وضع داكن
13-09-2026
Logo
العقيدة والإعجاز - مقومات التكليف - الدرس : 14 - الفطرة -6- الفرق بين الفطرة والصبغة وبين الطبع والتكليف
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 

الفرق بين الفطرة والصبغة:


أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس الرابع عشر من دروس العقيدة والإعجاز، والموضوع اليوم فرع من فروع الفطرة، وهو الفرق بين الفطرة والصبغة، وبين الطبع والتكليف. 
 

توافق الفطرة مع المنهج الرباني:


أيها الإخوة الكرام؛ الفطرة جِبِلة النفس، خصائص النفس، ما فُطرت عليه النفس، قال تعالى:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾

[ سورة الروم ]

أي خصائص النفس تتوافق توافقاً تاماً مع منهج الله، مع أحكام الدين: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ أي إذا أقمت وجهك للدين، أي خضعت لكل أوامره، واجتنبت كل نواهيه، هذه الأوامر، وهذه النواهي هي نفسها الفطرة التي جُبِلت عليها، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ لكن قد يتبادر إلى الذهن أن الإنسان ما دامت فطرته كاملة فهو كامل، الجواب لا، أن تحب الكمال شيء، وأن تكون كاملاً شيء آخر، أن تحب الرحيم شيء، وأن ترحم شيء آخر، المؤمن الذي عرف الله، واستقام على أمره، وأقبل عليه، واتصل به، واشتقّ منه الكمال يصبح رحيماً، فالرحمة صِبغة صُبِغ بها من قِبل خالقه، أما قبل أن يؤمن، قبل أن يعرف الله، قبل أن يصطلح معه، قبل أن يستقيم على أمره في أصل تركيبه يحب الرحمة، يحب الرحيم، حتى إن أبعد الناس عن الله عز وجل يحب الموقف الرحيم، يحب الموقف العادل، يحب الإنصاف، يحب العدل، هكذا فُطرنا، ولولا محبتنا للكمال لما عذبتنا نفوسنا إذا خرجنا عنه.
دقق أيها الأخ؛ لولا أن الله عز وجل فطر الناس فطرة عالية ما تاب أحد من ذنبه، لماذا يتوب؟ لو توافقت خصائصه مع المعصية، مع الجريمة، مع الظلم، يظلم، ويعصي، ويأخذ ما ليس له، وهو في قمة الراحة النفسية، لأنه فُطِر، ولأنه جُبِل، ولأنه بُرمِج-إن صح التعبير- وفق الكمال، فأيّ خروج عن هذه الخصائص تعذبه، من هنا ظهرت الأمراض النفسية، المرض النفسي معاقبة الفطرة لذاتها، تعاقب الفطرة صاحبها إذا خرج عن مبادئها، أي أكبر رادع، أكبر حافز إلى التوبة وطاعة الله الفطرة، يقول: لست مرتاحًا، لماذا هو لا يرتاح؟ لأن فطرته تعاقبه على خروجه عن مبادئها، نستنبط أنه سواء عصى الإنسان ربه، أو خرج عن مبادئ فطرته المؤدَّى واحد، والنتيجة واحدة.
 

الصبغة كمال في الإنسان:


الفطرة شيء، والصبغة شيء آخر، الصبغة من دون أن تنظر إلى أحد، من دون أن ترجو أحداً، من دون أن تخشى من أحد، أنت كامل، لا تفعل إلا الكمال، مثلاً لما فُتِحت القدس من قِبل الفرنجة ذُبح سبعون ألف إنسان مسلم في يومين، أما لما فتحها صلاح الدين الأيوبي   -رحمه الله-لم تُرَقْ قطرة دم واحدة، لأن الإنسان الموصول بالله مصطبغ بالكمال، أي يقع الإنسان أحياناً بصراع وشد ورد، وإقدام وإحجام، أما إذا كان مصطبغاً بكمال الله هو في الأعماق، أي نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، صدق ولا أبالغ، إذا اتصلت بالله عز وجل أي وحدك ومع الناس، في خلوتك وفي جلوتك، أمام مشاهد كثيرة، أو أمام مشاهدين كثيرين، أو وحدك في البيت، لا تفعل إلا الكمال، لأن الكمال أصبح صبغة لك.

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)﴾

[ سورة البقرة ]

أيها الإخوة؛ إذا لم يكن الفرق بين المؤمن وبين غير المؤمن فرقاً صارخاً ليس هذا هو الإيمان، ليس الإيمان الذي يظهر بأداء عباداتك، ولكن الإيمان يظهر في كل دقيقة من دقائق حياتك، إن تكلمت فأنت صادق، إن حُكِّمت فأنت مُنصف، إن قدرت فأنت تعفو، ولا يشد الناس إلى الدين إلا الكمال الذي ينبغي أن يتحلوا به.
دقق بشكل دقيق، لا يشد الناس للإسلام صلاتنا ولا صيامنا، ولا حجنا ولا زكاتنا، يشد الناس إلى الإسلام صدقنا وأمانتنا، ورحمتنا وإنصافنا، الموقف الأخلاقي له قوة تأثير مذهلة، ما الذي فعله النبي الكريم حتى قال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً؟ 
ماذا فعل؟ كان صادقاً، أميناً، رحيماً، متواضعاً، ما تكلم كلمة إلا طبقها، ما في قلبه على لسانه، والذي يقوله في قلبه حقاً وحقيقة، إذاً الإيمان يحتاج إلى جهد كبير، أما إذا جهدت، وتعرفت إلى الله، وطبقت منهجه، واتصلت به يغدو الأمر إليك سهلاً جداً، لا تظلم، لا تأخذ ما ليس لك، إن كنت تحت رقابة، أو بدون رقابة، إن كنت وحدك أو مع الناس، قال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ قال: ليست لي، قال له: قل لصاحبها: ماتت، قال: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟ أين الله؟ لعلك تقول: هناك مبالغة، إن لم يحبك الناس من أعماق أعماقهم ففي الإيمان خلل.
 

صور من الصبغة الأخلاقية في حياة الصحابة:


كنت أقول دائماً: لو أن الصحابة الكرام فهِموا الإسلام كما نفهمه نحن، الإسلام ما خرج من مكة، ما الذي جعل الناس يدخلون في دين الله أفواجاً؟ ما الذي جعل الناس يُقبلون على هذا الدين إقبالاً منقطع النظير؟ لأنهم يرون أناساً يتحركون وفق منهج الله، المبادئ كبيرة جداً، ممكن في عهد عمر ملك اسمه جَبَلة، وأعرابي من قبيلة فزارة، بالتعبير المعاصر من الدهماء، من السوقة، من الطبقة الدنيا، يقف في حضرة عمر أمام جَبَلة نداً لند، طبعاً جَبَلة ملِك أسلم، دخل في الإسلام، رحّب به عمر، طاف حول الكعبة، داس هذا البدويٌّ طرف إزاره، انخلع رداؤه من عن كتفه، غَضِب الملك، التفت نحو هذا البدوي الأعرابي، ضربه ضربة على أنفه هشمته، فشكاه إلى عمر، عمر استدعى جَبَلة، وقفا نداً لند، قال له: أصحيح ما ادّعى هذا الفزاري الجريح؟ طبعاً ملك وعزيز، قال له: لست ممن ينكر شياً، أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيدي، قال له: أرضِ الفتى، لابد من إرضائه، مازال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك، قال: كيف ذلك يا أمير؟ هو سوقة وأنا عرش وتاج؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟ قال له: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، قال: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز، أنا مرتد إذا أكرهتني، قال له: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه، كل صدع فيه يُداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
هذا هو الدين، أي معقول جيش ضخم ذهب إلى سمرقند وفتحها واحتلها إن شئت أن تقول، فيذهب وفد سراً من سمرقند إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز، ويُخبر الخليفة أن فتح هذه المدينة لم يكن شرعياً، الفتح الشرعي أن يُعرض الإسلام على أهل المدينة، فإن أسلموا فهُم منا ونحن منهم، ولهم ما لنا، وعليهم ما علينا، هذا هو الإسلام،  إن أسلموا لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، هم منا، ونحن منهم، فإن أبَوا يُدعون إلى دفع الجزية، فإن أبَوا يُقاتلون، يبدو أن هذا الجيش تجاوز الشرط الأول والثاني، وفتح المدينة، تروي الروايات أن سيدنا عمر بن عبد العزيز كتب على قُصاصة ورق صغيرة، أعطى أمراً لقائد الجيش أن يخرج، هؤلاء الوفد نظروا- فقط للتقريب-اليهود هل يخرجون بورقة صغيرة؟ اخرجوا يخرجون كلهم، مثل الخيال، القصة مثل الخيال، فلما وصلوا هم في الطريق يشككون معقول؟! معقول مدينة فتحت يأتي أمر من خليفة إلى قائد الجيش انسحب، واسلك الطريق الشرعي في فتحها، حينما أعطوا هذه الورقة لقائد الحملة قَبّلها، أعطى أمراً بالانسحاب، قالوا: لا، نحن أسلمنا جميعاً، ما دام الأمر هكذا، مادام هناك عدل، والله أيها الإخوة؛ نقرأ التاريخ أحياناً من شدة غرابته لا يُصدق، فالعدل بهذه الرحمة، بهذا الصدق، بهذه الأمانة، هكذا فتحت البلاد، فُتحت بالعلم، فُتحت بالإحسان، فُتحت بالرحمة، كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يطعمون الأسرى أطيب الطعام، ويأكلون أردأه، أسير يطعمه أطيب الطعام، ويأكل أردأه، الأسير أسلم، الفرق كبير جداً:

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)﴾

[ سورة الفتح ]

 والآن لا تطمع من أحد أن يقتنع بالإسلام إن لم تكن كاملاً، إن لم تكن مُنصفاً، إن لم تكن رحيماً، إن لم تكن حكيماً، معك فكر، ومعهم فكر، تتكلم، يتكلمون، تؤلف كتاباً، ألفوا مئة كتاب، أي قضية معلومات ومناقشة وحوار قضية سهلة جداً، أما الموقف الأخلاقي، الموقف البطولي، أي معقول صحابي جليل في أثناء الهجرة قبضوا عليه فقال هكذا: عهداً للهِ إن أطلقتموني لن أحاربكم، فأطلقوه، وصل المدينة وحدث النبي عليه الصلاة والسلام، وفرح به فرحاً شديداً، هناك غزوة، من شدة حبه للجهاد نسي انخرط بها، قال له النبي: ارجع، ارجع، ألم تعاهدهم؟ هذا هو الدين، الدين صدق، الدين أمانة.
والآن يا إخوان؛ ليس هناك شيء يشد الناس إلى الإسلام إلا أن يروك الناس بأعلى درجة من الصدق والأمانة والاستقامة، النبي عليه الصلاة والسلام قبل البعثة كان صادقاً، وكان أميناً، أي الآن يقول لك بعض المتطرفين: إن مال الكفار مباح لنا، من قال لك ذلك؟ النبي عليه الصلاة والسلام لماذا وضع ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه مكانه في السرير لماذا؟ ليؤدي الأمانات إلى أهلها، أمانات من؟ أمانات المشركين، لمَ لمْ يقل: هؤلاء مشركون ومالهم حلالٌ لنا؟ لم يقل شيئاً، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾

[ سورة المائدة ]

والله أيها الإخوة؛ لما تعامِل إنساناً غير مسلم يوجد عليك حساب مضاعف، لأنك إن أسأت إليه هذا الإنسان غير المسلم لا يقول: فلان أساء إلي، يقول: الإسلام أساء إلي، أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قِبَلك، إن أسأت إلى مسلم يقول لك: فلان أساء إلي، أما إذا أساءت إلى غير المسلم يقول لك: المسلمون سيئون، يعمم، يتهم الدين كله بالتقصير. 
 

قصة إمام في عصرنا:


فيا أيها الإخوة الكرام؛ دائماً كنت أروي هذه القصة لأنها مُعبِّرة، لما إمام بجامع بلندن نُقل إلى ظاهر لندن، إلى مانشيستر، روى قصته، صار مضطراً أن يركب مركبة كل يوم إلى هذه المدينة في ظاهر لندن مع السائق نفسه، مرة صعد المركبة، أعطى السائق ورقة نقدية كبيرة، ردّ له السائق التتمة، عَدّها فإذا هي تزيد عشرين بنساً عما يستحق، فقال في نفسه: لابدّ من أن أردّ الزيادة، إمام مسجد صاحب دين، لما جلس على المقعد قال: إنها شركة عملاقة، ودخلها فلكي، والمبلغ قليل جداً لا قيمة له فلا عليّ أن آخذه لأنني في أمس الحاجة إليه، على كل لما أراد أن يغادر المركبة دون أن يشعر مدّ يده وأعطى السائق العشرين بنساً، ابتسم السائق، قال له: ألست إمام هذا المسجد؟ قال: بلى، قال: والله حدثت نفسي قبل يومين أن أزورك في المسجد لأتعبد الله عندك، ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك، يروي كاتب القصة هو الإمام نفسه أنه وقع مغشياً عليه، لأنه تصور عِظَم الجريمة التي كاد يقترفها لو لم أبقى المبلغ في جيبه، فلما صحا من غفوته قال: يا رب كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً.
لما باع المسلمون دينَهم بتوقيع كاذب، بتصريح كاذب، لما اغتصب بعضهم بعضاً البيت أو الشركة انتهى الإسلام، الإسلام كفكر هناك فكر آخر يقابله، كمؤلفات هناك مؤلفات، كمحاضرة هناك محاضرة، أما إن لم تتميز عن بقية الناس بخُلُق قويم، بصدق وأمانة، بإنصاف ورحمة لا أحد يلتفت إلى هذا الدين، وهذا الطريق الآن واضح جداً، يجب أن يرى الناس عَظَمة الإسلام من خلال السلوك، يجب أن يُشار إليك بالبنان، يجب أن يُقال: والله إنسان عجيب، ما هذه الأخلاق؟ إن لم يقل الذين حولك هذا الكلام لا يمكن أن تُقنع الناس بالإسلام.
أنا كنت أروي قصة؛ شابان على مقاعد الدراسة، الأول مسلم، والثاني غير مسلم، لما كبرا المسلم له دكان بسيطة، بقالية، بقّال، وغير المسلم صار من كبار التجار تجار الأبنية، لما أراد هذا المسلم أن يتزوج خطر في باله أن يسأل صديقه ورفيق دراسته لعله يقدم له بيتاً أجرة، طلب منه بيتَ أجرةٍ، اعتذر، قال له: أنا لا يوجد عندي بيت للإيجار، أنا عندي بيت للبيع فقط، طلب منه ثانية، اعتذر، الثالثة، يبدو أن المسلم بحاجة ماسة لبيت، وزواجه تعطل، والمشكلة كبيرة، قال له: عهداً لله إن أجرتني بيتاً من بيوتك، وجاء من يشتريه أعطيك إياه في أيامٍ ثلاث، هذا الصديق غير المسلم تأثر من هذا الكلام، أعطاه بيتاً في أحد أحياء دمشق، تحت الأرض وشمالي، لما ارتفعت الأسعار ارتفاعاً جنونياً صار للبيت قيمة كبيرة، فجاء من يشتريه، فجاء لعنده، قال له: أنت وعدتني بالخروج بعد ثلاثة أيام، جاء من يشتري البيت، أنا سأعطيك ستة أشهر، قال له: حسناً، باليوم الثالث طُرِق باب صاحب البيت، قال له: هذا المفتاح، صاحب البيت صُعق، الآن الأمر ميسّر، أما قبل تعديل قانون الإيجار ما كان هناك أمل ولا بعشر سنوات أن تجد بيتاً للأجرة إلا شراء، ما صدق، لما غادر المستأجر اتجه مالك البيت إلى البيت، لأنه ما صدق، فتح البيت فإذا هو فارغ، نظيف، مرتب، صالح للسكن فوراً، صُعق، فلما غادر البيت فتح أحد الجيران الباب قال له: بالله عليك هذا الجار الذي ترك البيت من أيام ثلاث كم دفعت له حتى خرج؟ قال له: ما دفعت له شيئاً، هو عاهدني، ونفذ عهده فقط، قال له: لمَ السؤال؟ قال له: باع أثاث بيته كله بأبخس الأسعار، وسكن بالفندق، هذا الإنسان إنسان قدّر، ما هذا العهد؟ قال له: عهداً لله إن أجرتني بيتاً وجاء من يشتريه أعطيك إياه في أيام ثلاث، القصة مثل الخيال، ذهب إليه، وقال: هذا البيت بيتك، وسوف أبيعك إياه بسعر يوم سكنته، وكل الأجرة الذي أخذتها منك أقساط من ثمنه، وأثاث البيت سأجدده لك على حسابي، ما كان هناك أزمة سكن، هناك أزمة إسكان، أزمة ثقة. 
 

الصبغة تطبيق عملي لما تعرف:


والله أيها الإخوة؛ لو طبقنا هذا الدين العظيم لكانت حياتنا جنة والله، اقرأ التاريخ، اقرأ مواقف الصحابة، اقرأ التابعين، اقرأ الورع، الرحمة، الإحسان، الدين ما انتشر بالعالم بالمعلومات، بإلقاء المحاضرات، بالمؤتمرات، لا ينتشر بهذه الطريقة، ينتشر أن تكون حياة المسلمين متميزة صارخة، هذا الفرق بين الفطرة والصبغة، الآن الناس في الأرض جميعاً البطولة يقدرونها، الموقف العدل يقدرونه، الرحمة يقدرونها، هم لا يعدلون، ولا يرحمون، لكنهم يقدرون الرحمة والعدل، أما الصبغة أن تكون رحيماً، وأن تكون مُنصفاً، وأن تكون وقّافاً عند حدود الله، ولا يوجد قصة تهز مشاعرنا إلا إذا كانت تعبّر عن تمسك المسلم بإسلامه.
الآن عندنا تجارب معاصرة، ذكرت مرة بلداً إسلامياً، هو طابعه علماني، لأن أحد رؤساء الوزراء سمح أن يؤذن باللغة العربية شنق، لأن نائبة في البرلمان وضعت على رأسها الحجاب سحبت منها الجنسية، وطردت من المجلس، موقف عنيف جداً ضد المسلمين، لكن بعد حين قُدمت خدمات عن طريق البلديات رائعة لأناس مسلمين فقنع الناس بهذا الإسلام، ألغيت الرشوة، أنشئت سدود، قُدمت خدمات كبيرة جداً، القصة طويلة، وهؤلاء الذين قدموا الخدمات ما تكلموا عن الإسلام ولا كلمة، لكن الأسعار انخفضت، الديون قلّت، سعر العملة ارتفع، سدود أنشئت، ثلاثة عشر ألف مومساً تابت وتزوجت، قدموا إنجازاً حضارياً فقط، الآن الأمر بيدهم، وتعديل الدستور بيدهم، وسنّ القوانين بيدهم، وما تكلموا في الإسلام ولا كلمة واحدة، بل قالوا: نحن علمانيون، من أجل أن تكونوا مطمئنين، القضية واضحة جداً كالشمس، تتكلم أتكلم، تقيم مؤتمراً أقيم مؤتمراً، أما لما تكون وقّافاً عند حدود الله تكسرني، تكون مستقيماً تكسرني.
والله يا إخوان؛ لا تتصور الله عز وجل يُفرج عنا إلا إذا عدنا إلى حقيقة هذا الدين، أما هناك نشاط إعلامي، ونشاط سياسي، ونشاط اقتصادي، هذا كله لا يُشكل بمجموعه سبباً كافياً لأنْ ينصرنا الله عز وجل، لذلك الفطرة شيء، والصبغة شيء آخر، الصبغة أن ترى موقفاً أخلاقياً، أن ترى إنصافاً، أن ترى صدقاً، أن ترى أمانة، أن ترى ورعاً، ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، الصبغة اتصال بالله، الصبغة اشتقاق الكمال من الله عز وجل، الصبغة ورع، الصبغة رحمة، الصبغة عدل، الصبغة حب، الصبغة عمل الصالحات، أما الفطرة بصراحة لو مجموعة لصوص سرقوا ماذا يقولون؟ لا تظلم، وزِّع بالعدل، هم سارقون، الفطرة في أصل جِبِلتهم، أنت ليس لك فضل بالفطرة، هكذا جبلت، هكذا جبلت على الفطرة، أما فضلك بالصبغة، لذلك الفرق بين الفطرة والصبغة فرق كبير، بين أن تحب الخير وبين أن تكون خيّراً، بين أن تحب العدل وبين أن تكون عادلاً، بين أن تحب الإنصاف وبين أن تكون منصفاً.
 

قمّة عدل النبي عليه الصلاة والسلام:


طبعاً القصص كثيرة جداً، يمكن درعٌ سرق، وضع بكيس فيه طحين، والكيس مثقوب، وأُخِذ هذا الدرع إلى بيت يهودي ليكون أمانة عنده، واليهودي قبِل هذه الأمانة، ثم يُفتقد الدرع، افتقده صاحبُه، بحث عنه، قيل له: اليهودي هو السارق، والذي دبّر هذه الحيلة أنصاري، أي محسوب على المسلمين، لأن النبي عليه الصلاة والسلام تمنى، وهذا شأن كل إنسان، تمنى أن يكون الخبر صحيحاً، اليهودي هو السارق، والأنصاري بريء، الحقيقة معاكسة، الأنصاري هو السارق، واليهودي بريء، أيعقل أن يأتي وحي السماء ليخاطب النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)﴾

[ سورة النساء ]

هذا الدين، الوحي دافع عن إنسان عدو لدود للدين، واتّهم إنساناً محسوباً على المسلمين، هذا هو العدل، إن لم نكن كذلك لا نتصور أن الله سبحانه وتعالى سوف ينفذ وعده بالنصر لنا، النصر له ثمن.
 

ملخّص ما بين الفطرة والصبغة:


الصبغة والفطرة، الفطرة أن تحب الخير، لكن الصبغة أن تكون خيّراً، الفطرة أن تحب الرحمة، لكن الصبغة أن تكون رحيماً، الفطرة أن تحب العدل، لكن الصبغة أن تكون عادلاً، والصبغة أكبر ثمرة من ثمرات الإيمان، أكبر ثمرة من ثمرات الإيمان أنك تصطبغ بكمال الله عز وجل، لذلك أيها الإخوة؛ قال تعالى: 

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾

[ سورة الأعراف ]

أي أنك لن تستطيع أن تتقرب إلى الله بوسيلة أكبر من أن تتخلق بالكمال الإلهي، الله رحيم ارحم مَن دونك.
أيها الإخوة الكرام؛ لما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( عن سهل بن سعد: هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟ ))

[ صحيح البخاري ]

هذا الضعيف ضعيف يمكن أن تهمله، يمكن أن تسحقه، يمكن أن تُعتم عليه، لا معه إعلام، ولا معه قوة، ضعيف، مقهور، مظلوم، أنت كمؤمن لو أنصفت هذا الضعيف، إن أطعمته إن كان جائعاً، كسوته إن كان عارياً، أنصفته إن كان مظلوماً، علّمته إن كان جاهلاً، آويته إن كان مشرداً، هذا الضعيف لأنه ضعيف، ولأنك قوي، ولأنك لست بحاجة إليه، بل هو بحاجتك، لأنك بدافع من خُلُق نبيل أكرمته، الآن الله يكافئك بمكافأة من جنس عملك، ينصرك على من هو أقوى منك، لأنك نصرت من هو أضعف منك ينصرك على من هو أقوى منك، هذا الطريق إلى النصر، ((هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ)) أنت حينما تنصر الضعيف، تعطيه حاجته، تنتصر له، يتفضل الله عز وجل علينا بالنصر إن شاء الله، ((هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ)) دائماً النبي عليه الصلاة والسلام يُعلمنا أشياء كثيرة، رجل دخل إلى بستان أنصاري، وأكل من دون إذنٍ، شكاه الأنصاري إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وساقه على أنه سارق، ماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال له: هلّا علمته إن كان جاهلاً؟ وهلّا أطعمته إن كان جائعاً؟ انظر إلى المعالجة، هل بحثت عن أسباب المشكلة؟ قبل أن تقيم عليه الحد، قبل أن تعاقب، قبل أن تثور، قبل أن تغضب، قبل أن تتوعد، هل قلت: لماذا فعل هذا؟ أحياناً يقول لك: ضبطته بسرقة، السارق سارق، لكن يا ترى هل من المعقول أن تعطيه مبلغاً لا يكفيه يومين طوال الشهر؟ هناك سبب، أنا لا أدافع عن الخطأ أبداً، لكن كل خطأ له سبب، أنت كمؤمن تبحث عن السبب، وإذا ظهر السبب بطل العجب، هناك ظلم شديد أحياناً، ظلم من قِبل صاحب عمل، هناك يد عاملة متوافرة كثيرة، يضع رقماً أقلّ من حاجة الإنسان بكثير، يقبل الإنسان، لكن لا يوجد فيه إيمان، ضعيف الإيمان، أتيح له أن يأخذ ما ليس له يأخذ، ضبطته أنت، العمل خطأ كبير كبير كبير، وأنت مخطئ أيضاً، أنت ما أعطيته حاجته، ما أعطيته ما يستحق، فلابد من مراجعة حسابات أيها الإخوة؛ نحن يوجد عندنا في حياتنا خلل كبير، يوجد عندنا وضع خطير، يوجد عندنا عدوان شرس، يوجد عندنا دول تتكالب على ثرواتنا،

(( عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ. ))

[ صحيح أبو داود ]

وقع هذا الشيء، ثلاثون دولة محتلة لأفغانستان، والعراق ثلاثون دولة، والصومال محتلة، وفلسطين محتلة، يوجد خمس دول إسلامية محتلة الآن، ((يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ)) مليار وخمسمئة مليون، ((وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)) هذه المشكلة، الوضع واضح جداً، نحن أمة الإسلام، نحن أمة القرآن، نحن أمة الوحيين، معنا وحي، فإذا عدنا إلى هذا الدين العظيم، نصلي جميعاً، نصوم جميعاً، نحج جميعاً، بالحج يجتمع أحياناً أربعة ملايين، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( عن عبد الله بن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خيرُ الصحابةِ أربعةٌ وخيرُ السرايا أربعمائةٍ وخيرُ الجيوشِ أربعةُ آلافٍ ولا يُغْلَبُ اثنا عشرَ ألفًا من قِلَّةٍ. ))

[ صحيح أبو داود ]

فالعبرة لا بالكم، بالنوع.
 

الفرق بين الطبع والتكليف:

 

1 – بين الطبع والتكليف تناقض حادٌّ:

أيها الإخوة؛ بقي موضوع الطبع والتكليف، بين الطبع والتكليف تناقض، الطبع شيء فُطرت عليه، أنت تميل إلى النوم، أنت بأيام الشتاء الباردة بفراش وثير، من الصعب بمكان أن تنزع عنك الغطاء، وأن تتوضأ بالماء البارد، وأن تصلي، الطبع أن تبقى نائماً، والتكليف أن تستيقظ، الطبع أن تأخذ المال، والتكليف أن تنفقه، الطبع أن تملأ عينيك من محاسن النساء، والتكليف أن تغض البصر، الطبع أن تخوض في فضائح الناس، والتكليف أن تسكت، فالطبع يتناقض مع التكليف.

 2 – الطبع أقرب إلى الجسم والتكليف أقرب إلى الفطرة:

لكن الطبع أقرب إلى الجسم، والتكليف أقرب إلى الفطرة، دقق الآن؛ الطبع أقرب إلى الجسم، الجسم يرتاح بالنوم، لو أن إنساناً سمع أذان الفجر وما صلى، يستيقظ يحس بكآبة، بانقباض، لكن جسمه مرتاح، لأنه شبع من النوم، أما لو قام وصلى، ورجع نام يستيقظ الساعة التاسعة براحة نفسية لا توصف، لأنه صلى الفجر في وقته، إذاً: الطبع أقرب إلى الجسم، والتكليف أقرب إلى النفس، لما يكون الأمر بيده، ويقدر أن يأخذ مبلغاً فلكياً دون أن يعلم أحد، ويأخذه، يمكن أن يشتري سيارة به، يمكن أن يغير بيته، لكن يحس بكآبة دائماً، آكل مالاً حراماً، اعتدى على حقوق غيره، لم يقسم هذه التركة بالعدل، أما لما يؤدي الحقوق لأصحابها تماماً يشعر براحة نفسية، فصار التكليف أقرب إلى الفطرة، والطبع أقرب إلى الجسم. 

3 – تناقض الطبع مع التكليف يكون ثمن الجنة:

من تناقض الطبع مع التكليف يكون ثمن الجنة.

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

[ سورة النازعات ]

من تناقض الطبع مع التكليف تكون الجنة، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ والله عز وجل يمتحن عباده جميعاً بقضايا مهمة، أحياناً تكون صفقة رابحة، لكن فيها شبهة، أنت حينما تتركها تتخذ قراراً بطوليًّا، والله عز وجل بعد حين يعوض عليك أضعافاً مضاعفة، لكن امتحنك بامتحان صعب، فالبطولة أن تنجح بامتحان الله عز وجل، إذاً الطبع يتناقض مع التكليف، الطبع أقرب إلى الجسم، والتكليف أقرب إلى النفس، أنت إذا أديت ما عليك من تكاليف ترتاح نفسك، تُحس أن الله راض عنك، تُحس أن الله يحبك، أما إذا لبيت حاجات الجسد بخلاف منهج الله عز وجل تُحس بالكآبة، وأنا أقول لكم كلاماً دقيقاً: لا يمكن أن يحتاج المؤمن الصادق إلى طبيب نفسي، مستحيل، لأن الله سبحانه وتعالى منحه السكينة، لما أطاعه منحه السكينة، وبالسكينة تسعد ولو فقدت كل شيء، ومن دونها تشقى ولو ملكت كل شيء، هذا هو الفرق بين الطبع والتكليف، وبين الصبغة والفطرة.
وفي درس آخر إن شاء الله نتابع موضوعات مقومات التكليف، وهي من ألصق موضوعات العقيدة.
 
من الإعجاز العلمي في القرآن: 

1 – وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَال:

عندنا بعض القضايا في الإعجاز.
أيها الإخوة الكرام؛ الإنسان ينام على سريره، ما الذي يحصل؟ له هيكل عظمي، له وزن، وفوق الهيكل العظمي يوجد عضلات، إنسان نائم بنصف جسمه تقريباً، هناك العمود الفقري، عظم الفخذ، عظم الساق، القفص الصدري، الجمجمة، هناك عظام، فوق العظام يوجد لحم، يوجد عضلات، وزن العظام مع ما فوقها من عضلات تضغط على ما تحت الهيكل من عضلات، هذا الضغط يُسبب ضيقاً بالأوعية الدموية، إذا استمر هذا الضغط يشعر الإنسان بتنميل، بالتعبير الشائع بخضران، أو إذا جلس إنسان بدرس على ركبتيه لفترة طويلة يحس بتنميل، ثم خضران، ثم لا يحس برجله إطلاقاً، الذي يحصل أن الأوعية الدموية في المنطقة المضغوطة تنضغط، تضيق لمعتها، تقلّ التروية، تحس بهذا التنميل، الله عز وجل هيأ آلية بالغة التعقيد بالجسم، وضع الله بكل مكان بالجسم مراكز إحساس بالضغط، فإذا انضغطت المراكز فيما تحت الهيكل العظمي تعطي إشارة إلى الدماغ، انضغطنا، وأنت نائم، وأنت غارق في النوم، يعطي الدماغ أمراً إلى الجسم يقلب، تقلب إلى ناحية اليمين، تمضي نصف ساعة، ما تحت الهيكل العظمي ينضغط، يعطي استغاثة للدماغ، الدماغ يعطي أمراً تقلب قلبة ثانية، تصوّروا إنساناً نائماً ثماني ساعات قلب ثمان وثلاثين مرة، الله عز وجل قال:

﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18)﴾

[ سورة الكهف ]

أهل الكهف لو ما قلَبهم الله عز وجل خلال شهر يتفسخون تفسخاً كاملاً، الآن عندنا أمراض أيها الإخوة؛ مرض السبات، هذا بغيبوبة كاملة، لو أن أهله ما قلبوه يتفسخ اللحم، ينزعون اللحم كمادة متفسخة من تحته، فلا يوجد إنسان يمكن أن يعيش أكثر من شهر لو ما تقلب، يموت رأساً، فالإنسان يتقلب ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ والحكمة مرة على اليمين، مرة على اليسار، لو على اليمين دائماً يقلب من على السرير، ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ وأنت نائم الدماغ صاحٍ، وجهاز الضغط يعمل بانتظام، ويعطي رسائل استغاثة، والدماغ يأمر الجسم ويغيّر نومته ودون أن تشعر، هذه الآية في الحديث عن أهل الكهف من إعجاز القرآن الكريم: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ . 

2 – بلع اللعاب والإنسانُ نائم:

أنت نائم غارق في النوم، بالتعبير الشائع نوم قاتولي، يتجمع اللعاب بالفم، تذهب رسالة من الفم إلى الدماغ: اللعاب زاد، يأتي أمر من الدماغ إلى لسان المزمار يفتح طريق المريء، يغلق طريق التنفس، تبلع ريقك وأنت نائم، كل فترة عشر دقائق، ربع ساعة وأنت نائم لسان المزمار كان قد أغلق طريق المريء، وفتح طريق التنفس، يفتح طريق المريء، يُغلق طريق التنفس تبلع ريقك، تقدير مَن؟ تصميم مَن؟ حكمة مَن؟ علم من؟ قدرة من؟ وأنت نائم، شيء مذهل أيها الإخوة؛ فالله عز وجل قال: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ وقال تعالى:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)﴾

[ سورة التين ]

القضية معقدة جداً، أنت تمشي بالطريق سمعت بوق سيارة اتجهت نحو اليسار، أي الصوت دخل إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن بفارق يساوي واحداً على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية، وهناك جهاز بالدماغ أدرك الفرق، وعرف جهة الصوت، هنا قبل هنا، والفارق هكذا، فيعطي الدماغ أمراً إلى الإنسان أن انحرف نحو اليسار، هل هناك أبسط من أن تسمع بوق سيارة تأتي على اليسار؟ كيف عرفت جهة الصوت؟ من جهاز بالغ الدقة، لذلك قال تعالى:

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

[ سورة الذاريات ]

أتحسب أنك جرم صغير                     وفيك انطوى العالم الأكبر؟

[ علي بن أبي طالب ]

* * *

من التقليب وأنت نائم، الآن الإنسان عند طبيب الأسنان مضطر أن يفتح فمه فترة طويلة، ماذا يفعل معه الطبيب؟ يضع له شراقة حتى لا تشط ريالته، لأنه لا يستطيع أن يُغلق فمه، وأنت نائم ينتقل اللعاب آلياً عن طريق آلية معقدة جداً بإغلاق ممر التنفس، وفتح ممر المعدة.

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)﴾

[ سورة لقمان ]

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور