الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى الرؤوف:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الرؤوف.
ورود اسم الرؤوف في القرآن الكريم:
سمّى الله جلّ جلاله ذاته العلية باسم الرؤوف، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20)﴾
وفي قوله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)﴾
وقد ورد أيضاً هذا الاسم مقيداً، في الآيتين السابقتين ورد مطلقاً، وقد ورد مقيداً بالإضافة في قوله تعالى:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)﴾
يشري بمعنى يبيع ويشتري، السياق هنا يبيع، يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله، قال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾
الثمن الجنة، واشترى نفسك ومالك.
من آثر الآخرة على الدنيا ربحهما معاً:
آية أخرى:
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)﴾
أي تخطب ود الله، تترك شيئاً لله، تؤثر طاعة الله على مكاسب مادية، وتضيع عند الله؟ من سابع المستحيلات، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تدع شيئاً لله ثم تخسر:
(( عن سالم عن أبيه مرفوعاً: ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه. ))
[ رواه أبو نعيم عن ابن عمر مرفوعا وقال غريب، لكن له شواهد منها ما رواه التيمي في ترغيبه ]
مستحيل وألف ألف مستحيل أن تدع شيئاً لله، أن تخاف الله فيما بينك وبينه ثم تضيع، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعتز به وتذِل، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعتز بغيره وترتفع، ورد في الأثر القدسي: ما من عبد يعتز بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيَّته، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من دون ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتز بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيَّته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطَّعت أسباب السماء بين يديه.
هذه حقائق مطلقة، أن تؤثره على مكاسب دنيوية وتخسر؟ مستحيل، أن تؤثر الدنيا على طاعته وتربح؟ مستحيل، من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى، الذي يؤثر الآخرة على الدنيا يربحهما معاً، والذي يؤثر الدنيا على الآخرة يخسرهما معاً، مستحيل أن تخافه ثم يخيفك من أحد من خلقه، مستحيل أن تخافه ثم يخيفك من واحد من خلقه، مستحيل.
عدم استواء المؤمن مع الفاسق:
أيها الإخوة؛ هذه حقائق مطلقة، لذلك: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي إنسان خاف من الله فترك صفقة كبيرة:
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
[ ابن عطاء الله السكندري ]
أي من البديهيات:
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾
أيها الإخوة؛ الرؤوف صيغة مبالغة من اسم الفاعل الرائف، وهو الموصوف بالرأفة، فعله رأف، يرأف، رأفة، فهو رؤوف، والرأفة في حق الإنسان أن يمتلئ قلبه بالرقة، وهي أشدّ من الرحمة، رحمة فرأفة، وقيل: بل شدة الرحمة ومنتهاها، قال تعالى:
﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)﴾
الرأفة رقة القلب، مشاعر العطف والرحمة، ويمكن أن نقول: إن الرحمة تسبق الرأفة، والرأفة منزلة تأتي بعدها، ممكن، فلان رحيم فإذا اشتدت رحمته فهو رؤوف، أو الرأفة آخر ما يكون من الرحمة، أي في أعلى درجات الرحمة الرأفة، لذلك قُدِّمت الرأفة على الرحمة تقديم أهمية، وذلك في هذه الآية:
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)﴾
لذلك قالوا: أرحم الخلق بالخلق رسول الله.
أبعد القلوب عن الله عز وجل القلب القاسي:
مع ذلك دققوا:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾
نكرة، ﴿مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ ، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ دقق:
﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58)﴾
أي رحمة جزء من مليار مليار مليار مليار إلى أن ينقطع نفسك من رحمة الله فكنت ليناً لهم، والآية الدقيقة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم، انعكست هذه الرحمة التي في قلبك ليناً لهم فالتفوا حولك، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة، وانعكست القسوة غلظة، فانفضوا من حولك، معادلة رياضية تتصل بنا، يمتلئ قلبك رحمة، تنعكس الرحمة ليناً، يلتف الناس حولك، تنقطع عنا يمتلئ القلب قسوة، تنعكس القسوة غِلظة، فينفض الناس من حولك، هذه الآية يحتاجها الآباء، الأمهات، المعلمون، أي إنسان له منصب قيادي يُحِبّ أن يلتف الناس حوله، أن يطيعوه، أن ينصاعوا له، أن يُقَدّروا قيادته ليتصل بالله، ليكن رحيماً، فإذا رحمت الخلق أحبك الخلق، وإذا قسوت عليهم أبغضك الخلق، لذلك أبعد القلوب عن الله عز وجل القلب القاسي، عبادي إن أردتم رحمتي فارحموا خلقي، الراحمون يرحمهم الله، والرأفة تأتي في قمة الرحمة، لكن هذه الرأفة تتعلق بخاصة المؤمنين، الرحمة بحقنا والرأفة بحقنا رقة القلب، أما الرحمة في اسمه الرحمن فإنها تتعلق بالخلائق أجمعين.
أيها الإخوة؛ رأفة النبي بأصحابه ما بعدها رأفة، التفاف الصحابة حوله، فدوه بأنفسهم وبأرواحهم لأنه كان رحيماً بهم، أما إذا قلنا: الله جلّ جلاله رؤوف شيء آخر، الله رؤوف بعباده أن يتعطفوا على عباده، يحفظ لهم سمعهم وأبصارهم وحركاتهم وسكناتهم، أي أحد علماء دمشق بدأ بالتعليم في الثامنة عشرة، وتوفاه الله في الثامنة والتسعين، وكان يدير مدرسة خرّجت كبار القادة في هذا البلد، هذه المدرسة طبعاً استمرت ثمانين عاماً، كان إذا مشى في الطريق ورأى شاباً يقول له: يا بني أنت كنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، علّم ثمانين عاماً تعليماً إيمانياً شرعياً علمياً، وكان منتصب القامة، حاد البصر، مُرهف السمع، أسنانه في فمه، يُقال له: يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
أيها الإخوة؛ والرؤوف هو الذي يدفع السوء عن عباده، يجلب لهم الخير، يحفظ لهم سمعهم، وبصرهم، واختصاصاتهم، لكن هناك معنى جديد أن اسم الرؤوف يتعلق بالوقاية، وأن اسم الرحيم يتعلق بالعلاج، قبل أن تقع المصيبة الله رؤوف بعباده، إياك أن تقع في هذا الخطأ، لئلا تستحق هذا العقاب، فالرؤوف رأفته وقائية، أما الرحيم بعد أن تقع المصيبة، بعد أن يقع العبد في ذنب كبير، في أكل مال حرام، الله يرحمه، فالرحمة بعد الوقوع والرأفة قبل الوقوع، الرحمة علاجية والرأفة وقائية، الرحمة تخفيف الألم عن المُصاب، بينما الرأفة هي الحيلولة بين المُتَعَطَّف عليه وبين الوقوع في الشدة، الرأفة قبل الوقوع والرحمة بعد الوقوع.
(( روى البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ».))
أي أدِّ الفرائض تكن أعبد الناس: ((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ)) صلى الضحى، صلى قيام الليل، صلى صلاة الأوابين، تصدق من ماله فوق أنه أدى زكاة ماله، هذه كلها نوافل: ((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ)) إذاً الفرائض شيء والنوافل شيء آخر، دقق:
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)﴾
دفع المال للفقراء والمساكين محبة بالله، بدافع الحب، أو أنفق هذا المال على الرغم من أنه يُحِبّه، قال تعالى:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾
أنفق المال بدافع محبته لله، أو أنفق المال على أنه يُحب المال، يحبه وأنفقه.
عند المؤمن خطوط حمراء ممنوع أن توضع على بساط البحث:
((وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ)) الآن دقق في النتائج، ((كُنْتُ سَمْعَهُ)) كيف؟ لا يستمع إلى شيء إلا وفق مقياس القرآن الكريم، أحياناً يقول لك: يطرح إنسان بمقالة فكرة الاختلاط يهذب المشاعر، هذا الكلام خلاف القرآن والسنة، هذا الكلام لا يستمع إليه، لا يستمع إلا ما كان وفق الكتاب والسنة، الكتاب والسنة من عند الله، السنة بيان المعصوم والقرآن كلام خالق السماوات والأرض، فالذي جاء به القرآن هو الحق:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)﴾
الآن بالاجتماعات أحياناً بالمفاوضات يقولون: هناك مجموعة قضايا خارج نطاق البحث، لا يُبحث بها، هذه مُسَلمات، والمؤمن بحياته يوجد مُسلمات، حُكم الله عز وجل مُسَلَّم عنده، هذا الحكم ليس خاضعاً للبحث، ولا للدرس، ولا للتعديل، ولا للتبديل، ولا للتطوير، ولا لشيء آخر، لا يُحذف، ولا يُضاف عليه، ولا يُعدّل، ولا يُطور، هذا حكم الله، أي هناك خطوط حمر في حياة المؤمن ممنوع أن توضع على بساط البحث: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ .
الوحي للعقل كالنور للعين:
كنت مرة في بلد غربي بعيد في مؤتمر إسلامي فقام أحد المتكلمين وقال: هنا في هذا البلد ليس هناك شيء مقدس، كل شيء خاضع للبحث، والدرس، والإلغاء، هو يشرح ثقافة هذا البلد، شيء مقدس لا يوجد أبداً، أي شيء خاضع للبحث، والدرس، والإلغاء، والقبول، قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)﴾
العقل من دون وحي يقع في خطأ كبير، كما أن النور ضروري للعين كذلك الوحي ضروري للعقل، الوحي للعقل كالنور للعين.
المسلم يستمع في ضوء الوحيين ويرى في ضوء مقاييس القرآن الكريم:
إذاً:
((فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ)) يوجد عنده تصفية، أي كلام يتناقض مع القرآن ومع السنة يركله بقدمه، تحت قدمه، لا يسمع إلا وفق ما جاء في الوحيين، هذا الذي يسمعه ويقدره،
((وَبَصَرَهُ)) نظر إلى بيت شيء لا يصدق في فخامته، وأناقته، وفي أبهائه، وشرفاته، وحدائقه، والأناقة، والجمال، والتزيينات، لكن صاحبه تاجر مخدرات، لا يرى هذا البيت إلا بعين الإيمان صاحبه مجرم، صاحبه يبني ثروته على تدمير الشباب، لا يرى الشيء إلا بمقياس القرآن، قد يحترم موظفاً صغيراً نظيف اليد مستقيماً، يحتقر إنساناً يتمتع برفاه يفوق حدَّ الخيال لكن ماله حرام، كنت
((بَصَرَهُ)) يستمع في ضوء الوحيين ويرى في ضوء مقاييس القرآن الكريم:
(( عَنْ أبي هريرةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ أشعثَ مدفوعٍ على الأبوابِ، تنبُو عنه أعينُ الناسِ لو أقسمَ على اللهِ لأَبرَّهُ. ))
من كان مع الله كان الله معه:
((كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا)) أي لا يتحرك إلا وفق منهج الله، لا يعطي، ولا يمنع، ولا يغضب، ولا يرضى، ولا يصل، ولا يقطع إلا لله، ((وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا)) لا يذهب إلا إلى طاعة، إلا إلى بيت من بيوت الله، إلا لإصلاح ذات بين، إلا لصلة رحم، أما إلى ملهى، إلى رحلة كلها تفلت، وكلها تَكَشُّف، وكلها عورات، وكلها كلام لا يرضي الله، حركته لله، عطاؤه ومنعه لله، سمعه لله، بصره لله.
((وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ)) يصبح مستجاب الدعوة، ((وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ)) إذا كنت مع الله كان الله معك، ((وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)) الإنسان يُحِب الحياة، يُحِب أن يكون مُعمراً، لكن أحياناً يكون الموت أولى، لذلك من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أي أحيينا ما دامت الحياة خيراً لنا، وأمتنا ما دام الموت خيراً لنا.
من دلائل رأفته جلّ جلاله أنه يفتح باب التوبة ما لم تغرغر النفس:
الرؤوف يدل على معنى التعطف على عباده المذنبين، يفتح لهم باب التوبة أجمعين، ما لم تغرغر النفس، أو تطلع الشمس من مغربها، عند الغرغرة قُفِل باب التوبة، وإذا طلعت الشمس من مغربها، أي بعض أنواع الفهم لهذا النص حينما ترى القيم كلها من الغرب، أي مستحيل أن نعطي رخصة لفندق خمس نجوم إلا ويبيع الخمر، لأنه شيء مقدس، هذه التعليمات مقدسة، لا تُعطى رخصة في أي بلد لفندق من فئة الخمس نجوم يجب أن يبيع الخمر ويُقدم لحم الخنزير لأنه حضارة، إذا طلعت الشمس من مغربها، إذا توهمنا الحق والقيم والمبادئ والتقدم والحضارة كل ما يفعلونه أُغلق باب التوبة،
(( فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ تابَ قبلَ أنْ تطْلُعَ الشمسُ مِنْ مَغْرِبِها تابَ اللهُ عليْهِ. ))
الإنسان أحياناً يصل إلى حالة لن يتوب، لا يرى الدين إطلاقاً، شيء لا يصلح لهذا العصر، رؤى ضبابية، اعتقاد بشي ما وراء الطبيعة، كن واقعياً، عش حياتك، الفتاة ينبغي أن تُظهِري كل مفاتنك هذا من حقك مثلاً، هناك طروحات خلاف القرآن الكريم والسنة، لذلك من دلائل رأفته جلّ جلاله أن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها.
طبعاً أنا لا أنفي التفسيرات الأخرى، هناك تفسيرات أخرى لهذه الظاهرة، لكن من المعاني التي قد تأتي إلى الخاطر أنه إذا رأينا الغرب كل شيء، ونمط حياته هو النمط الصحيح، وعلاقاته هي العلاقات الصحيحة، مبادئه وقيمه هي القيم الصحيحة، الاختلاط والتفلت والتعري، أي حينما نرى أن هذا النمط هو النمط الصح الذي ينبغي أن نُقَلِّده أُغلق باب التوبة، لماذا تتوب؟
الرؤوف يخفف عن عباده فلا يكلفهم ما يشُقّ عليهم ولا يخرجهم عن وسعهم وطاقتهم:
الرؤوف هو الذي يُخفف عن عباده فلا يكلفهم ما يشُقّ عليهم، ولا يُخرجهم عن وسعهم وطاقتهم، قال تعالى:
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)﴾
وقال تعالى:
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)﴾
أيها الإخوة؛ هناك حديث ضعيف وأنا أؤكد على ضعفه، قيل: فكيف بكم إذا لم يرأف الله بكم ولم يرحمكم؟ قالوا: وكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: والذي بعث محمدا بالحق إذا استُعمل عليكم شراركم فقد تخلى الله عنكم، طبعاً هذه الرواية لا يصح الاحتجاج بها، أنا أكدت على ضعف الحديث لكن المعنى دقيق جداً، إذا استُعمل عليكم شراركم فقد تخلى الله عنكم:
﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)﴾
هناك رواية أمَّرنا مترفيها قراءة، أمَّرنا مترفيها:
﴿فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ أي من علامات قيام الساعة أن تُنزع الرحمة من قلوب الأمراء، وأن يذهب الحياء من وجوه النساء، وأن تُنزع النخوة من رؤوس الرجال، لا نخوة في رأس الرجل، ولا حياء في وجه المرأة، ولا رحمة في قلب الأمير، لذلك:
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: إذا كانت أمراؤكم خيارَكم، وكان أغنياؤكم سمحاءَكم، وكانت أموركُم شورى بينكم، فظَهْرُ الأرضُ خيرٌ لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤكم شرارُكم، وكان أغنياؤكم بخلاءكم، وكانت أمورُكم إلى نسائِكم، فبطنُ الأرضِ خيرٌ لكم من ظهْرها. ))
أيها الإخوة الكرام؛ لهذا الاسم تتمة غداً إن شاء الله.
الملف مدقق