤية، إن صحت رؤيتك صحّ عملك، إن صحّ عملك سلِمت وسعدت في الدنيا والآخرة، إن انحرفت رؤيتك فسد عملك، وإن فسد عملك شقيت وهلكت في الدنيا والآخرة.
كل عمل وراءه رؤية صحيحة أو خاطئة:
الفرق الوحيد بين الشقي والسعيد، بين المستقيم والمنحرف، بين المنصف والظالم، بين المحسن والمسيء، بين الشاكر والكافر الرؤية، أي صحة في الرؤية أو خطأ في الرؤية، بل إن علة دخول النار خطأ في الرؤية، النار الآية الكريمة:
﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾
رؤية، عامل تنظيفات طائرة وجد غرفة العجلات كبيرة جداً، فرأى أنه إذا قبع فيها انتقل من بلد إلى بلد بلا موافقات، وبلا أجور، وجد نفسه أذكى إنسان، هكذا رأى، جلس فلما أقلعت الطائرة، وأراد الطيار أن يُعيد العجلات إلى مكانها أنزل أرضية هذه الغرفة فسقط ميتاً، قصة وقعت في إحدى المطارات، ما الذي قتله؟ رؤيته الخاطئة، فقال لي صديق يعمل في برج المطار قال لي: لو أن في الغرفة مكاناً لا ينزل، لكن الحرارة خمسون تحت الصفر، يموت من البرد، لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً.
الظالم والعاصي أغبى إنسان على وجه الأرض:
إخواننا الكرام؛ أنت حينما ترى أن المعصية مُهلكة معنى هذا أنك مؤمن، والدخل الحرام سوف يُدمَّر، الإنسان أحياناً يقترض قرضاً كبيراً يقول لك: هذا غني، لن أعطيه إياه، يظن نفسه شاطراً،
(( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ. ))
الذي هدّم سبعين ألف بيت بغزة هذه السنة الرابعة لم يمت.
﴿ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (13)﴾
ما عرف أن هناك إلهاً يريد أن يحاسبه، أغبى إنسان هو الظالم، أغبى إنسان هو الطاغية، أغبى إنسان هو العاصي.
الله عز وجل منح الإنسان نعمة البصر فعليه أن يستخدمها فيما يرضي الله:
إخواننا الكرام؛ حينما ترى أن المعصية مُهلِكة، وأن الطاعة مغنم كبير، فأنت في نعمة لا تُقدّر بثمن، آلاف مؤلفة، ملايين مملينة، ترى الباطل حقاً، والحق باطلاً، ترى الخير شراً، والشر خيراً، ترى العمل الجميل قُبحاً، والعمل القبيح جميلاً، ملايين مملينة، لذلك قيل: كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم، وأشدُ منه سيكون، قالوا وما أشدّ منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأَشدُّ منه سيكون، قالوا: وما أشدّ منه-دقق هنا-قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكرُ معروفاً؟
أيها الإخوة؛ حينما تشعر أن الله معك، معك في خلوتك، في جلوتك، في سرّك، في علانيتك، مع ذكرك، مع نطقك، في سفرك، في حضرك، هذا الشعور المستمر من نعم الله العظمى:
(( ورد عن عبد الله بن معاوية الغاضري: وزكَّى نفسَه فقال رجلٌ: وما تزكيةُ النفْسِ؟ فقال: أن يعلمَ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ معه حيثُ كان. ))
[ أخرجه أبو داود: خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير عبد الله بن سالم وهو ثقة ]
لذلك أيها الإخوة الكرام؛ من أدبنا مع هذا الاسم البصير الله عز وجل منحنا نعمة البصر، ينبغي أن نستخدم هذه النعمة في النظر في آيات الله الدالة على عظمته، لا في تتبّع عورات الآخرين، هناك أفلام لا ترضي الله، هناك قصص لا ترضي الله، هناك صور لا ترضي الله، هناك تنزّه في الطرقات لا ترضي الله، هناك أن تملأ عينك من الحرام هذا لا يرضي الله، هذه النعمة التي لا تُقدّر بثمن العين احفظها، احفظ الله بها يحفظها لك.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق