وضع داكن
13-09-2026
Logo
العقيدة والإعجاز - مقومات التكليف - الدرس : 15 - الشهوة -1- يمكن أن نقلب شهواتنا إلى عبادات ونرقى بها صابرين وشاكرين
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 

الشهوة مقوِّمٌ من مقومات التكليف:


أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس الخامس عشر من دروس العقيدة والإعجاز، والموضوع اليوم الشهوة، أنهينا موضوع الكون كأحد مقومات الإعجاز، وكأحد مقومات التكليف، أنهينا موضوع العقل كأحد مقومات التكليف، أنهينا موضوع الفطرة كأحد مقومات التكليف، وننتقل اليوم إلى موضوع الشهوة. 
 

الشهوات سلَّم للرقيّ إلى رب الأرض والسماوات:


أيها الإخوة؛ بادئ ذي بدء قد يتوهم واحد من الناس أنه لولا الشهوات لما كانت المعاصي والآثام، وبالتالي لما كانت النار عقاباً لمن عصى لله في الدنيا، والحقيقة التي هي الصحيحة أنه لولا الشهوات ما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات، كيف نرتقي إلى رب الأرض والسماوات؟ كيف نُقبِل عليه؟ كيف نثق أنه يحبنا؟ كيف نطمع برحمته؟ كيف نناجيه إن لم ننضبط؟ أعطانا شهوات، أعطانا معها حرية الاختيار، أيّ شهوة يمكن أن تتحرك بسببها مئة وثمانين درجة، سمح لك بمئة درجة، الدين كله، الانضباط كله، الصبر كله، أن توقع حركتك مع هذه الشهوة ضمن الحيز الذي سمح الله به، إن أردت أن تضغط الدين كله، الإنسان يحب المرأة، في أعماقِ أعماق أعماقه أودع الله في الإنسان حبّ الأنثى، وفي أعماق أعماق الأنثى أودع الله في أعماقها حبّ الرجل، وهيأ قناة نظيفة طاهرة ترقى بالإنسان هي قناة الزواج، فهذه الشهوة تلبَّى في هذه القناة، والإنسان أودع الله فيه حبّ المال، بكل إنسان رسم له طريقاً لكسب المال الحلال، طريق العمل، طريق التجارة، الصناعة، الزراعة، الوظيفة، الخدمات، الإرث، الهبة، الصدقة، طرائق عديدة لاكتساب المال كلها شرعية، وهناك سرقة، هناك غش، هناك احتيال، هناك تدليس، هناك كذب، وهناك طرائق عديدة لكسب المال الحرام، ما هو الدين؟ أن تُوقِع حركتك في الحيز الذي سمح الله به، هذا المعنى أشارت إليه آية كريمة، قال سيدنا شعيب:

﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)﴾

[ سورة هود ]

الذي تبقى لكم من كل شهوة الحيز الذي أباحه الله لنا من كل شهوة هو الذي يسعدنا ويسلمنا.
 

من يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه:


لذلك قال الله عز وجل: 

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾

[ سورة القصص ]

نحن يوجد عندنا بأصول الفقه ما يسمى بالمعنى المخالف، المعنى العكسي: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه، الإنسان يلاحظ إنساناً يخطب فتاة، وبعقد القران هناك إشهار، هناك إيجاب، وهناك وليّ، وهناك شهود، وهناك مهر، وهناك تهانٍ، وهناك احتفالات، وهناك هدايا، لأنه مشروع، ما هو عقد الزواج؟ يفضي إلى علاقة جنسية بين الزوج وزوجته، لكن لأنه وفق منهج الله يسمو به الإنسان، يتزوج، يأتي ابن من هذه الزوجة يملأ البيت سعادة، يكبر، يتربى تربية عالية، يصبح إنساناً ذا شأن، داعية فرضاً، طبيباً، أستاذاً جامعياً، تاجراً كبيراً، صناعياً كبيراً، تربّى تربية إسلامية، تربية أخلاقية، تجده معطاء، كريماً، منضبطاً، صادقاً، أميناً، تجد هذه الأسرة أنجبت أولاداً قمة في الكمال، أساس هذا المشروع كله علاقة جنسية، والزنا علاقة جنسية، سقوط وفضيحة وانهيار.
مرة حدثني صديق طُرِق بابه الساعة الرابعة فجراً، فتح الباب فلم يجد أحداً، حانت منه التفاتة نحو الأسفل وجد كيساً يتحرك، طفل ولد لتوه من زنا، وُضِع في كيس، وُضع أمام بيت، طُرق الباب، وهرب الذي وضعه، أجريت موازنة، حينما يأتي طفل من أب وأم، من بيت فيه زواج مشروع، تجد الفرح والتهاني والتبريكات والضيافة والهدايا، والفرح يعم الأسرتين، لما يأتي هذا المولود من زنا وصمة عار، فضيحة، شيء لا يحتمل، فالشهوة هي هي، أي أدق مثل أرويه أن هذا البنزين يالسيارة، الوقود السائل إذا وُضِع الوقود السائل في المستودع المُحكَم، وسال في الأنبوب المحكم، وانفجر في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب ولّد حركة نافعة، أقلّتك أنت وأهلك في يوم جميل من أيام الربيع إلى الزبداني، وسعدتَ بهذه النزهة، ما الذي يجري؟ انفجارات لكنها منضبطة وفق تصميم السيارة، صفيحة البنزين نفسها صُبَّها على السيارة، أعطها شرارة، أحرقت المركبة ومن فيها، السائل هو هو، كان حركة دافعة نافعة مسعدة، فأصبح حركة مدمرة محرقة قاتلة، هذه الشهوات، سلم نرقى بها أو دركات نهوي بها، قبل أيام دعاني أخ كريم من كبار علماء القرآن الكريم، فوق الخامسة والتسعين، قال لي: أنا في من أحفادي ثلاثة عشر دكتوراً، أساس هذه العلاقة كلها علاقة جنسية، صح؟ هذه الشهوة، لولا الشهوات لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات، كيف أنت بالصلاة تخشع وتبكي؟ لأنك في الطريق إلى المسجد مررت على عشرات الفتيات الكاسيات العاريات المائلات المميلات فغضضت البصر عنهن، وقلت: 

﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)﴾

[ سورة المائدة ]

لو ما الله أودع الله فيك الشهوة، حبّ الأنثى، وأن تُمتع عينيك بمحاسنها، ثم أمرك بغض البصر، وغضضت البصر، لا تستطيع بالصلاة تبكي، أنت عامل شيء، انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي، متى صار سيدنا يوسف سيدنا يوسف؟ عبدٌ في بيت، دعته امرأة ذات منصب وجمال، سيدة القصر إلى نفسها.

﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)﴾

[ سورة يوسف ]

أُوِدع في السجن فصار عزيز مصر، إذاً دققوا لولا الشهوات ما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات، لولا الشهوات لم يكن هناك جنة، لولا الشهوات لم يكن هناك نعيم مقيم، لولا الشهوات لم يكن هناك اتصال بالله، لولا الشهوات لم يكن هناك شعور بالتفوق، أنت قوي، وبإمكانك أن تفعل كل شيء، لكن الله عز وجل قيّدك بمنهج، سأل أحدُهم سيدنا عمر، قال له: أتحبني؟ قال له: والله لا أحبك، قال له: هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال له: لا والله، قال له: إذاً إنما يأسف على الحب النساء، خير إن شاء الله، لا يستطيع، إذا إنسان غير منضبط ينكل فيه لا تحبني؟ ينكل فيه، لا يقدر،

(( عن أبي هريرة: الإيمان قيد الفتك. ))

[ صحيح البخاري  ]

قوي لكنه مقيد، غني لكنه مقيد، إذا سافر رجلٌ غني إلى بلاد الغرب لا يستطيع أن يفعل شيئًا، يجلس بفندق ويأكل، يزور المكاتب التجارية، أكثر من هذا لا يستطيع، الغني يستطيع أن يسهر كل يوم سهرة حمراء، وثاني يوم سهرة خضراء، لأنه مؤمن مقيَّد، ((الإيمان قيد الفتك)) يرقى بهذا الشيء، أي لا يوجد واحد من إخواننا الكرام أحد أسباب اتصاله بالله يا رب أنا يوجد وظيفة أتيحت لي لكن لا ترضيك، البضاعة محرمة، العلاقة مشبوهة، الأسلوب في التعامل غير شرعي، أحياناً إنسان يركل بقدمه الملايين المملينة، ويكتفي بالآلاف المؤلفة، يقول لك: هذا مال حلال، لولا الشهوات لا يمكن أن نرتقي إلى رب الأرض والسماوات.
 

بالشهوات ترقى إلى الله صابراً وشاكراً:


لكن الشهوات أيها الإخوة؛ فيها شيء رائع جداً، فيها رقي إلى الله مرتين، أي مثلاً شخص يمشي في الطريق، مرّ على نساء كاسيات عاريات، فقال: ﴿مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ غض بصره عنهن، يرقى إلى الله صابراً، تزوج، واختار فتاة ضمن طموحه، جلس معها، سَعِد بها، ملأ عينيه من محاسنها، يرقى إلى الله، يصلي قيام الليل، لأن هذا شيء مشروع، فأنت ترقى إلى الله صابراً، وترقى إلى الله شاكراً، مرة صابراً، مرة شاكراً، جاءتك وظيفة دخلها كبير جداً، لكن أساسها إيذاء الناس، أو إلقاء الرعب فيهم، ﴿مَعَاذَ اللّهِ﴾ ثم أتيحت لك وظيفة ربع الدخل، لكنه مال حلال، بالتعليم، تقبض المال، تشتري طعاماً، شراباً، تحضر لأولادك هدايا، يفرحون، يقبّلونك، هذا المال هو هو، بالحرام حجبك عن الله، بالحلال دفعك إلى الله.
 

لابد للإنسان من حركةٍ في الحياة:


قضية الشهوة إياكم أن تتوهموا أن الإنسان بالشهوة تزل قدمه، أو يتوهم أنه لولا الشهوات ما كانت نار تُحرق العصاة، لا، الشهوات لابد منها، الشهوة هي المحرك في السيارة، هذه الطاولة اتركها مئة سنة هنا، لا تتحرك، لأنه ما فيها شهوات، الإنسان قد أودع الله فيه حاجة إلى الطعام والشراب، هل تبقى جالساً بمكان واحد؟ نريد أن نأكل، يبحث عن عمل، يدرس، يتعين بوظيفة، يداوم، يعمل، يأكل، الشهوة قوة محركة، لولا الشهوات والله لما رأيت على وجه الأرض شيئاً، لا جسراً، ولا جامعة، ولا بناء، ولا بستاناً، ولا زراعة، ولا معملاً، ولا باخرة، ولا سيارة، لا يوجد شيء، لماذا يعمل؟ طاولة بمكانها، أما أنت مضطر أن تعمل من أجل أن تكسب المال، من أجل أن تأكل، لذلك من أوصاف ربنا البليغة للأنبياء على أنهم بشر وليسوا آلهة كانوا:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)﴾

[ سورة الفرقان ]

لمجرد أنك تأكل الطعام فأنت من بني البشر، ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ هم مفتقرون إلى طعام يقيمون به أودهم، ومفتقرون إلى مشي بالأسواق لكسب ثمن الطعام، أنت تعمل من أجل أن تكسب المال، من أجل أن تشتري به الطعام، من أجل أن تأكل، إذاً ما أودع الله في الإنسان الشهوات إلا ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، الشهوات سلم نرقى بها، أو دركات نهوي بها، قوة دافعة، أو قوة مدمرة، لا يوجد حل وسط.
 

كلّ شيء في الحياة حيادي:


الفكرة الدقيقة جداً، لأنك مخير كل شيء في حياتك حيادي، كيف؟ شهواتك حيادية، حبّ المال حيادي، يمكن أن تكسبه من طريق مشروع، وأن تنفقه في طريق مشروع، فترقى به إلى أعلى عليين بالمال، ويمكن أن تكسبه من طريق غير مشروع، وأن تنفقه في إنفاق غير مشروع فتهوي به إلى أسفل سافلين، المال هو هُو، إنسان يبني مسجداً، ميتماً، معهداً شرعياً،  مؤسسة خيرية، يموت وهذا الخير يستمر إلى يوم القيامة، وفي صحيفته، يبني ملهى أحياناً، أيضاً صدقة جارية، لكن من نوع ثانٍ، يموت يمضى مئة سنة على موته، كلما دخل واحد إلى الملهى في صحيفته.
والله مرة دُعينا لفتح مسجد في يعفور، سبحان الله! الذي بنى المسجد استقبلنا على الباب واحداً واحداً، دعا علماء دمشق، وألقينا كلمات، وقدّم لنا طعاماً نفيساً، أنا لا تغيب عني صورة وجهه المتألق، يا رب هذا جامع! يبدو أنه عمّره وحده، ما أخذ مساعدة من أحد، من الأرض، والبناء، والكسوة، والأثاث، وكل شيء، سبحانك يا رب! لحكمة بالغة لما انتهى الاحتفال خرجت من هذا المسجد إلى الطريق العام، يقابل الطريق العام بالضفة الثانية ملهى، بلغني أن فيه من الموبقات ما لا يوصف، وأن صاحبه بعد افتتاحه بسبعة أيام مات، الآن موجودين جانب بعضهم، قلت: يا رب! واحد يرقى بهذا العمل إلى أعلى عليين، وواحد يهوي به إلى أسفل سافلين، والعمليتان عملية شهوة، ارتقيت بها إلى أعلى عليين، المال محبوب، أُنفق المال بخلاف طبع الإنسان، عمّر مسجداً فارتقى بهذا المسجد إلى أعلى عليين، والذي عمّر الملهى أنفق ماله أيضاً، والمال شقيق الروح، لكن هوى بهذا الإنفاق إلى أسفل سافلين، هذه الشهوات. 
 

ليس عطاء الله إكراماً ولا منعه حرمانا:


من هنا يقول الله عز وجل:

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾

[ سورة الفجر ]

هذا الكلام ربنا عز وجل ما قَبِله، قال: هذا قول الإنسان:

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾

[ سورة الفجر ]

جاء الجواب:

﴿ كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17)﴾

[ سورة الفجر ]

هذه أداة ردع ونفي، لا يا عبادي، ليس عطائي إكراماً، ولا منعي حرماناً، الله أعطى المال لمن لا يحب، أعطاه لقارون، أعطاه لمن يحب، أعطاه لسيدنا عثمان، أعطى الملك لمن لا يحب، أعطاه لفرعون، أعطاه لمن يحب، لسيدنا سليمان.

﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35)﴾

[ سورة ص ]

فهذه الشهوات حيادية، ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ*وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ الجواب: ﴿كَلَّا﴾ ليس عطائي إكراماً، ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء، وحرماني دواء، كيف ابتلاء؟ أي الله امتحنك بالمال، إما أن تنجح، وإما ألا تنجح، إذا أنفقته في طرق مشروعة ترقى به، صار سلماً ترقى به، أما إذا أُنفق في طرق غير مشروعة تهوي به إلى أسفل سافلين، المال هو هُو كالبنزين هو هُو، ولّد حركة نافعة، أو دمّر المركبة ومَن فيها بالضبط، فهذه الشهوات هي قوى محركة، تصور مركبة فيها محرك هي الشهوات، فيها مِقود هو العقل، فيها الشرع هو الطريق، مهمة المحرك أن ينطلق بالسيارة، مهمة العقل أن يبقيها على الطريق، بطولتك أن تستخدم عقلك لتضبط حركة السيارة المندفعة بقوة المحرك، أن تضبطها على الطريق.
 

التفكر في الموت يضاعف السرعة إلى الله:


والله مرة كنت بشيكاغو، ففي المطار شريط طويل جداً متحرك، وقفت عليه ماش، شيء مريح، أنت واقف وهو يمشي، فإذا مشيت عليه السرعة مضاعفة، على اليمين يوجد حاجز، على اليسار يوجد حاجز، سبحان الله! كيف تمثّل لي هذا الشريط بالتفكر بالموت، التفكر في الموت يُضاعف السرعة إلى الله، ويمنعك أن تنزلق يمنة أو يسرة.
ادرس، خذ الدكتوراه، اعمل مشروعاً صناعياً كبيراً، مشروعاً زراعياً، صِلْ إلى منصب رفيع وفق منهج الله، التفكر بالموت يضاعف سرعتك إلى الله، والتفكر بالموت يمنعك أن تعصي الله، العمل مطلوب، مَن يطعمك؟ شاب يتعبد الله في وقت العمل، قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك.
صدقوا أيها الإخوة؛ حينما أرى شاباً يتقن عملاً، معه شهادة، يتقن مهارة معينة، يتقن حرفة معينة، ويذهب إليها باكراً، ويعود مساء، وقد تعب، والله الذي لا إله إلا هو هذا الشاب في عبادة، أتى بمال تزوج، أنجب أولاداً أطعمهم، كساهم، أكرم زوجته، حقق رسالته، سيدنا عمر يقول: إني أرى الرجل لا عمل له يسقط من عيني. 
 

الجهاد وأهمية كلِّ نوعٍ منه:


حينما نتحدث عن الجهاد هناك جهاد النفس والهوى، هذا الجهاد الأساسي، كيف عندنا يوجد تعليم أساسي، جهاد النفس والهوى هو الجهاد الأساسي، والجهاد الدعوي هو الجهاد التعليمي،

(( عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خَيْرُكُمْ مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ. ))

[ صحيح البخاري  ]

والجهاد البنائي هو أن تطور عملك، أن تطور خبراتك، معلوماتك، أن تنهض بحرفتك، بمهنتك، أن تكون في خدمة أمتك، هذا جهاد بنائي الدليل، طبعاً الجهاد الدعوي دليله:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

[ سورة فصلت  ]

الجهاد النفسي دليله:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾

[ سورة العنكبوت  ]

الجهاد البنائي دليله:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)﴾

[ سورة الأنفال ]

وآخر جهاد، قبل يوجد جهاد ظهر حديثاً الجهاد الإلكتروني، تدمير مواقع العدو، وهناك جهاد أخير هو الجهاد القتالي، فإذا نجحنا في الجهاد النفسي وهو الأصل، تعليم أساسي، ثم نجحنا في الجهاد الدعوي، في الدعوة إلى الله، ثم نجحنا في الجهاد البنائي، طورنا صناعاتنا، استخرجنا الثروات، أنشأنا السدود، أصلحنا الأرض، ملوحة الأرض، نمينا قدراتنا، خبراتنا، اكتفينا بمنتجاتنا عن أن نستورد، صدرنا، اغتنينا، هذا جهاد بنائي، أعددنا قوة لأعدائنا، طورنا أنفسنا، صنعنا السلاح الذي يحمي كرامتنا وأرضنا وبلادنا، هذا الجهاد جهاد بنائي، هناك جهاد دعوي، هناك جهاد نفسي، هناك جهاد إلكتروني، هناك جهاد قتالي، فإذا نجحنا في الجهاد الأول النفسي، والجهاد الثاني الدعوي، والجهاد الثالث البنائي يُنتظر أن ننجح في الجهاد القتالي، أما أن نذهب مباشرة إلى القتالي لا ينجح.
قدّم رجلٌ أميّ طلباً إلى السوربون حتى يعطوه درجة دكتوراه، قالوا له: اذهب وتعلم القراءة أولاً، أميّ لا يقرأ ولا يكتب، فوراً إلى الدكتوراه باللغة الفرنسية، ودكتوراه دولة أيضاً يريدها، فالجهاد قبل الإعداد الدقيق، قبل إنشاء جيل مؤمن، ملتزم، مستقيم، شهواته تحت قدمه، يعبد الله، لابد من هذه الشروط: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ فهذه الشهوات لا أحد يتأفف منها، لولا الشهوات لا نرقى إلى رب الأرض والسماوات، كل واحد من الشباب الأكارم ما سرّ إحساسهم أن الله يحبهم؟ لأنه ضابط نفسه، ضابط عينه، ضابط لسانه، ضابط أذنه، ضابط ماله، لا يأكل مالاً حراماً، ضابط إنفاقه، ما دام ضبط سمعه، وبصره، ولسانه وإنفاقه، وحركته، ويده، ورجله، فهذا الجهاد، لذلك الله عز وجل يُكرمه في الدنيا والآخرة، الشهوات طريقنا إلى الله، لكن كلمة شهوات يُظن أنه شيء قميء، لا، الإنسان كلما ارتقى مع الله ترتقي شهواته، كان يحب المرأة صار يحب الحق، يحب البطولة، يحب التضحية، يحب الفداء، يحب الالتزام، يحب أداء العبادات بشكل متقن، يحب إنفاق المال، يسميها علماء النفس تصعيد الأهواء، كان يحب الدرهم والدينار، إذاً به يحب الإنفاق.

الفرق بين الطبع والتكليف:


بالمناسبة دخلنا لموضوع دقيق، أنت معك طبع، ومعك تكليف، ولحكمة بالغة بالغةٍ بالغة الطبع يتناقض مع التكليف.

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

[ سورة النازعات ]

الطبع أن تنام، أن تبقى نائماً في السرير الوثير، الدنيا شتاء، والبرد شديد، والفراش دافئ، والغطاء كما يقول العوام: يبخ النار، مرتاح، الطبع أن تبقى نائماً، والتكليف أن تنزع الغطاء من عليك من جسمك، وتتوضأ بالماء البارد فتصحو، تصلي، الطبع يناقض التكليف، الطبع يقتضي أن تأخذ المال، والتكليف أن تنفقه، الطبع يقتضي أن تملأ العين من محاسن امرأة لا تحِل لك، والتكليف أن تغض البصر، الطبع يقتضي أن تخوض في فضائح الناس، والتكليف أن تضبط لسانك، فهذه الشهوات هي سبب الرقي إلى الله عز وجل، إن الله ليباهي الملائكة بالشاب التائب، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي.
صدقوا أيها الإخوة؛ صدقوا أيها الشباب؛ ما من شيء أحبّ إلى الله من شاب تائب، إن الله عز وجل يباهي به الملائكة، سيدنا يوسف لو خضع لعرض امرأة العزيز هل صار سيدنا يوسف؟ لا أحد كان يعرفه، ما الذي ارتقى به؟ أنه قال: ﴿مَعَاذَ اللّهِ﴾ والله هناك مواقف أيها الإخوة؛ شيء صعب أن تتصوروه، تنعم بهذا الموقف إلى أبد الآبدين،  موقف شريف، إذاً الطبع يناقض التكليف، لكن التكليف يتوافق مع الفطرة، والطبع يتوافق مع الجسم، الجسم يحتاج إلى راحة فيميل إلى النوم، أما الفطرة تحب أن تكون على صلة وثيقة بالله عز وجل تستيقظ، وهكذا، فأنت حينما تفهم الشهوات قوى دافعة، ولا ينبغي أن تكون قوى مدمرة تكون فقيهاً.
النقطة الدقيقة لما تجد في القرآن تحريماً كيف تفهم التحريم؟ حقل واسع مكتوب لوحة حقل ألغام ممنوع التجاوز، أنت كإنسان مدني، وحضاري، هل تشعر بحقد على من وضع هذه اللوحة؟ أبداً، بالعكس، تكون ممتناً لمن وضعها، معناها واضع اللوحة حريص على سلامتك، لمجرد أن تراها حداً لحريتك فأنت لست بفقيه، أما إذا علمت علم اليقين أنها وضعت ضماناً لسلامتك فأنت فقيه.
أيها الإخوة؛ إذاً موضوع الشهوة موضوع دقيق جداً، هو سرّ اتصالك بالله، هو سرّ فوزك بالجنة، هو سرّ دخولك الجنة، هو سرّ قربك من الله، هو سرّ إقبالك على الله، لو أن كائناً لا يشتهي شيئاً كيف يتقرب إلى الله؟ لا يوجد طريق، فالله سبحانه وتعالى جعل هذه الشهوات سلماً نرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، ولكن مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يكون في الإسلام حرمان، لا يوجد حرمان.
 

لا حرج في اتباع الهوى والشهوة وفق منهج الله:


الحقيقة الآن الدقيقة، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، مستحيل، أي الإنسان يحب أن يكون له شأن، له مكانة، متفوق، في القمة، لا في الحضيض، باختصاص، بعلم، بحرفة، بدخل، بصنعة، بمنصب، بشكل، بوسامة، ببيت، بمركبة، يحب التفوق، هذا ميل، وشهوة، وحاجة أساسية، الميل حيادي، يمكن أن تتفوق في معرفة الله، وفي العمل الصالح، وفي الدعوة إليه، وفي نشر الحق، يمكن أن تكون في قلوب الآلاف، بل الملايين، بل مئات الملايين، ويمكن أن يُشار إليه بالبنان، حينما ينغمس في شهوات منحطة، هناك شخص فتح كازينو، يتفنن بعرض الموبقات على رواد هذا المكان، أيضاً يشار له بالبنان، دخله فلكي، بيته فخم جداً، مركبة رائعة، وأساساً أعلى دخل في العالم دخل تجار المخدرات، يسكن ببيت قصر، يوجد عنده خمسون سيارة، طائرة خاصة، تاجر مخدرات، يوجد علو، أي  الميل حيادي، يمكن أن ترقى به، أو أن تهوي به.
فتأكيد الذات أن تشعر بأهميتك، أن تتوق إلى العلو، إلى التفوق، حيادي، هناك طريق مشروع للتفوق، هناك طريق مشروع للسقوط، عظماء العالم هل سيدنا صلاح الدين قليل؟ قائد مسلم يواجه سبعة وعشرين جيشاً أوروبياً ويفتح القدس؟! هل سيدنا عمر قليل؟ هناك أعلام، هؤلاء أكدوا ذاتهم، وارتقوا في سلم العظماء، وأسماؤهم في لوحة الشرف، يقف أحدهم أمام سيدنا رسول الله، بعد قليل ينتقل إلى مقام سيدنا الصديق، هل مقام الصديق شيء قليل؟

(( عن أبي الدرداء: إنَّ أبا بكرٍ خيرُ من طلَعَت عليهِ الشَّمسُ وغرُبَت. ))

[  إسناده ثقات وله طرق: أخرجه أحمد في ((فضائل الصحابة)) ]

ما ساءني قط، أكّد ذاته بالتفوق في خدمة الدعوة، وأبو جهل أكّد ذاته في المعارضة، فأصبح في مزبلة التاريخ، فأنت تؤكد ذاتك بالخير، يشار إليك بالبنان، وتؤكد ذاتك لا سمح الله ولا قدر بالشر، ويشار إليك بالبنان، الأقوياء بالعالم، هتلر سبّب حربين عالميتين، بكل حرب  خمسون مليون، وخمسون مليون معاق، مئة مليون، الذي ألقى قنبلة على هيروشيما ونكازاكي شخص مهم جداً، أخذ قراراً، مات ثلاثمئة ألف في ثلاث ثوان، والحرب انتهت بهاتين القنبلتين، مهم، حيادي، تأكيد الذات حيادي، التفوق حيادي، هناك تفوق بعمل ساقط، تقول أيضاً: الله وفقها بهذه الرقصة، بعمل ساقط، وبعمل عظيم، وهناك كُتّاب أدب إباحي، أي هناك إقبال على كتبهم بشكل عجيب، وهناك كتّاب أخلاقيون كتبهم بأعلى مستوى، حيادي، تأكيد الذات حيادي، حبّ المرأة حيادي، يمكن أن تكون أسعد زوج، ولك منها ذرية صالحة.
أحياناً الذي بسن الستين، الخامسة والستين، السبعين، عنده خمسة وعشرون حفيداً، يوجد ثلاثون حفيداً، هذا طبيب، هذا مهندس، هذه إنسانة داعية كبيرة، تزوجت، لها أولاد، ربت بناتها، كلهم مِن رجلٍ واحد، هي أساسها شهوة، أساس هذا الزواج مشروع شهوة، لكن وفق منهج الله أقامت أسرة، وأولاداً، وبنات، وأصهاراً، وأحفاداً، وذرية، أحياناً إنسان يقول لك: أنا ابن فلان، يعتز، أساسها شهوة، والتفوق أساسه شهوة، لكن هذه الشهوات حيادية، يمكن أن نرقى بها إلى أعلى عليين، ويمكن أن نهوي بها إلى أسفل سافلين، لا أحد يتألم من كلمة شهوة، طريقنا إلى الله، إما بالكف أو بالممارسة، تعمل تكسب مالاً حلالاً، تشتري بذلة على العيد، أنيق، تدخل إلى البيت، تزور أقرباءك، ما شاء الله شيء مرتب والله، ما هذه الأناقة! هذه شهوة، لكنها مشروعة.

(( عن سهل ابن الحنظلية الأنصاري عن قيسٍ التَّغلبيِّ وكان جليسًا لأبي الدَّرداءِ رَضِيَ اللهُ عنه بدِمَشْقَ..: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّكم قادمونَ غدًا على إخوانِكم؛ فأصلِحوا رِحالَكم، وأصلِحوا لِباسَكم؛ حتَّى تكونوا كالشَّامَةِ في الناسِ؛ فإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ ولا التَّفحُّشَ.))

[ ابن حجر العسقلاني: الأمالي المطلقة: خلاصة حكم المحدث : حسن ]

فيا أيها الإخوة الكرام؛ الشهوة أحد أهم مقومات التكليف، من أجل أن تصل إلى الله، أن تصل إلى الجنة، أودع الله فيك الشهوات، لترقى بها مرتين؛ مرة صابراً، ومرة شاكراً إلى رب الأرض والسماوات، وما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها.
 

مقدمة لموضوع في الإعجاز العلمي:


أيها الإخوة؛ ننتقل لموضوع في الإعجاز، أي كمقدمة لابد من ذكرها. 

1 – لكل نبي معجزة دالة على صدق رسالته:

النبي عليه الصلاة والسلام أرسله الله للشعوب والأمم كافة.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾

[ سورة الأنبياء ]

أما الأنبياء السابقون كل نبي لقوم. 

2 – معجزة الأنبياء السابقين حسية:

لذلك اقتضت حكمة الله أن تكون معجزة النبي التي هي شهادة الله لعباده أنه رسوله أن تكون حسية سابقاً، سيدنا موسى: 

﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33)﴾

[ سورة الأعراف ]

ضرب البحر بعصاه أصبح طريقاً يبساً، سيدنا إبراهيم أُلقي في النار فلم يحترق.

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)﴾

[ سورة الأنبياء ]

سيدنا عيسى:

﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)﴾

[ سورة آل عمران ]

هذه معجزات، هذه شهادة الله لأنبيائه ورسله أنهم أنبياؤه ورسله، واضح. 

3 – معجزة النبي هي القرآن لأنه رسولٌ للعالمين:

لكن لأن النبي عليه الصلاة والسلام بعثته لكل الأمم والشعوب، ولآخر الزمان، وكتابه كتاب خاتم، فلابد من شهادة مستمرة، هناك شهادة منقطعة كتألق عود الثقاب، تألقت مرة وانطفأت، أصبحت خبراً يصدقه من يصدقه، ويكذبه من يكذبه، ولكن بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام لكل الأمم والشعوب، وكتابه كتاب خاتم، إذاً لابد من أن تكون المعجزة علمية عقلية، من هنا كان الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، من هنا ورد في القرآن إشارات علمية اكتُشفت قوانينها بعد ألف وأربعمئة عام، وقد قال الله عز وجل:

﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)﴾

[ سورة فصلت  ]

هذا الذي حصل.
 

الإعجاز الرباني في جسم الإنسان:  


1- خلايا الدماغ لا تتغير:

هناك نقطة دقيقة أن الإنسان كل خلية بجسمه لها عمر أبداً، أقصر عمر ثمان وأربعون ساعة، هذه خلايا بطانة الأمعاء، الطبقة التي تمتص الكيلوس، خلاصة الطعام، هذه زغابات الأمعاء الداخلية، هذه خلاياها أقصر خلية في جسم الإنسان، عمرها ثمان وأربعون ساعة، فأنت أيها الإنسان كل ثمان وأربعين ساعة تتجدد خلايا الأمعاء عندك، أبداً، أطول خلية العظمية كل خمس سنوات، فأنت بأكملك جملة وتفصيلاً، بشعرك، بجلدك، بعظامك، بعيونك، بآذانك، بلسانك، بأنفك، بالمريء، بالقصبة الهوائية، بالرئتين، بالقلب، بالمعدة، بالأمعاء، جملة وتفصيلاً تتبدل تبدلاً كليًّا كل خمس سنوات، لكن لحكمة بالغة بالغةٍ بالغة الدماغ لا يتبدل، لو تبدل كانت الطامة الكبرى، والله كنت طبيبا، سبحان الله! رجع أميًّا، كنت مهندساً، كنت خياطاً، كله كنت، لأن هذه المهارات أين هي مودعة؟ بالدماغ، الذاكرة، من أنت؟ لا أعرف، ابنه، لأنه انمحى لأن الدماغ تبدل، ما عرف من أولاده، من أنتِ؟ ابنته، لا يعرفها، أين هويتك؟ أرني إياها، لو تبدل الدماغ لا يوجد شيء اسمه علم، ولا ذاكرة، ولا خبرة، ولا مهارة، ولا قدرة، أبداً كله ينتهي، حكمة مَن؟ قدرة مَن؟ رحمة مَن؟ الذاكرة ثابتة، لكن الله أحياناً سبحانك يا رب يُحدِث حالات نادرة لتأكيد هذه القاعدة، أحيانا يحدُث للإنسان فقدُ ذاكرة جزئيٌّ.
حدثني أخ كريم، قال لي: أبي عنده معمل، فخرج من معمله إلى البيت، قال لي: بقي ساعتين ما عرف أين بيته، ابنه ساكن بالجسر، تذكّر بيت ابنه، جاء إليه، قال له: أين بيتي؟ رجلٌ آخر فقدَ ذاكرته، جاء ابنه من أمريكا قال له: من أنت؟ هذه الذاكرة الله عز وجل بحالات نادرة يعرّفك بقيمة دماغك، دماغك فيه ذاكرة، هذه الذاكرة بحجم حبة العدس، تتسع لسبعين مليار صورة، مرة صار تفجير بمدينة عربية لفندق، طبعاً لمحته بالأخبار، زرت هذه المدينة للفندق نفسه، هذا الفندق نفسه، معناها الصورة لثانية، تصور من خمس سنوات صورة لثانية محفوظة بالدماغ، فلما تطابقت الصورة قلت: هذا الفندق نفسه، فالذاكرة شيء عظيم جداً، فالدماغ لا يتغير، طمئن نفسك، ذاكرتك، خبراتك، معلوماتك، أصدقاؤك، أولادك، أقرباؤك، قدراتك العامة، مهاراتك كله محفوظ بالذاكرة.
بائع قطع تبديل يقول: يا بني بقي عندنا قطعة، جاء زبون قال له: بقي عندنا قطعة، اصعد إلى السقيفة الرف الثاني العلبة الرابعة بقي قطعة أحضرها، معنى كل هذا المحل بذاكرته، وكطرفة: دخل رجلٌ إلى الجامع يضع حذاءه بمحل، له محل بدماغه، الدليل أحياناً يكون بحديث حميم مع شخص، يدخلون إلى الجامع لا يتركز بذهنه أين محل حذائه، أين وضعته أنا؟  

2- خلايا القلب لا تتغير:

والله يا إخوان؛ يوجد بالإنسان آيات مذهلة دالة على عظمته، هذه واضحة جداً، لكن أنا لي عشرون سنة  القلب أيضاً لا تتغير، لماذا؟ لا أعلم، القلب لا يتغير، القلب هو هوَ، لما تأتي آية قرآنية: 

﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)﴾

[ سورة الحج ]

الله أعلم، ثم اكتُشف أن القلب موطن الأحاسيس والمشاعر والأذواق، كيف عُرف هذا؟ بعد ما زرعوا ثلاثة وسبعين قلباً من إنسان لإنسان، كل مشاعر وهوايات الذي أُخذ القلب منه انتقلت لمن أُخذ القلب إليه، هذا إن شاء الله في درس قادم أشرحه لكم بالتفصيل، هذا إنجاز علمي كبير.
إذاً حينما قال الله عز وجل: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ هذا القلب فيه قوة إدراكية، القلب الصنوبري، المضخة فيه خلايا عصبية إدراكية تفوق الخلايا الدماغية بخمسمئة ضعف، وهي تأمر القلب، هذا إنجاز علمي عمره قريب جداً.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور