الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى الباسط:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الباسط، القابض الباسط.
هذا الاسم ورد في السنة الصحيحة في قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( عن أنس بن مالك: قال النَّاسُ يا رسولَ اللَّهِ، غلا السِّعرُ فسعِّر لَنا، قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: إنَّ اللَّهَ هوَ المسعِّرُ القابضُ الباسطُ الرَّازقُ، وإنِّي لأرجو أن ألقَى اللَّهَ وليسَ أحدٌ منكُم يطالبُني بمَظلمةٍ في دمٍ ولا مالٍ.))
الباسط في اللغة اسم فاعل، فعله بسط، يبسط، بسطاً، الآن انبسط الشيء على الأرض اتّسع، وامتد، وتبسّط في البلاد أي سار فيها طولاً وعرضاً، وبسيط الوجه أي متهلل الوجه، مُشرِق، والبسيط هو الرجل المنبسط اللسان، وبسط إليّ يده بما أُحِبّ أو بما أكره، وصل إليّ، بسْطها أي مدُّها، وفي الآية:
﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)﴾
بسط الكف يستعمل على أنواع، تارةً للطلب.

﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14)﴾
بمعنى الطلب.
تارةً للأخذ.
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)﴾
تارةً للصولة والضرب.
﴿ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)﴾
تارةً للبذل والعطاء.
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)﴾

وبسط اليد في حقنا نحن البشر معلوم المعنى والكيفية، بسط اليد، أما في حقّ الله جلّ جلاله معلوم المعنى، مجهول الكيفية، المعنى واضح، أما الكيفية لا نعلمها، هذا في اللغة.
1 ـ يبسط الرزق لعباده بجوده وكرمه:
لكن إذا قلنا: الله جلّ جلاله هو الباسط أي هو الذي يبسط الرزق لعباده بجوده ورحمته، مرة أُطلعتُ على سنبلة أصلها حبة قمح واحدة،

أنبتت هذه الحبة خمساً وثلاثين سنبلة، عددت إحدى السنابل فإذا فيها خمسون حبة، ضربت خمسة وثلاثين بخمسين، ألف وسبعمئة وخمسون حبة من حبة، أحياناً يقول لك: الكيس أعطى مئة كيس، أحياناً يعطي الكيس كيسين، فالباسط في الرزق الذي يعطي بلا حساب، هو الذي يبسط الرزق لعباده بجوده ورحمته، ويُوَسِّعه عليهم ببالغ كرمه وحكمته.
مرة طبيب توفي رحمه الله، كان عضواً في لجنة حوض دمشق، فقال لي: انخفاض مستوى المياه في حوض دمشق يُنبئ بمشكلة كبيرة جداً، ربما اضطر أهل دمشق أن يغادروا دمشق، تكلم كلاماً لم يُمكّن الإنسان أن يقف على قدميه-هذه قصة قديمة-في العام الذي يليه نزل ثلاثمئة وخمسون ميلمتراً، والمعدل السنوي مئتان، هناك ينابيع تفجّرت، وقد انتهت من ثلاثين عاماً، مياه بعض القرى وصلت إلى دمشق، فإذا الله أعطى أدهش، الباسط يبسط الرزق لعباده بجوده ورحمته، ويوسعه عليهم ببالغ كرمه وحكمته فيبتليهم على ما تقتضيه مشيئته وحكمته، فإن شاء وسّع، وإن شاء قتّر، فهو الباسط القابض.
تقنين الله تقنين تأديب لا تقنين عجز:
لكن يجب أن نعلم علم اليقين أنه إذا قبض، أو إذا قنن فتقنين تأديب لا تقنين عجز، أي إذا قبض لما تقتضيه حكمته الباهرة، لا لشيء آخر، لأن خزائن ملكه لا تفنى.

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)﴾
ومواد جوده لا تتناهى، كما قال تعالى:
﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)﴾
كنت مرة في العمرة فاطلعت على مجلة علمية رصينة فإذا فيها بحث لفت نظري، قال: هناك في الفضاء الخارجي سحابة يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في اليوم الواحد بالمياه العذبة ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ طبعاً يؤكد أن تقنين الله تقنين تأديب لا تقنين عجز قوله تعالى:
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)﴾
لذلك قالوا: إن الله سبحانه وتعالى علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، أي إنسان له دخل محدود، صائم، مصلٍّ، صالح، يا ترى لو كان دخله غير محدود كيف يكون؟ لا أحد يعلم إلا الله، لذلك هناك حكمة بالغة لأن الحكيم عليم، حكيم عليم.
2 ـ يبسط يده بالتوبة لمن أساء:
الباسط بمعنى آخر هو الذي يبسط يده بالتوبة لمن أساء، أو هو الذي يُملي لهم فيجعلهم بين الخوف والرجاء،

(( روى مسلم من حديث أبي موسى الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنَّ اللِهَ عزَّ وجلَّ يبْسُطُ يدَهُ باللَّيْلٍ ليَتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسُطُ يدَه بالنَّهار ليتُوبَ مُسيء الليلِ، حتى تطْلُعَ الشمسُ من مغرِبِها. ))
طلوع الشمس من مغربها من أشراط الساعة، ولكن بعضهم له اجتهاد لطيف أنه حينما نرى أن العلم كله، وأن القيم كلها، وأن الحضارة كلها، وأن التقدم كله في الغرب يُغلَق باب التوبة، أنت حينما لا تعبأ بدينك، ولا بقيمك، ولا بماضيك المجيد، ولا بهذه الأمة العظيمة التي اختارها الله لتكون وسيطاً بينه وبين خلقه، حينما لا تعبأ بكل هذا التاريخ العظيم، وتلتفت إلى الغرب على حساب دينك وقيمك، ربما في مثل هذه الحالة يُغلَق باب التوبة، أي النمط الغربي في الحياة مع التفلت، مع الإباحية، هو النمط السائد في الأرض الآن، النمط الغربي في الحياة، انعدام الضوابط، الاستمتاع بالحياة إلى أقصى درجة، الصد عن سبيل الله، هذا النمط إذا ساد في العالم الإسلامي الإنسان لماذا يتوب؟ يتوب لمن؟ هو يرى هؤلاء هم القادة، هم السادة، هم الراقون.
اقتران الباسط مع القابض لأن الاسمين متكاملان:
بعض أهل العلم يرى أنه ينبغي أن نقول: القابض الباسط، الضار النافع، المعطي المانع، المُعز المُذل، لأن كلاً من هذين الاسمين متكاملان، هو يضر لينفع، ويُذِلّ أحياناً ليُعز، ويأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، ورد في بعض الآثار: إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، لا تستقيم لأحد، نجح في زواجه ولم ينجح في عمله، نجح في عمله لم ينجح في زواجه، نجح في زواجه وعمله ويعاني من صحته، إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها -عرف حقيقتها-لم يفرح لرخاء ، لأنه مؤقت، الموت ينهي الرخاء، ينهي القوة، ينهي الغنى، يلغي الوسامة، يلغي كل شيء، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عُقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.
الله عز وجل لا يسلب من مؤمن نعمة ما إلا ليزيده قرباً منه:
هناك ملمح دقيق في الحديث القدسي:
(( عن أبي هريرة: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ يَومَ القيامةِ: يا بنَ آدَمَ، مَرِضتُ فلَم تَعُدْني، قال: يا رَبِّ، كيفَ أعودُك وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟! قال: أما عَلِمتَ أنَّ عَبدي فُلانًا مَرِضَ فلَم تَعُدْه أما عَلِمتَ أنَّك لو عُدتَه لَوجَدتَني عِندَه؟ يا بنَ آدَمَ، استَطعَمتُك فلَم تُطعِمْني، قال: يا رَبِّ، وكيفَ أُطعِمُك وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟! قال: أما عَلِمتَ أنَّه استَطعَمَك عَبدي فُلانٌ، فلَم تُطعِمْه؟ أما عَلِمتَ أنَّك لو أطعَمتَه لَوجَدتَ ذلك عِندي، يا بنَ آدَمَ، استَسقَيتُك فلَم تَسقِني، قال: يا رَبِّ، كيفَ أسقيك وأنتَ رَبُّ العالَمينَ؟! قال: استَسقاك عَبدي فُلانٌ فلَم تَسقِه، أمَا إنَّك لو سَقَيتَه وجَدتَ ذلك عِندي.))
أي الله عز وجل إذا سلب من مؤمن بعض صحته ليضاعف له القرب أضعافاً مضاعفة، ((أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده)) ، ((إنَّ اللِهَ عزَّ وجلَّ يبْسُطُ يدَهُ باللَّيْلٍ ليَتوبَ مُسيءُ النهار، ويبسُطُ يدَه بالنَّهار ليتُوبَ مُسيء الليلِ، حتى تطْلُعَ الشمسُ من مغرِبِها)) .
أسماء الله كلها حسنى وكل واحد منها يفيد المدح والثناء على الله بنفسه:
طبعاً أن تقول: لابد من أن تقول: القابض الباسط، والمعطي المانع، والمعز المذل، قال: هذا كلام لا بأس به لكن فيه نظر، أي يحتاج إلى تحفُّظ، ما هو التحفُّظ؟ قال: أسماء الله كلها حسنى، الضار من أسمائه الحسنى، لو لم تقرنه بالنافع أسماء الله كلها حسنى، وكلها تدل على الكمال، وكل واحد منها يفيد المدح والثناء على الله بنفسه من دون اسم آخر، وإن ذُكرا مقترنين زاد الكمال فيهما، في وصف رب العزة والجلال، كما هو الحال عند اقتران الحي القيوم، والرحمن الرحيم، والغني الكريم، والقريب المجيب، هذه كلها من أسماء الله الحسنى، فالقول بالوجوب ذكر الاسمين معاً فيه نظر قال: وإن كان مستحسناً، أي المستحسن أن تقول: الضار النافع، والمعطي المانع، والمُعز المذل، والخافض الرافع.
الأعمال الصالحة تجعل عمر الإنسان مديداً من حيث الثمرة:
الآن يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عن أبي هريرة: مَن سَرّه أن يَبْسُط الله له في رزقه، وأن يَنْسَأ له في أَثَره. ))
بحبوحة، ((وأن يَنْسَأ له في أَثَره)) أي في أجله، أن يطول عمره، والعلماء في شرح يطول عمره لهم آراء لطيفة، العمر لا يزيد ولا ينقص.
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)﴾
فكيف يقول النبي الكريم:
((مَن سَرّه أن يَبْسُط الله له في رزقه، وأن يَنْسَأ له في أَثَره)) ؟ في عمره، فسر العلماء هذا الكلام: أي إنسان فتح محله التجاري ساعة، ربح صفقة بمليون، هناك إنسان فتح محله عشر ساعات ربح مئة ليرة، فالزمن ليس له قيمة، القيمة بالربح، فالإمام الشافعي عاش أقل من خمسين سنة، هناك علماء كبار، هناك ابن باديس بالجزائر عاش أقل من خمسين، هناك عمالقة في العلم عاشوا أقل من خمسين، وتركوا أثراً لا يُمحى، وهناك أناس يعيشون مئة وخمسة وعشرين عاماً ما قدموا شيئاً، لذلك معنى
((يَنْسَأ له في أَثَره)) أي يُعطى أعمالاً صالحة تجعل عمره مديداً من حيث الثمرة، وهناك حديث:
(( عن أبي هريرة: إنَّ اللهَ يُمهلُ حتَّى إذا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيلِ الأوَّلُ، نَزَلَ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيَقولُ -يخاطب عباده والحديث صحيح-: هل مِن مُستَغفِرٍ؟ هل مِن تائِبٍ؟ هل مِن سائِلٍ؟ هل مِن داعٍ؟ حتَّى يَنفَجِرَ الفَجرُ. ))
وهذه والله نصيحة؛ حينما تتعقد الأمور، حينما تلوح أشباح المصائب، حينما يضيق الأمر، حينما تُغلق الأبواب، استيقظ قبل صلاة الفجر، وصلِّ ركعتين، واسأله في السجود حاجتك من خير الدنيا والآخرة.
التهنئة الحقيقية حينما يعرف الإنسان ربه ويصطلح معه ويتصل به:
إخوتنا الكرام؛
﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)﴾
أي سبعة رجال أشداء لا يستطيعون حمل مفاتيح كنوزه، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ﴾ الله عز وجل ذمّ الفرح ومدحه، ذمه حينما تفرح بالدنيا الفانية والزائلة، هناك حمق، هناك غباء، ومدحه حينما تفرح بفضل الله، إن فرحت بالهدى، إن فرحت أنك مستقيم، إن فرحت أن الله أجرى على يديك أعمالاً صالحة، هذا فرح حقيقي، لذلك: إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، التهنئة الحقيقية حينما تعرفه، وحينما تصطلح معه، وحينما تتصل به، وحينما تعمل لآخرتك، ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي في الدنيا.
وظيفة الإنسان في الدنيا معرفة الله والاستقامة على أمره:
﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)﴾
آتاك مالاً؟ ابتغِ به الدار الآخرة، آتاك علماً؟ ابتغِ به الدار الآخرة، آتاك جاهاً؟ ابتغِ به الدار الآخرة، ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ جئت إلى الدنيا كي تعرف الله، كي تستقيم على أمره، كي تعمل الأعمال الصالحة، ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ .
إظهار الإنسان ما عنده والاستكبار على غيره صفة مذمومة:
قال قارون:
﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)﴾
هذا كلام يقوله معظم الناس، بجهدي، بكد يميني وعرق جبيني، بخبراتي المتراكمة، من انتمائي إلى أسرة قوية، إلى آخره ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ مرة سألني أخ عن معنى هذه الآية؟ قلت له: إذا شخص يُساق إلى الإعدام ويوجد عليه مخالفة سير يُسامح بمخالفة السير.
﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)﴾
وهذه حاجة عند ضعاف النفوس، أن يُظهر ما عنده، إذا عنده بيت يقول لك: هذا أربعمئة متر، شيء جميل! البلاط استيراد من إيطاليا، هذه اللوحة من إيطاليا، إظهار ما عندك كي تستعلي على الآخر هذه صفة مذمومة، ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ .
الله عز وجل جعل الآخرة لمن لا يريد علواً ولا فساداً في الأرض:
أحياناً الإنسان يقف أمام بيت جميل تذوب نفسه ألماً، آه، هنيئاً لأصحاب هذا البيت.
﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81)﴾
أصلاً هو في شرع الله.
﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)﴾
التعقيب:
﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84)﴾
أي الشاهد في الآية ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ على يقدر.
(( وعند أحمد من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه: لمَّا كان يومُ أُحُدٍ، وانكفأ المشركون، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: استَوُوا حتى أُثنِيَ على ربي عزّ وجلَّ. اللهم لك الحمدُ كلُّه، اللهم لا قابضَ لما بسطتَ، و لا مُقَرِّبَ لما باعدتَ، و لا مُباعِدَ لما قرَّبتَ، ولا مُعطِيَ لما منعْتَ، ولا مانعَ لما أَعطيتَ، اللهم ابسُطْ علينا من بركاتِك ورحمتِك وفضلِك ورزقِك، اللهم إني أسألُك النَّعيمَ المقيمَ الذي لا يحُولُ ولا يزولُ، اللهم إني أسألُك النَّعيمَ يومَ العَيْلَةِ، والأمنَ يومَ الحربِ، اللهم عائذًا بك من سوءِ ما أُعطِينا، وشرِّ ما منَعْت منا، اللهم حبِّبْ إلينا الإيمانَ وزَيِّنْه في قلوبِنا، وكَرِّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ، واجعلْنا من الراشدين، اللهم توفَّنا مسلمِين، وأحْيِنا مسلمِين، وألحِقْنا بالصالحين، غيرَ خزايا و لا مفتونين، اللهم قاتِلِ الكفرةَ الذين يصدُّون عن سبيلِك، و يُكذِّبون رُسُلَك، و اجعلْ عليهم رِجزَك وعذابَك، اللهم قاتِلِ الكفرةَ الذين أُوتوا الكتابَ، إلهَ الحقِّ. ))
منهج الدعاة يقوم على التخويف وبثّ الرجاء في قلوب الناس في آن واحد:
أيها الإخوة؛ قالوا: القابض الذي يُكاشِفك فيقيك، والباسط الذي بجلاله يُكاشِفك بجماله فيبقيك، فأنت بين أن يقيك، القابض، وبين أن يبقيك، يقيك، بالقبض يقيك، يمنعك أن تعصيه، يمنعك أن تشقى إلى أبد الآبدين، هو القابض الباسط، القابض الذي يقبض الصدقات، يأخذها بيمينه، من أربابها فيربيها، والباسط الذي يبسط النعمة وينميها، إذ يقبض الصدقات، ويبسط النعم، والقابض هو الذي يُخَوِّفك من فراقه، والباسط يُؤمِّنك بعفوه وإطلاقه.
الإمام الغزالي يقول: القابض الباسط من العباد من أُلهِم بدائع الحِكَم، وأوتي جوامع الكلم، بالعباد الآن، داعية يُخَوِّف ويُطمئن، يعبد الله خوفاً وطمعاً، يذكر أحوال أهل النار وأحوال أهل الجنة، يذكر عقاب الله وعدله، ويذكر رحمته وفضله، هناك توازن، هناك دعاة يعتمد التخويف فقط، تخرج محطماً من كلامه، جهنم، والثعابين، وإنسان الله غفور رحيم، غفور رحيم حتى يدعو الناس إلى المعصية، لا، ينبغي أن تكون متوازناً بين التخويف وبين بثّ الرجاء في قلوب الناس.
على الإنسان أن يؤمن بالله العظيم من خلال آياته الكونية ويحبه من خلال نعمه:
طبعاً أختم هذا الاسم الباسط بأثر قدسي أن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال: يا رب أيّ عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحبّ عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحبّ من أحبني، وحببني إلى خلقي، الأثر القدسي قال: يا رب إنك تعلم إني أحبك، وأحبّ من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ هذا توجيه للدعاة، قال: ذكّرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي، أي ذكرهم بآلائي كي يُعظموني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني ، فلابد من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله.
﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾
معنى هذا يجب أن نؤمن بالله العظيم من خلال آياته الكونية، ومحبة لله من خلال نعمه، وخوف منه من خلال نِقمه وبلائه، ذكّرهم بآلائي، وبنعمائي، وبلائي، هذا منهج للدعاة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق