وضع داكن
28-09-2022
Logo
رحلة استراليا 3 - المحاضرة : 04 - الدعوة لا تقتصر على الدعاة فقط، كل إنسان يحمل هوية إسلامية فهو داعية - أسئلة وأجوبة.
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

مقدمة :

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الهادي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
 أيها الأخوة، أيتها الأخوات، حياكم الله وبياكم، وجعل الجنة مثواكم وبعد: فإن العلماء ورثة الأنبياء، والعلماء درجات يتفاوتون، فمنهم علماء لم يتعدَ علمهم نطاق مدينتهم، ومنهم علماء لم يتعدَ علمهم نطاق أوطانهم، ومنهم علماء لم يتعدَ علمهم نطاق قارة أو قارتين من هذا العالم، وهناك علماء كبار ملؤوا الدنيا علماً ومعرفة وأدباً وأخلاقاً، وصل علمهم إلى كل بيت، ومتجر، وزاوية، وسيارة، فترسخ في النفوس بعد أن وعته القلوب، علماء أحبهم الناس، كل الناس، لأن كلمتهم تعلق بالأذهان بلا استئذان، تعلق بهم كل طالب علم ومعرفة وهداية.
 ومن هؤلاء عالم أصبح كالدواء العليل يبلسم قلوباً تتطلع نحو الشفاء، ويسقي ظمأى عطاشاً في وسط القفار، كلماته كالنسيم العليل، يهب بعد القيظ، وعباراته هي كسكون البحر بعد هيجانه، ينطبق عليه قول الشاعر:

إن كنت من حسن الطباع مركباً  فأنت لكل العالمين حبيب
* * *

 إنه الداعية الإسلامي الكبير، والعالم الرباني الصادق بإذن الله ضيفنا، ضيف جاليتنا، ضيف أستراليا، فضيلة الداعية الإسلامي الدكتور محمد راتب النابلسي حفظه الله، سنستضيفه في هذه الأمسية المباركة لنتحدث معه حديثاً من القلب إلى القلب ليرد على أسئلتنا مشكوراً جزاه الله خيراً.
 باسمكم نرحب به معنا في استديو إذاعة الصوت الإسلامي، فضيلة الشيخ حللت أهلاً ونزلت سهلاً، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الدكتور راتب:
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اللهم اجعلني أهلاً لهذا المديح، قد لا أستحقه والله أستغفر الله.
الأستاذ إبراهيم:
 سيدي الكريم سنخصص هذه الحلقة لنتحدث عن مواضيع دعوية، هناك في أستراليا دعاة، وفي العالم دعاة، وقبل أن نتعرض ونتطرق إلى هذا الموضوع يسألون كثيراً، الناس تسأل كثيراً، كيف بدأتم الدعوة؟ متى؟ وأين؟ ولماذا؟.

آيات الله بمجملها طرق سالكة إليه :

الدكتور راتب:
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 أستاذ إبراهيم، جزاك الله خيراً، هناك آيات كونية، وهناك آيات تكوينية، وهناك آيات قرآنية، الآيات الكونية خلقه، والآيات التكوينية أفعاله، والآيات القرآنية كلامه، وهذه الآيات بمجملها الكونية، والتكوينية، والقولية، طرق سالكة إليه، فمن الآيات القرآنية قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت]

 هذه الآية تؤكد - وهي كلام الله - أنه ما من إنسان على وجه الأرض أفضل عند الله ممن دعا إليه، ممن أنقذ النفوس الضالة، ممن أخذ بيد الإنسان الشقي إلى بر الأمان والسعادة، ممن وضح للناس الحقائق، ممن أعان الناس على تقويم أنفسهم، فالنبي الكريم هو الداعية الأول.

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 45]

 لكن الدعاة فيما بعده يتفاوتون، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون الداعية الذي نتطلع إليه في أي مكان داعياً ربانياً.

الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم :

 على كلٍّ الدعوة إلى الله لا كما يتوهم الناس من اختصاص العلماء، أول نقطة خطيرة الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، الدليل الآية الكريمة:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ﴾

 هذه أول آية، الآن:

 

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف الآية: 108]

 فالذي لا يدعو إلى الله ليس متبعاً لرسول الله،

﴿ أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

 والآية الكريمة:

 

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 31]

 إذاً الدعوة إلى الله يمكن أن تقسم إلى قسمين، دعوة هي فرض عين، ودعوة هي فرض كفاية، والفرق كبير، فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، فرض الكفاية يحتاج إلى إنسان متفرغ، ومتبحر، ومتعمق، احترافه الدعوة إلى الله، اختصاصه يرد على كل تساؤل يزيل كل اشتباه، هذه الدعوة كفرض كفاية، أما أي مسلم على وجه الأرض فيجب أن يكون داعية في حدود ما يعلم ومع من يعرف بالضبط، يؤكد هذا المعنى قول النبي الكريم:

((بلِّغُوا عني ولو آية))

[أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 لذلك لابد لأي مسلم كائناً من كان من أن يكون داعية إلى الله، في حدود ما يعلم، أي حضر خطبة جمعة، استمع إلى تفسير آية تأثر بها، نقلها إلى إخوانه، إلى أصدقائه، إلى شركائه في العمل، رفقائه في السهر، في السمر، في النزهة، نقل هذه المعاني إليه، هو داعية، هذه الدعوة فرض عين، على كل مسلم شاء أم أبى.

((بلِّغُوا عني ولو آية ))

 والآية الدقيقة جداً فيما يؤكد هذا المعنى قول الله عز وجل:

 

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

[ سورة العصر]

الدعوة إلى الله لا تعني الدعاة إلى الله وحدهم بل تعني كل مسلم :

 أركان النجاة أربعة.

﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر]

 فالتواصي بالحق هو الدعوة إلى الله، أحد أركان النجاة، فالمسلم العادي يقول: ليس لي علاقة، أنا لست داعية، من قال لك كذلك؟ أنت سمعت تفسير آية فقط بخطبة جمعة، تفسير حديث، قرأت عن صحابي جليل كلمة رائعة، هذا الذي فهمته من كتاب الله، ومن سنة نبيه، أو من سيرة أصحابه، يجب أن تنقله لمن حولك.
 لو أن المسلمين طبقوا هذا التوجيه الإلهي لكنا في حال آخر غير هذا الحال، إذاً أريد أن أنزع من أخوتي المستمعين أن الداعية إلى الله إنسان آخر، أنت داعية، ألم تقرأ كتاباً تأثرت به؟ ألم تتطلع على سيرة صحابي تفاعلت معها؟ ألم تستمع من خطيب المسجد إلى آية قرآنية شرحت شرحاً رائعاً؟ أنت مكلف ما عليك فقط، فيما انتهى إليك من علم، أن تنقل هذا إلى الناس.
 إذاً الدعوة إلى الله لا تعني الدعاة إلى الله وحدهم، تعني كل مسلم، لأن الإنسان حينما يأخذ بيد أخيه يشكر نعمة الهدى، الله عز وجل أكرمنا بالهدى، تمام شكر هذه النعمة نقلها إلى الآخرين، هذه نقطة دقيقة جداً أن الدعوة فرض عين.
 أما فرض الكفاية فهناك تبحر، و هناك تعمق، و هناك دراسة متينة، و هناك تمضية أوقات طويلة في فهم كلام الله، فهم سنة النبي الكريم، هؤلاء قمم، وهؤلاء أعلام، الله عز وجل سمح لهم أن يتكلموا عنه لخدمة الخلق، فهذا دليل على أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، في حدود ما يعلم ومع من يعرف، أما فرض الكفاية فموضوع آخر يحتاج إلى تفرغ، إلى تبحر، إلى تعمق، إلى تبصر، هؤلاء يكونون أعلام الأمة، الله عز وجل يصطفيهم في كل زمان كما يقول بعض العارفين: لكل عصر واحد يسمو به.
 هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً لدى الأخوة الكرام.
الأستاذ إبراهيم:
 فضيلة الشيخ ما هي برأيكم العقبات التي تواجه الداعية المسلم في هذا الزمان؟.

من صدق أنه خلق للجنة طبق منهج الله :

الدكتور راتب:
 والله الداعية إلى الله يجب أن يتمتع بصفات كثيرة، منها العلم، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً.
 بالمناسبة- أستاذ إبراهيم جزاك الله خيراً- حينما يكون المؤمن، أو إذا قلنا: فلان كتبنا قبل اسمه د. فقط، اسمه على بطاقته، د. يعني دكتور، أي معه ابتدائية، إعدادية، ثانوية، لسانس، دبلوم عامة، دبلوم خاصة، ماجستير، دكتور، أي ثماني شهادات تعني كلمة دال، أنا أقيس على هذه الحقيقة كلمة مؤمن أي عرف الله عز وجل، عرف منهجه، عرف الطريق إليه، تحرك في الهدف الذي خُلق له، عمّ خيره للآخرين، فالمؤمن إنسان شخصيته فذة، تتمتع بشخصية علمية، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه، المؤمن يتمتع بصفة أخلاقية، أي مستحيل وألف ألف مستحيل أن يكذب المؤمن، أن يحتال، أن يأخذ ما ليس له، أن يتطلع إلى ما عند الآخرين، هذه الصفات تتناقض مع الإيمان، الحد الأدنى بالإيمان أنه عرف الله فانضبط بمنهج، لذلك كيف قسم أهل الأرض الناس؟ قسموهم إلى ملل، ونحل، واتجاهات، وتيارات، وطوائف، وأديان، ومذاهب، إلا أن الله سبحانه وتعالى قسم عباده جميعاً إلى قسمين، قال:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل]

 هو في الأساس صدق أنه مخلوق للجنة.

 

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

[ سورة يونس الآية: 26]

 فالحسنى هي الجنة، فهذا الإنسان الذي صدق أنه خلق للجنة، وليس للدنيا، فبناء على هذا التصديق اتقى أن يعصي الله، طبق منهجه، ومن أجل هذا دفع ثمن الجنة، تقرب إلى الله بالعمل الصالح،

﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

  صدق بالحسنى، صدق أنه مخلوق للجنة، اتقى أن يعصيه، استقام أعطى بدأ بالعمل الصالح.

سلاح المؤمن كماله وصدقه وأمانته واستقامته :

 لذلك يقع على رأس الهرم البشري زمرتان، الأقوياء والأنبياء، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، وشتان بين أن تملك رقبة الإنسان وبين أن تملك قلبه، الأقوياء عاش الناس لهم، أما الأنبياء فعاشوا للناس، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، الأنبياء يمدحون في غيبتهم، الأقوياء ملكوا الرقاب، الأنبياء ملكوا القلوب، وما من إنسان على وجه الأرض إلا تبع لقوي أو نبي، اللهم اجعلنا من أتباع الأنبياء، لأن النبوة قمة الكمال البشري، والذين على منهج الأنبياء هذا شيء من الكمال.
 لذلك سلاح المؤمن كماله، سلاح المؤمن صدقه، أمانته، عفته، استقامته، ورعه، هذه الاستقامة، فلذلك نحن بحاجة إلى مفهوم تطبيقي، لا إلى أفكار نظرية، القضية النظرية في الدين لا تقدم ولا تؤخر، يقول لك: عنده خلفية إيمانية، عنده أرضية إسلامية، عنده تصورات إسلامية، عنده اهتمامات إسلامية، عنده ثقافة إسلامية، عنده توجهات إسلامية، نريد إسلاماً حقيقياً، نريد إسلاماً مطبقاً.
 قيل: إن الكون قرآن صامت، وقيل: إن النبي الكريم قرآن يمشي، وقيل: إن القرآن كون ناطق، القرآن كون ناطق، والكون قرآن صامت، أما النبي فقرآن يمشي، نحن الآن بحاجة إلى مؤمن يمشي أمامنا، يعيش عصرنا، يعيش الضغوط، يعيش الصوارف، يعيش العقبات، هناك ضغوط، وصوارف، وعقبات، فهذا الذي يعيش الضغوط والصوارف والعقبات ويعيش معنا وقد انتصر على نفسه وضبط منهجه هو إنسان مؤمن.
 فلذلك الله عز وجل قسم عباده إلى قسمين:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 صدق أنه مخلوق للجنة، فاتقى أن يعصي الله، بنى حياته على العطاء.
 مرة قرأت كتاباً للنبي الكريم، عن سيرته، مؤلف الكتاب قدم الكتاب للنبي، فقال: يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله، ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع، فكنت واحداً بين الجميع، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك.

السلامة و السعادة :

 الإنسان إذا كان تابعاً لنبي لابد من أن يستقيم على أمر الله أولاً، وأن يتقرب إليه بالعمل الصالح، عندئذٍ يسلم ويسعد، هناك حاجات نحن الآن بأحدث إحصاء سبعة مليارات إنسان، أنا أؤكد لك وأعني ما أقول ما من سبعة مليارات إنسان على سطح الأرض بالخمس قارات إلا عندهم حاجتان أساسيتان، حاجة إلى السلامة، وحاجة إلى السعادة، من منَ البشر يحب أن يكون فقيراً أو مريضاً أو معاقاً أو عنده مشكلة بأولاده أو بزوجته؟ يحب السلامة، ويحب السعادة، أن يكون المال وفيراً، والزوجة جميلة، والأولاد أبراراً...إلخ.
 الاستقامة تفضي إلى السعادة
هذه حاجة أساسية، والحقيقة الدقيقة أنه لا تحقق هذه الحاجات الأساسية إلا بتطبيق منهج الله عز وجل، فنحن بحاجة إلى السلامة، و بحاجة إلى السعادة، لكن هناك حاجة ثالثة، قد تبدو غريبة، حاجة إلى الاستمرار، الإنسان فُطر على حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده، السلامة بالاستقامة، والسعادة بالعمل الصالح، والاستمرار بتربية الأولاد، إذا ربينا أولادنا تربية صالحة، فكانوا قرة عين لنا، وكانوا كما نتمنى.
 كنت مرة بأمريكا قلت لهم - القصة قديمة جداً من عشرين سنة- لو بلغت منصباً ككلينتون، وثروة كأوناسيس، وعلماً كأينشتاين، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس.
 بر الأبناء
والله أنا أخاطب الأخوة الكرام، في هذا البلد الطيب الأخوة الجالية الإسلامية، وأقول لهم: ما لم يكن أولادكم أبراراً كما تتمنون فالمشكلة كبيرة جداً، تكاد تكون أكبر مشكلة في المهجر أن الأب لا يتمنى أن يكون ابنه هكذا، قد ينعتق الابن من ثقافة الأمة، من أهداف الأمة، من حضارة الأمة، من قيم الأمة، من مبادئ الأمة، وهذه مشكلة كبيرة جداً يعاني منها الأخوة الكرام في المهاجر جميعها.
الأستاذ إبراهيم:
 سيدي الكريم، أنتم جبتم الدنيا شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، واطلعتم على أحوال المسلمين، كيف ترى حال الدعوة في هذه الأيام؟ هل أنتم مسرورون من حال الدعوة؟.

الدعوة إلى الله في هذه الأيام تثلج الصدر :

الدكتور راتب:
 والله الشيء الذي يثلج الصدر أنه قام دعاة كبار في هذه البلاد واستطاعوا أن يخاطبوا الجاليات الإسلامية باللغة التي يفهمونها، أنا أحياناً حينما آتي إلى بلد، هناك معطيات، هناك ظروف، هناك ملابسات، هناك مداخلات، أنا لا أعرفها، أما إذا كان هناك عالماً مقيماً في بلد وهو على إخلاص عال جداً، يضع يده على الجراح، ويضع حلولاًً للمشكلات، نحن حينما نعيش عمراً معيناً، لكنّ قد غفلنا عن الحياة الأبدية، لا أحد يدرك قيمة الأبد، للتقريب: واحد هنا، ثلاثة أصفار أمامه ألف، ثلاثة ثانية مليون، ثلاثة ثالثة ألف مليون، ثلاثة رابعة مليون مليون، من عندي إلى القطب، من الأرض إلى الشمس، واحد بالأرض وأصفار إلى الشمس، مئة و ستة و خمسون مليون كيلومتر أصفاراً وكل ميلي صفراً، ما هذا الرقم؟! هذا الرقم إذا وضع في كسر عشري، صورة ومخرج، والمخرج لا نهاية، القيمة صفر.
 الدنيا عند الله لا تعدل جناح بعوضة.

((ولو كانت الدنيا تَعْدِلُ عند الله جَناح بعوضة ما سَقَى كافراً منها شَربة ماءٍ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله]

 تنتهي بالموت، الموت ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وغنى الغني، وفقر الفقير، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم، وذكاء الذكي، وغباء الغبي، الموت ينهي كل شيء، ولا يليق بكرم الله وعظمته أن يكون عطاؤه ينتهي عند الموت، لكن عطاء الله عطاء سرمدي إلى أبد الآبدين.

 

الذكاء والبطولة والعقل أن نعد للساعة التي لابد منها :

 بصراحة: إذا كان هناك خطاً بيانياً، المؤمن خطه صاعد صعوداً مستمراً إلى ما شاء الله، والموت نقطة على هذا الخط الصاعد، بينما غير المؤمن قد يكون الصعود حاداً، أما السقوط فمريع، الموت ينهي كل شيء، الذي يموت ماذا يأخذ معه إلى القبر؟ يأخذ عمله الصالح فقط.
 أحياناً يموت شخص من أغنياء البلد، تلاحظ من اشترى هذه الثريات الرائعة بمئات الألوف كل واحدة؟ المرحوم اشتراها، من اختار بلاط البيت؟ من اختار هذا الطلاء الرائع؟ من اختار هذا الحبصين التزييني؟ من اختار الأثاث الغالي؟ من؟ المرحوم، أين هو المرحوم؟ تحت الأرض.
 فالذكاء والبطولة والعقل أن نعد لهذه الساعة، والله مرة شيعت أحد الأخوة الكرام، لما وضع في قبره، ووضعت البلاطة فوق القبر، ثم أُهيل التراب عليه، وانصرف الناس إلى بيوتهم، والله الذي لا إله إلا هو ما رأيت على وجه الأرض إنساناً أعقل ولا أذكى ممن يعمل لهذه الساعة.
 رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك
لذلك ورد في بعض الآثار أن الميت حينما يوضع في القبر ينادى:

(( أن عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت))

 فأنا أقول: منتهى العقل، منتهى الذكاء، منتهى الحكمة، منتهى الحصافة، منتهى حب الذات، لا تحب أحداً، أحب نفسك، اعمل لهذه الساعة التي لابد منها، الإنسان أحياناً يتجاهل الموت، أو يعيش لحظته، وهذا أخطر شيء عند الناس، يعيش لحظته، صحته طيبة، دخله جيد، يستمتع بالحياة، أما ما بعد هذه اللحظة متى يموت؟ بحادث سير، موت طبيعي، بمرض عضال عن طريق القلب، عن طريق الأعصاب، شلل مثلاً، يموت ببلده، ببلد آخر، بالطريق، بالطيارة، بالبحر، لا أعرف أين؟ ماذا أعددنا لهذه الساعة؟ لذلك:

 

كل مخــلوق يـمـوت ولا يبقــى  إلا ذو الــعزة والــــجبـروت
***
والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر  والعمر مهما طال فلا بد نزول القبر
***
وكل ابن أنثى وإن طـالت سلامته يوماً  علـى آلــة حدبـاء مـحمـولُ
فإذا حملــت إلــى القبـور جنـازة  فاعلـم بأنـك بعــدها مـحمـولُ
***

 

بطولة الإنسان أن يفكر بمصيره :

 الإنسان يطلق من حبه لذاته مبدئياً، من حبه لذاته، بكلمة أخرى قد لا ترضي بعضهم ينطلق من أنانيته، إذا انطلق من أنانيته، أو من حبه لذاته يستقيم، من أجل سلامته وسعادته، هذه القضية يسمونها مصيرية.
 الإنسان أحياناً يذهب إلى نزهة الأكل لا يعجبه فينزعج، لكن هذا ليوم واحد و انتهى، عندما يختار حرفة لا تعجبه، كل يوم عنده الحرفة نفسها، هناك فرق أن تختار مطعماً سيئاً لمرة واحدة، أو تختار حرفة سيئة، هذه قضية مصيرية، كل يوم، كل يوم، كل يوم، فإذا الإنسان فكر تفكيراً عميقاً فهذا شيء مصيري.
 النجاة قد تكون في لحظة تفكير
مرة قصة لا أنساها، أحد أكبر كبار المشركين جاء ليحارب النبي الكريم هو جالس يخاطب نفسه، لماذا جئت إلى هنا؟ من أجل أن تحارب هذا الرجل؟ ماذا فعل؟ هل سفك دماً؟ هل انتهك عرضاً؟ هل اغتصب مالاً؟ أين عقلك يا نعيم؟ كان زعيم غطفان، مشرك كبير، بالخيمة قُبيل المعركة، أين عقلك يا نعيم؟ لحظة تفكير لدقائق، لماذا جئت إلى هنا؟ لماذا تحب أن تحارب هذا الإنسان؟ من هو؟ ماذا فعل؟ هل أكل مالاً؟ هل انتهك عرضاً؟ هل سفك دماً؟ أين عقلك يا نعيم؟ فانطلق من معسكره إلى معسكر المسلمين، ودخل على النبي الكريم، قال له: نعيم؟ قال: نعيم، قال له: ما الذي جاء بك إلينا؟ قال: جئت مسلماً.
 وتروي الروايات الصحيحة: أن الانتصار في الخندق كان على يد نعيم بن مسعود التقى مع اليهود تكلم كلاماً، ومع الكفار تكلم كلاماً، وقعت البغضاء بينهم، فانصرفوا مهزومين.
 فالإنسان لحظة تفكير واحدة، أنا أعيش مثلاً ببلد مريح، يا ترى ألا يوجد موت؟ طبعاً هناك موت.
 مرة كنت بأمريكا، الحقيقة هناك مظاهر حضارة، ومظاهر رقي، مظاهر نعيم وترف تفوق حدّ الخيال، قلت لهم سؤال المتعجب: تموتون أنتم؟ قالوا: طبعاً، قلت: مثلنا مثلكم؟ ما دام هناك موتاً فكلنا مثل بعضنا.
فالإنسان بطولته أن يفكر بمصيره، هذا المصير، نحن نعيش كم سنة؟ المصير أبدي.
الأستاذ إبراهيم:
 فضيلة الدكتور، في هذا الرد نريد إجابات حضرتك أن تكون شاملة شمولية جميلة رائعة، هذا السؤال نريد أن يكون فيه كثير من الدقة، ما هو دور المهاجر المسلم في بلد غير إسلامي؟.

دور المهاجر المسلم في بلد غير إسلامي :

الدكتور راتب:
 والله أنا لي رأي بهذا الموضوع دقيق، له دوران؛ الدور الأول باستقامته، وورعه، وصدقه، وأمانته، وتربية أولاده، وانضباطه، يقدم أجمل نموذج للمجتمع الغربي، هذا هو الإسلام، أقسم لك بالله لو أن المسلمين في البلاد العالمية، لو أن الجاليات الإسلامية في العالم، طبقوا دينهم مئة بالمئة لكان موقف الغرب من الدين غير هذا الموقف، والله لو أن الجاليات الإسلامية فقط طبقوا دينهم تماماً، وأقاموا أمر ربهم، لكان موقف الغرب غير هذا الموقف، لذلك مع الأسف الشديد الخطأ يأتي من المسلم أحياناً، الاحتيال يأتي من المسلم أحياناً، فهذه مشكلة كبيرة.
 هناك نقطة دقيقة قليلاً: والآية دقيقة جداً، الآية تقول:

﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

[ سورة الممتحنة الآية: 5]

 الإنسان لم يكن مسلماً، ولم يعبأ بهذا الدين، وكفر به، التقى مع مؤمن يكذب، يقول: أنا على صواب، أنت أقنعته بدينه، المسلم إذا كذب أقنع غير المسلم بدينه، وجد احتيالاً، وجد مصدقة غير صحيحة، مزورة، وجد مبالغة بساعات العمل غير صحيحة، فغير المسلم عندما يرى انحرافاً من مسلم يعتقد بصواب دينه، فهذا المسلم المقصر فتن الناس في دينهم.
 مرة زرت بلداً أوربياً بألمانيا، وجدت أكثر أفراد الجالية يؤدون تصريحات كاذبة بأنهم لا يعملون، فيتقاضون رواتب مقابل بطالتهم، والذين يعطونهم هذه التعويضات يعلمون علم اليقين أن لهم أعمالاً سوداء، أي تهريبات.
 كيف هذا الإنسان الألماني يحترم المسلم إذا قدم تصريحاً كاذباً وهو يعمل ويتقاضى دخلين؟ والأغرب من ذلك قد يكون هناك طلاقاً صورياً من أجل تعويضات، أنا أقول: هذا بحق الدين مجرم، لأنه أسقط قيمة الإسلام في نظر الغرب، فهذا الذي يرى المسلم يكذب، يقدم تصريحاً مزوراً، يقدم كلاماً غير صحيح، لا يؤدي واجبه تماماً، فاعتبر دينه هو الصحيح، فنحن أقنعناه أن يفتتن بدينه،

﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

 المؤمن يجب أن يكون قدوة
فالمؤمن يجب أن يكون دقيقاً جداً، والمؤمن قدوة، فأنا أقول: أي إنسان مهاجر، ببلده إذا أساء يقال: فلان أساء ببلده، أما هنا إذا أساء فيقال: الإسلام غلط، كلام دقيق في بلده إذا أساء يشار إليه بالإساءة فقط، باسمه، أما في بلد الغرب فهذا مسلم، معنى هذا أن الإسلام غلط، الإسلام ما هذبهم، ما رباهم، ما ارتقى بهم، كأن الذنب يتضاعف أضعافاً مضاعفة.
الأستاذ إبراهيم:
 في حديثكم تفضلتم وقلتم: إن خسارة الإنسان بابنه أو بأولاده هي أكبر الخسارة، وإذا خسر الإنسان ابنه كأنه خسر كل شيء، ما هي نصيحتكم للآباء وللأمهات في أستراليا؟.

التقييم الموضوعي أساس في الحياة :

الدكتور راتب:
 أريد أن ابدأ بمقدمة بسيطة: نحن كل أمورنا قديماً كانت وصفية، مثلاً يقول لك: هناك ضجيج، بيت على الطريق العام، وبطريق صاعدة، هناك ضجيج شديد، يقال: هذا ضجيج، لكن صار هناك شيئاً اسمه مقاييس معيارية، صار للضجيج مقياس معياري هو الديسبل يقول: هبوط الطائرة مئة و أربعون ديسبل.
الأستاذ إبراهيم:
 أرجوك دكتور مقاطعة صغيرة، الأخوة يتصلون ويريدون أسئلة فأنا أقول للأخوة والأخوات من يرغب بتوجيه سؤال لفضيلة الدكتور الاتصال على الهاتف، ونحن نكتب هذا السؤال ويوجه إلى فضيلته، مكتوباً ويقرأ مكتوباً، أو على الفيسبوك، الذي يحب أن يبعث لنا على الفيسبوك، إن شاء الله.
الدكتور راتب:
 عندما أنت تقول: أنا مسلم أنت صرت تحت الضوء، فالمسلم ببلده إذا أخطاء يشار إليه بالخطأ، له بالذات، إذا أخطأ ببلد آخر، يشار للإسلام بالخطأ، وليس له، هذه نقطة مهمة جداً، كما أن المسلم إذا طبق إسلامه يرتقي عند الله إلى أعلى الدرجات
بالعمل ترقى الأمم
ما الذي يقنع الغرب بالإسلام؟ المسلم مستقيم، المسلم طاهر، المسلم صادق، المسلم أمين، المسلم عفيف، المسلم معطاء، المسلم يعمل بجد، بنشاط، طبعاً الغرب لا يؤخذ بالكلام، بالمناسبة، بقدر ما عندك فلسفة، بقدر ما عندك أفكار رائعة، وتحقيقات، وأدلة، وبراهين، وأبيات شعر، وآيات، وأحاديث، هو يرى العمل، وهذا الشيء الواضح.
 فأنا حينما أقيّم الإنسان من عمله فقط يكون تقييمي صحيحاً، وما لم يكن التقييم موضوعياً لا انتمائياً، الكلمة دقيقة جداً، أي إنسان، أو أي مجتمع، أو أي دولة، أو أي أمة، يقيمّون أفرادها بانتمائهم إلى طبقة معينة، إلى طائفة معينة، انتهت عند الله، ما لم يكن التقييم موضوعياً وفق الاستقامة العمل، لا ننجح في هذه الحياة، فالتقييم الموضوعي أساس.
الأستاذ إبراهيم:
 أي الآباء والأمهات هذا دورهم؟

العناية بالأولاد أهم شيء في حياة كل إنسان و خاصة من عاش ببلد أجنبي :

الدكتور راتب:
 نعم، صار هناك معياراً لوحدات الضجيج، يقول: هذه مئة و أربعون ديسبل إذا صح أن هناك معيار أو وحدات للتربية، إذا كان الأخ الكريم المقيم ببلده بحاجة إلى ألف وحدة تربية لأولاده هم بحاجة إلى مليون، هنا يوجد صوارف وعقبات.
الأستاذ إبراهيم:
 في درس من دروسكم استمعنا إليه قلت: إن من خسر ابن ابن ابن ابنه فعليه أن يغادر البلد، لا يجوز أن يقيم.
الدكتور راتب:
 هذا مؤتمر المايا في لوس أنجلوس، حضرته عدة مرات، قال أحد العلماء- الدكتور القرضاوي-: إن لم تضمن أن يكون ابن ابن ابنك مسلماً لا يجوز أن تبقى في هذه البلاد، فأنا عدت إلى بلدي الشام، عقد مؤتمر طبي حضره أخواننا في ديترويت، جاء مئة طبيب إلى دمشق عقدوا مؤتمراً، أحدهم زوج ابنته في الشام، دعاني إلى عقد قران، ألقيت كلمة أمام المئة طبيب من أصل سوري مقيمون في ديترويت، ذكرت هذه المقولة للقرضاوي: إن لم تضمن أن يكون ابن ابن ابنك مسلماً لا يجوز أن تبقى في هذه البلاد، والله الذي لا إله إلا هو خرج بعض الأطباء وقابلني بعد انتهاء الحفل، قال لي: ابن ابن ابني؟ قلت له: نعم هكذا قال، قال: أنا ابني غير مسلم، وبكى، قال: أنا ابني غير مسلم.
فقبل أن يتخذ الإنسان قراراً يجب أن يرى مصير أولاده، مصير زوجته.
الأستاذ إبراهيم:
 هل كلمة لا يجوز تعني أن عليه أن يغادر البلد، وإذا كان أمامه يراه كأنه يرى المستقبل؟.

من أهمل أولاده فقد خسرهما :

الدكتور راتب:
 إذا رجع إلى بلده ولم يهتم بأولاده مثل هنا، لم نستفد شيئاً، العبرة أن يهتم بأولاده، أنا هنا أعرف عدداً قليلاً وليس كثيراً يهتمون بأولادهم، إذا كان هناك متابعة دقيقة جداً، وتوجيه صحيح، وعناية باللغة العربية، وعناية بالدين، بالصلاة، فهذا وضع جيد جداً، أما إذا أهمل فمشكلة كبيرة، إذا أهمل خسر أولاده.
الأستاذ إبراهيم:
 دكتور، لكم سلسلة مترابطة حول تربية الأولاد.
الدكتور راتب:
 أربع وستون حلقة.
الأستاذ إبراهيم:
 نعم الحديث عنها في هذه الجلسة ضيق، ولكن خلاصة الحديث اليوم أن هناك مدارس إسلامية في أستراليا كثير من الأهالي، والآباء، والأمهات، يضعون أولادهم في هذه المدارس، ويعتقدون أن هذه المدارس كفيلة بتعليم الأولاد وسقط الإثم عنهم، هل هذا صحيح؟.

ما من جهة في الأرض يمكن أن تحل محل الأب في مسؤوليته تجاه الله :

الدكتور راتب:
 أنا قناعتي ما من جهة في الأرض يمكن أن تحل محل الأب في مسؤوليته تجاه الله عز وجل، يحتاج متابعة، الأب مهمته المتابعة.
 أنا مرة زرت مكاناً للأيتام فيه عناية تفوق حدّ الخيال، أنا قلت بنفسي: لو أن هذا الابن عند أبيه أفضل له من كل هذا الترف، الأب إنسان آخر، الأب ابنه امتداده، لأن سعادته بسلامة ابنه، فالأب عندما يتنحى عن التربية هناك مشكلة كبيرة جداً، بقدر ما نبالغ برفاه الأيتام لا شيء يحل محل الأب.
الأستاذ إبراهيم:
 دكتور كثير من العلماء، قالوا: إن الطلاق - طلاق الأبوين- يسبب مشاكل كثيرة للأبناء والأطفال في أستراليا كما في باقي المغتربات هناك كثيرً جداً من حالات الطلاق، أو إن شئت الطلاق أصبح شيئاً عادياً جداً بالنسبة للمسلمين، أريد تسليط الأضواء على أهمية هذا الطلاق بالنسبة للطفل؟ ما هي أضرار الطلاق؟ وكيف ينعكس هذا على الأولاد؟

أثر الطلاق في حياة الأطفال :

الدكتور راتب:
 أنا أقول لأخواني دائماً بالشام: أنت حينما تتزوج وتنجب يجب أن تضع حظك من الدنيا تحت قدمك، وإلا أنت في حق أولادك مجرم، تصور إنساناً أمه مطلقة، وأبوه ترك أمه، هذه أمه وهذا أبوه
الطلاق يضيع الأبناء
يتمزق الطفل، والحقيقة أنه أحد أسباب انحراف الأولاد هي المشكلات العائلية بين الأبوين، فالإنسان عندما يتزوج وينجب يجب أن ينهي حظوظه من هذا الزواج، صار أباً، معه رسالة، الإنسان عندما ينجب ولداً صالحاً، حالة السعادة التي تصيب الأب صعب تتصورها:

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾

[ سورة الفرقان الآية: 74]

 أنت انظر أب ربى أولاده، وأولاده صالحون، يشعر براحة نفسية تفوق حدّ الخيال، وبالمقابل أنا عاينته بشكل دقيق، فالأب عندما يكون ناجحاً بحياته جداً، و أولاده انحرفوا يكون أشقى الناس، فأنا أدعو الأخوة المؤمنين إلى أن يحرصوا على سلامتهم وسعادتهم من تربيتهم لأولادهم.
الأستاذ إبراهيم:
 كانت هذه نصيحة فضيلتكم للآباء والأمهات، هناك شباب يستمعون، ما هي نصيحتكم للشباب والشابات في زمن كثر فيه الوشم والحلق والفساد والانترنيت وغيره؟

إقناع الشباب و تأمين متطلباتهم أهم عمل نقوم به :

الدكتور راتب:
 والله الحقيقة لا يوجد طريقة للشباب إلا الإقناع، الشاب أمام تفلتين، أنا أقول: إن الشاب يحتاج إلى حرفة، إلى فرصة عمل، العمل يملأ فراغه، يحتاج إلى بيت يسكنه، إلى زوجة يقترن بها، الآن ممكن أن يتفرغ لمعرفة الله، يريد فرصة عمل، يحتاج إلى زوجة رفيقة حياته، إلى مأوى يسكن به، وعندما يرى الطرق مسدودة أمام حياته، عنده تطرفان؛ تطرف تشددي وتطرف تفلتي، التشددي التكفير والتفجير، والتفلتي الإباحية.
 فنحن نعاني من مشكلتين كبيرتين، والحقيقة قوام الأمة بشبابها، فما لم نهتم بأولادنا بتأمين فرص عمل، بتأمين زواج مبكر، بتأمين مأوى وسكن شبابي، هذه قضايا مصيرية للأمة، فإذا كانت الطبقة الفاعلة في الأمة هي الشباب، الطبقة التي ممكن أن تسهم في تطوير الأمة معاقة إعاقة مالية، واجتماعية، ونفسية، فالأمة انتهت، فالأب عندما يفكر أن يؤمن عملاً لأولاده، وبيوت لأولاده، وفرص عمل لأولاده، يكون قد قطع نصف الطريق إلى الله معهم.
 أنا أشعر أننا كلنا في الشام، أو ببلاد المسلمين وليس بالشام بالذات، الأب همه الأول زواج أولاده.
 مرة إنسان ذهب إلى فرنسا، فرأى إنساناً واقفاً على نهر السن، فسأله عن حاله، قال له: أنا أتمنى قتل أبي، قال له: لِمَ؟ قال له: أحب فتاةً فأخذها مني.
 أنا خطر في بالي إنسان في الشرق الأوسط همه الأول تزويج أولاده، يبيع بيته في دمشق ويشتري خمسة بيوت لأولاده خارج دمشق بالريف، يتخلى عن سكناه بالعاصمة وفيها كل شيء حتى يؤمن أولاده، فالبطولة لا بالمظاهر، البطولة بالمخبر، فلما يهتم الأب بأولاده، يفكر بزواجهم، بفرص عمل لهم، بإيمانهم يكون قد أدى رسالة.
 أنا أقول أحياناً: تأتي امرأة صالحة، عندها بنات تربيهم تربية صالحة، تزوجهم من شباب مؤمنين، تضع رأسها وتموت إلى الجنة فوراً، مع أنها لم تتكلم كلمة بالدين، ببيتها قاعدة لكنها ربت بناتها تربية صالحة، تربية على الحشمة، على العفاف، والاستقامة، والتدين، واختارت لهم أزواجاً صالحين، وزوجتهم، ووضعت رأسها وماتت، للجنة، الله عمل طرقاً للجنة؛ من البيت، من الطريق، من الحرفة، من العمل، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.
الأستاذ إبراهيم:
 دكتور زرت أستراليا أنت للمرة الرابعة اليوم، يمكن هذه رابع مرة تزورن بها أستراليا، لكن أرجوك ألا تسخر من هذا السؤال، ما هي الأشياء الموجودة في أستراليا ولا توجد في بلادنا أو العكس؟.

أشياء موجودة في أستراليا و لا توجد في بلاد الشرق :

الدكتور راتب:
 والله لا شك أن موضوع الأولاد أهم موضوع، بشكل عام، ببلادنا بالشرق الأوسط الابن نشأ بأسرة محافظة، عمه محافظ، خاله محافظ، أينما ذهب هناك حفاظ، فيه بقية قيم، أما من عاش في بلاد الغرب إذا ذهب إلى المدرسة وجد الفاحشة سهلة جداً، لا يوجد عليه محاسبة إطلاقاً، الفاحشة الكبيرة سهلة، لا يوجد إشكال إطلاقاً، فالوضع صعب جداً.
 فالحقيقة الجالية الإسلامية في بلاد المهجر كما أنها تتمتع بميزات العالم الغربي، بالحرية، بالرفاه، هذه كلها أشياء واضحة جداً، لكن يقابلها احتمال كبير جداً بخسارة الأولاد، فالموفق من هؤلاء من أفراد الجالية ينتبه من هذه القضية ويرعى أولاده.
 أنا أقول هذه الكلمة: لا شيء يعلو في بلاد المهجر على تربية الأولاد، أما في بلاد المشرق فالابن خاله ملتزم، عمه ملتزم، جيرانه ملتزمون، الجو العام جو دين، جو صلاة، جو طاعة لله، وإن كان الآن يصير هناك تشابهاً بين المجتمعات، لكن يبقى البلد الأصلي له ميزة.
 أما هنا فما الذي يحل مشاكله؟ أن يكون هناك تجمعات، أنا مرة كنت في ديترويت، المنطقة كلها يسكنها مسلمون، الجيران كلهم مسلمون، أيسر على الابن في تربيته، فأنا أرى الظاهرة الأولى بالعالم الغربي ليس الشرط، بأوربا، بأمريكا، هناك تفلت شديد جداً.
 أنا أضرب مثلاً: إنسان أحب فتاة، بأمريكا، فبلغ والده من أجل الزواج منها، قال له: لا يا بني، إنها أختك، وأمك لا تدري، أي زنا بأمها، فلما أحب فتاة ثانية قال له: لا يا بني، إنها أختك أيضاً، وأمك لا تدري، هذه الثانية، فلما أحب فتاةً ثالثة جاء الجواب نفسه: إنها أختك، وأمك لا تدري، فغضب هذا الابن، وحدث والدته بالموضوع، قالت له: خذ من شئت فأنت لست ابنه وهو لا يدري.
الأستاذ إبراهيم:
 دكتور، اليوم طبعاً سيكون لنا لقاءات كثيرة مع فضيلتكم لإقامتكم في أستراليا فأنا وكل الأخوة ينتظرون منكم يوم الاحتفال الكبير إن شاء الله، كلمة جامعة شاملة، يوم الاحتفال، ما هي التأثيرات التي تركتها الجالية الإسلامية في نفوسكم خلال زيارتكم السابقة؟ ما هو الانطباع عن هذه الجالية عندكم؟.

التأثيرات التي تركتها الجاليات الإسلامية في نفس الدكتور راتب النابلسي :

الدكتور راتب:
 والله أنا عرفت، الانطباع تعمق لما زرت بلاداً أخرى، زرت مرة البرازيل، فيها الجالية الإسلامية تعد أغنى فئة بالبرازيل كلها، تجار لحوم، الغنى شيء مذهل، لكن لا يوجد إذاعة إسلامية عندهم، معظم أفراد الجالية ذريتهم ليسوا مسلمين، حتى الذي عمّر مسجداً في سان باولو بيده ذريته ليست مسلمة، كنت أضرب مثلاً بأستراليا، لأن هناك إذاعة، الإنسان عندما يسمع كل يوم درس دين، تعليقاً، فتوى شرعية، قرآناً، حديثاًَ، يكون موصولاً مع الدين بشكل مستمر، فأنا أتمنى على أي جالية إسلامية في العالم أن تبدأ بالإذاعة، والإذاعة لها أثر كبير جداً، وأنا بالشام من فضل الله لي أربعة دروس بالإذاعة، يسمعني اثنا عشر مليوناً كل يوم، فلها أثر كبير جداً، فأنا أقول: هنا الجالية انتبهت إلى موضوع الإذاعة، وهذا أحد أكبر إنجازاتها، بينما أقول لك بالبرازيل بسان باولو أغنى أفراد الأمة بالجالية، ولا يوجد عندهم إذاعة، فلذلك هناك انحراف خطير جداً، هذه الملاحظة الأولى في الموضوع.
الأستاذ إبراهيم:
 هناك علماء أفاضل أتوا إلى أستراليا وقالوا بفتاوى أن وجود إذاعة هي أهم من وجود مسجد، أتوافق على هذا؟.

وجود إذاعة أهم من وجود مسجد :

الدكتور راتب:
 نعم والله، مئة بالمئة، لأن المسجد في الأسبوع نصف ساعة، أما الإذاعة فهي أربع ساعات باليوم، لا شك أنا ما عرفت قيمة الإذاعة بأستراليا إلا حينما سافرت إلى كندا والبرازيل، بكندا بمونتريال وبالبرازيل بسان باولو، شيء لا يصدق، تفلت عجيب من أفراد الجالية، هروب من الدين الإسلامي، يقول: أنا جدي كان مسلماً، هناك خروج بشكل لا يصدق، أنا صليت بالجامع الذي بناه كل ذريته غير مسلمة، هنا يوجد إذاعة و لها أثر كبير.
الأستاذ إبراهيم:
 دكتور الأسئلة ستأتيننا من الأخوة على الهواء فمن يرغب بتوجيه أي سؤال لفضيلة الداعية الدكتور محمد راتب النابلسي يتفضل بالاتصال بنا، عبر الهاتف 8753388 لأن المقابلة تقريباً قاربت وأوشكت أن تنتهي، من يرغب بالاتصال بنا يعطينا السؤال على الهواء وبعد ذلك الذي يحب يبعث إلينا السؤال على vo الإسلام، أو على الفيسبوك، يتفضل ويرسل السؤال، وردت الأسئلة لفضيلة الدكتور، وطبعاً الذي يحب أن يسأل قبل أن تنتهي هذا اللقاء.

أسئلة و أجوبة :

 سؤال: أخت معاقة وتأخذ معونات من الهومكر، فهل يجوز أن تتكشف أمام ممرضة غير مسلمة؟

يجوز للمعاق أن يتكشف أمام ممرضة غير مسلمة :

الدكتور راتب:
 طبعاً إذا كان معاقة ومريضة يجوز، عفواً، أكمل معالجة من طبيبة مسلمة، إن لم يوجد فطبيب مسلم، إن لم يوجد فطبيبة غير مسلمة، إن لم يوجد فطبيب غير مسلم، أربع مراحل.
الأستاذ إبراهيم:
 سؤال: سيدي، أخت تقول: ما هو رأيكم بمصير من يمشي بالفتنة بين الناس؟.

العقاب الشديد لمن يمشي بفتنة بين الناس :

الدكتور راتب:
 طبعاً عليه عقاب شديد.
الأستاذ إبراهيم:
 سؤال: شاب مسلم وكان ملتزماً ومصلياً ذهب إلى الحج وبعد عودته توقف عن الصلاة، ما دور الأهل علماً بأن الصحبة صالحة؟

الإنسان عندما يبني إيمانه على التقليد يكون بناؤه هشاً :

الدكتور راتب:
  الإيمان الهش لا يصمد أمام الامتحان
والله نشأ معه نكسة، لأنه هو كان يقول لك: إن إيماني لم يكن إيماناً قوياً، كان إيماناً ضعيفاً، لم يتحمل، في هزة وجد هناك ازدحاماً شديداً، وجد التزاماً ببعض الوسائل، فالإنسان عندما يبني إيمانه على التقليد يكون بناؤه هشاً، و أمام عقبة يتهاوى، أما إذا كان بناؤه متيناً لو كفر أهل الأرض هو لا يغير، موضوع التغيير ليست قضية سهلة، لو كان إيمانه إيماناً تقليدياً أو إيماناً هشاً مبنياً على موقف طارئ، أو على عاطفة جياشة معينة، هذا لا يصمد أمام بعض العقبات، فبطولة الإنسان أن يقوى بحيث لو أن كل من في الأرض ترك الإيمان هو لا يترك.
الأستاذ إبراهيم:
 في هذه الحالة ما دور الأهل؟

الأب و الأم مسؤولان أكبر مسؤولية عن أولادهما :

الدكتور راتب:
 أنا لا أرى أنه يوجد إنسان أب أو أم إلا وهما مسؤولان أكبر مسؤولية عن أولادهما، أقول: الآخر أنت له وغيرك له، أما ابنك فمن له غيرك؟ فالموضوع ليس أن الأب أنجبه، موضوع أن يربيه، موضوع أن يعلمه، موضوع أن ينمي الأخلاق عنده، ينمي القيم، لكن عندنا مشكلة كبيرة جداً أن فاقد الشيء لا يعطيه، نريد أباً طلب العلم، نريد أباً عرف الله عز وجل، عرف الحقيقة، عرف المنهج، عرف السلوك، السعادة، الشقاء.
الأستاذ إبراهيم:
 هناك تصادم بين المسلم وبين المسلم كالمهاجر، كيف يواجه المسلم ذلك في تربية أولاده؟ يمكن تطرقنا إلى هذا؟

على المسلم المهاجر أن يختار لأولاده رفاقاً صالحين :

الدكتور راتب:
 والله يجب أن يؤمن رفاقاً صالحين لأولاده، إذا كانوا مسلمين، اجتمعوا بمكان معين، لكن لا يوجد تعاون، ابنك يريد رفيقاً طبعاً، فإذا أنت اخترت رفيقك من أسرة منضبطة مثلك أنت ضمنت ابنك بهذه العملية، فيجب أن يكون هناك تعاوناً بين الأسر، التعاون أمر إلهي، سيدي يتعاون الناس البعيدون عن الله عز وجل على الباطل، نحن من باب أولى نتعاون على الحق.
الأستاذ إبراهيم:
 طبعاً هناك أسئلة كثيرة تأتي إلينا، الأخوة سيأتون لنا بها تباعاً.
 فضيلة الدكتور، لا تتصور كم هو سرور هذه الجالية بقدومكم، ووجودكم، وطبعاً يمكن حضرتك تعرف إذاعة صوت الإسلامي كل يوم محاضرة واحدة الصبح قبل الإفطار، وواحدة عند الغداء، وواحدة عشاء، ونحن سعداء وشرف كبير في تلبيتك هذه الدعوة الكريمة وأريد أن آخذ آخر مجموعة من الأسئلة لأن الوقت داهمنا، والأخ باسم يأتي بالأسئلة.
 سؤال: دكتور المسلم ولد مسلم، فما هو حكم من ولد غير مسلم؟ أين يذهب إلى الجنة أم إلى النار؟ ما هو ذنبه؟.

العقل و الفطرة كافيتان لمعرفة الله عز وجل :

الدكتور راتب:
 الله عز وجل أعطى الإنسان عقلاً، والعلماء قالوا في بعض التفاسير:

﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾

[ سورة الإسراء الآية: 15]

 فالعقل هو الرسول، أعطاه عقلاً، أعطاه فطرة، فطرة سليمة، إذا الإنسان لم يسمع درس دين بحياته، ولا حضر خطبة مسجد، ولا قرأ كتاباً، إذا عمل أي غلط يتضايق، أعطاه فطرة، أعطاه مقياساً نفسياً، وأعطاه عقلاً، وأعطاه منهجاً، إذا المنهج لم يحصله، العقل والفطرة كافيتان كي يعرف الله عز وجل، فالمنهج إضافي.
 كيف أن طالباً بالمدرسة عنده أفضل الأساتذة، أفضل الأبنية، أفضل الدروس، أفضل الكتب، وفوق ذلك الأب وضع له أستاذاً خاصاً، الأستاذ الخاص ليس من حقه، هذا تَفضُل.

 

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى ا

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور