وضع داكن
25-02-2024
Logo
الخطبة : 0068 - بر الوالدين - التطبيق العملي .
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخطبة الأولى :

الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر .
اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

بر الوالدين والقيام برعايتهما

أيها الإخوة الكرام ؛ شاع بين المسلمين عُقوق الوالدين ، وعُقوق الوالدين من الكبائر ، بل إنّ عُقوق الوالدين من أكبر الكبائر .
ويا أيها الإخوة ليس في الأدْيان ، وليس في الدِّين الإسلامي كلّه أمْرٌ واحدٌ بِتَناوُل الطعام ، ولا توَعُّدٌ لِمَن لا يأكل ، لماذا ؟ لأنّ هذا تَحصيل حاصل ، فقد رُكِّبَ في طبْع الإنسان ، وأصل تَصميمه دافعٌ إلى الطعام وحاجةٌ إليه ، يتمثَّل هذا بالشعور بالجوع وذلك الشعور الذي لا يُقاوَم

كذلك ليس في الدِّين كلّه أمْرٌ للآباء بِرِعاية الأبناء ، لأنّ هذا مركّبٌ في طبْعهم ، وفي أصل تَكوينهم ولكنّ برّ الأبناء للآباء تكليفٌ ، ومعنى انَّه تكليف أنَّهُ ذو كُلْفةً يقتضي كلفةً وإرادةً ، يقتضي بذْلاً ، يقتضي عطاءً ، أن تفْعَلَ شيئًا وفْق طبْعِكَ شيء وأن تفْعَلَ شيئًا بِخِلاف طبْعِكَ شيءٌ آخر، إنَّك لن ترقى إلا إذا فعلْتَ شيئًا بِخلاف طبْعِك ، قال تعالى

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾

[سورة النازعات الآية:40]

فإذا كان الطَّبْعُ يقتضي أن تنظر إلى ما يُمْتِعُ العين فالذي يرقى بك إلى الله أن تغضّ البصر عمّا نُهِيتَ أن تنظر إليه ، وإذا كان الطَّبْعُ يقتضي أنْ تقبضَ المال فإنّ التكليف يقتضي أن تدفعَهُ ، وإذا كان الطَّبْعُ يقتضي أن تتكلَّم بِعَوْرات الناس فالتكليف يقتضي أن تسكت ، لذلك أيها الإخوة ؛ لا يرقى المسلم عند الله عز وجل إلا إذا خالَفَ هواه وطبْعَهُ ، رعاية الآباء للأبناء في أصْل طبْعِهِم ، مركّبٌ في طبْعِهم من أجل اسْتِمرار الحياة وأن تُعْمَرَ الأرض ، ولكنّ برّ الأبناء للآباء تكليف ، ومعنى أنَّه تكليف أيْ ذو كُلفَة يقتضي اختِيارًا ، ويقتضي جُهْدًا ، ويقتضي وقتًا ، ويقتضي أحياناً مشقة .
أيها الإخوة الكرام ؛ الإنسان يُثابُ على أعماله التي تُخالفُ طبْعهُ أكثر ممَّا يُثاب على أعماله التي توافق طبْعَهُ ، لذلك برّ الوالدين يُثابُ صاحبُه عليه في الدنيا توفيقًا ونجاحًا ، وفي الآخرة سعادةً وخلوداً ، ويا أيها الإخوة الكرام ؛ إنّ هذا التكليف أنت أيها الإنسان مُكَلَّفٌ بِبِرّ والِدَيك ، هذا التكليف من الأهَمِيَّة بحيث قرَنَهُ الله عز وجل بِعِبادَتِهِ ، والاقْتِران عن طريق العَطْف يُفيدُ التوافُقَ والمشاكلة ، والمشابهة والاشْتِراك ، قال تعالى:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾

[سورة الإسراء الآية:23]

ربّنا جلّ جلاله رفعَ الأمر بالإحسان إلى الوالدين إلى مستوى عبادته ، إذًا هو من الأهَمِيَّة بِمَكان ، الله سبحانه وتعالى هو الذي أوْجَدَكَ ولم تَكُنْ شيئًا مَذْكورًا ، أوْجَدَكَ عن طريق هذا الأب وتلك الأمّ ، إذًا قال تعالى:

﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾

[سورة لقمان الآية: 14]

هذا العطف يقتضي المشاركة والتوافق.
أيها الإخوة الكرام ؛ مرّةً ثانِيَةً ، أحْسَنَ في اللّغة العربيّة يتعدَّى بإلـ ، لو فتَحْتَ المعاجم على فعل أحْسَن يُقال أحْسنَ إليه ، إلا أنّ هذا الفِعْل في القرآن الكريم يتعدَّى بِحَرْفٍ آخر، هو الباء، قال تعالى:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾

[سورة الإسراء الآية:23]

أيْ إحْسانًا بالوالدين ، ولا يخفى على كلّ ذي فهْمٍ أنّ هذه الباء تفيد الإلْصاق ، وقد اسْتَنْبطَ علماء التفسير من حرْف الباء أنَّ الإحسان للوالدين لا يُقْبَلُ إلا إذا كان شخْصِيًّا وبالذات من ابنهما لا عن طريق الهاتف ، ولا عن طريق الواسطة ، ولا عن طريق الرسالة ، لا بدّ من أن تحضر إليه ، ولا بدّ أن تقدِّمَ إليه الخِدْمةَ بِنَفْسِكَ ، لا تُقْبَلُ إلا أن يكون هذا شخصيًّا منك .
أيها الإخوة الكرام ؛ في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن عبد الله قال سألتُ الصلاة على وقتها ثمّ بر الوالدين ، الجهاد في سبيل الله ، فَبِرُّ الوالدين من خِلال هذا الحديث هو أعظمُ الأعمال في الإسلام بعد الصلاة التي هي عِماد الدِّين وعِصام اليقين ، وسيّدةُ القربات ، وغرّة الطاعات ، ومعراج المؤمن إلى ربّ الأرض والسماوات
أيها الإخوة الكرام ، ثمّ يقول الله عز وجل:

﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾

[سورة الإسراء الآية:23]

يا إخوة الإيمان أرأيْتُم إلى كلمة واحدة في الآية الكريمة ؟ كلمة عندَكَ يعني هم عندك ، بعدَ أن كنْتَ أنت عندهم ، الطّفل إذا كان صغيرًا ، الطّفل الصغير الضعيف هو عند والدَيْه مكانًا ونفقَةً ورِعايَةً وتربِيَةً ، تقدَّمَتْ السِنّ بالأب فأصبحَ الأب عند ابنه مكانًا ونفقَةً ورِعايَةً وترْبِيَةً، قال عز وجل :

﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ﴾

[سورة الإسراء الآية:23]

هم الآن عندك ، وقد كنت عندهم ، يوم كنتَ صغيرًا كنت عندهم في بيت أبيك ، هو ينفقُ عليك ، هو يرْعاك ، هو يُربّيك ، أما اليوم هو عندك في بيتك عليك أن ترْعاه ، وعليك أن تنفق عليه ، وعليك أن تُعْطِيَهُ أثْمَنَ ما عندك ، قال عز وجل:

﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ﴾

[سورة الإسراء الآية:23]

ربّما لا يجد الإنسان مشقَّةً وعنةً في برّ والدِه الشابّ ، ولكنّ الأب إذا تقدَّمَت به السنّ أصْبحَتْ حاجاتهُ كثيرة ، وقد يُصبحُ كلامه كثيرًا ، وقد يصبحُ تدخُّلُه كثيرًا ، فإذا بلغَ من الكِبَر وهو عندك هو في أمسّ الحاجة إليك ، إلى عطْفكَ ، وإلى حِلْمِكَ ، وإلى رحمتك ، وإلى رعايتك ، وإلى ترْبيَتِكَ ، قال تعالى:

﴿إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾

[سورة الإسراء الآية:23]

برُّ الوالدين تكليف ، ربّما شعرَ الإنسان البعيد عن الله عز وجل أنّ أباهُ عبءٌ عليه، ربّما شعر الإنسان البعيد عن الله عز وجل أنَّه أُمّه عبءٌ عليه ، ومصْلحتُهُ مع زوْجتهِ ، مصْلحتُه مع رفاقه ومع أصدقائه ، فهذا الأب الذي تقدَّمَتْ به السنّ ، وهو في أمسّ الحاجة إليك ربّما أصبحَ عبئًا عليك ، لذلك جاء الأمر الإلهي، قال تعالى:

﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾

[سورة الإسراء الآية:23]

كلمة أف ليسَتْ كلمة ، إنَّها نَفَسٌ مَسْموع ، زفيرٌ مَسْموع ، زفيرٌ بِصَوْتٍ عالٍ ، وردَ في بعض الآثار أنّه لو أنّ في اللّغة كلمة أقلّ من أفّ لذكرها الله عز وجل ، قال تعالى:

﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾

[سورة الإسراء الآية:23]

أُفّ اسم فعل مضارع ، بِمَعنى أتضجَّر ، والإنسان إذا تضجَّر قال: أفّ، أو تنفَّسَ بِصَوٍت مَسْموع ، أو أرْجَعَ الهواء من رئتَيْهِ بِصَوتٍ مَسْموع أيْ كان زفيرهُ مَسْموعًا.
ويا أيها الإخوة الكرام ؛ العلماء حملوا على هذه الكلمة التي وردَت في نصّ القرآن كلَّ فِعْلٍ كإغلاقٍ باب ، وكلّ كلمةٍ أو كلَّ نظرةٍ تُساويها في الإساءة إلى الأم والأب ، في القرآن منْطوق ، وفي القرآن مفهوم ، فكَلِمَة ولا تقل لهما أُفٍّ يُساويها أنْ تشُدّ نظرك إلى أبيك ، يُساويها أن تغلق الباب بِعُنْف ، يُساويها أن تحرِّك يدَيْك تضجُّرًا ، أيّ فِعْلٍ ، أو أيَّةُ كلمة ، أو أيَّةُ إشارة أو أيّة عبارة ، أو أيّة حركة ، أو أيُّ تصرُّفٍ يُساوي كلمة أفّ فهي تأخذ حكمها .
لذلك روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال :

((رغم أنف عبد أدرك والديه عند الكبر))

وفي رواية أخرى:

((رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه ؛ أيْ خابَ وخسر، من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثمّ لمْ يدخُل الجنّة ))

أما معنى قول الله عز وجل:

﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾

[سورة الإسراء الآية:23]

مِن النَّهْر أيْ الزَّجْر والغلظة قال تعالى:

﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾

[سورة الإسراء الآية:23]

فسَّره العلماء بِقَول العبد المذنب لِسَيِّدِه القويّ الفضّ الغليظ ، تصوَّرْ عبْدًا مُذْنِبًا يتكلّم أمام سيّده الفضّ الغليظ ، ماذا يقول له ؟ كلامٌ أحلى من العسل ، مع تلطّف ، مع ندم ، مع اختيار للألفاظ اللطيفة ، قال تعالى:

﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾

[سورة الإسراء الآية:23]

كَقَوْل العبد المذنب لِسَيِّدِ القويّ الفضّ الغليظ، قال تعالى:

﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾

[سورة الإسراء الآية:23]

عن عائشة :

((لا تمشي أمامه ، ولا تقعد قبله ، ولا تدعهُ باسمه))

معنى تسْتَسِبَّ له أي لا تكن سببًا في سبِّه، أي لا تفعل أعمالاً سيّئة مع الناس تدْعوهم إلى أن يسبُّوا أباك ، لا تمشي أمامه ، ولا تقعد قبله ، ولا تدعهُ باسمه ولا تسْتَسِبَّ له.
أيها الإخوة الكرام ؛ وما دُمنا قد وصلنا إلى كلمة : ولا تسْتَسِبَّ له ، فقد أكَّدَ العلماء أنّ من العقوق أن يشْتم الرجل والدَيْه ، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر...:

(( شتْم الرجل والديه ! وهل يشتم الرجل والديه....))

وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام ودقّقوا في هذا الحديث:

((من أحْزَنَ والِدَيْه فقد عقَّهما))

إذا فعلْتَ فِعْلاً أدْخَلْتَ على قلبهما الحُزن ، وقد عدَّ النبي صلى الله عليه وسلّم عُقوق الوالدين من أكبر الكبائر .
فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله :

(( أكبر الكبائر قالها ثلاثا: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متّكئا فجلس فقال : ألا وشهادة الزور ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

أيها الإخوة الكرام ؛ قد يقول قائلٌ والديّ ليس على الحق ، ليس مستقيما لا يصلّي ويفعل المنكرات ، اسْتَمِع أيها الأخ الكريم إلى رأي الشرع في هذا الموضوع ، يقول العلماء لا يختصّ بِرُّ الوالدين بأنْ يكونا مسلمين ، ففي صحيح البخاري عن أسماء :

(( راغبة عن الإسلام))

برّ الوالدين لا يختصّ بالوالدين المؤمنين المسلمين ، لأنّهما والدان همْ يسْتحقّون منك البِرّ والإحسان .
وقد قال بعض المفسّرين إنّ الله سبحانه وتعالى أنْزل عقب هذه الحادثة قوله تعالى:

﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾

[سورة الممتحنة الآية:8]

وفي الصحيح عن أبي هريرة ...

(( مَنْ أحَقُّ الناس بِحُسْن صَحابتي ؟ قال : ' أمُّك ' – ثلاث -))

فحقُّ الأمّ ثلاث أمثال حقّ الأب ، وسئل صلى الله عليه وسلّم من أعظم الناس حقًّا على الرجل ؟ فقال : أمّهُ ، فلما سئل : من أعظم الناس حقّا على المرأة ؟ قال : زوجها .
وجاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلّم يستأذنهُ في الجهاد فقال: أحَيٌّ والدك ؟ قال: نعم ، قال : ففيهما فجاهِد ، فَبِرُّ الوالدين يعْدِلُ الجهاد في سبيل الله ، وهذا يذكّرني بِحَديث لِرَسول الله صلى الله عليه وسلّم حينما جاءتْهُ امرأة تشتكي أنّ الرجال بكلّ الخير ، فالجهاد لهم ، والأعمال الطيّبة لهم ، والدعوة إلى الله لهم ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : اِعْلمي أيّتها المرأة وأعْلِمي من دونك من النّساء أنّ حُسْن تَبَعُّل المرأة زوجها يعْدِلُ الجهاد في سبيل الله ، دقّقوا في هذين الحديثين ، حُسْن تَبَعُّل المرأة زوجها يعْدِلُ الجهاد في سبيل الله ؛ أنْ ترْعَى بيْتَ زوْجها، أن ترْعى زوْجها ، أنْ ترْعى أولادها ، هذا عند الله جهادُ المرأة ، وأن يبرَّ الرجل والِدَيه هذا عند الله يعْدلُ الجهاد .
وقد روَتْ الكُتب أنّ رجلاً خاصمّ امرأتهُ على ولدٍ لهما ، أيّهما أحقّ بِحَضانته .
فقالتْ المرأة للقاضي : أنا أحقّ به لأنّني حملْتهُ تسْعة أشهرٍ ثمّ وضَعْتهُ ، ثمّ رضّعته إلى أن ترعْرع بين أحضاني .
فقال الرجل : أيها القاضي أنا حملْتُ قبل أن تحملهُ ، ووضعْتُهُ قبل أن تضعهُ ، فإن كان لها بعض الحقّ فيه ، فَلِيَ الحقّ كلّه أو جلّه .
فقال القاضي : أجيبي أيّتها المرأة .
قالت : لئِنْ حَمَلَهُ خِفًّا ، فقد حمَلْتُهُ ثقلاً ، ولئِنْ وضَعَهُ شهوةً ، فقد وضَعْتهُ كُرْهًا .
فقال القاضي : اِدْفَع إلى المرأة غلامها ودَعْني من سَجْعك .
أيها الإخوة الكرام ؛ وقد يقول قائلٌ ما دام أبي حيًّا فأنا أسْعى لِبِرِّهِ فإذا أخذ صاحب الأمانة أمانتهُ فماذا بقيَ عليّ من بِرِّه ؟ لكن أحكام الشريعة السّمْحاء دقيقة دقيقة ، فقد جاء رجلٌ من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قال يا رسول الله هل بقي عليّ من بِرِّ والديّ مِن بعد موتهما شيءٌ ؟ فقال : نعم ، الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذ عهْدِهما ، وإكرام صديقهما ، وصلة الرّحِمَ التي لا رَحِم لك إلا من قبلهما ، أما الصلاة عليهما ففي بعض الآراء هي صلاة الجنازة ، لكنّ بعض العلماء وسَّعَ هذا المفهوم وقال: الصلاة عليهما هي الدعاء لهما بالرحمة، وقد أمر الله تعالى بذلك فقال :

﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾

[سورة الإسراء الآية:24]

الدعاء للوالدين بالمغفرة حتى ما بعد الموت

ففي صحيح مسلم والبخاري ...

(( إذا مات ابن آدم انقط عمله إلا من ثلاث....))

من هو الولد الصالح ؟ قد نفْهم هو إنسان متفوِّقٌ بِحَياته ، له دَخْلٌ وذكيّ حكيم ! لا، العلماء قالوا : الولد الصالح هو الولد المؤمن ، فإذا دعا ابنك المؤمن لك من بعد الحياة فهذا الدعاء اسْتمرار لِعَملك الصالح ، فقد أكَّدَ العلماء أنّ دعاء الولد المؤمن الصالح لأبيه بعد موته اسْتمرار لِعَمله بِشَرْط أنْ يُرَبِّيَهُ تربيَةً ترضي الله تعالى ، إذا أسْهَمَ الأب في إيمانه وتربيَتِهِ ، وجَهِدَ الليالي في تربيته ، وإذ راقبهُ ، إذا ضبطهُ ، إذا درسَ سُلوكهُ ، وقدَّم له النصيحة ، إذا أعانه على أمر دينه ، إذا زوَّجَهُ خوفًا أن يقعَ في الفاحشة ، إذا فعلَ كلّ هذا إلى أن استقام عودهُ وأصبح هذا الابن صالحًا مؤمنًا ، الآن هذا الابن إذا دعا لأبيه بعد موته فَدُعاؤُهُ اسْتِمرارٌ له .
وقد قال بعض التابعين : من دعا لِوَالِدَيه في اليوم خمْس مرات فقد أدَّى حقّهما في الدعاء ، أيْ لا بدّ أن تدْعُوَ لِوَالديك في الصلوات الخمس ربّ اغفر لي ولِوَالديّ ، ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيرًا.
أيها الإخوة ؛ أحدنا أحيانًا يقرأ هذه الأدعِيَة دون أن يعيَ مضمونها ، ودون أن يعي الهدف البعيد منها ، وتصبحُ عادةً من عوائدهِ ، يصبح كلامًا لا يفكّر فيه ، قبل أن تُسلِّم من الصلاة قُلْ : ربّ اغفر لي ولوالِديّ ، ربّ ارْحمهما كما ربَّياني صغيرًا ، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؛ إنّ الرجل لَتُرْفعُ درجتهُ في الجنّة ، فيقول يا ربّ أنى لي هذا ؟ فيُقال: باستغفار ولدك لك ، وهو في الجنّة تُرْفع له درجته ، يقول يا ربّ أنى لي هذا ؟ قال : باستغفار ولدك لك .
يا أيها الإخوة الكرام ؛ كلمةٌ من القلب ؛ مَن كان له ولد فَجَهِدَ في تربيتِهِ وفي توجيهه ، وفي حُسْن تربيَتِهِ ، وفي تعليمه القرآن ، وفي تعليمه أحكام الشريعة إلى أنْ أصبح هذا الابن مؤمنًا مستقيمًا برًّا رحيمًا ، هذا الابن هو اسْتمرار إلى الأبد ، اسْتِمرار لك ، وأنت في الجنّة تُرفع منزلتك ، فيقول يا ربّ أنى لي هذا ؟ فيُقال : باستغفار ولدك لك ! فَكُلّ الأعمال مهما كانت جليلةً تنتهي عند الموت ، ولكنّ أعظمَ الأعمال ما اسْتَمَرَّ ثوابها بعد موتِ صاحبها ، ومن أجلّ هذه الأعمال تربية الأولاد تربيَةً صالحة ، فيَنْبغي أن يأخذ ابنك من وقتك الشيء الكثير ؛ من وقتك وجهدك وتفكيرك وتخطيطك وبذْلك ومالك ، هذا الذي يدعُ ابنه ويقول : أنا كنتُ عصاميًا ، فكُنْ مِثلي عِصامِيًّا ، وهو قادر على تَزْويجهِ ، هذا الأب مُقَصِّرٌ في حقّ أولاده ، يجب أن تعينه على طاعة الله ، وعلى غضّ بصره لِتَزويجه ، يجب أن تُعينه على كسب ماله لِتَأمين عملٍ له ، يجب أن يأخذ ابنك من وقتك كلّ الوقت.
أيها الإخوة ؛ أربعة أشياء أنْ تَدْعُوَ لهما ، وأن تستغفر لهما ، وأن تنْفذَ عهْدهما ، العلماء قالوا : إنفاذ العهْد المُراد منه إنجازهُ والوفاء به ، ما دام هذا العهْد من الأمور التي ترضي الله تعالى ، لو أوْصى الأب بأن يُقْتَطَع من مالهِ جزءٌ لِعِمارة المساجد ، أو لِطَلبة العلم ، أو لِنَشْر بعض الكتب الدِّينيّة ، أو لأعمال البرّ ، فَمِن واجبات الأبناء أن ينْفذوا عهْد أبيهم ، وإلا وقعوا في معصِيَةٍ كبيرة ، إلا أنّ هناك اسْتِثناءً ، لو أنّ الأب أو الأمّ أوْصَيا بِبَعض المخالفات والبِدَع ، فإنّ وصِيَّتهما لا تُنَفّذُ لأنَّه لا طاعة لِمَخلوق في معْصِيَة الخالق ، إذا كان بالوصيّة أشياء لا تُرضي الله عز وجل ، فيها إجحاف ، وفيها بِدَع ، هذه لا تُنَفّذ ، والابن يطمئنّ إلى قوْل النبي عليه الصلاة والسلام لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، ورد في بعض الأحاديث أنّ صِلَة الرحم تنادي وتقول : اللهم صل من وصلي واقطع من قطعني ، فيقول الله عز وجل : أنا الرحمن الرحيم ، شققْتُ للرَّحِم من اسمي اسمًا فَمَن وصلها وصلْتُه ، ومن قطَعَها قطَعْتُه ، وقد ورد في الأثر ، أنْ عبْدي ماتَتْ التي كُنَّ نُكْرمُكَ من أجلها ، فاعْمَل صالحًا نُكْرمْكَ لأجلك ، أيْ إنّ جزءً من إكرام الله لك في حياة أمِّك من أجْل أمِّكَ

فإذا ماتْ الأمّ فأيُّ عملٍ سيّئ يُعاقب عليه الإنسان أشدّ العقاب ؛ لأنّ الله عز وجل لو عاقب الابن في حياة أمّه وأبيه لكان عقابًا للأم والأب أيضًا لما أوْدَعَ الله فيهما من الرَّحْمة .
أيها الإخوة الكرام ؛ خِتامُ هذا الموضوع ، هذا الحديث الشريف رواه أحمد:

(( من سرَّه أن يُمَدَّ له من عُمره ، ويُزاد له في رزقه فلْيَصِلْ رحمه))

[ رواه أحمد ]

أيها الإخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

بر الوالدين يحتاج إلى تطبيق عملي .

أيها الإخوة الكرام ؛ النصوص التي بين أيدينا التي على برِّ الوالدين لا تخفى على أحد ، ولكنّ الأزْمة التي يعيشها المؤمن ، أنّ هناك مسافةً كبيرة بين ما يُحفظ ، وبين ما يُطبّق ، فالإنسان الذي يريد أن يتألّق وأن يرضى الله عنه ، يجب أن يأخذ بعض هذه الأحاديث ، أو كلّها مأْخَذًا جِدِيًّا ، وأن يُحاوِلَ تطبيقها ، منذ سماع هذه الخطبة ، ولكنّ المحفوظات كثيرة ، والتطبيقات قليلة ، وهذا الذي أهْلك المسلمين ، إذا زاد العلم على العمل صار العلم عبئًا على صاحبهِ ، وصارَ وبالاً عليه ، وصار حِسابهُ حسابًا خاصًّا ، فالأولى أن يُطابق العلم العمل ، فكلُّ موقفٍ يقفهُ الإنسان من أمِّه وأبيه قبل أن يتصرّف ، قبل أن يغضب ، وقبل أن يتكلّم ، قبل أن يقف ، وقبل أن يقطع ، وقبل أن يصل ، عليه أن يسترجع هذه الأحاديث الشريفة وهذه الآية الكبيرة التي قال الله فيها:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾

[سورة الإسراء الآية: 23]

هذا القرآن الكريم ما نزل من عند الله عز وجل كيْ نقرأهُ ونكتفي بها ، أو كي نتتبَّعَ معانِيَهُ الدقيقة ونكتفي بذلك ، إنّ هذا القرآن الكريم منهج حياتنا ، وتعليمات خالقنا ، توجيهات سديدة حكيمة مِن ربّنا ، فإذا أخذنا به سَعِدنا في الدنيا والآخرة ، وقد قال الله عز وجل

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

[سورة الإسراء الآية:9]

وقد ورد في بعض الأحاديث : رُبَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلْعنُهُ ، كيف يلْعنُهُ ؟ إذا خالف الأمر والنّهي ، وفي حديث آخر : ما آمنَ بالقرآن من اسْتحلّ محارمه ، فالذي حرّم الله أن نفعله ينبغي أن لا نفعله ، والذي أمرَ به ينبغي أن أْتمِرَ به وإلا انْفصَلَتْ حياتنا عن مبادئنا ، وأصبحَت مبادئنا كلامًا بِكَلام لا تعني شيئًا ، فلِذلك إن أردْتَ أن تُفَسِّر بعض مظاهر الضَّعْف والتَّخَلّف التي يُعاني منها المسلمون أنّ هناك مسافةً كبيرة بين واقعهم وبين معتقداتهم وبين النصوص التي يحفظونها ، وبين المسالك التي يسْلكونها ، هناك مسافة كبيرة ، فكلّما ضاقت هذه المسافة نجَحْنا وسَعِدنا في الدنيا والآخرة ، والأولى أن تنعدمَ هذه المسافة ، وأن يكون التطابقُ تامًّا بين حياتنا في بيوتنا ، ومع أهلينا ، ومع والِدَينا ، ومع أزواجنا ، وأولادنا ، وبين النصوص التي وردت عن الله عز وجل وعن رسول الله صلى الله عليه وسلّم .

الدعاء

اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك .
اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين .
اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين .
اللهمّ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهمّ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين .
اللهمّ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسّنين ، ولا تعاملنا بِفِعل المسيئين يا رب العالمين .
اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك .
اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى إنَّه على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير. 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور