وضع داكن
03-08-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 096 ب - اسم الله الباسط 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  الحالة الداخلية للإنسان لها أثر كبير جداً في سعادته:


أيها الإخوة الأكارم؛ لا زلنا في اسم الباسط.
بادئ ذي بدء؛ أثر الإيمان بهذا الاسم الباسط في المؤمن هو بسط القلب، هناك شيء يسمى الحالة النفسية، لك جسم، لك بيت، لك أولاد، لك دخل، هذه الأشياء الظاهرة، من الداخل لك حالة نفسية إما أن تكون منبسطاً، مرتاحاً، متفائلاً، تشعر بسعادة، وإما أن تكون متشائماً، منقبضاً، في ضيق، في شدة، تشعر بالسأم، والضجر، والإحباط، الحالة الداخلية للإنسان لها أثر كبير جداً في سعادته، الحالة الداخلية.
قد تجد إنساناً بوضع بسيط جداً، دخله قليل، بيته صغير، أثاثه قديم، طعامه خشن، لكنه سعيد سعادة لا توصف، وقد تجد إنساناً دخله فلكي، كل شيء بين يديه، ومع ذلك يقول لك: أنا أشقى الناس، طبعاً هذا يأتي من قوله تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾

[ سورة النحل ]

أي اسم الباسط يتجلى عليه، بيت صغير، عنده آلاف المشكلات، لكنه سعيد، وإنسان آخر أعرض عن ذكر الله، يعيش حياةً ضنكا، يتجلى عليه اسم القابض، فالقابض والباسط من أوضح الدلالات هي الحالة النفسية الداخلية، فالمؤمن باسم الباسط المستقيم على أمره، المُقبِل عليه، يتجلى الله عليه باسم الباسط، ينشرح قلبه بتوحيد الله.
 

الإنسان يسعد بطاعة ربه ويشقى بمعصيته:


الحقيقة الدقيقة الإنسان يسعد بطاعة ربه، ويشقى بمعصيته، قال تعالى:

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11)﴾

[ سورة التغابن ]

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾

[ سورة الرعد ]

فالله عز وجل يقبض القلوب بإعراضها عنه، ويبسطها بإقبالها عليه، يوجد بالكون حقيقة واحدة، إن تقربت من الله سعدت بأي ظرف تعيشه، وإن ابتعدت عنه تشقى بأي ظرف تعيشه، هذا ملخص ملخص الملخص، فالمؤمن يتقلّب بين نوازع الخير، قرينه من الملائكة يأمره بالخير، يهتف له بطاعة ربه، حتى يصبح قلبه مثل الصفا صفاء، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وهذا هو البسط الحقيقي.
 

التهنئة الحقيقية تكون بطاعة الله وامتثال أمره:


والله أيها الإخوة؛ لا أجد أن كلمة هنيئاً لك يستحقها إلا من عرف الله، نحن ألفنا أن نهنئ إنساناً بشراء بيت، بشراء مركبة، بتأسيس شركة، بالزواج، ألِفَ الناس أن يهنئ بعضهم بعضاً بهذه المناسبات، لكن الحقيقة الصارخة أنه لا يمكن أن تكون التهنئة حقيقية وصحيحة إلا بطاعة الله، إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنؤوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، إن لم تقل بعد أن تبت إليه، وأقبلت عليه، إن لم تقل: أنا أسعد الناس إلا أن يكون أحد أتقى مني لا تكون مؤمناً بالمعنى الكامل، أي أنت حينما تُقبِل عليه يقذف الله في قلبك نوراً ترى به الحق حقاً، والباطل باطلاً، والخير خيراً، والشر شراً، هذا النور هناك نصوص قرآنية تؤكده:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)﴾

[ سورة الحديد ]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)﴾

[ سورة الأنفال ]

(( روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: اللهمَّ اجعلْ في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعنْ يميني نورًا، وعنْ يساري نورًا، ومنْ فوقي نورًا، ومنْ تحتي نورًا، ومنْ أمامي نورًا، ومنْ خلفي نورًا ، واجعلْ لي في نفسي نورًا، وأَعْظِمْ لي نورًا. ))

[ صحيح البخاري ]

المؤمن يرى، له رؤية.
 

بطولة المؤمن أن تكون رؤيته صحيحة:


ويا أيها الإخوة؛ لا يوجد عمل تقوم به من دون استثناء إلا يوجد قبله رؤية، مرة أتيت من مدينة في الشمال في منتصف الليل بمركبة عامة، وصلنا إلى الشام الأمطار لا تحتمل، أمطار كأفواه القُرب، وفي أحد الشوارع الكبيرة شارع العدوي إنسان يركض كرياضة، قلت: الشام فيها خمسة ملايين ونصف كلهم وراء المدافئ يأكلون ويشربون، ما الذي في عقل هذا الإنسان من قناعة بالجري؟ هناك رؤية أمامه، رأى أن سلامة قلبه في المستقبل منوطة بهذا الجري اليومي، هناك رؤية، لا يوجد إنسان يتحرك حركة، يتكلم كلمة، يبتسم، يمنع، يقطع، يصل، إلا وراء عمله يوجد رؤية، فبطولة المؤمن أن رؤيته صحيحة، أن الله نوّر قلبه، أنه ينظر بنور الله، ينطق بتوفيق الله، ((في قلبي نوراً، في بصري)) إنسان قد يجد بيتاً راقياً جداً، فخماً جداً صاحبه تاجر مخدرات مثلاً، لا يقول: هنيئاً له، يرى هذا البيت بعين المؤمن، هذا يبني رفاهه على دمار الشباب، فينبغي أن ترى رؤية إيمانية، أنا قد أُعجَب بإنسان بسيط جداً دخله حلال، مستقيم، ولا أُعجَب بإنسان دخله فلكي، لكن جمع هذا المال من حرام.
 

الفتن في آخر الزمان كقطع الليل المظلم:


إخواننا الكرام؛ هناك حديث دقيق جداً رواه سيدنا حذيفة بن اليمان

(( قال: كنا عند عمرَ فقال: أيكم سمع رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يذكرُ الفتنَ؟ فقال قومٌ: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنةَ الرَّجُلِ في أهلِه ومالِه وجارِه؟ قالوا: أجل: قال: تلك يُكفِّرُها الصلاةُ والصيامُ والصدقةُ، ولكن أيُّكم سمع النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يذكر التي تموج مَوْجَ البحرِ؟ قال حذيفةُ: فأُسكِتَ القومُ، فقلتُ: أنا، فقال: أنت للهِ أبوك ، قال حذيفةُ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقول: تُعرَضُ الفتنُ على القلوبِ كالحصيرِ عودٌ عودٌ، فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها، نكتَتْ فيه نكتةً سوداءَ، وأيُّ قلبٍ أُنكِرَها ، نكتت فيه نكتةً بيضاءَ حتى يصيرَ على قلبَينِ أبيَضَ مثلِ الصَّفا، فلا تضرُّه فتنةٌ ما دامتِ السماواتُ والأرضُ والآخرُ أسودُ مُربادًا كالكوزِ مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا، ولا يُنكرُ منكرًا إلا ما أُشرِبَ من هواه قال حذيفةُ: وحدَّثتُه أنَّ بينك وبينها بابًا مُغلقًا يوشِكُ أن يُكسَرَ، قال عمرُ: أَكَسرًا لا أبَا لك ، فلو أنه فُتِحَ لعله كان يعاد، قال: لا بل يُكسَرُ، وحدّثتُه أنَّ ذلك البابَ رجُلٌ يُقتَلُ أو يموتُ حديثًا ليس بالأغَاليطِ ، قال أبو خالدٍ: فقلتُ لسعدٍ: يا أبا مالكٍ ما أسودُ مُربادًا؟ قال: شدَّةُ البياضِ في سوادٍ، قال: قلتُ فما الكوزُ مُجَخِّيًا؟ قال: مَنكوسًا. ))

[ صحيح مسلم ]

وفي بعض الأحاديث:

(( عن عبد الله بن عمرو عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل فقال: يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي؟ فانطلقت معه، فلما وقف بين أظهرهم قال: السلام عليكم يا أهل المقابر ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس لو تعلمون ما نجاكم الله منه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها، الآخرة شر من الأولى، قال: ثم أقبل عليّ فقال: يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي عز وجل والجنة،  قال: قلت: بأبي وأمي فخذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال: لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي عز وجل والجنة، ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف فبدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي قضاه الله عز وجل فيه حين أصبح. ))

[ أحمد ]

سيدنا عمر قال: ((أيكم سمع رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يذكرُ الفتنَ؟ فقال قومٌ: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنةَ الرَّجُلِ في أهلِه ومالِه وجارِه؟ قالوا: أجل، قال: تلك يُكفِّرُها الصلاةُ والصيامُ والصدقةُ، ولكن أيُّكم سمع النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يذكر التي تموج مَوْجَ البحرِ؟ قال حذيفةُ: فأُسكِتَ القومُ، فقلتُ: أنا، فقال: أنت للهِ أبوك-أي ما أروعك!- قال حذيفةُ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقول: تُعرَضُ الفتنُ على القلوبِ كالحصيرِ عودٌ عودٌ)) الآن يوجد فتنة المرأة في الطريق، كل مفاتنها ظاهرة، فتنة المحمول، تُنقل عبر المحمول أفلام إباحية، ومشاهد ساقطة، فتنة الشاشة، قدروا أنه يوجد ثمانمئة محطة فضائية، أربعمئة محطة إباحية، الانترنيت ثلاثة وعشرون مليون موقع إباحي بالانترنيت، الانترنيت فتنة، الشاشة فتنة، المحمول فتنة، المرأة في الطريق فتنة، المجلة فتنة، الصحيفة فتنة، الجامعة فتنة، ((تُعرَضُ الفتنُ على القلوبِ كالحصيرِ عودٌ عودٌ، فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها)) تعلّق بها، أُعجِب بها، ارتاح لها، طَرِب لها، ((فأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نكتَتْ فيه نكتةً سوداءَ، وأيُّ قلبٍ أُنكِرَها) ) أعوذ بالله، معاذ الله، الله الغني، ((وأيُّ قلبٍ أُنكِرَها نكتت فيه نكتةً بيضاءَ)) .
 

تعرُّض الشباب اليوم إلى تطرفين تطرف تشددي تكفيري وتطرف تفلتي يلغي القيم:


أنا كنت أقول: قبل خمسين عاماً سوف أرمز للحق باللون الأبيض الناصع، وسوف أرمز للباطل باللون الأسود الداكن، وسوف أرمز لما بينهما حق وباطل باللون الرمادي، فقبل خمسين عاماً مساحة الرمادي كبيرة جداً، أي بيئتنا، أهلنا، ليسوا ملتزمين تاماً، وليسوا منحرفين تماماً، وسط، معظم الناس هكذا، لكن الآن الشيء الجديد أن اللون الرمادي اختفى، إما أن تجد إنساناً عقيدته سليمة، سلوكه منضبط، مندفع إلى الدار الآخرة، أو تجد إنساناً إباحياً، أو الشباب هؤلاء أمل الأمة، هؤلاء هم المستقبل، مُعَرّضون الآن إلى تطرفين؛ تطرف تشددي التكفير، ثم التفجير، وتطرف تفلتي، إلغاء القيم والإباحية، فيقول عليه الصلاة والسلام: ((حتى يصيرَ على قلبَينِ)) كل هذه الملايين المملينة تصير على قلبين، ((قلبَينِ أبيَضَ مثلِ الصَّفا، فلا تضرُّه فتنةٌ مادامتِ السماواتُ والأرضُ والآخرُ أسودُ مُربادًا)) أي شدة البياض في سواد، ((كالكوزِ مُجَخِّيًا))   الكوز أي الإناء مقلوباً على فمه، الآن إذا كان كأس قلبته على فمه هل يقبل شيء؟ أي شيء تصبه عليه لا يقبله، ((كالكوزِ مُجَخِّيا)) أي منكوساً ((لا يعرف معروفاً، ولا يُنكر منكراً، إلا ما أُشرب من هواه)) أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يصف الفتن الماحقة، الفتن الكبيرة، التي هي كقطع الليل المظلم، أن هذه الفتن تفرز الناس إلى زمرتين؛ زمرة مثل الصفا، بياض، وصفاء، وطهر، ونقاء، واستقامة، وورع، وإقبال، وزمرة ثانية-والعياذ بالله-لا يعيا على خير، لا يُفَرِّق بين الحلال والحرام، ولا بين الخير والشر، لذلك قيل: كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ صُعق الصحابة، قالوا: أوكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا: أوكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟ 
 

على المؤمن أن يشكر الله عند البسط ويصبر عند القبض:


والله يا إخوان؛ هناك مئات القيم الآن، مئات القيم الخيّرة أصبحت تهمة، نحن الآن في عصر العمل الخيري متهم بالإرهاب، العمل الخيري الصافي النقي الذي فيه بطولة متهم، الدفاع عن الأمة متهم، يقول لك: إرهابي، يدافع عن أرضه، أرضه محتلة، أي أسير واحد تقوم الدنيا ولا تقعد، واحد، وأحد عشر ألفاً وثمانمئة أسير لا أحد ينطق بكلمة.
أيها الإخوة؛ لذلك المؤمن ينبغي أن يشكر عند البسط، وأن يصبر عند القبض، والله عز وجل يُقَلِّب حال المؤمن من بسط إلى قبض، حينما يطيع الله كثيراً، ويُقبِل عليه، ويخطب وده، ويُحسِن إلى خلقه، ويتقن عباداته، ويتلو كتابه، يتجلى الله عليه باسم الباسط، وحينما يتساهل في الاستقامة، ولا يتقن عبادته يؤدبه الله باسم القابض، لذلك سيدنا علي أدرك هذه الحقيقة قال: إن للنفس إقبالاً وإدباراً، إن أقبلت فاحملها على النوافل، وإن أدبرت فاحملها على الفرائض، روى البخاري من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه أوتي بطعام وكان صائماً فقال:

(( عن عبد الرحمن بن عوف: قُتِلَ مُصْعَب بنُ عُمَيرٍ وهو خيرٌ مني، فكُفِّنَ في بُرْدَة إِن غُطِّيَ رأْسُه بَدَتْ رجلاه -وكان أهله أغنياء جداً، لكنه لما آمن برسول الله حُرِم كل شيء-وإِن غُطِّي رجلاه بَدَا رأسُه، وقُتِلَ حمزةُ، وهو خيرٌ مني، ورُوي: أَو رجلٌ آخَرُ شَكَّ إِبراهيم، فلم يُوَجد ما يُكفَّنُ به، إِلا بُرْدَة، ثم بُسِطَ لنا من الدنيا ما بُسِطَ، أو قال: أُعطينا من الدنيا ما أُعطينا، وقد خشيتُ أن يكون قد عُجِّلَتْ لنا طَيِّبَاتُنا في حياتنا الدنيا، ثم جعل يبكي، حتى ترك الطعام. ))

[ صحيح البخاري ]

ليست القوة المادية دليل محبة الله عز وجل، أحياناً العكس، لذلك

(( وفي البخاري أيضاً من حديث عمرو بن عوف قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عن عبد الرحمن ابن عوف: فوالله مَا الْفقْرَ أخْشى عليكم، ولكني أخشى أنْ تُبْسَط الدُّنيا عليكم كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم فَتَنافَسُوها كما تَنافسوها، وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ. ))

[ صحيح البخاري ]


  رحمة الله عز وجل خير للإنسان من كل شيء:


هناك حالة بعد طلب الرزق الجمع، رزقه مُؤَمّن، وبيته فخم، ودخله كبير، كل أموره ميسرة، وبالمكان الجميل منتجع، وبالمكان الساحلي منتجع، وعنده ببعض البلاد منتجع، لا يوجد عنده مشكلة رزق، مشكلة جمع، أي يريد أن يتنافس مع الآخرين أنداده في جمع الثروة، قال تعالى:

﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157)﴾

[ سورة آل عمران ]

الجمع غير طلب الرزق، قيل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كيف بكم إذ فَسَقَ فِتْيانُكم وطغت نِساؤُكم؟ الفتاة حينما تبرز أجمل ما عندها لا لزوجها، لمن في الطريق، للشباب، حينما تبرز كل مفاتنها، أو حينما لا يبقى للزوج شيء يختص به، كل مفاتن المرأة الآن في الطريق مبذولة، قال: كيف بكم إذ فَسَقَ فِتْيانُكم وطغت نِساؤُكم؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأشدُّ من ذلك، كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأشدُّ منه سيكون، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: وأَشدُّ منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ -نحن في هذا الوضع-قال: كيف بكم إذا أصبح المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً؟
 

علة خيرية الأمة المسلمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:


أيها الإخوة؛ أنا أتمنى ألا يقع الإنسان في وهم، معظم المسلمين يتغنون بقوله تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)﴾

[ سورة آل عمران ]

كان هناك خطيب في مصر كلما ذكر الأزهر، يقول: الأزهر الشريف سابقاً، هكذا كدعابة يعني، و: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ما علة هذه الخيرية؟ علتها، ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ لو أن هذه الأمة المسلمة لم تأمر بالمعروف، ولم تنهَ عن المنكر، فقدت خيريتها، وأصبحت أمة كأي أمة خلقها الله، هناك دليل قوي، هؤلاء الذين قالوا:

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)﴾

[ سورة المائدة ]

بماذا ردّ الله عليهم؟ ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ ما لكم ولا ميزة، فإذا قال المسلمون اليوم: نحن أمة التوحيد، نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، نحن: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ أنا أعتقد أن الجواب جاهز، جواب الذات الإلهية: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ .
 

تقسيم الأمة إلى أمتين؛ أمة الاستجابة وأمة التبليغ:


هذه المفارقة الحادة بين قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وبين واقع المسلمين، اضطر العلماء إلى تقسيم الأمة إلى أمتين؛ أمة الاستجابة، وهي الأمة التي وصفها الله في القرآن الكريم بأنها خير أمة أُخرجت للناس، استجابت لله.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)﴾

[ سورة الأنفال ]

فالأمة التي استجابت وطبقت منهج الله، وطبقت منهج رسول الله، في بيوتها، وفي أعمالها، وفي كسب أموالها، وفي إنفاق أموالها، وفي مناسباتها، وفي علاقاتها، الأمة التي طبقت منهج الله هي الأمة التي هي ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ أما حينما لا تأمر بالمعروف، ولا تنهى عن المنكر، مثلاً رجل مسلم صائم مصلٍّ، تزوره ابنة أخيه، شابة طالبة في الجامعة، ثيابها فاضحة، كل خطوط جسمها ظاهرة، كل مفاتنها ظاهرة، يستقبلها، ويرحب بها، ويثني على ذكائها، وعلى دراستها، ولا يخطر في باله لثانية واحدة أن يُعَاتبها على هذا التفلت، ما سبب هلاك بني إسرائيل؟ قال:

﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)﴾

[ سورة المائدة ]

فلذلك هذا الوضع المؤلم للأمة الإسلامية التي الآن لا تأمر بالمعروف، ولا تنهى عن المنكر، بل التي تأمر بالمنكر، وتنهى عن المعروف، بل الأمة التي أصبح فيها المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، هذه الأمة ليست أمة الاستجابة، وليست هي الأمة التي وصفها الله بالخيرية، بل هي أمة التبليغ، وهي أمة كأية أمة خلقها الله عز وجل.
 

الله عز وجل لا يُحَابي أحداً ويُحَاسب كل إنسان على عمله:


لذلك الله عز وجل كل ما تحب أن تقوله قله، لكن الله لا يحابي أحداً، يعامل كل إنسان بحسب عمله.

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)﴾

[ سورة الأنعام ]

إذاً نحن ينبغي أن نصحو من غفلتنا، وأن نعود إلى رشدنا، وأن نطيع ربنا، وأن نعتقد جازمين أننا إذا طبقنا منهج رسول الله لا يمكن أن نُعذب.

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾

[ سورة الأنفال ]

أي منهجك فيهم مطبق، في احتفالاتنا تجد نساء كاسيات عاريات في الأعراس بأبهى زينة، بثياب فاضحة، ويدخل العريس ليجلس ويملأ عينيه من محاسن هؤلاء، ثم يُصَور هذا الحفل بفيلم فيدو ويوزَّع، فالرجل يرى نساء كل أقاربه بأبهى زينة، هذه فتنة كبيرة جداً.
أيها الإخوة؛ لابدّ من أن نرجع إلى ربنا، لابدّ من أن نأمر بالمعروف، وأن ننهى عن المنكر، لابدّ من ألا تأخذنا في الله لومة لائم، لعل الله سبحانه وتعالى يتجلى علينا باسم الباسط.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور